احمد الشربينى
06-02-2006, 02:15 PM
سعادة تفوق الوصف والتخيل
أن أرى إصدارا هو الأول لأحد الاعزاء على قلبى ونفسى
وصديق عمر له منزلة الإبن قبل الزمالة والصداقه
وشرف كبير أن يقع اختيارى من قبله ,لكتابة المقدمة المصاحبة للديوان
أرجو من الله ان اكون وفقت فى كتابتها
ويسعدنى أن تنشر هذه التقدمه
فى هذا المنتدى
الذى ينتمى اليه كلانا
فى ليلة طبع الديوان, وقبل دخولها إلى المطبعه
مصحوبه بكل الامنيات للشاعر الموهوب
محمد سعيد
صفحات العمر
ديوان للشاعر الموهوب
محمد سعيد
شاعر الحلم والأمل
ورحلة البحث عن القيم المفقودة
تقديم/أحمد الشربيني
بداية يهمنا أن نلقى بعض الضوء على شخصية الشاعر
بالقدر الذي يكفينا للتعرف على بداية ارتباطه بكتابة الشعر
وعليه كانت المحصلة التي أنتجت هذا الديوان, والذي يعد باكورة إصداراته
شاعرنا ينتمي إلى شعراء جيل التسعينيات, حيث نشأ في جو يمكنه من الكشف عن موهبته الكامنة, والتعبير عنها ,عن طريق شقيقه الأكبر تعرف بشكل غير مباشر على مجموعة من شباب الشعراء الموهوبين, والذين اعتمدوا كشعراء في الإذاعة في سن مبكرة,وكان شقيقه من بينهم,مما أدى إلى تواجده شبه الدائم في حلقات
النقد والنقاش التي كانت تدور ذاتيا حول آخر ما يكتبون, بشكل جدي لم يدر في مخيلة أي منهم أن هذا الفتى يحرص على حضور ومتابعة حواراتهم والتعرف عن بعد على كيفية تعامل كل منهم مع الشعر,
وكان من الطبيعي ان تصله ما تمت مناقشته من أشعار مخطوطة
عن طريق شقيقه, وكان اللقاء أحيانا يتم فى منزل الأسرة,
بحضور هؤلاء الشعراء , وهم من عدة محافظات مختلفة
وفى المرات الأخرى كانت تتم في منزل يقع فى نفس منطقته السكنية
مما كان ييسر له الحضور والمتابعة,بشغف واهتمام, وعليه فكانت مناهله الأولى متمثله في تلك المجوعة,
وهى تنتمي إلى عدة مدارس مختلفة , وتتنوع كتاباتهم مابين العامية والفصحى, إضافة إلى أن جميعهم تقريبا يكتبون وفق المعايير الموسيقية السليمة,مما يعرف ببحور الشعور, ومنهم من نعتبرهم نوابغ في هذا المجال,واذكر منهم بدون ألقاب رضا الحسيني وحمدي العزب , وهما من الدراعمة, وأحمد إبراهيم ويحيى زكريا بكرى, وكاتب هذه السطور,
إلى جانب , شاعر متميز من نفس منطقته السكنية اسمه
حسن لاشين
حيث كانت أشعاره تقدم من خلال برنامج شعر وموسيقى
للإذاعية
حكمت الشربيني ,
بإذاعة الشرق لأوسط
وأذكر أيضا من أصحاب الحس النقدي
محمد محمود ومختار عبد الغفار,ومما يذكر أن أول من تنبه لموهبة شاعرنا محمد سعيد
هو الشاعر أحمد إبراهيم,
وكان الفقير الى الله كاتب السطور
صاحب نصيب تلقى أولى محاولاته
في كتابة الشعر وكانت تبشر بمشروع شاعر, تبقى أن أقول شاعرنا
شرقاوي المولد قاهري الإقامة من الصغر, ومن هنا نكون قد تعرفنا على الجانب
الذي يعنينا في هذا الصدد.
صفحات العمر
اسم الديوان الذي أسعد بتقديمه لكم أعزائي القراء
وهو ديوان أشعار كتبت باللهجة العامية المصرية
ومع كامل احترامي للغتنا الفصحى وشعراءها وأشعارها لأنها كانت وستبقى
محل احترام لا مساس به , , على الرغم من اتساع رقعة الثقافة العامة للمواطن المصري إلا أن شعر العامية المصرية,
يعيش في الفترة الأخيرة
فترة تمثل أوج ازدهاره,وانتشاره, ومرجع ذلك لكونه يلبى حاجة كافة المستويات
الثقافية ,في حين نجد شعر الفصحى, قاصر على فئة محدودة ألا وهى فئة المثقفين
وقصائد ديوان صفحات العمر,
هي بالفعل تمثل صفحات من عمر الشاعر
وشاعرنا منذ أن تعرفت عليه, وهو يكتب الشعر حبا في الشعر,ولمجرد إفراغ ما بداخله وترجمته على شكل أحاسيس, لإرضاء الشاعر القابع في ذاته,
ولم يكن في تخيله مجيء هذا اليوم الذي يضع فيه هذا الإصدار بين يديكم
إلا في السنوات الثلاث الأخيرة,تلك التي أنتج فيها معظم قصائد هذا الديوان
على الرغم من أن علاقته بالكتابة تمتد لما يقرب من العشرين عاما في عمق الماضي, لأنه لم يكن ليهتم بالانضمام للتجمعات الأدبية, ولو فعل لتغير الأمر, كثيرا
إلا أنه تدارك الموقف بانضمامه إلى بعض المنتديات الأدبية على شبكات النت
وأصبح من فرسان تلك المنتديات, بل وصل الأمر لان يصبح مشرفا عاما
للأقسام الأدبية,
في غير قليل من المنتديات,مما أتاح له فرصة الانتشار,
وأوجد الدافع لديه لإعادة حساباته بشان مسألة التباعد إبداعيا, وربما ساعد على ذلك تواجد عدد من الشعراء الذين سبق أن أشرت إليهم والذي يعتبرهم أساتذته
بل استطاع أن يجذبهم إلى النت, وأنا من بينهم,
قبل أن نستعرض سويا بعض النصوص يهمني أن اطرح سؤالا أراه ضروريا
ما هو الشعر؟ ولم يكتب أصلا؟
فمنذ أن عرفه( ابن خلدون ) على هذا النحو:
الشعر هو الكلام الموزون والمقفى
وهو تعريف قاصر بالطبع وغير دقيق, مما دفع بعضهم ليجعلها على هذا النحو:
الشعر هو الكلام الموزون والمقفى, والدال على معنى
وأراه أيضا تعريفا غير مطابق للمعنى حيث كلمة شعر أصلا مشتقة من الشعور
وما سبق من تعريف تجاهل تلك الإشارة الهامة, وبعدها ترسانة من التعريفات
كلها قابله, للنقض, والاستدراك,برغم تطابقها النسبي, على نحو
الشعر هو الكلام المخيل, الشعر شر كله, وان دخل فيه الخير ضعف,
والأخير هذا صادم للشعراء,ومن بين التعريفات:
أحسن الشعر أكذبه,الشعر ضد النثر
الشعر لمح تكفى إشارته,إلى أن نصل إلى قول الشاعر:
