PDA

View Full Version : لا يصلح الأنسان في أي زمان ومكان الا بالإسلام


أباعلي
03-23-2005, 05:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

لا يصلح الإنسان في أي زمان أو مكان إلا بالإسلام
الحلقة الأولى
بعض معالم أعنف هجمة يتعرض لها نظام الإسلام



الحمد لله وكفى وسلاما على عباده الذين اصطفى
تعاني الأمة الإسلامية اليوم مخاضا عسيرا يعقبه ان شاء الله ولادة جديدة للدولة الاسلامية، تعيد الاسلام نمط عيش يحياه المسلمون، وفي أتون هذا المخاض، وفي خضم آلامه، تتعدد الأفهام والآراء، وتطرح التساؤلات والتشكيكات، ومع إيمان السواد الأعظم من أبناء الأمة بأن الاسلام صالح لكل زمان ومكان، وبه دون سواه يصلح الزمان والمكان، إلا أن البعض لا شغل لهم إلا التهجم على دعاة استئناف الحياة الاسلامية من باب أنهم يريدون الرجوع بالبشرية إلى القرون الوسطى، لأن الاسلام لم يعد صالحا للتطبيق في عصر التكنولوجيا والفضاء والذرة، وإذا ما تجاوز بعضهم هذه الاشكالية تراه يقول مستنكرا: وهل عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وواقعه الذي عاشه يشبه واقعنا وعصرنا؟ فكيف تريدنا أن نعيش نمطا معينا في العيش كان قبل أربعة عشر قرنا؟ وذهب البعض إلى القول بأخذ ما أنتجته البشرية من أنظمة لا تتعارض مع الاسلام، مواكبةً للعصر، حتى أنه بلغ الحد ببعض المستغربين أو المأجورين إلى الترويج إلى بدعة مفادها أن الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها الجزئية تعد معرفة بشرية وفقها بشريا، أما الشريعة فهي وضع إلهي مصدرها المنشِئ كتاب الله ومصدرها المبيِّن سنة رسول الله .

ومن ثم تم تفريخ أنواع كثيرة مما أطلقوا عليه جزافا اسم الفقه، تهدف في جوهرها إلى الالتفاف على الحكم الشرعي، والانفلات من الانضباط بأوامر الله ونواهيه، وأطلقوا عليها ما لم ينزل به سلطان من التسميات، كفقه الواقع وفقه الأقليات وفقه الهزيمة وفقه الموازنات وفقه الأولويات وفقه المآلات.

ووقف آخرون حيادا وكأن مسألة تطبيق الاسلام مسألة من الدرجة العاشرة من الأهمية،وقام بعضهم بإحياء بدع فقهية وقواعد ناشزة على الفقه الاسلامي، ظهرت في أوج عصر الانحطاط في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، قبيل الاجهاز على الدولة الاسلامية، كبدعة تغير الأحكام بتغير الأزمان والأمكنة، وبدعة تحكم العادة، وأنزلوا المصالح منزلا قدموه على الكتاب والسنة، مغفلين عن سبق إصرار وترصد الفرق بين المصالح المرسلة عند من يقول بها والمصالح العقلية عندهم والتي لم يسبقهم بها أحد ممن يعتد برأيه، وكانوا بذا أبواقا لما جاء في تقرير مركز راند للفكر الذي تدعمه الخارجية الأمريكية بعنوان الاسلام المدني الديمقراطي ص 53 حيث جاء فيه: أن المصلحة من الممكن جعلها الأساس الذي من خلاله يمكن حتى تجاوز ما يقوله القرآن الكريم نفسه.

وادعى قسم من المتخبطين في ظلمات الواقع أن سيدنا الامام الشافعي رحمه الله غير فقهه بمجرد الانتقال من بغداد إلى مصر لاختلاف المكان، وكأن الاسلام جاء أديانا وشرائع، شريعة تخص أهل مصر وشريعة تخص أهل العراق!! وسنقف مع هذا الأمر ان شاء الله مبينين حقيقته.

وقام آخرون بإحياء فن اللعب مع الشريعة الغراء بناء على إنزال قواعد على غير واقعها الذي جاء في الشرع، فعمموها حتى كادت أن تصبح لديهم المصدر الوحيد للتشريع كقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة ‏ المشقة تجلب التيسير،‏ وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (78 الحج)، واستدلوا كثيرا بحديث ‏‏عائشة ‏رضي الله عنها‏ إذ قالت ما خير رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، رواه البخاري، استدلالا على غير واقع الحديث ومفهومه، وأخيرا قام آخرون بالدعوة إلى التدرج في تغيير الواقع من خلال ادعائهم أن الشريعة تدرجت في تشريع بعض الأحكام مثل التدرج في تحريم الخمر – زعموا ، وبالتالي فالمرحلة الحالية تتطلب كذا وكذا وما لا يدرك جله لا يترك كله، وخذ وطالب، فأغفل هؤلاء وأولئك كلهم طريقة الشرع في استنباط الأحكام العملية من مصادرها الأصلية، تلك الطريقة التي لا يجوز بحال أن تتبدل أو تتعدد، فأنتجت هذه المحاولات أحكاما ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب.

لا يسع الناظر المدقق في هذه المصائب والبلايا إلا أن يعزوها إلى أحد سببين، إما أن يكون أصاب القائمين عليها جهل بطبيعة الاسلام، وانعدام ثقةٍ بأحكامه مما جر هؤلاء – إن افترضنا حسن النية لديهم – إلى الغرق في مستنقع الواقع ووحله، وبدلا من أن يغيروا الواقع تغييرا جذريا انقلابيا رأيناهم يتخذون الواقع مصدرا للتفكير لا محلا له من أجل تغييره.

والثاني أن يكون بعضهم من عملاء الاستعمار الحاقدين على الدين يدسون السم في الدسم لتضيع الأمة في ركام التيه، حتى تضمحل هويتها الثقافية وتموت حضارتها وتذوب في الحضارة الغربية فيتخلص الغرب من أكبر تحد يواجهه في العقود القليلة القادمة.

وعلى صعيد آخر، قام الغرب نفسه ومنذ أواخر أيام الدولة العثمانية بالهجوم الكاسح على مفاهيم الاسلام محاولا التشكيك بصلاحيتها للتطبيق، بل تعدى ذلك إلى القول أن الاسلام لم يطبق إلا في عصر الخلفاء الراشدين الأربعة، ومن أسلحته في هذا الهجوم، خلق واقع ممعن في البعد عن الاسلام، ومن ثم التساؤل عن الحكم الشرعي في هذه البلايا الناتجة عن الواقع الفاسد، فمن سائلٍ يسأل عن حكم الشرع في التأمين وقد أصبح إلزاميا، أو أخذ القروض الربوية مع استفحال الفقر، من أجل الحاجات الأساسية للعيش، أو سائل عن حكم الشركات المساهمة أو المعاهدات التي ينشئها الحكام اليوم مع الاستعمار لتوطيد أرجله في بلاد المسلمين، وما إلى ذلك وكأن الاسلام مسئول عن معالجة الواقع الفاسد منطلقا منه، متجاهلين كل التجاهل أن الواقع الفاسد هذا منشؤه غياب الاسلام وحلول الرأسمالية محله.

كما هاجم الغرب تعدد الزوجات والجهاد، والحجاب، وفرض على المسلمين طريقته في العيش بحيث جعل على رقابهم ديكتاتوريات مستبدة وأوهمهم أن علاج مشاكلهم بنقيض الديكتاتورية ألا وهو الديمقراطية – بزعمهم، وغيبوا عن خبث أن البديل لاستبداد الديمقراطية التي تخضع رقاب المسلمين لقلّة من المشرعين يضعون قوانين حسب أهوائهم معتدين على حق الله في التشريع، والبديل عن الديكتاتورية هو الاسلام.

كذلك عمد الغرب الكافر وأذنابه إلى استغلال الضعف العام الذي طرأ على الأذهان في فهم الاسلام، وأمعنوا في فصل الطاقة العربية عن الطاقة الاسلامية، فميعوا الكثير من المفاهيم الشرعية، من أجل التخلص منها باستبدال مفاهيمها لدى الغرب بأسمائها ومفاهيمها الشرعية، كالربا أصبح اسمه الفوائد، ولم يعد المسلم يرتجف خوفا لما يسمع أن تعامله بالربا مؤذنٌ بحرب من الله ورسوله، وبالتالي زال أثر الطاقة الاسلامية الموجودة في اللفظة العربية " الربا " و " الحرام " لتحل محلها مفاهيم الغرب وبذا يغيب الاسلام عن الواقع، ومع الوقت لا يتصور المسلمون قدرته على أن يحل محل الشركات المساهمة التي ملأت الأرض والسماء، والبنوك الربوية التي ناطحت أبراجها الغيم قرب الحرم المكي.

بعد هذه المقدمة التي توصف حال هذه الدعوات، ينبغي التذكير ببدهيات كافية لنقض هذه الدعوات جملة وتفصيلا، من خلال التذكير بطريقة الاسلام في استنباط الأحكام الشرعية والتعامل مع الواقع، ومن خلال التذكير بكيفية التقليد، والاجابة على السؤال الذي يطرحه جمع كبير من أبناء هذه الأمة البررة، هل أستطيع أن أضع المسألة في رقبة عالم وأخرج منها سالما؟

ومن خلال التذكير أيضا بطريقة الاسلام في معالجة المشاكل، والتذكير بمعنى : {إن الحكم إلا لله}، ومعنى قوله تعالى {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}، والتذكير أيضا بمعنى قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} ومعنى اكتمال الشريعة، متعرضين لقول القائلين بخلو الشريعة الاسلامية من نص ما يخص قضية ما، أو تأويلهم المغلوط لدائرة العفو التي تناولها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏فيما رواه ابن مردويه وصححه الحاكم من طريق محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال " كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فيه فهو حلال، وما حرم فيه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا هذه: {قل لا أجد} إلى آخرها"، أقول: نذكر بهذا وبغيره ان شاء الله، حتى نضع أيدينا على ما يزيدنا ثقة على ثقة بأنه لا حل ولا خلاص للبشرية جمعاء إلا بامتثال فهم سيدي ربعي بن عامر رضي الله عنه في بلاط الفرس إذا قال لهم: الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الاسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

ولا بد أيضا من التطرق لكيفية معالجة الاسلام لمشاكل الانسان، إذ أنه عالج مشاكل الانسان باعتباره إنسانا، لا باعتباره زيدا أو عمرو، علاجا لا يتغير مع تغير الزمان والمكان.

