PDA

View Full Version : مصر في غرفة الإنعاش


أحمد عبد التواب
03-31-2005, 12:19 AM
كنت مازلت مستيقظاً من نومي في تكاسل يومي معتاد ملقياً نظرة خاطفة من نافذة غرفتي على شمس الصباح التي تحجبها غيوم كثيفة وترتفع إليها في بطء وبلادة سحابة سوداء تغطي سماء البلاد .. حينما دق جرس الهاتف انتفضت فزعاً وانتابتني حالة الخوف المعتادة كلما سمعت هذا الجرس .. خوفاً من أن يحمل إلى مسامعي أي خبر سيئ .. أجبت فبادرني المتحدث على الطرف الآخر بلا تحية متسائلاً في خشونة : هل أنت الشعب المصري ؟؟؟ أجبت وجلاً والخوف يهز أركاني : نعم . نعم ياسيدي . ( فإن الجميع عندي سادة حتى يسقطون ! بإرادتهم وليس بتدخل مني ) أنا الشعب المصري ! أمرني المتحدث بدون أن يخبرني عن هويته بأن أتوجه سريعاً إلى المستشفي ؟ وحينما أبديت بعض التعجب . بادرني قائلاً : ويحك يا هذا ! ألا تعلم أن مصر في غرفة الإنعاش ؟! سقطت من يدي سماعة الهاتف مضطرباً .. مصر .. يا إلهي ! مصر مريضة في المستشفي . يا لقسوتي عليها فأنا لم ألتقي بها منذ سنوات متعددة . تمالكت نفسي قليلاً وارتديت ملابس الخروج وتوجهت إلي المستشفي .. حينما دخلت إلى غرفة المريضة هال بصري ذلك الجسد الطاهر المريض . هذا الجسد الذي ملأ الدنيا يوماً ما حركة وحيوية أثارت إعجاب وغيرة العالم أجمع . ماله هكذا قد وصل إلى هذه الحالة المزرية من الهزال والوهن الشديدين ؟؟ ألقيت السلام عليها فأشاحت بوجهها المليء بالتجاعيد الغائرة عني في اتجاه نافذتها المطلة على نهر النيل الذي اكتسي اليوم بلوناً أسود حزين . حاولت أن أتفوه ببعض الكلمات التي تقال في مثل هذه المواقف ولكن الكلام أصيب بداء الشلل على أطراف لساني فلذت بالصمت المطبق مترقباً .. من أنت يا هذا ؟! كان سؤالها عجيباً حتى أنني تعجبت لفكرة سخيفة دارت في ذهني بأن مصر قد أصيبت بفقدان الذاكرة وهممت بالرد عليها ولكنها صاحت مستنكرة : لا إياك أن تقول أنك الشعب المصري ؟! تصبب العرق غزيراً مني وأردت أن أمسك بيدها الكريمة لأقبلها ولكنها بادرتني مرة أخرى : ياإلهي . هذه هي عادتك السخيفة . تداوي آلامي الكبيرة بردود أفعال تافهة لا ترقي إلى حجم معاناتي ؟ استكانت قليلاً ولمحت من طرف خفي دمعة صغيرة تجري على وجهها الجميل برغم كل هذه التجاعيد التي تعلوه وقالت بنبرة عتاب بعد برهة : لماذا فعلت ذلك يا بني ؟ هل تري أين أنا الآن ؟ هل تعلم بأنك المسئول الأول والأخير عن وجودي هنا ؟ إنني أغفو وأستيقظ كل يوم على أمل واحد وهو أن تعود وتخرجني من هذا المكان ؟ لماذا يا بني تركتهم يفعلون هذا بنا ؟ ألا تعلم بأنهم قد أدخلوني هنا بسبب عجزك المريض وسكوتك وخنوعك وتخليك عني في أشد لحظاتي احتياجاً إليك ؟ واحسرتاه .. ماذا حدث لك ؟ إنك لم تكن تخشي في الحق لومه لائم ويشهد علينا تاريخنا المجيد على مر العصور .. طال زمن السكوت حتى ظننت أنني قد أصبت بالتجمد وجلست بعد أن أيقنت أخيراً أن اليوم الذي كنت أخشاه طوال حياتي قد أتي . أكملت حديثها قائلة في حسرة شديدة : نعم . لقد أصبحت مثلهم للأسف . لقد أصبحت خائناً . اغرورقت عيناي بدموع ساخنة وتحدثت بصعوبة بالغة قائلاً : لا لا يا أمي . أنا لست بخائناً أبداً . أنا فقط . أنا .. تلعثمت قليلاً ثم أكملت : ألا تعلمين يا أمي ما أعانيه في حياتي . ألا تعلمين مشاغل الحياة والأولاد والعمل و .. قاطعتني بضحكة ساخرة اهتزت لها جدران الغرفة متسائلة : مشاغل الحياة ؟ وهل أنا يا ولدي من مشاغل الآخرة ؟! هل تعتقد بأن أسرتك وأولادك أهم مني ؟ أهم من أمك ؟ لا .. أنت تخشي منهم ؟ أنت بالفعل جبان رعديد مازال يحيا كما الفئران في جحورها . لماذا لا ترفع الحرج عن نفسك وتعلنها صريحة بأنك قد تخليت عني وأن زماننا قد مضي بلا عودة . ولكني أحذرك . فإن مصيرك سوف يكون ها هنا في نفس المكان وعلى نفس السرير ولكن أوجاعك سوف تكون مضاعفة جداً . صرخت من شدة ارتعاد فرائصي من هول تخيل هذا الموقف قائلاً : لقد قطعوا الوعود يا أمي بأن يصلحوا حياتي في الأيام القادمة وأن يعيدوا لي احترامي وكرامتي وأن يرحموني من الظلم المتواصل ومن الاعتقالات ومن شظف العيش ومن .. قاطعتني مرة أخرى متسائلة في تعجب مرير : وهل صدقتهم أيها الغر الساذج ؟ يا لك من واهم . لقد خدعوك مرة أخرى حتى تحولت الآن لما أراه أمامي . جسداً بلا روح . أتعلم لماذا ؟ لأنني أنا الروح . فإذا ما قضوا على فسوف يكملون خدعتهم الكبرى بتحين الفرصة للإجهاز عليك كلياً أيها المسكين! صمتت قليلاً ثم تحدثت بحزم شديد قائلة : أسمع الآن يا هذا . لقد طفح بي الكيل منك ومن خنوعك المميت وأنا الآن أخيرك بين أمرين لا ثالث لهما .. إما أن تخرج الآن وتستجمع قواك وتستعيد شجاعتك المسلوبة وتواجه خنوعك المريض وحججك الباطلة وتذهب لتعلنها مجلجلة مدوية بأنك سوف تواجه هؤلاء وتعيد حقوقنا المتعددة لديهم ووقتها يا ولدي تنال رضائي وأعود إليك وليعفو الله عما قد سلف بيننا . وإما أن تخرج الآن بلا رجعة لتكمل حياتك هذه المميتة هذا إن كانت تسمي حياة من الأساس وتنتظر جنازتي حيث ألقي رب العزة الذي لا يظلم عنده أحد أبداً . الاختيار لك الآن . هيا . أخرج ولا تعد مرة أخرى إلا وقد اتخذت قرارك الأخير فإن صبري عليك قد نفذ . أنظر في أمر نفسك وواجهها وأخبرني ماذا أنت فاعل ؟؟