الشعر مش مقفى وفصيح, الشعر لو هز قلبي وقلبك يبقى شعر بصحيح
ولكون هذا التعريف جاء على لسان شاعر فهو الأقرب,
على الرغم من أن كل شاعر يعرف الشعر حسب مفهومه الشخصي
وسنظل نبحث عن التعريف الجامع والمانع للشعر,لنصل إلى الشق الثاني من السؤال,
لم نكتب الشعر؟ وتخيرت إجابة من هذا السؤال:
لم نكتب الشعر إن لم يكن لأداء رسالة وتبليغ خبر؟
نعم فالشعر رسالة والشاعر صاحب رسالة, وله موقفه في تبليغ تلك الرسالة
وعلى هذا الأساس يمكننا أن نستعرض سويا بعض نصوص هذا الديوان
محمد سعيد
شاعر الحلم والأمل
ورحلة البحث عن القيم المفقودة
على أي أساس بنيت هذا التوصيف؟
بالاطلاع على قصائد هذا الديوان وبه حوالي(......... نصا)
سنجد أن مفردة الحلم,أو الأمل,وهما قريبي الترادف, ومشتقاتهما,
أو العوامل المؤدية إليهما,أو المترتبة عليهما,تكاد لا تخلو منهما قصيده,
سواء كان ذلك بالشكل المباشر,أو بشكل ضمني وندلل على ذلك:
قصيدة ملامح:
جمال المعنى بياخدنا
نتوه جواه ولا ندراش
بغير حبة أمل فينا
تكفينا
قصيدة تحدى يقول"
لِساك بطل
وآدي الحياة جواك بتفتح
ألف سكه للأمل
وفى نفس القصيدة يقول ضمنيا:
ولا روحه ترضى تكون ليأس مسلّمه
بمعنى أن الروح لن تسلم لليأس, وهذا تعريف للأمل
وفى رائحة الجنه:
بعد ما عرفت طريقها
كات نموذج للأمل والاحتمال
وفى قصيدة دموع شمعه:
بترفض كل شيء ظالم
بيسرق مننا الأحلام
وفى قصيدة نزل المطر:
فوق السنابل والعيدان غنوة أمل
قصيدة سكة أمل:
لسه فيه أيام كتير
فيها تبقى الفرحة اكتر
تكبر الأحلام وشمس الحب تظهر
وفى موضع آخر:
ألقى حلمي صار حقيقة
ان زمن الحب يرجع..
والصفا
وفى حلم عنيد يقول:
هيفضل حلمنا عايش
ندوس ع المستحيل مره
ونتعايش مع مُره
ومهما الحيرة تصحبنا
هنرسم بالأمل فكره
تجمّعنا
قصيدة سجون الصمت:
والحلم مش قادر يكون... غير السكون
غير دمعة مرة مكـتـفـة ننى الـعـيـــون
وفى نفس القصيدة:
ولاّ القلوب الصافية مسروق حلمها واليأس بالغ منتهاه
وفى دمعة على خد الزمن يقول محمد سعيد:
ولما الحلم ضاع منه... بكيت ويّاه
لقيتني بكل وجداني بقول الآه
ونفس القصيدة:
وتنزل دمعة ورا دمعة...دموع خالص
على نبع الأمل فينا اللي صار ناقص
وفى قصيدة حلم انتهى:
وكانه كان حلم انتهى.....
أو إنها صورة ميلاد من غير وليد
وحلمت يا قلبي الصغير حلمها............
وكتبتها غنوه ونشيد
وفى بقايا حلم يقول:
جيت يا حلمي الأولانى
بعد ما فات الأوان
وفى نفس القصيدة:
كل حلم حلمته يوم
لحظه حلوه بعيشها فيك
أيضا يقول:
ويّاها قلب
عاش بيحلم
واندفن فيه الحنين
وفى سكت الكلام يقول شاعرنا محمد سعيد:
عشان كهوف الخوف بتحبس جوه جواها الأمل
ويقول أيضا:
الخوف يضيع كل شيء
بيفطس الحلم البريء
قبلن ما حتى نحلمه
ويقول:
كدابة يا كلمة حبيب
كدابة يا لحظة أمل
وفى حلم اندفن يقول:
الحلم ما يغرقش غير
بادينا احنا نغرقه
وفى قصيدته رحيل يقول:
وزرع حنينه ف ارض بور
وبات بيحلم بالهنا
وفى القصيدة ذاتها:
إني ساعات
بحلم ساعات
إنك تجيلي من جديد
وفى قصيدة معاك بارتاح:
يا عيني عليك يا صوت صادق بتكلم
على فرحك
على حلمك
على الكلمة اللي بحروفها
بتدخل قلبي وتعلم
ونكتفي بهذا القدر من الاستشهادات, التي تؤكد على أهمية الحلم
والأمل في كتابات شاعرنا
محمد سعيد, حتى وان تم انتزاعهما من
رحم اليأس والمصاعب,وان كان يرى أن السبيل الوحيد, من اجل تحقيق الحلم, أو إعادة الأمل, على المستويين الخاص والعام,مرتبطان
عضويا بضرورة عودة القيم المفقودة,أو على الأقل التمسك بما تبقى لدينا منها,والقارئ لأشعار محمد سعيد, لن يجد صعوبة في معرفة
إن مسألة القيم, هي من أهم قضاياه,إن لم تكن هي قضيته المحورية
وبغيرها لا سبيل لتحقيق الأهداف المنشودة , وان الحلم لديه يعتمد على مقومات أساسية,أهمها تحديد ملامحه,إيجاد المناخ الملائم لميلاده, العمل على رعايته, بغية التحقيق
في قصيدته (ملامح) يقول:
نعافر حبه ليه لاءه
ونرضى ناكلها بالدُقة
لكين بالذل ما نرضاش
عشان ما نعيشها بالإخلاص
ونروى شجرة الإحساس
ضروري نلتقي لذاتنا
ملامح واضحة ف حياتنا
ونلحق أي شىء فاتنا
عشان ما تضعيش منا بلاش
أي أنه من أجل تحقيق ما نصبو إليه,يمكننا أن نعانى, وعلينا أن نتحمل, ولكن ليس على حساب كرامتنا,فإنسان بلا كرامه,ليس في عداد الإنسان لدى الشاعر, وأن نعول كثيرا على الإحساس,
ضروري نلتقي لذاتنا
ملامح واضحة ف حياتنا
وبتأمل هذا البيت تتجسد الرؤية
حيث اللذات هنا بمعنى الغايات, يجب أن تكون واضحة الملامح
وفى قصيدته(التحدي) يستهلها بتلك العبارة:
يكفاك صحيح إنك تكون
لِساك بطل
إنها عبارة تفصح عن الكثير, وكلمة بطل في السياق, أي القادر على التحمل, والمقدرة على مواصلة المشوار, استنادا إلى قوله:
مكتومة جواك الجراح
ولا مره قلتش مستحيل
ويؤكد على ذلك بقوله:
تنزل دموعك مش مهم
أصل الأهم
انك تكون
وفى قصيدته(رائحة الجنه)
لسه فيه أبطال كتير
لسه فينا الدم ثاير
لسه يا محمد يا درة
صرختك بركان وفاير
حيث يرى أن وجود البطل والدم الثاير, أهم صفات تحقيق الهدف
وتتضح الرؤية لدينا أكثر في قصيدة (برعم)
عند القمر
الحلم جواه مش جبان
رغم الخطر
وهو يؤكد على الحلم المدعوم بقوة الرغبة في تحقيقه :
ماحسبشى أي حساب لشيء
غير بس تبقى محبته
ضلاية للناس والبشر
في قصيدته (لحظه) يقول:
كل شيء في الدنيا أصبح..