نسأل الله العلي العظيم رب العرش العظيم أن يهدي المسلمين سلبهم وأن يزيدهم تمسكا بسبيل نهضتهم وعزهم، ألا وهو إرضاء رب العالمين عن طريق الامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه وجعل شريعته الغراء نظام الاسلام ، النظام المطبق في حياتهم دون سواه.
والحمد لله رب العالمين

يتبع ان شاء الله تعالى

وهبه
03-23-2005, 11:27 AM
السلام عليكم ورحمة الله
حياك الله يا ابا على
:flowers:


بسم الله الرحمن الرحيم
ولقد خلقنا الانسان فى احسن تقويم ,ثم رددناه اسفل سافلين .الا الذين آمنو وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ,فما يكذبك بعد بالدين , اليس الله بأحكم الحاكمين .
صدق الله العظيم

فى الانتظار ان شاء الله
لنعرف ما وصل اليه العلم الحديث من وسائل يستخدمها الغرب لجعلها بديلا عن الاسلام .
ومنها محاداة الله بهذا العلم والمخترعات
كقضية الاستنساخ .. (يعلم ما فى الارحام ) ومن قبلها المطر الصناعى ...(وينزل الغيث)...وفرضية انتهاء العالم للطائفة اللآهوتية سنة 2026 ....( عنده علم الساعة )
وحساب الارباح والخسائر والمرتاب والدخل ...(ماذا تكسب غدا )....والمنفى والاعتقال والتوطين ....(باى ارض تموت ).....
فاذا كان التشكيك فى الغيبيات الخمسة ....وتفرد الله بعلم الغيب والشهادة ...
فما بالنا بأدق التفاصيل ....
نتابع
ولك الاجر والثواب على التوضيح

جزاك الله خير
وعلمنا ما جهلنا ,ورزقنا العمل به

أباعلي
03-23-2005, 01:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

لا يصلح الإنسان في أي زمان أو مكان إلا بالإسلام
الحلقة الثانية
العوامل المؤثرة في سلوك الإنسان




الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى
تحدثنا سابقا عن الهجمة الضروس التي يتعرض لها نظام الإسلام، في محاولات مستميتة للتشكيك بقدرته على العيش، وعلى مواكبة عصر الفضاء والذرة، وعلى الوقوف في وجه المبادئ الوضعية.

بحثُنا إذن في الحكم، والحاكم، والمقصود من إصدار الحكم هو تعيين موقف الإنسان تجاه الفعل، هل يفعله أم يتركه أو يخيَّر بين فعله وتركه، وتعيين موقفه تجاه الأشياء المتعلقة بها أفعاله، هل يأخذها أم يتركها أم يخيَّر بين الأخذ والترك؛ وتعيين موقفه هذا متوقف على نظرته للشيء، هل هو حَسَن أم قبيح أم ليس بالحسن ولا بالقبيح، وبحثنا في صلاحية الأحكام والتشريعات للإنسان أينما كان.

ويقتضي البحث منا أن ندرس الموضوع من جانبين:
أولهما: ما هي الأمور التي تتعلق مباشرة بسلوك الإنسان، والتي إن تغيرت تغير سلوكه، وبالتالي التطرق إلى الأمور التي يظن أن لها تأثير على السلوك كالمكان والبيئة، والزمان، والتقدم التقني والصناعي والعمراني، لنرى علاقتها بتغير الأحكام تبعا لذلك.

وثانيهما: دراسة الطريقة التي يجب أن يسير عليها التشريع أو سن القوانين والتي تضمن علاجا للمشاكل على نحو يضمن صلاحية هذه الحلول لمشاكل الإنسان عبر الزمان والمكان.

أما بالنسبة للنقطة الأولى، فنقول بأن الإنسان في هذه الحياة يقوم بأفعال تجاه الأشياء التي سخرها الله تعالى له في الكون، من أجل إشباع غرائزه وحاجاته العضوية، ولا يمكن أن يوجد أي تصرف يتصرفه أي إنسان إلا ووراؤه حاجةٌ عضويةٌ أو غريزةٌ تدفعُه لإشباعها، فعندما يأكل إنما يأكل ليشبع جوعة البطن، وعندما يتزوج فإنه يشبع غريزة النوع، وعندما يزني الزاني أيضا فإنه يشبع غريزة النوع إشباعا خاطئا، بالحكم عليه من خلال العقيدة الاسلامية، وعند لجوئه إلى الله تعالى ليفرج كربه فإنه يشبع غريزة التدين والتقديس، وعندما يكتب مقالة صحفية مثلا فقد يكون هدفه إرضاء رب العالمين من خلال نشر الدعوة وهذا فيه إشباعٌ لغريزة التدين، أو الشهرة وفيه من مظاهر غريزة البقاء، أو مَن شاهد التلفاز من قبيل التسلية، فإن كان ما يشاهده يدور حول التدين أو كان عملا بطوليا فإنه بذا يشبع غريزة التدين والتقديس، وإن كان البرنامج حول الغذاء والصحة فمن باب مظهر التملك أو ليفضي لعمل يسد حاجة البطن، وما شابه.

فكل تصرف في الحياة الدنيا إنما هو منطلق من غريزة أو حاجة عضوية تتطلب إشباعا.

فالسلوك إذن هو أعمال الإنسان التي يقوم بها لإشباع غرائزه أو حاجاته العضوية.

تختلف مظاهر الغرائز وجودا وعدما، قوة وضعفا من شخص لآخر، ولكنه لا يمكن أن يتصرف إلا منطلقا من أحد هذه المظاهر أو من حاجاته العضوية، وهذه كلها لا تتغير في الانسان كإنسان بين زمان ومكان، فالانسان في الصين يحتاج للطعام وللنوم ويقلق إن لم يشبع غريزة النوع سواء من خلال الزواج أو العلاقات غير المشروعة، أو حنان الأم، ولا يختلف هذا عن الانسان الذي عاش في الصين أو في أمريكا منذ ألف عام أو سيأتي على الدنيا بعد ألف عام.

والمشاهد المحسوس أن الانسان إذا عزف عن الطعام لفترة معينة هلك، هكذا كان وهكذا سيكون إلى يوم الدين، بحاجة لطاقة يستمدها من طعام أو من أدوية أو حقن أو ما شئت، ولكنه لا يستغني عن الطاقة التي تعينه على العمل والسعي في الحياة الدنيا، من هنا فلا أثر للزمان في تغير الأفكار التي تسير سلوكه، طالما أن الدافع للسلوك لم يتغير، ولا يلحظ أي تأثير للوقت فيه.

يتميز الانسان عن الحيوان في إشباعه لغرائزه وحاجاته العضوية بالعقل، فالبهائم يهمها أن تشبع جوعاتها بأية طريقة كانت، بينما يتميز الانسان عنها بأنه يعقل، فتراه إزاء جوعة البطن مثلا ينظر للاشياء التي تشبع، فيتفكر فيها ليصل إلى مفاهيم عن هذه الأشياء، هل تشبع أم لا تشبع؟ ما هو مذاقها؟ ما الفوائد التي أرتجيها من أكلها؟ كيف أطهوها بشكل أفضل لتحسين مذاقها أو تسهيل هضمها؟ وما إلى ذلك، فتتكون لديه مفاهيم عن الأشياء إذن، ولكنه لا يقوم بالاشباع بناء على هذه المفاهيم فقط، بل كإنسان متحضر راق، لا بد له من مجموعة أخرى من المفاهيم لا علاقة لها بالأشياء بحد ذاتها وكونها تشبع أو لا تشبع، هذه المفاهيم هي مفاهيمه عن الحياة، أي أفكاره التي وصل إليها بحل العقدة الكبرى، والتي فسرت له الكون والانسان والحياة تفسيرا يجعل له وجهة نظر معينة عن الحياة، تضبط أفكاره تجاه الأشياء التي يريد التعامل معها، أو أفكاره التي ورثها من مجتمعه، بغض النظر أكانت عقيدة بمعنى كلمة العقيدة أم لم تكن، لكنها تتضمن قطعا مقياسا لأفعاله يمنعه من أمور ويفرض عليه أمورا أخرى، فالمسلم مثلا أفضت به هذه الأفكار العقدية، إلى جعل الحلال والحرام مقياسا لأفعاله وتصرفاته، فيدرك أن الخنزير يشبع جوعة المعدة ولكن أفكاره عن الحياة النابعة عن عقيدته والتي لم يصل إليها بالتفكر في الخنزير ولا خطر له الخنزير ببال وهو يصل لهذه الأفكار، أقول هذه الأفكار منعته من إشباع جوعته بهذه الطريقة، بينما ترى شخصا آخر يضع نصب عينيه آخر ما توصلت إليه الأبحاث العلمية، يسمح لنفسه بأن يتناول القليل من الخمر طالما أنها فيها منافع معينة بغض النظر عن الضر الذي فيها لأن الزاوية التي نظر منها لا تراعي هكذا نوع من الأضرار، إذ أن نظرته إلى الحياة مادية بحتة، وبذا اختلف السلوك الذي سلكه المسلم عن سلوك هذا الأخير تبعا لمفاهيمهما عن الحياة مع أنهما يريان أن الخمر فيها منافع ومضار.

فالسلوك إذن يبنى على مفاهيم الانسان عن الأشياء مضافا إليها مفاهيمه عن الحياة، أي عقيدته.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هذه الأفكار التي وجهت سلوك الانسان وضبطته، ما هي العوامل التي تؤثر فيها مباشرة؟ هل يؤثر فيها المكان والزمان؟ وما أثر التقدم العلمي والصناعي فيها؟ وما أثر البيئة؟

أما المفاهيم عن الأشياء، فبنظرة متفحصة لها ترى أنها تكاد تكون واحدة عند البشر، فكل الناس يجمع أن أكل التفاح يشبع الجوعة، وأنه مفيد، وحتى من لا يراه لذيذا، لا يختلف على أنه مفيد ويشبع، وأن لونه أحمر أو أصفر، وأنه يعصر وما إلى ذلك، فهذه المفاهيم أثرها على السلوك غير كبير، وقد يكون للتقدم العلمي دور ما في السلوك بتحديده بعض مضار أشياء ما على الصحة فيمتنع البعض عن التعامل معها، ولكن المشاهد المحسوس أن هذه الأبحاث عرضة للتغير والتبدل بين عشية وضحاها، وقد تضر بزيد ولا تضر بعبيد، وبالتالي فالسلوك المبني على هذه الأبحاث عرضة للتقلب، مما يجعل مراعاتها أمرا غير مأمون للتشريع، وإن كان مفيدا له، وتأثيرها غير كبير، وها أنت ترى أن الأبحاث التي تفيد بضرر القهوة كثيرة جدا ومع ذلك فأغلب سكان الأرض يشربونها.

لقد قامت الولايات المتحدة في مطلع ثلاثينات القرن المنصرم بإصدار قانون صارم يحرم الخمر، وفرضت العقوبات الصارمة عليها، ولم يزدد المجتمع الأمريكي في الخمر إلا ولوعا، مع كل الدراسات التي قدمت والتي تبين مضارها، وكذا حصل في الاتحاد السوفياتي أيام غورباتشوف، بينما ترى أن مليارا وربع المليار مسلم يمتنعون عن الخمر طواعية جراء وجود مفاهيم العقيدة لديهم والتي تحرِّمُها مع بعض الشواذ القليلين عن القاعدة، مما ينبيك أن أكبر مؤثر على السلوك هو المفاهيم عن الحياة.

ما هو أثر المكان على السلوك؟ أما الهضاب والسهول، والأنهار وما شابه من عناصر المكان فلا أثر لها البتة في السلوك وإنما الذي يؤثر هو البيئة أي الوسط المحيط، وليست المنازل ولا المتاجر.

فما هو أثر البيئة على السلوك؟ فوجود الإنسان في بيئة قامت على مفاهيم معينة كالتحرر والنفعية، تجعل سلوك الانسان مبنيا دوما على هذه النفعية، من هنا ترى أن الانسان المولود في البيئة المسلمة يأخذ مفاهيمه من بيئته وبالمثل يأخذ الغربي من مجتمعه مفاهيمه النفعية، وعلى أساسها يسلك، وهذا من المشاهد المحسوس، ويتميز الناس في مصر مثلا ببعض الضوابط المختصة بسلوكهم توارثوها لا يوجد لها نظير في الشام مثلا، وهكذا يتأثر سلوك من يعيش هنا عمن يعيش هناك!