اسلام امين
03-31-2005, 01:57 AM
جميله جداً وفكره مميزه بس انا اعتقد انها بحاجه الى النقل فى قسم قصاقيص
فائق احترامى وتقديرى لك ورردة

بنت مخيم جنين
03-31-2005, 11:40 PM
بالروح بالدم نفديك يا امنا

لا يسعني بعد قراءة هكذا عمل ابداعي متميز الا ان اتقدم لكاتبه باجمل عبارات التقدير فالاسلوب شيق وممتع والعبارات مؤثرة
وسياق القصة ينبع من احساس عميق بالمصيبة الكبرى التي وصل لها شعب جبار كالشعب المصري
لكن لعله الهدوء الذي يسبق العاصفة فاشد لحظات الليل ظلمة هي اللحظات التي تسبق الفجر
ولعل الصبح قريب
كلها امنيات نتمنى تحقيقها لانقاذ ما تبقى فينا من شهامة من عروبة من احساس
يجب ان تتغير حالة السبات التى يغرق بها عالمنا العربي من المحيط حتى الخليج للتمرد على ظروف الذل والقهر وامتهان الانسانية .والثورة على القطط السمان الذين يمصون دماء الشعوب ويصعدون على اشلائهم.
سيهب الشعب العربي المارد يوما ليسحق هاماتهم ويجرهم خلف العربات وينتقم لكرامته التي اهدرت في زمن الانحدار والهرولة والتنازلات.

أحمد عبد التواب
04-01-2005, 03:06 AM
جميله جداً وفكره مميزه بس انا اعتقد انها بحاجه الى النقل فى قسم قصاقيص
فائق احترامى وتقديرى لك ورردةالاستاذ المحترم / اسلام امين . اشكرك يااخي العزيز واعلم تماما انه من المفروض ان تنقل الي قصاقيص ولكني فقط اردت ان اطرح اختيارا مهما على نفسي ثم على جميع الاخوة والاصدقاء لعلنا نصل الي اجابة الي هذا السؤال المحير ؟؟؟

أحمد عبد التواب
04-01-2005, 04:08 AM
بالروح بالدم نفديك يا امنا

لا يسعني بعد قراءة هكذا عمل ابداعي متميز الا ان اتقدم لكاتبه باجمل عبارات التقدير فالاسلوب شيق وممتع والعبارات مؤثرة
وسياق القصة ينبع من احساس عميق بالمصيبة الكبرى التي وصل لها شعب جبار كالشعب المصري
لكن لعله الهدوء الذي يسبق العاصفة فاشد لحظات الليل ظلمة هي اللحظات التي تسبق الفجر
ولعل الصبح قريب
كلها امنيات نتمنى تحقيقها لانقاذ ما تبقى فينا من شهامة من عروبة من احساس
يجب ان تتغير حالة السبات التى يغرق بها عالمنا العربي من المحيط حتى الخليج للتمرد على ظروف الذل والقهر وامتهان الانسانية .والثورة على القطط السمان الذين يمصون دماء الشعوب ويصعدون على اشلائهم.
سيهب الشعب العربي المارد يوما ليسحق هاماتهم ويجرهم خلف العربات وينتقم لكرامته التي اهدرت في زمن الانحدار والهرولة والتنازلات.الاخت الفاضلة / بنت مخيم جنين . جزاك الله خيرا على مشاركتك وبالفعل نحن ننتهي في هدوء وسبات عميق وممل الي درجة بعيدة جدا ونسأل الله عز وجل ان يفيق هذا الشعب العظيم من غفوته الاختيارية ويعود مرة اخرى الي سابق عهده المجيد محطما كل هذه القيود البالية التي تحتاج فقط الي اتحاد الجميع للوصول الي هدف واحد وهو استعادة عزة وكرامة الشعب المصري