يعنى لحظه
طب وفين باقي الزمن
ليه نسيب الحلم ليه؟
وحده يدفع التمن
وبذلك يتبين لنا ان الشاعر يحمل فكر ويتبنى رسالة, ويعمل على توصيلها من جلال ما يكتب , وان لديه همه الخاص, والذي لا ينفصل عن الهم العام , وفى واحد من أجمل مقاطع هذا الديوان يقول:
يا مداين يا جناين يا شجر
اوعوا حد ف يوم يقولي...
إن دا طبع البشر
لاء هعيد تصحيحها تاني
أصل دول أشباه بشر
وفى قصيدته ( سكة أمل)
لسه جوانا احتمال
للاحتمال
لسه بنحب الحقيقة
لسه عاشقين الجمال
لسه يا قلوبنا البريئة
صبرنا فوق المُحال
لسه جوانا احتمال للاحتمال؟!
عبارة تتخطى جغرافيتها الإملائية,لتفسح مكانا رحبا للتأمل, الناجح حتى لا أقطع عليك متعة التأمل, حيث الجناس الكامل, وان كنت لست بصدد عرض الجماليات بعد, لا أريد أن أطيل عليكم في مسألة التدليل
على أن الشاعر
محمد سعيد
مهموم بمسألة البحث عن القيم الأصيلة,
والحض عليها, وستكتشف هذا على امتداد صفحات الديوان, لنتطرق
إلى ما هو أهم,للتعرف على بعض أدوات الكتابة عند شاعرنا,
(إن ما يميز فن الشعر- من حيث المظهر - موسيقاه, وطريقة كتابته, ولقد أثبتت التجربة الإنسانية في كل العصور, وكل اللغات:أنه لا شعر بغير موسيقى) فإن الموسيقى هو القوام بالنسبة للشعر
وعلى الرغم من أن الوزن والقافية أداتين منفصلتين, إنهما سويا,يمثلان عنصر الموسيقى في الشعر.
وهنا تحضرني مقوله رائعة للشاعرة العظيمة نازك الملائكة,حيث ترى أن الوزن: يزيد الصورة حدة , ويعمق المشاعر, ويلهب الأخيلة , بل ترى أنه يعطى الشاعر نفسه خلال عملية النظم (نشوه) تجعله يتفق بالصور الحارة , والتعابير المبتكرة والملهمة, وذهبت إلى أن الوزن في يد الشاعر كقمقم سحري يرش منه الألوان والصور على الأبيات المنغومة, خلاصة القول (لا شعر بغير موسيقى)
وعليه سنجد بأنه
أي الشاعر يمتلكهما فطريا, وقد تم تنميتهما من واقع ما سبق الإشارة إليه, بشأن ارتباطه الوثيق ببعض فقهاء هذا العلم, ولا داعي للتدليل على ذلك,بل أرى بان أشعار محمد سعيد تتميز بالغنائية العالية,
لميله للقوافي الداخلية, والتداعي الصوتي فيما بين الكلمات, كالسجع
الذي يزيد من الإيقاع الموسيقى إلى جانب سهولة المفردات, وخلوها من النتوءات, لنصل إلى أداة رئيسية من الأدوات الهامة والتي يبرع فيها
شاعرنا محمد سعيد
الصورة الشعرية
في أشعار محمد سعيد
إن الشاعر يفكر بالصور, وإن المعنى يخلق من خلال البناء اللغوي,
حيث أن التعبير بالصورة.. هو لغة الشاعر التلقائية , التي لا يتعلمها,
ولا يسأل عنها, ولقد قيل : بأن الرسم شعر صامت, وأن الشعر صورة
ناطقه,ولقد ذهب بعض النقاد إلى أن الصورة هي الشيء الثابت في الشعر كله,والتشبيه والاستعارة, هما دليل عبقرية الشاعر, ومحك شاعريته!
ومرجع ذلك لأن الإدراك الشعوري للأشياء..غير الإدراك المجرد لنفس الأشياء. حيث أن الصورة تمنح الشعر ميزة التكثيف العاطفي للفكرة
الأساسية , ولقد كانت الصورة الشعرية - دائما - هي موضع الاعتبار في الحكم على عبقرية الشاعر, وإن لم ينص عليها في الدراسات النقدية العربية,
ويرى بعض الفلاسفة: أن مهمة الشعر الكبرى.. هي الكشف عن الصورة التي هي أعلى درجات تحقيق الإرادة.
فبقوة الشعور, وتيقظه, وبعمقه , واتساع مداه, ونفاذه إلى صميم الأشياء.. يتميز الشاعر عن سواه,
خلاصة القول:
أنه لا تجربة شعورية, بدون صورة شعرية
والصورة عند شاعرنا محمد سعيد تعتبر أداة أساسية, من خلالها يستمد مقدرته الإبداعية , وندلل على ذلك:
من قصيدة التحدي يقدم الشاعر هذه الصورة:
شوف قد إيه حلمك جميل
تجرى عشان تسعد قلوب
مرسومه فيها ضحكتك
وتقيد بروح صافية وراضية شمعتك
من بين شعاع الضي تحضن بسمتك
تنزل دموعك مش مهم
وفى نفس القصيدة:
هاصرخ على صخر المعاني كلها
وهاعدي فوق جسر الحقيقة المؤلمة
والصورة تعتمد على التعبيرات المجازية
ومن الصور الجميلة في قصيدة برعم:
بُرعم صغير لسه مولود ع الشجر
نايم على جناح الهوا
مادد إيديه ...
وفى ذات القصيدة يقول بالصورة:
انا شوفته محبوس جوه لحظة لحتضار
وعيونه كات رغم الذهول
بيضوي فيها الاخضرار
وفى قصيدة دموع شمعه:
تقيد شمعة
وتنزل دمعة ورا دمعة
على خد الزمن تلسع
ويحرص محمد سعيد في معظم قصائده أن يستهلها بالصورة
ومنها قصيدة نزل المطر:
نزل المطر.....