إلا أن تقنين القوانين التي تسعد الانسان وترقى به، ووضع التشريعات التي تحل مشاكله في الحياة حلا صحيحا ينآى بسعيه في الحياة عن درك الافساد في الأرض، تجعل مثل هذه الأفكار النابعة من البيئة آخر ما يمكن اللجوء إليه، لتأثرها الشديد بالعادات والتقاليد التي غالبا ما تكون بالية ويتحكم الجهل والتخلف فيها، توارثها الأبناء عن الأجداد، ولم يراعوا في ذلك صلاحية حلولها لمشاكلهم، ولا كونها الأصلح لهم في سعيهم في الدنيا، وعلاوة على ذلك فهي من نتاج العقول التي تتناقض فيما بينها في تحديد الصالح من الفاسد، وفي تحديد المصلحة الحقيقية للانسان، وفي تحقيق العدل وإحقاق الحق، مما يجعل التشريع المبني عليها موغلا في البعد عن الصلاحية للانسان في الدنيا، ويجعل المفكر يتخذ من هذه الأفكار أول مرمى لسهام تغييره، وترى بالمقابل أن الغرق في وحل هذا الواقع الفاسد أشد مؤخر لرقي الانسان ونهضته لأن الواقع الفاسد يغير بالأفكار الجذرية الانقلابية عن الكون والانسان والحياة ولا مكان في هذه المجموعة من الأفكار لمتوارث أجداد الأجداد مما وجدهم الأبناء عليه من عادات وتقاليد.

صحيح أن البيئة تملك التأثير على السلوك إلا أن التشريع الذي يراد به صلاح البشر يجب أن لا يتأثر بالبيئة لا من قريب ولا من بعيد، وهو المراد بحثه في هذا البحث، مع ملاحظة أن المكان ليس هو المؤثر وإنما هي الأفكار الموجودة في تلك البيئة، وهذه شأنها شأن العقيدة التي يتخذها الانسان مقياسا لسلوكه، ولو أردنا اتخاذها مصدرا للتشريع، لكان علينا ونحن نعلم عالمية الاسلام أن نراعي كل البيئات التي على وجه الأرض، وبالتالي لا يكون أخذنا للاسلام من الوحي ولكن من البيئة وهذا دمار للإسلام.

رب قائل يقول أن الانسان الذي يعيش في كندا والتي تبيح زواج مثلي الجنس، وتعتبره نكاحا، سيتأثر فكره وبالتالي سلوكه نتيجة وجوده في هذه البيئة مما سيغير مفاهيمه عن الحياة وبالتالي حكمه على النكاح وسلوكه إزاء العلاقات التي يقيمها؟

والجواب أن هذا المنطق بائس، فالكلام هنا عن التشريع الصالح لحل المشاكل لا عن الغرق في مستنقع الواقع من غير إعمال للعقل في الحسن والقبيح، والخضوع لتقنينات البشر لا إيجاد الحل الصحيح لهم.

قلنا أن العلم والصناعة والعمران يعطيان أثرا ضئيلا على السلوك، من خلال التأثير ببعض الأبحاث العلمية حول منافع أو مضار الأشياء، وما عدا هذا لا أثر لها يذكر، إذن فالعلاقة بين تقدم الانسان في رحلته في الأرض، في مجالات الصناعة والعمران والعلوم بسلوكه الذي يشبع فيه غرائزه وحاجاته العضوية، ضئيلة وعادة ما لا تأثر في المشرعين، وإن كان يحسن الاستفادة منها أحيانا، ولكنها لا تعتبر بحال، العامل الحاسم في التشريع، إذ أن الأثر الأكبر هو للمفاهيم عن الحياة صحة وبطلانا، قوة وضعفا، من هنا نقول أن استخدام الانسان للسيارة لا يغير من تركيبته العضوية بحيث يستغني عن الطعام والشراب، حتى ولا أثر لسفره بالطائرة في طريقة إشباع غريزة النوع سواء أكان بالزواج أم بالزنا أم بغير ذلك؟

وبالتالي فالأثر الأكبر والعامل الحاسم في مسألة التشريع والتقنين هو المفاهيم عن الأشياء مضافا إليها المفاهيم عن الحياة، ولا أثر للمكان ولا للزمان ولا للتقدم العلمي والصناعي في هذا التشريع.

فينتقل بنا البحث إذن إلى هذه المفاهيم لنرى من له حق التشريع، وكيف نضمن صحة هذه التشريعات، وصلاحيتها للانسان وعلاج مشاكله في رحلة الحياة وكيف نضمن أنها ستوفر العلاج الناجع لمشاكل الانسان عبر العصور وفي كل الأزمنة؟

هذا ما سنتناوله لاحقا ان شاء الله تعالى.

ابو شجاع
03-23-2005, 10:23 PM
اخي الفاضل ابا علي

بارك الله فيك اي الحبيب على موضوعك الشيق والهام :tu:

ولي طلب بسيط يوه بقى

ارجو انزال الحلقات كل يومين او ثلاث

حتى نتمكن من هضم الموضوع واستيعابه وابداء الاعتراضات عليه او النقاش حول نقطة معينه :hot:

جزاك الله كل الخير


ورردة
ورردة ورردة
ورردة ورردة ورردة
ورردة ورردة ورردة ورردة
ورردة ورردة ورردة ورردة ورردة
ورردة ورردة ورردة ورردة ورردة
ورردة ورردة ورردة ورردة
ورردة ورردة ورردة
ورردة ورردة
ورردة

أباعلي
03-23-2005, 11:39 PM
بارك الله بكما أخواني وهبة وأبو شجاع
وإن شاء الله سيتم كتابة الحلقات بأيام متباعدة لهظم الحلقات طبعا ولن أستعجل

وأنا على إستعداد أن أستقبل التعليقات وشرح الأمور الغير مفهومة بما أعلم بمعاونتكم إخوتي سنستفيد ونفيد بعضنا بعضا


ولي عودة ورردة

أباعلي
03-25-2005, 01:12 AM
الحلقة الثالثة
المصلحة وعلاقتها بالتشريع




الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على محمد الهادي الأمين
تنشأ بين الناس علاقات دائمية في المجتمعات التي ينتمون إليها، هذه العلاقات انما تنشأ بدافع مصالحهم، فالمصلحة هي جلب منفعة أو دفع مضرة، والمصلحة هي التي توجد العلاقة ومن غير وجود مصلحة لا توجد علاقة الا ان هذه المصالح انما يبينها من حيث كونها مصلحة او مفسدة مفهوم الانسان عن المصلحة، وبما ان المفاهيم هي معاني الافكار فتكون الافكار مضافا إليها المشاعر تجاه هذه المصالح من فرح وسرور ورضا وغضب .. الخ، هي التي عينت المصلحة وبالتالي هي التي اوجدت العلاقة، ولا شك أن هذه العلاقات بحاجة لضبط من خلال الانظمة التي تعالج بها هذه المصلحة حتى يتم وجود هذه العلاقة، لذلك فان العلاقة حتى توجد بين الناس لا بد ان تتحقق بينهم وحدة الافكار والمشاعر والانظمة، فسلوك الإنسان وعلاقاته مع الآخرين إنّما تتحكّم بها مفاهيمُه الّتي هي مزيج من الفكر والشعور، كما أنّ التشريعات الّتي تقوم السلطة على رعاية شؤون المجتمع بها، تتحكّم إلى حدّ كبير بعلاقات المجتمع، وبالتالي تؤثِّر إلى حدّ بعيد في نمط العيش فيه.

إذن فالمصلحة تتحكم الأفكار والمشاعر والأنظمة في ضبطها وتبيان كونها مصلحة أو مفسدة، وهذه الأفكار تتفاوت بين إنسان وآخر، وبين زمان ومكان وآخر، فعند المسلم هذه الأفكار هي العقيدة الاسلامية، وليس العقل حتما، وعند الرأسمالي هي النفعية، والمصلحة غالبا ما لا يستطيع الانسان تحديدها بعقله، وقد يظنها مصلحة ويتبين أنها مفسدة، وقد يرى أمرا ما مصلحة له بينما يرى غيره أنه مفسدة، مع أن الأمر متعلق بالانسان كإنسان المنطلق في سلوكه من دوافعه لإشباع الغرائز والحاجات العضوية، ومن هنا كانت الحاجة للرسل كي لا يتبع الحق أهواءهم: قال تعالى:{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ(71) المؤمنون، وقال عز من قائل :"وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} 48 المائدة.

وبما أن تقدير المصلحة متفاوت وعرضة للأوهام والظنون، كان اتخاذها أساسا للحكم على الشرع، خطأ كبيرا، فالشرع لا يتطرق إليه زلل ولا خطأ، فهو من عند الله " أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً(82)" النساء، فالتعاطي مع القرآن والسنة لا يكون بالحكم عليهما أو الحكم على ما ورد فيهما بأنه يحقق المصلحة أو لا يحقق، فإن تعارض مع ما رأيناه مصلحة طرحناهما وقدمنا فهمنا القاصر وتقديرنا القاصر للمصلحة، ولكن يكون التعاطي معهما بفهمها.

فالصواب إذن في عملية التشريع الحكم على الواقع بأفكار معينة بغض النظر أكانت المصلحة التي توهمناها عقلا متحققة أم لا، فحيثما شرع الله فثم المصلحة وليس العكس، فطريقة التفكير التي تنطلق من الواقع، بالتفكير في المصلحة ابتداء ومن ثم تكييف الشرع مع ما تراءى لنا أنه مصلحة، وهو عرضة للتبدل وللأوهام والظنون، هذه الطريقة في التفكير، طريقة بعيدة عن فهم الإسلام. فهي تعتبر الواقع مصدراً من مصادر الحكم. وما هو إلا واقع يحتاج إلى حكم، والمصدر هو ما ثبت شرعاً أنه مصدر. والثبوت الشرعي هو بالأدلة الشرعية من قرآن وسنة، أو ما يرشد إليه القرآن والسنة.

وبما أن العقول تتفاوت قوة وضعفا، وبما أن الانسان لا يفتأ يتقلب في الدنيا استكشافا وفهما، وبتقدمه في رحلته هذه في الحياة تتكشف له حقائق لم تكن قد تكشفت له من قبل، كان العقل ولا شك قاصرا عن أن يقطع بأن المصلحة هنا أو أن ما قيل له أنه مصلحة هناك، فعلا هو مصلحة، فالقرآن الكريم يعلمنا أن القتال عندما شرعه الله كرهه البعض، ظنا منهم أنه ليس خيرا لهم، قال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(216) البقرة.

والكذب قد يحكم الانسان أنه مفسدة دوما، في حين أن الشرع أعلمنا أن الكذب في الحرب جائز، وأن الصدق في إعلام العدو مثلا بعدد المسلمين وعدتهم مفسدة أي مفسدة.

{إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} (12)النور

روى النسائي عن‏ ‏رافع بن خديج "نهانا رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏عن أمر كان لنا نافعا وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏خير لكم" وعند أبي داود: ‏وطواعية الله ورسوله أنفع لنا وأنفع.

إن للشرع طريقة محددة في استنباط الحكم الشرعي لم تكن في يوم ولا عند فقيه معتبر قائمة على بحث المصلحة ومن ثم الحكم بالحل والحرمة، وإلا كنا رأسماليين نفعيين، بل البحث في الأدلة واستنباط الحكم منها، وهنا يكون الفقيه بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يأخذ بحكم الله الذي وصل إليه بالاجتهاد في الأدلة والمصلحة ليس منها، فيأخذ حكم الله، أو أن يتعارض هذا الحكم مع ما ظنه مصلحة فيرمي حكم الله الحائطَ جريا وراء المصلحة فيكون اتخذ إلهه هواه.

وهنا لا بد من إدراك أمرين: أولهما أن قصر الشريعة على جلب المصالح ودرء المفاسد خطأ محض، وذلك لأنّ جلب المصالح ودرء المفاسد ليسا علة للأحكام الشرعية مطلقاً، فإنه لم يرد أي نص يدل على أن جلب المصالح ودرء المفاسد علة للأحكام الشرعية، ولا ورد أي نص يدل على أنّها علة لحكم معين ، فلا تكون علة شرعية .

