View Full Version : مقالات ثقافية علمية
مـؤيـد
03-15-2005, 10:27 PM
أعزائي :)
القصد هو التزود الأكثر من الثقافة العلمية!
هناك الكثير من الكتاب ممن يجيد هذا النوع من الكتابة!
خالص جلبي مثالا
والكثير غيره!
فكل من شاهد مقالا علميا غير متخصصا ومعقدا وبإمكانه كتابته أو نقله
:flowers: فأهلا وسهلا :flowers:
مـؤيـد
03-15-2005, 10:34 PM
http://www.asharqalawsat.com/01common/teamimages/323-khalisjalabi.gif
في الذكرى المئوية لنظرية النسبية.. والاحتفاء بآينشتاين
بقلم/خالص جلبي
تحتفل أوربا هذه الأيام بالذكرى المئوية لأعظم عبقرية في القرن العشرين، واليوم تتنازع أربع دول تابعية الرجل، ولكن الرجل تبرأ من الدول والسياسة، وحينما دعي ليكون أول رئيس جمهورية لإسرائيل رفض قائلاً: السياسة زائلة والرياضيات خالدة. تعتبر النسبية من أغرب النظريات وأحفلها بالتعقيد، ولكن منها انفجرت القنبلة الذرية، وبقيت زوجة آينشتاين حتى أيامها الأخيرة، لا تفهم كثيرا مما يقوله زوجها.
وغرابة نظرية النسبية من ثلاث: قلب كل المفاهيم التقليدية، وكسر حواجز علوم لتندمج معاً، والوصول إلى معادلات في غاية الأناقة، مثل علاقة (الطاقة) بـ (المادة). ولكن النظرية النسبية لم تولد فجأة من فراغ، بل جاءت قطوف يانعة لأبحاث علماء اقتربوا من الوصول إلى عتبة هذا العالم الجديد، وأشهرهم اثنان: الهولندي هندريك انتون لورنتس والفرنسي الفيلسوف هنري بوانكاريه. فالأول لفت نظره أثناء دراسته لتصرف الإلكترون، أن المعادلات حتى يكون لها معنى، فلا بد من التلاعب بإحداثيات (الزمن). أما «بوانكاريه» الفرنسي فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى النسبية، فالرجل درس أعمال «لورنتس» بدقة ليخلص إلى نتيجة تقول: إنه لا بد من «فيزياء جديدة»، ويبدو أن سرعة الضوء حاجز لا يمكن تجاوز سرعته؟!.
وينقل الكاتب الألماني يوهان جروله عن مؤرخ العلوم يورجن رين في مجلة المرآة الألمانية (عدد 3/2005 ص 135)، أن كل ما فعله آينشتاين هو أنه مد يده إلى ثمرات يانعة فقطفها، وبلغة الفيزياء أنه قفز القفزة الأخيرة، فانتقل من «الكم» إلى «النوع»، فالتراكم «الكمي» يقود إلى انقلاب «نوعي»، ودماغ الإنسان لم ينبثق منه «الوعي» لولا الكتلة الحرجة، والفرق في «المورثات» بين الإنسان والشمبانزي لا تزيد عن 1%، ولكن عند حافتها يتحدد مصير الكائن، فإما خرج بشرا سويا أو قردة خاسئين. وآينشتاين كان رجلاً مغمورا يبحث عن وظيفة مساعد في زيوريخ، ولكن سنة العجائب رفعته إلى قمة الشهرة فتخاطفته الجامعات، كما حصل مع سفينتي بيبو الكوبي، الذي وصل إلى علم «أحفورات الجينات Paleogenetic»، ومن أفكاره ظهر فيلم جوراسيك بارك، وكما حصل مع الفيلسوف أيمانويل كانط، الذي دفع وهو على حافة الستين أجمل إنتاجه في وقت متقارب وجون لوك، الذي دفع في سنة واحدة ثلاثة كتب منها ليصبح خالداً في علم الاجتماع السياسي. وابن خلدون حصل معه هذا في كتابه المقدمة التي وصفها بـ «الحكم القريبة المحجوبة»; فلم تأت