وغسل غبار الظلم فوق ورق الشجر
وهذا النص عبارة عن صور جزئيه متجاورة لتشكل فى النهاية
الصورة الكلية المتناغمة والمتناسقة حيث يقول:
نزل المطر
وطفى نار الظلم من قلب الحياة
لما المطر ينزل أكيد
فيه ألف إيد مستنياه
يظهر معاه أمل جديد
ويعود لجو الكون صفاه
يرقص تراب الأ رض ويغنى نشيد
معزوف على خضرة رباه
فوق السنابل والعيدان غنوة أمل
فرحانة بزوال الخطر
نشوانة بنزول المطر
لوحة بديعة صنعها ربى
أهداها للكون والبشر
وفى قصيدة سكة أمل يقول الشاعر من خلال الصورة:
تكبر الاحلام وشمس الحب تظهر
والشعاع اللي ف عينيها
حقيقي يقدر
يملا كل قلوبنا تاني بالدفا
ويستهل قصيدته لقاء بهذه الصورة:
وبتاخدي قلبي كل مرة.. وكل مرة أقول نسيت
لحظة ما أشوفك
المح ما بيني وبين عيونك رغم السكات
سطرين عتاب... وفى نفس القصيدة يقول:
لحظة بتكتب عمرها في عمر الضياع
وقلوب بتنعي حبها ضاع منها من غير وداع
ودموع بتشكي حظها إيه ذنبها عايشة ف صراع
ويستهل أيضا قصيد ته سجون الصمت بتلك الصورة:
اللحن رافض يتعزف ليه يا ترى!!!!!
والمعنى فينا بيتخنق
والحلم مش قادر يكون... غير السكون
غير دمعة مرة مكـتـفـة نني الـعـيـــون
وهى من القصائد الثرية بالصور وفيها يرسم بالكلمات:
راح تكتب ايه!!!؟؟؟
الجملة دلوقتى لها مليـووووون شبيه
والمعنى من كتر الكلام أصبح في تيه
من بين جمود الدم فى عروق المعاني والحروف
عديت حدود الخوف وطلعت صرختي
رايح اكتب إيه!!!؟؟؟
وفى دمعه على خد الزمن يقدم لنا واحدة من صوره الشعرية الجميلة:
أشوف الدمع ف عيونك ...وما قدرتش أحوش دمعي
فلا جرحك غريب عنى ....
وهيّا العين يا ناس تصبح ف لحظة غريبة ع النني؟
وفى قصيدته صفحات العمر يقدم جزئيات متصلة:
صفحات العمر البيضة الشاردة ف قلب كتاب
وسحاب بيمر يغيّر لونها يهز كيانها يموّت فيها
طعم ومعنى وشكل ولون
وتكــــــــــون..أشلاء....أطــلال
أو فرع بفعل الريح يصبح رحّـــــــال
والصور لدى محمد سعيد محسوسة وملموسة وتتميز بوضوح الرؤية
بعيدة كل البعد عن الضبابية, وفى صفحات العمر يصور لنا في نهايتها:
حضنك عمـره ما كان نساي
صاحبي صديقي فرحي وضيقي
لما اندهله يقوللي انا جاي
غيط فلاح أرضه براح
تلاقيه قاعد تحت التوتة بيشرب شاي
عاشق أرضه .. شرفه وعرضه
دايب دوب من صوت الناي
وقصيدة (ضمينى )هى من القصائد الغنائية التي تحفل بالصور, بل أعتبرها جاءت على شكل صورة كليه, اقتطفت منها هذا الجزء
للتدليل:
والخوف ملفوف بالأحزان
بيمد كفوف الحرمان
تدميني وتسرق من عمري... نبضات القلب وأفراحه
وتفوتنى ف موجة تغرقني... والمركب ضاعت مجدافه
والطفل بيصرخ جوايا....... ولا يسمع أبدا لصراخه
ضميني يا عمري وأيامي ... وخدينى هناك
لمكان يجمعنا ف حضن ورود.... مفيهاش أشواك
وزمان الحب هناك موجود
مستني لقانا... متعطش يفرح ويّانا
وترن الضحكة ف شفايفنا
ويغنى الورد اللي شايفنا
ويستهل قصيدته (وباستنى) بتلك الصورة
وباستنى القمر يظهر
ف طلة وشك الطيب
وفى قصيدة محتاج يا شاعر أسالك:
وهو فيه أجمل من الطين لما يطرح سنبله
ويمد إيده للخلايق بالشجر
ضلايه تجمع تحتها مليون حبيب
والحديث عن الصورة لدى محمد سعيد لا يحتاج إلى مجهود كبير
فكما ذكرت يعتبر الصورة إلى جانب الموسيقى والقافية من أهم أدواته
والصورة الشعرية في تعريف سريع, في معظمها تعبيرات مجازية,
كالتشبيه والاستعارة, وقد تقوم بكسر حاجز اللغة, وقول ما لا يقال
وتوجد ثلاث مراتب في العملية التصويرية
أولها التي تعتمد على الحس وعلاقاته
ثانيها التي تتم على مستوى اللغة ودلالاتها
ثالثها الصورة الذهنية المتعلقة بالرمز
وتقريبا كل هذه الأنماط متوافرة في تكوين الصورة لدى شاعرنا صاحب هذا الديوان,
في تعريف لما يعرف بالتجربة الشعورية
هي فكر , وجدان, صور تعبيريه
وإذا كان الفكر هو الفكرة التي تدور حولها القصيدة, أو الموضوع
والصور التعبيرية, ما تحتويه من جماليات ومن بينها الموسيقى,
فما هو الوجدان, هذا إذا اعتبرنا شاعرنا محمد سعيد, وجدانيا
من الدرجة الأولى ؟
إن محاولة إقحام أي موقف فكرى يدركه الشاعر - نظريا -
ولكنه لا يعيشه داخليا وسلوكيا لا بد أن تبوء بالفشل , بمعنى
أن على الشاعر أن يتعامل مع الأشياء كما يشعرها هو ويراها هو,
لكي يصل ما يشعر به إلى المتلقي بنفس إحساس الشاعر,
ومحمد سعيد عندما يكتب نستشعر أنه في حالة توحد مع النص
بالطبع ما أكتبه ليس بغرض تناول الديوان بالنقد وإنما التعريف
بديوان وشاعره الذي يقدم رسميا للمرة الأولى للقراء,
وبكل الصدق والأمانة أراه شاعرا يمتلك أدوات الكتابة باقتدار
تتميز لغته بالبساطة وليست السطحية,وينتمي أسلوبه إلى السهل الممتنع, يتسم شعره بالغنائية, يتعدد الخطاب الشعري لديه بتنوع الأفكار , تتسم قصائده بسلامة الوحدة العضوية أي أنه يقدم النص
المتماسك دون شرود أو شطط, لا تخلو قصائده من الأفكار المتجددة,
يمتلك قاموسا من المفردات الحية المستمدة من الواقع والقريبة
من الوجدان, أتمنى لك قارئ هذا الديوان أن تستمتع بقصائده
وكل الأمنيات لشاعرنا الموهوب محمد سعيد بالمزيد من التألق والنجاح
أحمد الشربيني
أن أرى إصدارا هو الأول لأحد الاعزاء على قلبى ونفسى
وصديق عمر له منزلة الإبن قبل الزمالة والصداقه