خصوصا وأنهما مجهولان له على الحقيقة، وبالتالي فالحكم على تقدير المصالح عقلا يتفاوت، مما يجعل المصلحة بحد ذاتها تابعة للحكم الشرعي لا بجعل الحكم الشرعي تابعا لها.

وأمّا من قال إن جلب المصالح ودرء المفاسد علة شرعية للأحكام الشرعية وأجرى القياس بحسبها، فقد استدل بقوله تعالى: (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين)، فجعل كونه رحمة علة للشريعة الإسلامية، ولا يكون رحمة إلاّ بجلب المصالح ودرء المفاسد، فكانت العلة الشرعية للأحكام.

وهذا الاستدلال خطأ من وجهين: الأول أن الموضوع هو إرساله أي كونه رسولاً، وليس الأحكام الشرعية، ولو سلم أن المراد من إرساله رسالته وهي شريعته فإن الموضوع يكون الشريعة كلها من عقائد وأحكام بمجموعها وليس الأحكام الشرعية وحدها. الأمر الثاني أن كون إرساله عليه السلام رحمة للعالمين إنّما هو بيان للحكمة من إرساله، أي النتيجة التي تترتب على إرساله، وذلك مثل قوله تعالى: {وما خلقتُ الجن والإنس إلاّ ليعبدون}، أي لتكون نتيجة خلقهم العبادة، فهي حكمة خلقهم وليست علة خلقهم. ومثل قوله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم} فهو الحكمة من الحج، أي النتيجة التي قد تحصل من الحج. وقوله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكَر} فهي الحكمة من الصلاة، أي النتيجة التي قد تحصل من الصلاة، وهكذا. فالآية هنا ليست في مقام التعليل، لأن العلة هي الشيء الذي من أجله وُجد الحكم أي شُرِّع، وحتى تُفهم العلّيّة في النص لا بد أن تكون وصفاً، وأن يكون هذا الوصف مُفهِماً العلّيّة، بمعنى سببية التشريع، أي أن التشريع كان من أجلها، وحينئذ تكون لازمة لا تتخلف، لأن السبب ينتج المسبب حتماً، ولذلك إذا وُجدت العلة وُجد المعلول. وفي قوله: {رحمة للعالمين} وبقية الآيات السابقة وإن كانت وصفاً، وفيها الحروف التي تفيد التعليل، ولكن سياق الكلام لا يفيد العلّيّة، لأنه قد يتخلف، ولأن التشريع لم يكن من أجلها. فالشريعة الإسلامية قد تكون رحمة لمن آمن وعمل بها كالمسلمين الأولين، ونقمة لمن كفر بها كالكفار. فإرسال الرسول قد كان نقمة على الكفار وهم من العالمين. وأيضاً فإن الرسالة الإسلامية موجودة اليوم. إذ الإرسال قد حصل بالفعل، ومع ذلك فإن المسلمين أنفسهم الذين آمنوا بالرسالة هم اليوم في شقاء. فلم يكن مجرد الإرسال أي مجرد وجود الشريعة رحمة، ولذلك ليست علة للإرسال. وعليه لا يكون جلب المصالح ودرء المفاسد علة شرعية، فلا تتخذ أصلاً للقياس.

وثانيا: أن على العقل أن يبحث عن علم قطعي يبين له أين المصلحة طالما أنه عاجز عن التحقق منها في كل حين، مما يجعل تقدير المصلحة قطعا من عالِم الغيب والشهادة سبحانه لا من الانسان، فما أعلمنا الله سبحانه أنه مصلحة قدرناه أنه مصلحة وإن تعارض مع أفهامنا القاصرة، ولا أدل على ذلك من تفاوت الأفهام، وتسرب النقص والضعف إليها مما يجعلها قاصرة عن بلوغ حقيقة ماهية الأشياء وتحقق المصالح فيها أو عدمه، لذا كانت القاعدة الخطأ أنه حيثما تكون المصلحة فثم حكم الله، والقاعدة الصواب هي حيثما يكون شرع الله فثم المصلحة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }(9)الجمعة.

وقولنا هذا لا يعني أن الشرع جاء ليضر بالخلق، ولكن المصلحة الحقيقية والصلاح الذي هو مدار الشرع، لا يكون بما تقدره العقول مصلحة، ولكن بترك تقدير المصلحة إلى الله وحيثما شرعه فثم الصلاح والمصلحة.

هذا وبينما ترى الشرع ينبهنا إلى مواطن الخير والصلاح لنا خاصة ما نغفل عنه كقوله {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (41) التوبة. ولكنه في الوقت ذاته يشرع أحكاما المصلحة ليست من ذات الحكم، فمثلا أين تجد المصلحة في رفع الاصبع في التشهد في الصلاة، أو أين المصلحة في أمره تعالى بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم؟{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(54) البقرة. فالمصلحة في تنفيذ أوامر الله وليست بالضرورة في ذات الفعل المطلوب القيام به.

إن النصوص الشرعية من الكتاب والسنّة متعلقة بفعل معين للعبد، فهي الدليل الشرعي على حكم الشرع في هذا الفعل، وهي ليست متعلقة بالمصلحة ولا جاءت دليلاً على المصلحة. فالله تعالى حين يقول: (فرِهانٌ مقبوضة)، وحين يقول: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)، وحين يقول: (وأشهِدوا إذا تبايعتم) إنّما يبين حكم الرهن وحكم كتابة الديْن وحكم الشهادة عند البيع، ولم يبين أن هذه مصلحة أو ليست بمصلحة، لا صراحة ولا دلالة، ولا يؤدي النص على أن هذا الحكم مصلحة أو ليس بمصلحة لا من قريب ولا من بعيد ولا بوجه من الوجوه، فمِن أين يقال إن هذه مصالح دل عليها الشرع حتى تعتبر هذه مصلحة وبالتالي تعتبر دليلاً شرعياً؟ وأيضاً فإن العلل الشرعية جاءت كالنصوص الشرعية متعلقة بفعل العبد ودليلاً على علامة حكم الشرع في هذا الفعل، ولم تأت لتبين المصلحة ولا لتبين علامة المصلحة. فالله تعالى حين يقول: {كيلا يكون دُولة بين الأغنياء منكم}، وحين يقول: {كيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم}، وحين يقول: (المؤلَّفة قلوبهم) إنّما يبين علة توزيع المال على الفقراء دون الأغنياء بأنها لمنع تداول المال بين الأغنياء، ويبين علة تزوُّج الرسول عليه السلام بزينب رضي الله عنها بأنها لبيان إباحة تزوج امرأة الشخص المتبنى، ويبين علة إعطاء المؤلَّفة قلوبهم بأنها حاجة الدولة لتأليف قلوبهم. فلم يبين أن هذه مصلحة، وإنما يبين شيئاً معيناً هو علة لحكم معين، دون أي اعتبار للمصلحة وعدم المصلحة، بل دون أي نظر إليها لا من قريب ولا من بعيد. فمن أين يقال إن هذه العلل دل عليها الشرع حتى تُعتبر هذه المصالح دليلاً شرعياً؟ وإذا كان الشرع لم تدل نصوصه على أنها جاءت لمصلحة لا في دلالتها على الحكم ولا في دلالتها على علة الحكم فلا يجوز أن يقال إن النصوص دلت على مصالح بعينها أو على مصالح بنوعها، لأن ذلك لم يأت شيء منه في النصوص الشرعية مطلقاً. وبهذا يظهر بطلان أن النصوص الشرعية جاءت دليلاً على مصالح بعينها أو على مصالح بنوعها، فلا تعتبر هذه المصالح دليلاً شرعياً. وإذا كان هذا فيما يقولون إنه مصالح ورد نص من الشرع باعتبارها بعينها أو بنوعها فمن باب أولى أن لا تعتبر المصالح التي لم يرِد نص في الشرع يدل عليها من الأدلة الشرعية.

والحمد لله رب العالمين، يتبع ان شاء الله تعالى

وهبه
03-25-2005, 06:15 AM
السلام عليكم ورحمة الله


مما يجعل المصلحة بحد ذاتها تابعة للحكم الشرعي لا بجعل الحكم الشرعي تابعا لها.


وعليه لا يكون جلب المصالح ودرء المفاسد علة شرعية،


حيثما يكون شرع الله فثم المصلحة



فلا تعتبر هذه المصالح دليلاً شرعياً.

____________________

حياك الله
اخى فى الله

سمعنا واطعنا

فهل لنا ان نبحث فى علة التحريم ...؟؟
كأن اقول لماذا حرم الله الخمر ولحم الخنزير ولبس الذهب والحرير للرجال .......


وشكرا
وجزاك الله خير

أباعلي
03-25-2005, 06:10 PM
بارك الله بك أخي وهبه على مشاركتك الدائمة والفعالة


أخي وحبيبي وهبة ها هو الجواب من الحلقة نفسها


وأمّا من قال إن جلب المصالح ودرء المفاسد علة شرعية للأحكام الشرعية وأجرى القياس بحسبها، فقد استدل بقوله تعالى: (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين)، فجعل كونه رحمة علة للشريعة الإسلامية، ولا يكون رحمة إلاّ بجلب المصالح ودرء المفاسد، فكانت العلة الشرعية للأحكام.

وهذا الاستدلال خطأ من وجهين: الأول أن الموضوع هو إرساله أي كونه رسولاً، وليس الأحكام الشرعية، ولو سلم أن المراد من إرساله رسالته وهي شريعته فإن الموضوع يكون الشريعة كلها من عقائد وأحكام بمجموعها وليس الأحكام الشرعية وحدها. الأمر الثاني أن كون إرساله عليه السلام رحمة للعالمين إنّما هو بيان للحكمة من إرساله، أي النتيجة التي تترتب على إرساله، وذلك مثل قوله تعالى: {وما خلقتُ الجن والإنس إلاّ ليعبدون}، أي لتكون نتيجة خلقهم العبادة، فهي حكمة خلقهم وليست علة خلقهم. ومثل قوله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم} فهو الحكمة من الحج، أي النتيجة التي قد تحصل من الحج. وقوله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكَر} فهي الحكمة من الصلاة، أي النتيجة التي قد تحصل من الصلاة، وهكذا. فالآية هنا ليست في مقام التعليل، لأن العلة هي الشيء الذي من أجله وُجد الحكم أي شُرِّع، وحتى تُفهم العلّيّة في النص لا بد أن تكون وصفاً، وأن يكون هذا الوصف مُفهِماً العلّيّة، بمعنى سببية التشريع، أي أن التشريع كان من أجلها، وحينئذ تكون لازمة لا تتخلف، لأن السبب ينتج المسبب حتماً، ولذلك إذا وُجدت العلة وُجد المعلول. وفي قوله: {رحمة للعالمين} وبقية الآيات السابقة وإن كانت وصفاً، وفيها الحروف التي تفيد التعليل، ولكن سياق الكلام لا يفيد العلّيّة، لأنه قد يتخلف، ولأن التشريع لم يكن من أجلها. فالشريعة الإسلامية قد تكون رحمة لمن آمن وعمل بها كالمسلمين الأولين، ونقمة لمن كفر بها كالكفار. فإرسال الرسول قد كان نقمة على الكفار وهم من العالمين. وأيضاً فإن الرسالة الإسلامية موجودة اليوم. إذ الإرسال قد حصل بالفعل، ومع ذلك فإن المسلمين أنفسهم الذين آمنوا بالرسالة هم اليوم في شقاء. فلم يكن مجرد الإرسال أي مجرد وجود الشريعة رحمة، ولذلك ليست علة للإرسال. وعليه لا يكون جلب المصالح ودرء المفاسد علة شرعية، فلا تتخذ أصلاً للقياس.