أفكار ابن خلدون من فراغ، بل كانت ثمرة تخمر طويلة قطفها ابن خلدون، فغيره زرع وهو قطف الثمرة. ليعتبرها المؤرخ البريطاني توينبي «أعظم عمل من نوعه، أنتجه أي عقل في أي زمان ومكان». مع هذا فهناك شكوك تحوم حول النظرية النسبية، فقد تقدم ادوارد ويتكر قبل موت آينشتاين بمراجعة شاملة للنظرية، ليصل إلى القول إن فكرة الزمان ـ المكان هامشية جداً. وقد عرضت قناة «ديسكفري» برنامجاً عن العالم «نيمتس» من كولن في ألمانيا، أنه توصل إلى ما هو أسرع من الضوء خمس مرات، وهذا ينقض حجر الأساس في نظرية النسبية، التي اعتبرت سرعة الضوء ثابتة، وأن كل تجاوز له يخلق استحالة رباعية: استهلاك طاقة لانهائية، وزيادة الكتلة إلى اللانهاية، وانضغاط الطول إلى الصفر، فلا تبقى أبعاد ثلاثية للموجودات، ويتوقف الزمن. وهذه طبيعة العلم أنه ينمو بالحذف والإضافة.
ويبقى السؤال، لماذا آينشتاين تحديدا، هو الذي يكتب الله على يديه هذا الفتح المبين؟ والجواب يأتي من عدة أمور: أولها طبيعة هذا الرجل السيكولوجية، الذي كان يعيش طفولة دائمة لا تنقطع، ويحب العزلة، ولم يأت الوحي للرسول لولا غار حراء.
وأهم ما فعله آينشتاين حين حافظ على هذه الروح، أنه طرق أبوابا (مسلمات)، اعتبرها العلماء مفروغاً منها فوضعها تحت المساءلة، وهذا الذي يحرك التاريخ. وفي يوم قتلت الكنيسة الناس على آرائهم في حركة الشمس والأرض واعتبرت أنه معلوم من الدين بالضرورة، ولم يزيد عن أوهام.
وسن العبقرية حسب دين كيث سايمنتون صاحب كتاب «العبقرية والقيادة والإبداع»، هي بين العشرين والثلاثين فـ«نيلز بور»، قدم نموذجه عن الذرة وعمره 28 سنة، وطرح آينشتاين في سنة واحدة، خمس أفكار ضخمة وعمره 25 سنة، ووصل بول ديراك إلى معادلة الإلكترون السلبي (البوزترون) وعمره 24 سنة، وكانت حلقة فيرنر هايزنبرغ العلمية، التي وصلت إلى مبدأ «اللايقين» في ميكانيكا الكم تعتبر أن من تخطى عمر الثلاثين هرم وشاخ ولم يعد ينفع؟
والمهم في هذه العبقريات دخول شخص من خارج الحقل، وهو ما فعله آينشتاين، وكان من قبل متمردا في عين أساتذته، جعلهم يرسلون له «لفت نظر» لأنه طالب «غير نشيط»؟. ولم يحمل الرجل دكتوراه أو شهادة جامعية، وحار به الأمر كيف يطعم عائلته، حتى أعلن عن نفسه في جريدة «زيوريخ» معلما خصوصيا؟
وهكذا فالحاجة كانت ملحة لمجيء آينشتاين حتى يقفز فوق حواجز (عمى الاختصاص)، التي تشفط صاحبها بأشد من ثقب أسود. ولعل جلوسه في مكتب الاختراعات في (بيرن Bern) في سويسرا، فتح عينيه على الإبداعات التي مرت من تحت يديه، فنظر نظرة من علو، ففهم علل الكون الكبرى مثل معضلة الزمن، واليوم نعرف أن الزمن، مفكك الأوصال في الكون يتدفق بسرعة مختلفة من مكان لآخر، حسب السرعة والكتلة. فيتوقف الزمن مع: «سرعة الضوء» و«ضخامة الكتلة»، وهو يقرب إلى أذهاننا مفهوم الخلود فلا يفترسنا الموت أو تعضنا الشيخوخة. وحين يصف القرآن الجنة «عرضها السموات والأرض»، فهو ومن خلال «النسبية العامة» يقرب لنا مفهوم توقف الزمن في كتلة لا نهائية.