وشرف كبير أن يقع اختيارى من قبله ,لكتابة المقدمة المصاحبة للديوان
أرجو من الله ان اكون وفقت فى كتابتها
ويسعدنى أن تنشر هذه التقدمه
فى هذا المنتدى
الذى ينتمى اليه كلانا
فى ليلة طبع الديوان, وقبل دخولها إلى المطبعه
مصحوبه بكل الامنيات للشاعر الموهوب
محمد سعيد
صفحات العمر
ديوان للشاعر الموهوب
محمد سعيد
شاعر الحلم والأمل
ورحلة البحث عن القيم المفقودة
تقديم/أحمد الشربيني
بداية يهمنا أن نلقى بعض الضوء على شخصية الشاعر
بالقدر الذي يكفينا للتعرف على بداية ارتباطه بكتابة الشعر
وعليه كانت المحصلة التي أنتجت هذا الديوان, والذي يعد باكورة إصداراته
شاعرنا ينتمي إلى شعراء جيل التسعينيات, حيث نشأ في جو يمكنه من الكشف عن موهبته الكامنة, والتعبير عنها ,عن طريق شقيقه الأكبر تعرف بشكل غير مباشر على مجموعة من شباب الشعراء الموهوبين, والذين اعتمدوا كشعراء في الإذاعة في سن مبكرة,وكان شقيقه من بينهم,مما أدى إلى تواجده شبه الدائم في حلقات
النقد والنقاش التي كانت تدور ذاتيا حول آخر ما يكتبون, بشكل جدي لم يدر في مخيلة أي منهم أن هذا الفتى يحرص على حضور ومتابعة حواراتهم والتعرف عن بعد على كيفية تعامل كل منهم مع الشعر,
وكان من الطبيعي ان تصله ما تمت مناقشته من أشعار مخطوطة
عن طريق شقيقه, وكان اللقاء أحيانا يتم فى منزل الأسرة,
بحضور هؤلاء الشعراء , وهم من عدة محافظات مختلفة
وفى المرات الأخرى كانت تتم في منزل يقع فى نفس منطقته السكنية
مما كان ييسر له الحضور والمتابعة,بشغف واهتمام, وعليه فكانت مناهله الأولى متمثله في تلك المجوعة,
وهى تنتمي إلى عدة مدارس مختلفة , وتتنوع كتاباتهم مابين العامية والفصحى, إضافة إلى أن جميعهم تقريبا يكتبون وفق المعايير الموسيقية السليمة,مما يعرف ببحور الشعور, ومنهم من نعتبرهم نوابغ في هذا المجال,واذكر منهم بدون ألقاب رضا الحسيني وحمدي العزب , وهما من الدراعمة, وأحمد إبراهيم ويحيى زكريا بكرى, وكاتب هذه السطور,
إلى جانب , شاعر متميز من نفس منطقته السكنية اسمه
حسن لاشين
حيث كانت أشعاره تقدم من خلال برنامج شعر وموسيقى
للإذاعية
حكمت الشربيني ,
بإذاعة الشرق لأوسط
وأذكر أيضا من أصحاب الحس النقدي
محمد محمود ومختار عبد الغفار,ومما يذكر أن أول من تنبه لموهبة شاعرنا محمد سعيد
هو الشاعر أحمد إبراهيم,
وكان الفقير الى الله كاتب السطور
صاحب نصيب تلقى أولى محاولاته
في كتابة الشعر وكانت تبشر بمشروع شاعر, تبقى أن أقول شاعرنا
شرقاوي المولد قاهري الإقامة من الصغر, ومن هنا نكون قد تعرفنا على الجانب
الذي يعنينا في هذا الصدد.
صفحات العمر
اسم الديوان الذي أسعد بتقديمه لكم أعزائي القراء
وهو ديوان أشعار كتبت باللهجة العامية المصرية
ومع كامل احترامي للغتنا الفصحى وشعراءها وأشعارها لأنها كانت وستبقى
محل احترام لا مساس به , , على الرغم من اتساع رقعة الثقافة العامة للمواطن المصري إلا أن شعر العامية المصرية,
يعيش في الفترة الأخيرة
فترة تمثل أوج ازدهاره,وانتشاره, ومرجع ذلك لكونه يلبى حاجة كافة المستويات
الثقافية ,في حين نجد شعر الفصحى, قاصر على فئة محدودة ألا وهى فئة المثقفين
وقصائد ديوان صفحات العمر,
هي بالفعل تمثل صفحات من عمر الشاعر
وشاعرنا منذ أن تعرفت عليه, وهو يكتب الشعر حبا في الشعر,ولمجرد إفراغ ما بداخله وترجمته على شكل أحاسيس, لإرضاء الشاعر القابع في ذاته,
ولم يكن في تخيله مجيء هذا اليوم الذي يضع فيه هذا الإصدار بين يديكم
إلا في السنوات الثلاث الأخيرة,تلك التي أنتج فيها معظم قصائد هذا الديوان
على الرغم من أن علاقته بالكتابة تمتد لما يقرب من العشرين عاما في عمق الماضي, لأنه لم يكن ليهتم بالانضمام للتجمعات الأدبية, ولو فعل لتغير الأمر, كثيرا
إلا أنه تدارك الموقف بانضمامه إلى بعض المنتديات الأدبية على شبكات النت
وأصبح من فرسان تلك المنتديات, بل وصل الأمر لان يصبح مشرفا عاما
للأقسام الأدبية,
في غير قليل من المنتديات,مما أتاح له فرصة الانتشار,
وأوجد الدافع لديه لإعادة حساباته بشان مسألة التباعد إبداعيا, وربما ساعد على ذلك تواجد عدد من الشعراء الذين سبق أن أشرت إليهم والذي يعتبرهم أساتذته
بل استطاع أن يجذبهم إلى النت, وأنا من بينهم,
قبل أن نستعرض سويا بعض النصوص يهمني أن اطرح سؤالا أراه ضروريا
ما هو الشعر؟ ولم يكتب أصلا؟
فمنذ أن عرفه( ابن خلدون ) على هذا النحو:
الشعر هو الكلام الموزون والمقفى
وهو تعريف قاصر بالطبع وغير دقيق, مما دفع بعضهم ليجعلها على هذا النحو:
الشعر هو الكلام الموزون والمقفى, والدال على معنى
وأراه أيضا تعريفا غير مطابق للمعنى حيث كلمة شعر أصلا مشتقة من الشعور
وما سبق من تعريف تجاهل تلك الإشارة الهامة, وبعدها ترسانة من التعريفات
كلها قابله, للنقض, والاستدراك,برغم تطابقها النسبي, على نحو
الشعر هو الكلام المخيل, الشعر شر كله, وان دخل فيه الخير ضعف,
والأخير هذا صادم للشعراء,ومن بين التعريفات:
أحسن الشعر أكذبه,الشعر ضد النثر
الشعر لمح تكفى إشارته,إلى أن نصل إلى قول الشاعر:
الشعر مش مقفى وفصيح, الشعر لو هز قلبي وقلبك يبقى شعر بصحيح
ولكون هذا التعريف جاء على لسان شاعر فهو الأقرب,