وثانيا: أن على العقل أن يبحث عن علم قطعي يبين له أين المصلحة طالما أنه عاجز عن التحقق منها في كل حين، مما يجعل تقدير المصلحة قطعا من عالِم الغيب والشهادة سبحانه لا من الانسان، فما أعلمنا الله سبحانه أنه مصلحة قدرناه أنه مصلحة وإن تعارض مع أفهامنا القاصرة، ولا أدل على ذلك من تفاوت الأفهام، وتسرب النقص والضعف إليها مما يجعلها قاصرة عن بلوغ حقيقة ماهية الأشياء وتحقق المصالح فيها أو عدمه، لذا كانت القاعدة الخطأ أنه حيثما تكون المصلحة فثم حكم الله، والقاعدة الصواب هي حيثما يكون شرع الله فثم المصلحة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }(9)الجمعة.

وقولنا هذا لا يعني أن الشرع جاء ليضر بالخلق، ولكن المصلحة الحقيقية والصلاح الذي هو مدار الشرع، لا يكون بما تقدره العقول مصلحة، ولكن بترك تقدير المصلحة إلى الله وحيثما شرعه فثم الصلاح والمصلحة.

هذا وبينما ترى الشرع ينبهنا إلى مواطن الخير والصلاح لنا خاصة ما نغفل عنه كقوله {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (41) التوبة. ولكنه في الوقت ذاته يشرع أحكاما المصلحة ليست من ذات الحكم، فمثلا أين تجد المصلحة في رفع الاصبع في التشهد في الصلاة، أو أين المصلحة في أمره تعالى بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم؟{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(54) البقرة. فالمصلحة في تنفيذ أوامر الله وليست بالضرورة في ذات الفعل المطلوب القيام به.






وفي المستقبل سوف نخوض في شرح للعلة وشروطها والفرق بينها وبين السبب والفرق بين العلة والمناط في موضوع خاص

ولك تحياتي

حكاية حزينة
03-25-2005, 06:49 PM
عارف انت لو نشرتها حلقات حتشوقنا ليهااااا لكن كده غلط وجزاك الله خير

أباعلي
03-25-2005, 07:14 PM
بارك الله فيك أخي الحبيب

أتقصد أن أنشرها كل موضوع لوحده؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

إذا كان قصدك هكذا فإنها سوف تتشتت والمواضيع متعلقة ببعضها

وإذا قصدك أن يكون فرق زمني بين كل موضوع وموضوع إن شاء الله سيكون كل 3 أيام نشر حلقة إلا إذا وجدنا أسئلة متعلقة بالحلقة

وإذا لم أفهم عليك فأرجوا أن توضح الأمر لي وبارك الله بك


ولك تحياتي ورردة

الضاحك الباكي
03-25-2005, 09:17 PM
[QUOTE=حكاية حزينة]عارف انت لو نشرتها حلقات حتشوقنا ليهااااا لكن كده غلط وجزاك الله خير
.................................................. ......................


الا نسان لا يكون انسان الا بالا سلام

ابو شجاع
03-27-2005, 02:29 AM
بارك الله فيك اخي ابا علي

ورد في الحلقة الأولى :

ووقف آخرون حيادا وكأن مسألة تطبيق الاسلام مسألة من الدرجة العاشرة من الأهمية،وقام بعضهم بإحياء بدع فقهية وقواعد ناشزة على الفقه الاسلامي، ظهرت في أوج عصر الانحطاط في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، قبيل الاجهاز على الدولة الاسلامية، كبدعة تغير الأحكام بتغير الأزمان والأمكنة، وبدعة تحكم العادة، وأنزلوا المصالح منزلا قدموه على الكتاب والسنة، مغفلين عن سبق إصرار وترصد الفرق بين المصالح المرسلة عند من يقول بها والمصالح العقلية عندهم والتي لم يسبقهم بها أحد ممن يعتد برأيه، وكانوا بذا أبواقا لما جاء في تقرير مركز راند للفكر الذي تدعمه الخارجية الأمريكية بعنوان الاسلام المدني الديمقراطي ص 53 حيث جاء فيه: أن المصلحة من الممكن جعلها الأساس الذي من خلاله يمكن حتى تجاوز ما يقوله القرآن الكريم نفسه

رحم الله الامام مالك ، عندما قال بالمصالح المرسله كدليل شرعي قسمها الى

مصالح معتبره

مصالح ملغاه

مصالح مرسله

بينما من يشرعون حسب المصلحه ( الشخصيه ) الأن قد جعلوا الشريعة كلها مصالح ملغاه


لا يسع الناظر المدقق في هذه المصائب والبلايا إلا أن يعزوها إلى أحد سببين، إما أن يكون أصاب القائمين عليها جهل بطبيعة الاسلام، وانعدام ثقةٍ بأحكامه مما جر هؤلاء – إن افترضنا حسن النية لديهم – إلى الغرق في مستنقع الواقع ووحله، وبدلا من أن يغيروا الواقع تغييرا جذريا انقلابيا رأيناهم يتخذون الواقع مصدرا للتفكير لا محلا له من أجل تغييره

طبعا فقد صار الواقع هو الذي يحكم بدلا من الشرع وكأن الاسلام جاء ليتعايش مع الواقع الفاسد لا ليزيله ويلغيه


كذلك عمد الغرب الكافر وأذنابه إلى استغلال الضعف العام الذي طرأ على الأذهان في فهم الاسلام، وأمعنوا في فصل الطاقة العربية عن الطاقة الاسلامية، فميعوا الكثير من المفاهيم الشرعية، من أجل التخلص منها باستبدال مفاهيمها لدى الغرب بأسمائها ومفاهيمها الشرعية، كالربا أصبح اسمه الفوائد، ولم يعد المسلم يرتجف خوفا لما يسمع أن تعامله بالربا مؤذنٌ بحرب من الله ورسوله، وبالتالي زال أثر الطاقة الاسلامية الموجودة في اللفظة العربية " الربا " و " الحرام " لتحل محلها مفاهيم الغرب وبذا يغيب الاسلام عن الواقع، ومع الوقت لا يتصور المسلمون قدرته على أن يحل محل الشركات المساهمة التي ملأت الأرض والسماء، والبنوك الربوية التي ناطحت أبراجها الغيم قرب الحرم المكي.


هل لك اخي الكريم ان توضح معنى عبارة فصل الطاقة العربيه عن الطاقة الاسلاميه مشكورا

ولا بد أيضا من التطرق لكيفية معالجة الاسلام لمشاكل الانسان، إذ أنه عالج مشاكل الانسان باعتباره إنسانا، لا باعتباره زيدا أو عمرو، علاجا لا يتغير مع تغير الزمان والمكان

بوركت الاسلام جاء ليعالج مشاكل الانسان بوصفه انسانا سواء اكان في الصعيد ام في امريكا ام في جزر القمر وسواء اكان يعيش في زمن الصحابه ام في عصر الصواريخ والذره

كالقائلين باجازة اخذ القروض الربويه في الغرب لشراء المساكن ، علما انه لو جاز للمسلمين الذين يعيشون في دول الغرب اخذ الربا لكان من باب اولى انه جائز للذين يعيشون في البلاد المسماة اسلاميه

لنا وقفات اخرى مع موضوعك عما قريب

ورردة

أباعلي
03-27-2005, 05:08 AM
بارك الله بك حبيبنا وأستاذنا أبا شجاع


أمابالنسبة للسؤال فأجيب بإختصار
هل لك اخي الكريم ان توضح معنى عبارة فصل الطاقة العربيه عن الطاقة الاسلاميه مشكورا

يعني جعل اللغة العربية وما فيها من قدرة على التأثير والتوسع والانتشار لا تعبر عن الإسلام وما فيه من قدرة على التأثير والتوسع والانتشار. أما بالنسبة للغة العربية فإن جرس ألفاظها وتناغم جرس تركيب كلماتها يحدث في السامع تأثيراً وانسياقاً. وإن ما فيها من التعريب والمجاز والاشتقاق يجعلها قادرة على التعبير عن أي معنى وعن أي شيء، وإن ما في أدبها من شعر وخطب ونثر من حيث التراكيب، بغض النظر عن المعاني، يفتح لها آفاقاً لدى الناس والمجتمعات وهذا هو الانتشار. وأما بالنسبة للإسلام فإن القرآن الذي هو عربي علاوة على ما فيه من مزايا اللغة العربية فإنه بمعانيه يمكنه أن يعالج كل مشكلة باستنباط حكمه منها في أي عصر من العصور وهذا هو التوسع. ومن معالجته لمشاكل الإنسان من حيث هو إنسان لا مشكلة بيئة معينة يجعله ينتشر فوق كونه هدى للناس. ومن مخاطبته العقل وكونه فطرياً أي وفق الفطرة يؤثر تأثيراً كبيراً في الناس وهذا هو التأثير.

ورردة

أباعلي
03-29-2005, 12:43 AM
ما رأيكم إخواني هل ننتقل للحلقة القادمة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

وهبه
03-29-2005, 01:21 AM
على بركة الله

ولكن

الذى يجرى على الساحة حاليا من مظاهرات

موفدها

جعل الاسلام روحانيات وعبادة لها طقوس واقصاؤه من الساحة السياسية

هناك الاخوان
واخرون يعارضون ...جعل الدين مع السياسة
وفصلهما عن بعضهما


يعنى بالبلدى

كل ما تقوله هو
مثاليات
بعيدة
عن
ارض الواقع

وهذا ليس كلامى
فالعلمانيين يقولون لنا

بطلوا دروشه ....وخليكم عقلانيين

الرجا
اريد ان اتهذب فى اسلوبى التفكيرى
وان اتأدب باداب الاسلام
يعنى

ببساطة وبكل وضوح نريد ان نعرف
اى انسان بعيد عن الاسلام وهو مسلم ( اختار الدنيا ) قد ضل وانحرف عن المسار
ولابد عليه ان يبحث عن الحقيقة

زدنا من فضل الله عليكم

تفضل
ورردة

أباعلي
03-29-2005, 02:12 PM
الحلقة الرابعةُ
كيف يعالج الإسلام مشاكل الإنسان علاجا لا يتغير عبر الزمان والمكان ؟



الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على محمد النبي الهادي الأمين
تناولنا في الحلقات السابقة محور العوامل التي تؤثر في سلوك الانسان، والمصلحة، وسنؤصل هنا لطريقة الاسلام في معالجة المشاكل التي تعترض الانسان في الحياة علاجا جذريا وواسعا لجميع مشاكله.