ونحن نحاول اكتشاف العلم والإيمان أنهما وجهان لعملة واحدة، كما اكتشف آينشتاين الطاقة والمادة في معادلة واحدة، وحين يمكن تحويل العلم إلى إيمان وبالعكس فلسوف تتوقف حرب ضارية.
وجاءت الدلائل على صدق النسبية من عدة مصادر: زيادة الكتلة في مسرعات الجزيئات دون الذرية، وانحراف نور النجوم في كسوف الشمس عام 1919 وحضيض عطارد، ثم انفجار القنبلة النووية التي مسحت مدينتي هيروشيما وناغازاكي.
مع هذا فإن مفهوم الأيثر الذي ألغاه آينشتاين يوماً، عاد حياً الآن، ويعتبر العلماء اليوم أن ما بين النجوم ليس الإيثر، بل «الطاقة السوداء» ولا يستطيع أحد أن يقول مم تتكون؟
يقول آينشتاين عن الحقيقة «أن اكتشافها مرة واحدة غير كاف، فهي تشبه تمثال الرخام المنتصب وسط الصحراء تعصف به ريح فيها صر، مهدد بالدفن كل لحظة بعواصف الرمل. وما يحافظ على التماعه تحت ضوء الشمس، هي تلك الأيادي النشيطة الدؤوبة، التي تنفض عنه الغبار باستمرار». حيرت عبقرية آينشتاين الكثيرين، وعندما مات سلم جسمه وديعة للدكتور توماس شتولتز هارفي رئيس قسم تشريح المرضي في جامعة برنستون، فقام بقص الجمجمة، واستخرج دماغ آينشتاين لمعرفة مكان العبقرية، فلم يزد عن 1200 غرام، وقام بتقطيع الدماغ إلى 240 شريحة وأرسلها إلى أهم مختبرات العالم في كندا وفنزويلا والصين، وكانت النتيجة أن دماغ آينشتاين لا يختلف عن دماغ أي أهبل في مصح أمراض عقلية. كل ذلك لأن البحث كان كما يقال في علم الكمبيوتر في «الهاردوير Hard Ware»، وليس البرامج (السوفت ويرSoft Ware).
وقال المتصوفة قديما:
دفن الجسم بالثرى
ليس بالجسم منتــفع
إنما النفع بالــــذي
كان بالجسم وارتفع
أصله معدن نفيس
وإلى أصله قد رجع
مـؤيـد
03-15-2005, 10:42 PM
الفناء الفكري والموت الحراري!