على الرغم من أن كل شاعر يعرف الشعر حسب مفهومه الشخصي
وسنظل نبحث عن التعريف الجامع والمانع للشعر,لنصل إلى الشق الثاني من السؤال,
لم نكتب الشعر؟ وتخيرت إجابة من هذا السؤال:
لم نكتب الشعر إن لم يكن لأداء رسالة وتبليغ خبر؟
نعم فالشعر رسالة والشاعر صاحب رسالة, وله موقفه في تبليغ تلك الرسالة
وعلى هذا الأساس يمكننا أن نستعرض سويا بعض نصوص هذا الديوان
محمد سعيد
شاعر الحلم والأمل
ورحلة البحث عن القيم المفقودة
على أي أساس بنيت هذا التوصيف؟
بالاطلاع على قصائد هذا الديوان وبه حوالي(......... نصا)
سنجد أن مفردة الحلم,أو الأمل,وهما قريبي الترادف, ومشتقاتهما,
أو العوامل المؤدية إليهما,أو المترتبة عليهما,تكاد لا تخلو منهما قصيده,
سواء كان ذلك بالشكل المباشر,أو بشكل ضمني وندلل على ذلك:
قصيدة ملامح:
جمال المعنى بياخدنا
نتوه جواه ولا ندراش
بغير حبة أمل فينا
تكفينا
قصيدة تحدى يقول"
لِساك بطل
وآدي الحياة جواك بتفتح
ألف سكه للأمل
وفى نفس القصيدة يقول ضمنيا:
ولا روحه ترضى تكون ليأس مسلّمه
بمعنى أن الروح لن تسلم لليأس, وهذا تعريف للأمل
وفى رائحة الجنه:
بعد ما عرفت طريقها
كات نموذج للأمل والاحتمال
وفى قصيدة دموع شمعه:
بترفض كل شيء ظالم
بيسرق مننا الأحلام
وفى قصيدة نزل المطر:
فوق السنابل والعيدان غنوة أمل
قصيدة سكة أمل:
لسه فيه أيام كتير
فيها تبقى الفرحة اكتر
تكبر الأحلام وشمس الحب تظهر
وفى موضع آخر:
ألقى حلمي صار حقيقة
ان زمن الحب يرجع..
والصفا
وفى حلم عنيد يقول:
هيفضل حلمنا عايش
ندوس ع المستحيل مره
ونتعايش مع مُره
ومهما الحيرة تصحبنا
هنرسم بالأمل فكره
تجمّعنا
قصيدة سجون الصمت:
والحلم مش قادر يكون... غير السكون
غير دمعة مرة مكـتـفـة ننى الـعـيـــون
وفى نفس القصيدة:
ولاّ القلوب الصافية مسروق حلمها واليأس بالغ منتهاه
وفى دمعة على خد الزمن يقول محمد سعيد:
ولما الحلم ضاع منه... بكيت ويّاه
لقيتني بكل وجداني بقول الآه
ونفس القصيدة:
وتنزل دمعة ورا دمعة...دموع خالص
على نبع الأمل فينا اللي صار ناقص
وفى قصيدة حلم انتهى:
وكانه كان حلم انتهى.....
أو إنها صورة ميلاد من غير وليد
وحلمت يا قلبي الصغير حلمها............
وكتبتها غنوه ونشيد
وفى بقايا حلم يقول:
جيت يا حلمي الأولانى
بعد ما فات الأوان
وفى نفس القصيدة:
كل حلم حلمته يوم
لحظه حلوه بعيشها فيك
أيضا يقول:
ويّاها قلب
عاش بيحلم
واندفن فيه الحنين
وفى سكت الكلام يقول شاعرنا محمد سعيد:
عشان كهوف الخوف بتحبس جوه جواها الأمل
ويقول أيضا:
الخوف يضيع كل شيء
بيفطس الحلم البريء
قبلن ما حتى نحلمه
ويقول:
كدابة يا كلمة حبيب
كدابة يا لحظة أمل
وفى حلم اندفن يقول:
الحلم ما يغرقش غير
بادينا احنا نغرقه
وفى قصيدته رحيل يقول:
وزرع حنينه ف ارض بور
وبات بيحلم بالهنا
وفى القصيدة ذاتها:
إني ساعات
بحلم ساعات
إنك تجيلي من جديد
وفى قصيدة معاك بارتاح:
يا عيني عليك يا صوت صادق بتكلم
على فرحك
على حلمك
على الكلمة اللي بحروفها
بتدخل قلبي وتعلم
ونكتفي بهذا القدر من الاستشهادات, التي تؤكد على أهمية الحلم
والأمل في كتابات شاعرنا
محمد سعيد, حتى وان تم انتزاعهما من
رحم اليأس والمصاعب,وان كان يرى أن السبيل الوحيد, من اجل تحقيق الحلم, أو إعادة الأمل, على المستويين الخاص والعام,مرتبطان
عضويا بضرورة عودة القيم المفقودة,أو على الأقل التمسك بما تبقى لدينا منها,والقارئ لأشعار محمد سعيد, لن يجد صعوبة في معرفة
إن مسألة القيم, هي من أهم قضاياه,إن لم تكن هي قضيته المحورية
وبغيرها لا سبيل لتحقيق الأهداف المنشودة , وان الحلم لديه يعتمد على مقومات أساسية,أهمها تحديد ملامحه,إيجاد المناخ الملائم لميلاده, العمل على رعايته, بغية التحقيق
في قصيدته (ملامح) يقول:
نعافر حبه ليه لاءه
ونرضى ناكلها بالدُقة
لكين بالذل ما نرضاش
عشان ما نعيشها بالإخلاص
ونروى شجرة الإحساس
ضروري نلتقي لذاتنا
ملامح واضحة ف حياتنا
ونلحق أي شىء فاتنا
عشان ما تضعيش منا بلاش
أي أنه من أجل تحقيق ما نصبو إليه,يمكننا أن نعانى, وعلينا أن نتحمل, ولكن ليس على حساب كرامتنا,فإنسان بلا كرامه,ليس في عداد الإنسان لدى الشاعر, وأن نعول كثيرا على الإحساس,
ضروري نلتقي لذاتنا
ملامح واضحة ف حياتنا
وبتأمل هذا البيت تتجسد الرؤية
حيث اللذات هنا بمعنى الغايات, يجب أن تكون واضحة الملامح
وفى قصيدته(التحدي) يستهلها بتلك العبارة:
يكفاك صحيح إنك تكون
لِساك بطل
إنها عبارة تفصح عن الكثير, وكلمة بطل في السياق, أي القادر على التحمل, والمقدرة على مواصلة المشوار, استنادا إلى قوله:
مكتومة جواك الجراح
ولا مره قلتش مستحيل
ويؤكد على ذلك بقوله:
تنزل دموعك مش مهم
أصل الأهم
انك تكون
وفى قصيدته(رائحة الجنه)
لسه فيه أبطال كتير
لسه فينا الدم ثاير
لسه يا محمد يا درة
صرختك بركان وفاير
حيث يرى أن وجود البطل والدم الثاير, أهم صفات تحقيق الهدف
وتتضح الرؤية لدينا أكثر في قصيدة (برعم)
عند القمر
الحلم جواه مش جبان
رغم الخطر
وهو يؤكد على الحلم المدعوم بقوة الرغبة في تحقيقه :
ماحسبشى أي حساب لشيء
غير بس تبقى محبته
ضلاية للناس والبشر
في قصيدته (لحظه) يقول:
كل شيء في الدنيا أصبح..