الشريعة الاسلامية، وضعت الحلول لمشاكل الناس باعتبارهم أناسا تدفعهم الطاقة الحيوية، المتمثلة بالغرائز والحاجات العضوية، لإشباع هذه الحاجات والغرائز، على نحو يضمن حسن الاشباع، فالانسان إما أن يشبع الغريزة أو الحاجة العضوية إشباعا صحيحا أو خاطئا أو شاذا، وكل فرد من أفراد هذه الحاجات العضوية أو مظاهر الغريزة يمكن أن يشبع بأحد هذه الطرائق الثلاث للاشباع، ولا يتعداها إلى غيرها، فمثلا: من مظاهرِ غريزةِ النوعِ الجنسُ، يمكن إشباع هذا المظهر إما بالزواج، أو بالزنا أو بالشذوذ، أو أن لا يشبع إطلاقا بأن يعزف المرء عنه إلى مظهر آخر من مظاهر غريزة النوع، كالانصراف عن الزوجة إلى حنان الأم، هذه هي الإمكانيات التي يمكن أن يشبع هذا المظهر لغريزة النوع من خلالها، ولا يوجد أبدا غيرها، وهنا جاءت الشريعة وبينت أن الاشباع الصحيح لا يكون إلا من خلال الزواج، والزواج علاقة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه، فيمنع زواج المحارم، ويمنع إشباع الغريزة عن طريق الشذوذ مع ذات الجنس أو مع البهائم، ويمنع الاشباع من خلال الزنا، ويفصل الاسلام أحكام هذا كله، فيضع عقوبة للزنا سواء أكان الزاني متزوجا أم غير متزوج، ويضع العقوبات على من يقوم بالشذوذ، وبذا يكون التشريع متناولا للمشكلة من جذورها بغض النظر أتعلقت بزيد أم بعمرو، وبالتالي فكل إنسان في الدنيا يواجه دوافع تدفعه لحل مشكلة الجنس فهذه المشكلة وهذا علاجها، ومثل هذا العلاج لا يتبدل بتبدل الزمان أو المكان وهو وحده الصحيح لأنه منلدن عليم خبير، قال تعالى " ألا يعلم من خلق؟ وهو اللطيف الخبير !!"

وبالمثل، فالانسان دائما بحاجة لإشباع جوعة البطن، فجاء الاسلام وأباح كل الأشياء التي في الكون، واستثنى من هذه الاباحة أصنافا معينة فصَّلها، منها الميتة والدم ولحم الخنزير، وما إلى ذلك، فصَّل ما حرم علينا تفصيلا شاملا {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} فحيثما حل الانسان أو ارتحل يكون الخنزير حراما عليه ويكون الخمر حراما عليه، لا يتبدل ولا يتأثر بزمان أو مكان.

هذا وقد راعى الاسلام الأحوال غير الطبيعية التي يمر بها الناس، كالمجاعات والاشراف على الهلاك، فأباح ما حرم علينا في حالة الاضطرار إن ظن الانسان الهلاك إذا لم يأكل المحرم، أما إن غلب على ظنه الهلاك وأشرف عليه ففرض عليه أن يأكل من المحرم، عملا بالقاعدة الشرعية الوسيلة إلى الحرام محرمة، وهكذا فقد سد الاسلام كل ثغرة وعالج كل وضع مصاحب للانسان في سيره في الحياة، سواء أشارف على الهلاك تيها في الصحراء أم شارف عليه وهو في بيته أو في عصر الصحابة أم في قابل الزمان فالحكم لا يتغير.

وعلى الصعيد الاقتصادي مثلا، بينما نرى المفكرين الرأسماليين لا يفرقون بين النظام الاقتصادي وبين علم الاقتصاد، فالاقتصاد عندهم هو الذي يبحث في حاجات الإنسان ووسائل إشباعها، فيجعلون إنتاج السلع والخدمات التي هي وسائل إشباع الحاجات مع توزيع هذه السلع والخدمات على الحاجات بحثاً واحداً؛ وبالتالي ينطوي لديهم توزيع السلع والخدمات في بحث إنتاج هذه السلع والخدمات. وبناء على ذلك ينظرون إلى الاقتصاد نظرة واحدة تشمل المادة الاقتصادية وكيفية حيازتها، دون فصل بينهما ودون تمييز أحدهما عن الآخر؛ أي ينظرون إلى علم الاقتصاد والنظام الاقتصادي نظرة واحدة دون فرق بينهما، مع أن هنالك فرقاً بين النظام الاقتصادي وعلم الاقتصاد. فالنظام الاقتصادي هو الذي يبين توزيع الثروة وتملّكها والتصرف بها وما شاكل ذلك، وهو في بيانه هذا يسير وفق وجهة نظر معينة في الحياة.

وذلك بخلاف علم الاقتصاد، فإنه يَبحث في الإنتاج وتحسينه وإيجاد وسائله وتحسينها، وهذا عالمي عند جميع الأمم لا يختص به مبدأ دون آخر، كسائر العلوم، فالاسلام عند معالجته للاقتصاد، فصل بين النظام الاقتصادي وبين علم الاقتصاد، وبالتالي فإنه لم يحجر على تفكير البشر في إبداعاتهم في علم الاقتصاد وطريقة تحسين الانتاج مثلا، فاختراع خط الانتاج مثلا من قبيل الأمريكي فورد، سرّع في عملية إنتاج السيارات وسهلها كثيرا، فهذا الأمر عالمي وليس نابعا من وجهة النظر في الحياة وبالتالي فالاسلام يأخذه كما يأخذ نظرية فيثاغوروس في الرياضيات لأنها غير نابعة من وجهة النظر في الحياة فهي ليست خاصة باليونانيين.

وذلك بخلاف النظام الاقتصادي، فالملكيات العامة مثلا، والتعامل بالربا، أو المعاملات التي يترتب عليها حقوق مالية لا بد من ضبطها بناء على وجهة النظر في الحياة أي على العقيدة الاسلامية، من هنا فالنظام الاقتصادي الاسلامي قام بوضع قواعد تناول فيها توزيع الثروة وتملكها والتصرف بها وما شاكل بنظام ثابت لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه منلدن عليم خبير.

ومن هنا تزول الشبهة التي تدور في أذهان بعض المسلمين من موقف الاسلام إزاء تقدم البشرية في الأرض علميا وصناعيا، فالاسلام كما قلنا لا يحجر العقول ولا يمنع الابداع في مجال الأشكال المادية والصناعية والعلمية.

أما الواقع الفاسد، فقد جاءت الشريعة لتغيره تغييرا جذريا انقلابيا، فتعاملت مع الواقع لا على أساس جعله مصدر التفكير ولكن على أساس جعله محل التفكير، فالمجتمع الغارق في الفساد، لم تأت الشريعة لتلتقي معه في منطقة الوسط، بل فاصلت الجاهلية مفاصلة تامة، منطقها: {قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد} ، ومنطقها: {وَلَوِاتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنفِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} ومنطقها: وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً . وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً } الاسراء ، ومنطقها:{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ} 88 هود.

وهنا نجد أن الاسلام ليس مسئولا عن كل المشاكل التي نتجت عن تطبيق غيره سواء الاشتراكية أو الرأسمالية، فالاسلام ليس مسئولا عن إيجاد حل مرحلي لمشكلة فرض التأمين على المسلمين إجباريا مع أنه يتناقض مع شريعتهم، وليس مسئولا عن إيجاد حل مرحلي لمشكلة الفقر التي ألجأت بعض المسلمين إلى الربا، إذ لو كان الاسلام مطبقا لمنع التأمين ولمنع الربا ولمحا الفقر، فهو لا يتخذ الواقع مصدرا للتفكير بل يغيره بمفاهيمه الجذرية الانقلابية فيمحو الكفر ويضع الاسلام موضع التطبيق فورا.

كذلك فإن الاسلام راعى في تشريعه تحقيق العبودية لله وحده، فالانسان الذي يقنن لغيره إنما ينصب نفسه إلها من دون الله، وبالتالي فالاسلام هو إخراج للعباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العالمين، وهنا تجد بعض التشريعات إنما جاءت لتختبر طاعة العباد لربهم بغض النظر أصطدمت مع مصالحهم الآنية ونظرتهم الضيقة للأمور أم توافقت معها، فالغربي يبحث عن علة لتحريم الخنزير، فلا يجد، ومقياسه النفعية وبالتالي لا يقف على حقيقة تحقيق العبودية لرب العالمين، وهي من أهم مطالب الشرع، فالتزام ما أمر الله ورسوله فيه تحقيق العبودية لله وحده وفيه تسليم له تعالى بأنه أحق بالحاكمية، وأنه وحده العليم بما يصلُح للبشر وما يُصلحهم.

وأخيرا فقد منح الشريعة ما لا يوجد في غيرها من التشريعات، فقد جعلها مقاييس مبنية على الاعتقاد، فكانت وازعا عقديا يزع الانسان للالتزام بها مخافة الله، ومحبة في الله، ورجاء في جنب الله، مما يجعل الانسان ليس بحاجة إلى قوة مصلتة عليه لتردعه ليلتزم القانون، بل تجعله يخضع لسلطان الله في السر والعلن، فلا يرى الافلات من عقوبة الحاكم في الدنيا غنيمة ولا مكسبا، فهو يعلم أن الله يراقبه، ولكنها أيضا وضعت العقوبة الحكيمة المناسبة للمخالفة لهذه الأوامر، فكانت العقوبات زواجر جوابر، تردع من تسول له نفسه التهاون في تنفيذ أوامر الله تعالى.

فهذه أمثلة ستة تضع خطوطا عريضة لطريقة الاسلام في علاج المشاكل، وهي: أن الاسلام عالج المشاكل علاجا جذريا متعلقا بجنس الانسان، وثانيها أنه راعى الظروف غير الاعتيادية والتي يظهر فيها اضطرار المسلم لما حرم عليه من مأكل ومشرب، وثالثها: تعلق نظام الاسلام بأمور معينة هي ما نبع من وجهة النظر في الحياة، وما يدخل في مفهوم الحضارة، وأما الجانب المتعلق بالمدنية فقد تركه للانسان يبدع فيه كيف شاء، ورابعها أنه لم يجعل الواقع مصدر تفكيره ولكن محل تفكير من أجل تغييره بالمفاهيم الصحيحة لا الالتقاء معه في منتصف الطريق، وخامسها تحقيق العبودية لله وحده سبحانه لأنه الحاكم وحده، وسادسها أنه وضع آلية لتطبيقها وتنفيذها تضمن التنفيذ الذاتي لها في غياب السلطان، ولكنها أيضا وضعت العقوبات الزواجر الجوابر للخارجين عليها لتضمن حسن تطبيقها.

لقد اختلف الاسلام في طريقته في حل المشاكل كليا عن القوانين الوضعية، فقد كان حلا مخالفا للتشريع الذي يحل مشاكل الناس باعتبارهم فلانا أو علانا، يريد هذا تقنينا يبيح له الزنا وذاك يبيح له الخمر، فيفصَّلُ التشريعُ على أهواء المتشرِّعين أو المحسوبين عليهم من أرباب الصناعات ورأس المال، أو على أساس المحسوبيات والنفعيات والأهواء مما يجعل التشريع قاصرا عن الصمود أياما علاوة على أن يصلح للبشرية في رحلة الحياة الدنيا.

ولقد تناولت الشريعة الاسلامية مشاكل الانسان لتنظم سلوكه، فراعت التحقق من أن يكون الحل هو الحسن وما سواه هو القبيح على الحقيقة، ولقد راعت إحقاق الحق والعدل، وضمنت أن يؤدي السلوك إلى إعمار الأرض بالعمل الصالح لا العيث في الأرض فسادا، فكان الشرع متجنبا الأهواء والمصالح الآنية الضيقة، راقيا بالانسان عن درجة البهيمية في إشباع غرائزه وحاجاته العضوية، مراعيا إنسانيته وعقله، محققا مصلحته على الحقيقة لا على التخريص، رحمةً لسائر الناس، مبنيا على نظرة صحيحة للكون والانسان والحياة قائمةٍ على حلٍ صحيحٍ للعقدة الكبرى مبنيةٍ على العقل متوافقةٍ مع الفطرة.

وعلى صعيد آخر في البحث، فإن الشريعة الاسلامية جاءت باللغة العربية، فوسعت علاج المشاكل التي كانت في زمن المصطفى صلى الله عليه وسلم، والتي ستطرأ إلى يوم الدين، فقد أكمل الله الدين، وهذا محور سنتناوله ان شاء الله في حلقة قادمة مستقلة، تتناول سعة الشريعة الاسلامية لنميز بين السعة وبين المرونة.
والحمد لله رب العالمين


نلقاكم في الحلقة القادمة ورردة

طالب نعيم
03-30-2005, 02:10 AM
ولقد تناولت الشريعة الاسلامية مشاكل الانسان لتنظم سلوكه، فراعت التحقق من أن يكون الحل هو الحسن وما سواه هو القبيح على الحقيقة، ولقد راعت إحقاق الحق والعدل، وضمنت أن يؤدي السلوك إلى إعمار الأرض بالعمل الصالح لا العيث في الأرض فسادا، فكان الشرع متجنبا الأهواء والمصالح الآنية الضيقة، راقيا بالانسان عن درجة البهيمية في إشباع غرائزه وحاجاته العضوية، مراعيا إنسانيته وعقله، محققا مصلحته على الحقيقة لا على التخريص، رحمةً لسائر الناس، مبنيا على نظرة صحيحة للكون والانسان والحياة قائمةٍ على حلٍ صحيحٍ للعقدة الكبرى مبنيةٍ على العقل متوافقةٍ مع الفطرة.


الاخ الكريم ابا علي
من الذي يقرر الحسن والقبح الشريعة والانسان ( المجتهد){الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (18) سورة الزمر
ام هو مقتصر على الشريعة ؟
وبارك الله بكم

أباعلي
03-30-2005, 03:23 AM
أهلا بك أخي العزيز طالب النعيم وإني أسال الله لك الفردوس الأعلى

وبارك الله بك على مشاركتك وأرجو أن تتابعنا دائما ولك ما طلبت

القبيح والحسن

إن الحكم على الأشياء والأفعال بالحسن والقبح , قد يكون من جهة واقعها أو من جهة ملائمتها أو منافرتها لفطرة الإنسان أو من جهة الثواب والعقاب عليها من الله تعالى .
أما من جهة واقعها وملائمتها أو منافرتها للفطرة فإن الإنسان بحسه وعقله يستطيع الحكم عليها, فيحكم على الشيء الحلوكالعسل بأنه حسن وعلى الشيء المر كالحنظل بأنه قبيح ، ويحكم على العلم والغنى بأنه حسن ، وعلى الجهل والفقر بأنه قبيح، لما فيها من الكمال والنقص ، لأن الله أودع فيها خصائص يمكنه بها أن يدرك ذلك ، وهي الغرائز والحاجات العضوية والتفكير .
وأما الحكم على الأشياء والأفعال بالحسن والقبح من جهة الثواب والعقاب عليها من الله تعالى ، فإنه ليس للانسان لأنه عاجز بما أعطي من خصائص ، عن معرفة كون الأمر مما يثيبُ عليه الله ، أو مما يعاقب عليه الله لأن ذلك لا يقع تحت حسه فلا يمكن أن يدركه عقله إلا بإخبار من الله تعالى، وهذا الإخبار هو الشرع الذي جاء به الوحي الى الرسل .
والشرع مدح أشياءاَ وأفعالاَ ورتب على بعضها ثوابا ، وذم أشياءأ وأفعالا ورتب على بعضها عقابا ، لذلك كان الحكم عليها بالحسن والقبح من جهة المدح أو الذم ومن جهة الثواب أو العقاب هو الله تعالى وليس لعقل الإنسان وذلك لأن واقع العقل مكون من إحساس وواقع ومعلومات سابقة ودماغ ، والإحساس جزء أساسي من العقل فإن لم يحس الإنسان بالشيء لا يمكن لعقله أن يصدر حكما عليه، لأن العقل مقيد حكمه على الأشياء بكونها محسوسة أو محسوس أثرها وما دام لا يحس بمدح الله أو ذمه للأشياء والأفعال ولا يحس بما رتب عليها من ثواب أو عقاب فإنه عاجز عن إصدار الحكم عليها من هذه الجهة ، إلا بإخبار من الله تعالى .
وإن حُكم الإنسان عليها من جهة واقعها أو من جهة ملائمتها أو منافرتها لفطرته، لاقيمة شرعية له ولا دخل له في قيامه أو عدم قيامه بالفعل ، فالمسلم يجاهد في سبيل الله ، ويحمل الدعوة ، ويصوم ، كما أمره الله ، وإن لم يدرك حسن واقع هذه الأعمال أو إن كانت منافرة لفطرته . وهو يجتنب الربا والزنا والتجسس كما نهاه الله وإن لم يدرك قبح هذه الأعما أو إن كانت ملائمة لفطرته.
ففي الإسلام الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع ، قال تعالى :( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) الاعراف (157)
فالطيب أو الحسن ما أحله الله ،والخبث أو القبيح ما حرمه الله وليس ما لائم أو نافر فطرة الإنسان أو عقله فتاعنب طيب وحسن والخمر المصنوع منه خبيث وقبيح والبيع حلال وحسن والربا حرام وقبيح .

وهبه
03-30-2005, 03:51 AM
لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

زادكم الله علما ورزقكم العمل به
__________________
وهذا الإخبار هو الشرع الذي جاء به الوحي الى الرسل .

، قال تعالى :( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) الاعراف (157)

__________________

فهل لى إن غم علىّ ان
استفتى قلبى

كما قال الرسول وإن افتوك ....

اريد ان اتحرى عن كل صغيرة وكبير لكى لا اقع فى الحرام والقبيح
برغم ان الشيطان مزينه لى ونفسى تأمرنى به

هنا
هل للاهواء سبيل على الحكم على الحسن والقبيح :think3:

ندعو الله لكم بالتوفيق
والدال على الخير كفاعله
جزاكم الله خير ورردة

أباعلي
03-30-2005, 04:59 AM
أخي وهبه بإختصار شديد

ليس لنفس الإنسان أن تحسن وتقبح بشكل مطلق بل إنها مقيدة بالشرع
أي أن القبح ما قبحه الشرع والحسن ما حسنه الشرع

إن شاء الله في المستقبل سنخوض بموضوع يتعلق بالنفسية والعقل والربط بينهما .


ورردة

وهبه
03-30-2005, 05:12 AM
جزاك الله كل خير

:flowers: :flowers: :flowers:

اى لا ارتدى حرير او البس ذهب .. مع انه محلل للنساء .... اى لا قبح فيه :think3:

وجعلها فى موازين الاعمال الصالحة لنا

اتابع
ان شاء الله

طالب نعيم
03-30-2005, 11:30 AM
ما شاء الله
بوركت ابا علي
شرح مفصل وكلام منضبط :clap: :clap:
لا فض وفوك ورردة
والسلام

ابو شجاع
04-24-2005, 02:53 AM
نظرا لغياب الاخ الفاضل ابا علي فساقوم بمتابعة الموضوع ، علما انني اعتذر منه مقدما على ذلك

لا يصلح الانسان في أي زمان أو مكان إلا بالاسلام الحلقة الخامسة


الشريعة الاسلامية واسعة ولكنها ليست مرنة


الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى،

لقد بالغت الحضارة الغربية في تقديس حرية الفرد، بحيث اتخذت من هذه الحرية محورا لتشريعاتها، فجعلت التشريع قائما على أساس تقرير الحرية أو عدمها، لكن الاسلام وهو يشرع للناس ما يعالج مشاكلهم، جعل موضع البحث أفعال الانسان، فهو لا ينظر إلى الإنسان من حيث قيامه بأفعاله على أساس الحرية أو عدمها، وإنّما ينظر على أساس أن هذه أفعال تصدر من الإنسان فما هو حكمها؟ فأنزل الأوامر والنواهي التي على الانسان القيام بالتصرفات بناء عليها، فأوجب بعضها وحرم البعض ورغب في فعل أو ترك بعضها ونص على التخيير في الأفعال الأخرى، إلا أن هذا لا يعني أنه حصر التشريع في أفعال معينة، كتحريم سرقة الذهب، ولكنه جاء بأحكام جاءت بمعانٍ عامة محددة الوصف، فتحريم السرقة يدخل تحته كل ما اعتبره الشرع سرقة، أكانت سرقة ذهب أم رغيف خبز، وأحل الله البيع، سواء أباع جلودا أم طائرات.


فالطلب المستفاد من الأوامر والنواهي جازما كان أم غير جازم، أو التخيير بين الفعل والترك، هو حكم أفعال الانسان، يفيد الخطاب أي الأوامر والنواهي لزوم الفعل أو الترك أو الإباحة أي نوع الحكم، وعليه فإن المخاطَب بالحكم هو الإنسان، ولكن محل الخطاب هو أفعال الإنسان؛ وهذا الحكم الذي خوطب به ليس إعطاءه الحرية يفعل ما يراه، ولا هو تقييد هذه الحرية، بل هو علاج كل مشكلة تقع له في هذه الحياة، أي هو بيان حكم كل فعل يصدر من الإنسان بوصفه إنساناً.

والناظر في هذه الأوامر والنواهي أي في خطاب الشارع، يجد أنه متعلق بفعل الإنسان من حيث هو إنسان، ومتعلق بأفعال موصوفة وصفاً عاماً، أي جاء بمعانٍ عامة تنطبق على كل ما يندرج تحتها؛ فالطلب والتخيير حين أعطى حلول المشاكل أي أحكام الوقائع، جعل هذا الحكم خطاً عريضاً أي معنى عاماً؛ فهو قد أعطى حكم فعل ولكنه أعطى حكم جنس الفعل أو نوعه بوصف عام، لا حكم فعل واحد أو أفعال محدودة العدد، ولذلك كان منطبقاً على كل فعل من جنسه أو من نوعه، وعلى كل ما يدل عليه الوصف العام وما يندرج تحت المعنى العام إن كان الوصف غير معلَّل، وعلى كل ما ينطبق عليه الوصف العام أو يندرج تحت المعنى العام، مع كل ما تنطبق عليه علّة الحكم للوصف إن كان الوصف معلَّلاً.

فهو يقول هذا حكم البيع أو هذا حكم خيار البيع أو هذا حكم الصرف، فيقول: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا 275 البقرة)، ويقول: فيما رواه البخاري في باب (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا): ‏المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار.، ويقول في ما رواه مسلم: ‏‏نهى رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا قال فسأله رجل فقال يدا بيد فقال هكذا سمعت.

وكذلك يقول فيما رواه أبو داود: ‏ذكر ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏‏يوما ‏‏الفيء ‏‏فقال: ما أنا بأحق بهذا ‏ ‏الفيء‏ ‏منكم وما أحد منا بأحق به من أحد إلا أنا على منازلنا من كتاب الله عز وجل وقسم رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏فالرجل وقدمه والرجل وبلاؤه والرجل وعياله والرجل وحاجته.

فهذا حكم تقسيم الفيء، وهذه علامة على حكم تداول المال بين الأغنياء وحدهم؛ وهذا حكم مراعي الماشية، وهذه علامة حكم ما هو من مرافق الجماعة. أو هذا حكم إقطاع الدولة رعاياها مما ليس ملكاً لأحد، وهذه علامة حكم المعادن. فيقول في تقسيم الفيء على المهاجرين دون الأنصار: (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ (7) الحشر)، ويقول فيما رواه أحمد في باقي مسند الأنصار: (المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار)، ويقول، أي النص فيما رواه الترمذي وأبو داود: ‏عَنْ ‏ ‏أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ ‏أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏فَاسْتَقْطَعَهُ ‏الْمِلْحَ‏ ‏فَقَطَعَ ‏لَهُ فَلَمَّا أَنْ ‏‏وَلَّى ‏قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمَجْلِسِ ‏ ‏أَتَدْرِي مَا ‏ ‏قَطَعْتَ‏ ‏لَهُ إِنَّمَا‏ ‏قَطَعْتَ‏ ‏لَهُ الْمَاءَ ‏‏الْعِدَّ ‏قَالَ فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ قَالَ وَسَأَلَهُ عَمَّا ‏يُحْمَى ‏مِنْ ‏‏الْأَرَاكِ ‏قَالَ مَا لَمْ ‏ ‏تَنَلْهُ ‏ ‏خِفَافُ الْإِبِلِ فَأَقَرَّ بِهِ ‏قُتَيْبَةُ ‏وَقَالَ نَعَمْ).