يعنى لحظه
طب وفين باقي الزمن
ليه نسيب الحلم ليه؟
وحده يدفع التمن
وبذلك يتبين لنا ان الشاعر يحمل فكر ويتبنى رسالة, ويعمل على توصيلها من جلال ما يكتب , وان لديه همه الخاص, والذي لا ينفصل عن الهم العام , وفى واحد من أجمل مقاطع هذا الديوان يقول:
يا مداين يا جناين يا شجر
اوعوا حد ف يوم يقولي...
إن دا طبع البشر
لاء هعيد تصحيحها تاني
أصل دول أشباه بشر
وفى قصيدته ( سكة أمل)
لسه جوانا احتمال
للاحتمال
لسه بنحب الحقيقة
لسه عاشقين الجمال
لسه يا قلوبنا البريئة
صبرنا فوق المُحال
لسه جوانا احتمال للاحتمال؟!
عبارة تتخطى جغرافيتها الإملائية,لتفسح مكانا رحبا للتأمل, الناجح حتى لا أقطع عليك متعة التأمل, حيث الجناس الكامل, وان كنت لست بصدد عرض الجماليات بعد, لا أريد أن أطيل عليكم في مسألة التدليل
على أن الشاعر
محمد سعيد
مهموم بمسألة البحث عن القيم الأصيلة,
والحض عليها, وستكتشف هذا على امتداد صفحات الديوان, لنتطرق
إلى ما هو أهم,للتعرف على بعض أدوات الكتابة عند شاعرنا,
(إن ما يميز فن الشعر- من حيث المظهر - موسيقاه, وطريقة كتابته, ولقد أثبتت التجربة الإنسانية في كل العصور, وكل اللغات:أنه لا شعر بغير موسيقى) فإن الموسيقى هو القوام بالنسبة للشعر
وعلى الرغم من أن الوزن والقافية أداتين منفصلتين, إنهما سويا,يمثلان عنصر الموسيقى في الشعر.
وهنا تحضرني مقوله رائعة للشاعرة العظيمة نازك الملائكة,حيث ترى أن الوزن: يزيد الصورة حدة , ويعمق المشاعر, ويلهب الأخيلة , بل ترى أنه يعطى الشاعر نفسه خلال عملية النظم (نشوه) تجعله يتفق بالصور الحارة , والتعابير المبتكرة والملهمة, وذهبت إلى أن الوزن في يد الشاعر كقمقم سحري يرش منه الألوان والصور على الأبيات المنغومة, خلاصة القول (لا شعر بغير موسيقى)
وعليه سنجد بأنه
أي الشاعر يمتلكهما فطريا, وقد تم تنميتهما من واقع ما سبق الإشارة إليه, بشأن ارتباطه الوثيق ببعض فقهاء هذا العلم, ولا داعي للتدليل على ذلك,بل أرى بان أشعار محمد سعيد تتميز بالغنائية العالية,
لميله للقوافي الداخلية, والتداعي الصوتي فيما بين الكلمات, كالسجع
الذي يزيد من الإيقاع الموسيقى إلى جانب سهولة المفردات, وخلوها من النتوءات, لنصل إلى أداة رئيسية من الأدوات الهامة والتي يبرع فيها
شاعرنا محمد سعيد
الصورة الشعرية
في أشعار محمد سعيد
إن الشاعر يفكر بالصور, وإن المعنى يخلق من خلال البناء اللغوي,
حيث أن التعبير بالصورة.. هو لغة الشاعر التلقائية , التي لا يتعلمها,
ولا يسأل عنها, ولقد قيل : بأن الرسم شعر صامت, وأن الشعر صورة
ناطقه,ولقد ذهب بعض النقاد إلى أن الصورة هي الشيء الثابت في الشعر كله,والتشبيه والاستعارة, هما دليل عبقرية الشاعر, ومحك شاعريته!
ومرجع ذلك لأن الإدراك الشعوري للأشياء..غير الإدراك المجرد لنفس الأشياء. حيث أن الصورة تمنح الشعر ميزة التكثيف العاطفي للفكرة
الأساسية , ولقد كانت الصورة الشعرية - دائما - هي موضع الاعتبار في الحكم على عبقرية الشاعر, وإن لم ينص عليها في الدراسات النقدية العربية,
ويرى بعض الفلاسفة: أن مهمة الشعر الكبرى.. هي الكشف عن الصورة التي هي أعلى درجات تحقيق الإرادة.
فبقوة الشعور, وتيقظه, وبعمقه , واتساع مداه, ونفاذه إلى صميم الأشياء.. يتميز الشاعر عن سواه,
خلاصة القول:
أنه لا تجربة شعورية, بدون صورة شعرية
والصورة عند شاعرنا محمد سعيد تعتبر أداة أساسية, من خلالها يستمد مقدرته الإبداعية , وندلل على ذلك:
من قصيدة التحدي يقدم الشاعر هذه الصورة:
شوف قد إيه حلمك جميل
تجرى عشان تسعد قلوب
مرسومه فيها ضحكتك
وتقيد بروح صافية وراضية شمعتك
من بين شعاع الضي تحضن بسمتك
تنزل دموعك مش مهم
وفى نفس القصيدة:
هاصرخ على صخر المعاني كلها
وهاعدي فوق جسر الحقيقة المؤلمة
والصورة تعتمد على التعبيرات المجازية
ومن الصور الجميلة في قصيدة برعم:
بُرعم صغير لسه مولود ع الشجر
نايم على جناح الهوا
مادد إيديه ...
وفى ذات القصيدة يقول بالصورة:
انا شوفته محبوس جوه لحظة لحتضار
وعيونه كات رغم الذهول
بيضوي فيها الاخضرار
وفى قصيدة دموع شمعه:
تقيد شمعة
وتنزل دمعة ورا دمعة
على خد الزمن تلسع
ويحرص محمد سعيد في معظم قصائده أن يستهلها بالصورة
ومنها قصيدة نزل المطر:
نزل المطر.....