ولهذا فهو أي النص أي التشريع الإسلامي هو أدلة إجمالية، وقواعد عامة، وتعاريف شرعية، وأحكام كلية أو جزئية، ينطبق على أفعال الإنسان المتجددة والمتعددة مهما تنوعت واختلفت.

ومن هنا يأتي الاستنباط من هذه المعاني العامة لكل مشكلة من المشاكل المتجددة والمتعددة للإنسان، ولهذا لا توجد واقعة حدثت إلاّ ولها محل حكم، ولا حادثة تحدث إلاّ ولها أيضاً محل حكم، ولا مشكلة يمكن واقعياً لا فرضياً أن تقع إلاّ ولها كذلك محل حكم. وقد أعطى الشارع النص على هذا الوجه وترك للعقل البشري أن يجالد ويناضل ويبذل أقصى الجهد لاستنباط أحكام المسائل المتجددة والمتعددة من هذه النصوص، وجعل الاجتهاد ليس مباحاً فحسب بل جعله فرض كفاية لا يصح أن يخلو عصر منه، وإذا خلا عصر من مجتهدين فقد أثِم كل المسلمين.

قلنا أن الإنسان في كل زمان ومكان هو الإنسان في غرائزه وحاجاته العضوية لا يتغير أبداً، فكذلك أحكام معالجاته لا تتغير والمتغير هو أشكال حياة الإنسان، فبعد ركوب الحصان أصبح يسافر في الطائرة وهذه لا تؤثر على وجهة نظره في الحياة، أما ما يتجدد من مطالب متعددة للإنسان فهو ناجم عن تلك الغرائز والحاجات العضوية، وقد جاءت الشريعة واسعة لمعالجة هذه المطالب المتجددة والمتعددة مهما تنوعت ومهما تغيرت أشكالها؛ وقد كان ذلك سبباً من أسباب نمو الفقه.

إلاّ أن هذه السعة في الشريعة لا تعني أنها مرنة بحيث تكون منطبقة على كل شيء ولو ناقضها، ولا تعني أنّها متطورة بحيث تتبدل مع الزمن، بل يعني اتساع النصوص لاستنباط أحكام متعددة، ويعني اتساع الأحكام لانطباقها على مسائل كثيرة، فمثلاً يقول الله تعالى: { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } فإن هذه الآية يستنبط منها حكم شرعي هو أن المطلقة تستحق أجرة الرضاع، ويستنبط منها حكم شرعي أيضاً أن الأجير أياً كان يستحق الأجرة إذا قام بعمله، وهذا الحكم ينطبق على مسائل عديدة منها أن موظف الحكومة، والعامل في المصنع، والفلاح في المزرعة، ومن شاكلهم يستحق كل منهم أجرته إذا أتم عمله، لأنّه أجير خاص، وأن النجار الذي عمل الخزانة، والخياط الذي خاط الثوب، ومن شاكلهم يستحق كل منهم أجرته إذا قام بعمله لأنّه أجير عام .

يتبع

ابو شجاع
04-24-2005, 02:56 AM
صحيح أن الإسلام جاء بخطوط عريضة أي معان عامة وتَرك للعقل البشري أن يستنبط من هذه المعاني العامة الأحكام الشرعية للمشاكل المتجددة كل يوم والمتعددة بتعدد الوقائع، ولكن ذلك لا يعني أن هذا مرونة وتطور فيمكن المرء أن يأخذ أي حكم يريده منها، لأنها لا تعطي إلاّ ما فيها مما دل عليه اللفظ أو المعنى الذي دل عليه معنى اللفظ ولا يعطي ما لا يُفهم دلالة في إحدى الدلالات المعتبَرة، وكذلك لا يعني أن هذه المعاني العامة تساير كل عصر وكل زمن بل يعني أن كل عصر وكل زمن يجد حلول المشاكل التي تحصل فيه في هذه الخطوط العريضة حسب وجهة النظر التي فيها وحسب ما يدل عليه منطوق جُملها أو مفهومها لا حسب العصر والزمن من وجهة نظر أو حسب ما يسود في العصر من معالجات وأحكام.

فهذا الاتساع بالنصوص لاستنباط أحكام متعددة، والاتساع بالأحكام لانطباقها على مسائل كثيرة، هو الذي جعل الشريعة الإسلامية وافية بمعالجة كافة مشاكل الحياة في كل زمان ومكان وكل أمّة وجيل وهو ليس مرونة ولا تطوراً.

إن المسلمين حين هاجمهم الغربيون بالتشريع الغربي، وتحدوا بالنظام الرأسمالي نظام الإسلام كانوا مشدوهين بالانقلاب الصناعي الهائل الذي حصل في الغرب، فانساقوا في الرد على هذا التحدي على الصعيد الخاطئ الذي وضعوه لهم وهو أن النظام الغربي يعالج المشاكل بعلاج كذا وليس في الإسلام هذا العلاج ولا مثله، فربطوا في أنفسهم العلاج الرأسمالي للمشاكل بعظمة الاختراعات والصناعات، وصاروا يبحثون في الإسلام عن علاج لهذه المشكلة كما عالجها التشريع الغربي، وهنا حصل الخلل في البحث وحصل الخلل في التفكير، فكان من جرائه حصول الخلل في الثقة في أحكام الإسلام التي يخالف علاجها علاج أحكام الغرب وتشريعه.

والاستدلال على قدرة الشريعة الإسلامية على استيعاب المستجدات، وعلى احتوائها على حكم شرعي لكل أمر طارئ يكون من خلال النصوص الشرعية الثابتة مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ. فهذه الآيات تقطع بوجود حكم شرعي لكل ما يقع، لعجز العقل البشري عن الإحاطة بالشريعة كلها.

أما الاجتهاد بمفهومه الصحيح، فهو «استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية»، فقد كان الباب الذي ينفذ منه الذهن المسلم من أجل استفادة حكم الله في القضايا والمسائل المتجددة. فإن الطريقة الشرعية التي التزمها المسلمون خلال العصور الأولى، عصور نهضتهم، في معالجة المشاكل والقضايا هي دراسة المشكلة أو المسألة على ارض الواقع دراسة عميقة دقيقة تؤدي إلى فهم حقيقة المشكلة وجوهر المسألة، وهذا ما يسمى بتحقيق المناط؛ ثم العودة إلى النصوص الشرعية أي إلى الأدلة التفصيلية المتعلقة بذلك الواقع لاستنباط الحكم أو الأحكام التي ترشد إليها تلك الأدلة، ومن ثم تطبيقها بعد ذلك على الواقع بحيث تحل المشكلة أو تعالج المسألة من خلال الوحي الذي نزل على الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وفي هذا يغيب بالكلية أي اعتبار لموافقة التشريعات الغربية أو مخالفتها، بل لا ترد إطلاقا في الذهن.

ولم يكن دور العقل حين بحثه في المعالجات أن يكون حكماً أو مصدراً، ولو جزئياً، للأحكام التي يراد معالجة الواقع بها، وإنما كان مجرد أداة تستخدم لفهم الواقع ولفهم مراد الله من النصوص التشريعية التي نزل بها الوحي، بحيث ينطلق المجتهد مع الأدلة الشرعية بحسب مدلولها اللغوي ومدلولاتها المفهومة والمعقولة إلى حيث ترشده حتى تصل به إلى الحكم الشرعي، دون أن يكون له رأي مسبق فيما يجب أن يكون عليه الحكم الشرعي، فالنص هو الدليل وليس العقل. والعقل يتبع الدليل وليس الدليل تابعاً للعقل لأن الله تعالى و الحاكم وليس العقل إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ.

بقي أن نذكر أهمية نزول التشريع باللغة العربية بما فيها من خصب، وإمكانات وخصائص ذاتية أهمها التوسع والتأثير والانتشار، امتزجت بذات الخصائص الذاتية في الاسلام وهي التوسع والتأثير والانتشار، ففيها التصريف والإعراب، والاشتراك والمجاز والحقيقة، والتعريب والنحت والاشتقاق وما إلى ذلك مما يجعلها بحرا زخارا، ولقد برعت العرب العرباء في استعمالها وتفننت فيه حتى كان صنعتها، ويكفي أن نسوق مثلا واحدا نقف معه على قدرات هذه اللغة الضخمة التي استغلها الاسلام أحسن استغلال لتتسع لمشاكل الانسان إلى يوم الدين، وقد قال بعض علمائنا - حين ذكر ما للعرب من الاستعارة والتمثيل والقَلْب والتقديم والتأخير وغيرها من سنن العرب في القرآن فقال‏:‏ وكذلك لا يقدرُ أحدٌ من التَّراجم على أن ينقلَه إلى شيء من الألْسِنة كما نُقِل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية وترجمت التوراة والزَّبور وسائر كتب اللّه عزّ وجلّ بالعربية لأنَّ غيرَ العرب لم تتسع في المجاز اتساعَ العرب ألا ترى أنك لو أردتَ أن تنقلَ قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وإما تَخَافَنَّ من قومٍ خيانةً فانبِذْ إليهم على سواءٍ ‏"‏‏.‏ لم تستطع أن تأتي لهذه بألفاظ مؤدِّية عن المعنى الذي أودِعَتْه حتى تبسط مجموعها وتصلَ مقطوعها وتُظهرَ مَسْتُورها فتقول‏:‏ إن كان بينك وبين قوم هُدْنة وعَهْد فخِفْت منهم خيانةً ونقضاً فأعْلمهم أنك قد نقضتَ ما شرطته لهم وآذنْهم بالحرب لتكونَ أنتَ وهم في العلم بالنَّقْض على الاستواء‏.

فلو جاءت الشريعة الاسلامية بغير اللغة العربية لاحتاجت إلى آلاف المجلدات لتعبر عن أحكامها بالتفصيل الذي وسعت العربية جميعه بقدراتها على البيان، وصدق الله العظيم إذ قال: بلسان عربي مبين.‏

يتبع ان شاء الله تعالى

أباعلي
05-25-2005, 12:25 AM
با الله بك أخي وحبيبي أبا شجاع

أرجو أن تكمل الموضوع للنهاية ولك الأجر

بحق إني مشغول جدا ولن أستطيع الكتابة لفترة طويلة

وأنا الذي أعتذر لأني تركت الموضوع ولم أكمله

أرجو دعواتكم والسلام

طالب نعيم
06-04-2005, 10:15 PM
بارك الله بالاخوين
""ابو شجاع وابو علي ""
والف سلامة اخي الكريم

basel93
06-06-2005, 05:44 PM
الله أكبر

حياكم الله يا شباب ...بارك الله فيكم علي هذا الموضوع القيم.

لي ملاحظه يا أخوتي أرجو أن تفيد وهي أن تكون الحلقات بجرعات أقل حتي يستطيع القارئ هضم ألأفكار ويتجرأ ويناقشها.

يعني بالبلدي إلكلام ده كبير أوي. بالراحه شويه.

فيه ناس بتاخد تلت (ثلاث) سنين علي ما تستوعب:brb:

أباعلي
02-04-2006, 05:08 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
للرفع رفع الله شأنكم