وغسل غبار الظلم فوق ورق الشجر
وهذا النص عبارة عن صور جزئيه متجاورة لتشكل فى النهاية
الصورة الكلية المتناغمة والمتناسقة حيث يقول:
نزل المطر
وطفى نار الظلم من قلب الحياة
لما المطر ينزل أكيد
فيه ألف إيد مستنياه
يظهر معاه أمل جديد
ويعود لجو الكون صفاه
يرقص تراب الأ رض ويغنى نشيد
معزوف على خضرة رباه
فوق السنابل والعيدان غنوة أمل
فرحانة بزوال الخطر
نشوانة بنزول المطر
لوحة بديعة صنعها ربى
أهداها للكون والبشر
وفى قصيدة سكة أمل يقول الشاعر من خلال الصورة:
تكبر الاحلام وشمس الحب تظهر
والشعاع اللي ف عينيها
حقيقي يقدر
يملا كل قلوبنا تاني بالدفا
ويستهل قصيدته لقاء بهذه الصورة:
وبتاخدي قلبي كل مرة.. وكل مرة أقول نسيت
لحظة ما أشوفك
المح ما بيني وبين عيونك رغم السكات
سطرين عتاب... وفى نفس القصيدة يقول:
لحظة بتكتب عمرها في عمر الضياع
وقلوب بتنعي حبها ضاع منها من غير وداع
ودموع بتشكي حظها إيه ذنبها عايشة ف صراع
ويستهل أيضا قصيد ته سجون الصمت بتلك الصورة:
اللحن رافض يتعزف ليه يا ترى!!!!!
والمعنى فينا بيتخنق
والحلم مش قادر يكون... غير السكون
غير دمعة مرة مكـتـفـة نني الـعـيـــون
وهى من القصائد الثرية بالصور وفيها يرسم بالكلمات:
راح تكتب ايه!!!؟؟؟
الجملة دلوقتى لها مليـووووون شبيه
والمعنى من كتر الكلام أصبح في تيه
من بين جمود الدم فى عروق المعاني والحروف
عديت حدود الخوف وطلعت صرختي
رايح اكتب إيه!!!؟؟؟
وفى دمعه على خد الزمن يقدم لنا واحدة من صوره الشعرية الجميلة:
أشوف الدمع ف عيونك ...وما قدرتش أحوش دمعي
فلا جرحك غريب عنى ....
وهيّا العين يا ناس تصبح ف لحظة غريبة ع النني؟
وفى قصيدته صفحات العمر يقدم جزئيات متصلة:
صفحات العمر البيضة الشاردة ف قلب كتاب
وسحاب بيمر يغيّر لونها يهز كيانها يموّت فيها
طعم ومعنى وشكل ولون
وتكــــــــــون..أشلاء....أطــلال
أو فرع بفعل الريح يصبح رحّـــــــال
والصور لدى محمد سعيد محسوسة وملموسة وتتميز بوضوح الرؤية
بعيدة كل البعد عن الضبابية, وفى صفحات العمر يصور لنا في نهايتها:
حضنك عمـره ما كان نساي
صاحبي صديقي فرحي وضيقي
لما اندهله يقوللي انا جاي
غيط فلاح أرضه براح
تلاقيه قاعد تحت التوتة بيشرب شاي
عاشق أرضه .. شرفه وعرضه
دايب دوب من صوت الناي
وقصيدة (ضمينى )هى من القصائد الغنائية التي تحفل بالصور, بل أعتبرها جاءت على شكل صورة كليه, اقتطفت منها هذا الجزء
للتدليل:
والخوف ملفوف بالأحزان
بيمد كفوف الحرمان
تدميني وتسرق من عمري... نبضات القلب وأفراحه
وتفوتنى ف موجة تغرقني... والمركب ضاعت مجدافه
والطفل بيصرخ جوايا....... ولا يسمع أبدا لصراخه
ضميني يا عمري وأيامي ... وخدينى هناك
لمكان يجمعنا ف حضن ورود.... مفيهاش أشواك
وزمان الحب هناك موجود
مستني لقانا... متعطش يفرح ويّانا
وترن الضحكة ف شفايفنا
ويغنى الورد اللي شايفنا
ويستهل قصيدته (وباستنى) بتلك الصورة
وباستنى القمر يظهر
ف طلة وشك الطيب
وفى قصيدة محتاج يا شاعر أسالك:
وهو فيه أجمل من الطين لما يطرح سنبله
ويمد إيده للخلايق بالشجر
ضلايه تجمع تحتها مليون حبيب
والحديث عن الصورة لدى محمد سعيد لا يحتاج إلى مجهود كبير
فكما ذكرت يعتبر الصورة إلى جانب الموسيقى والقافية من أهم أدواته
والصورة الشعرية في تعريف سريع, في معظمها تعبيرات مجازية,
كالتشبيه والاستعارة, وقد تقوم بكسر حاجز اللغة, وقول ما لا يقال
وتوجد ثلاث مراتب في العملية التصويرية
أولها التي تعتمد على الحس وعلاقاته
ثانيها التي تتم على مستوى اللغة ودلالاتها
ثالثها الصورة الذهنية المتعلقة بالرمز
وتقريبا كل هذه الأنماط متوافرة في تكوين الصورة لدى شاعرنا صاحب هذا الديوان,
في تعريف لما يعرف بالتجربة الشعورية
هي فكر , وجدان, صور تعبيريه
وإذا كان الفكر هو الفكرة التي تدور حولها القصيدة, أو الموضوع
والصور التعبيرية, ما تحتويه من جماليات ومن بينها الموسيقى,
فما هو الوجدان, هذا إذا اعتبرنا شاعرنا محمد سعيد, وجدانيا
من الدرجة الأولى ؟
إن محاولة إقحام أي موقف فكرى يدركه الشاعر - نظريا -
ولكنه لا يعيشه داخليا وسلوكيا لا بد أن تبوء بالفشل , بمعنى
أن على الشاعر أن يتعامل مع الأشياء كما يشعرها هو ويراها هو,
لكي يصل ما يشعر به إلى المتلقي بنفس إحساس الشاعر,
ومحمد سعيد عندما يكتب نستشعر أنه في حالة توحد مع النص
بالطبع ما أكتبه ليس بغرض تناول الديوان بالنقد وإنما التعريف
بديوان وشاعره الذي يقدم رسميا للمرة الأولى للقراء,
وبكل الصدق والأمانة أراه شاعرا يمتلك أدوات الكتابة باقتدار
تتميز لغته بالبساطة وليست السطحية,وينتمي أسلوبه إلى السهل الممتنع, يتسم شعره بالغنائية, يتعدد الخطاب الشعري لديه بتنوع الأفكار , تتسم قصائده بسلامة الوحدة العضوية أي أنه يقدم النص
المتماسك دون شرود أو شطط, لا تخلو قصائده من الأفكار المتجددة,
يمتلك قاموسا من المفردات الحية المستمدة من الواقع والقريبة
من الوجدان, أتمنى لك قارئ هذا الديوان أن تستمتع بقصائده
وكل الأمنيات لشاعرنا الموهوب محمد سعيد بالمزيد من التألق والنجاح
أحمد الشربيني