د. خضر محمد الشيباني
من اللطائف في علم (الفيزياء) النظر إلى قوانينه ومفاهيمه ونتائجه، ثم مقارنة تلك القوانين والمفاهيم والنتائج مع ما يناظرها في الاطار العام من حياة البشر وتفاعلاتهم، ومجريات امورهم، وسيرورات احوالهم. ان لمثل تلك المقارنات، الشاحذة للذهن والمطورة للقدرات، فوائد عديدة، فاضافة إلى ما تقدمه من مادة فكرية عميقة جديرة بالتأمل والمتابعة والتحليل، فإنها - ايضا - تعمق الادراك بوحدة هذا الكون، وتجانس عناصره، وتناغم قوانينه، فيتجذر شعور الانسان بتلاحمه العضوي مع مكونات هذا الكون، وتزدهر لديه حاسة الاندماج والارتباط مع نبض الكون وسننه، ناهيك عن تلك الدفقات الايمانية الرائعة التي تدفع بها تلك المقارنات والتأملات إلى عقل الانسان وقلبه وهو يقف في خشوع امام وحدانية الخالق الذي صنع كل شيء واتقنه، وابدع تلك الوحدة الكونية المتلاحمة. ولا شك ان كل تلك التأملات الذهنية والوقفات الفكرية هي من عمليات (التدبر والتفكر) التي امرنا بها الخالق عز وجل، وهي توطد في الانسان ذلك الاحساس الفطري الحق بأنه ليس ذلك الكائن الذي جاء صدفة ليعيش عبثاً كما يزعم الملاحدة، ولكنه نتاج ارادة الهية خلاقة اتقنت كل شيء واحسنت خلقه، فينضوي الفكر والعلم تحت لواء يقود -بالضرورة - إلى الايمان بوحدانية الخالق المبدع لكل ذلك الاتقان والتجانس والتوافق والتلاحم بين عناصر الكون كلها، ومكوناته قاطبة. من المفاهيم الثابتة في (الفيزياء) مفهوم (الموت الحراري للكون)، فالحياة تعتمد في سيروراتها ومجرياتها على الطاقة الناتجة من سريان الحرارة بين الاجسام، وهذه الطاقة السارية بين الاجسام يستفاد منها في تحولات الطاقة المختلفة، وتطبيقاتها المتعددة لتجعل الحياة ممكنة، والتفاعلات الحيوية مستمرة. ولكن.. هناك مأزق في نهاية المطاف، فالطاقة الحرارية تسري من الاجسام الحارة إلى الاجسام الباردة، مما يؤدي بالضرورة إلى انخفاض درجة حرارة الاجسام الحارة وارتفاع درجة حرارة الاجسام الباردة، وهذا يعني انه مع مرور الزمن سوف تتساوى درجة حرارة جميع الاجسام في الكون، ويتوقف سريان الحرارة، وبالتالي تتوقف كل العمليات الحيوية اللازمة للحياة، مما يقود إلى (الموت الحراري) للكون. ان من لطف الله عز وجل بمخلوقاته ان كمية الحرارة المتوفرة في الكون كمية هائلة تقوم الشمس والنجوم بتزويدها، وشمسنا الموجودة في مجموعتنا (المحلية) هي التي تعتمد عليها الحياة على الارض، وهي كفيلة بتزويدنا بكميات ضخمة من الحرارة لمليارات السنوات القادمة حتى يقضي الله امراً كان مفعولاً. ان (الموت الحراري) للكون هو أحد الاحتمالات العلمية لنهاية الكون، ولكل اجل كتاب، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وصدق الحق عز وجل:(الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر، كل يجري لاجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون) (الرعد:2). ان مفهوم (الموت الحراري) للكون هو من المفاهيم الفيزيائية الثابتة التي تحدد مسار الاحداث في الكون ومن اهم نتائجها انها تقرر ان للكون نهاية، مما يؤدي بداهة في الوقت نفسه إلى ان للكون بداية، وفي هذا دحض علمي قاطع لدعاوى الملاحدة والقائلين بأزلية الكون وقدمه، وهكذا تتهاوى مزاعم فئة (الأزليين) من الفلاسفة تحت وقع معطيات علمية ثابتة، وتسقط اوراق التوت عن عورات الملاحدة. اذن (الموت الحراري) هو فناء للحياة، فلا بد من اختلاف درجات الحرارة من موقع إلى موقع حتى تستمر التفاعلات الحيوية والانشطة الحياتية، ولو تساوت درجات الحرارة على وجه البسيطة، وبلغنا مرحلة (التعادل الحراري)، لتوقفت الحياة، وانتهت المرحلة الدنيوية للبشر. ذلك (الحال الفيزيائي) جدير منا ببعض التفكر في تبعاته في مختلف مناحي الحياة، وقمين بنا ان نتأمل مقتضياته في الاطار العام لتفاعلات البشر، فلو تساوت الارزاق - على سبيل المثال -، وتماثل الناس في الجاه والنفوذ، لاستغنى كل منهم عن الآخر، ولتوقف التفاعل بينهم، ولانقرضت عملية تبادل المصالح والمنافع، ولما اتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، ولبغوا في الأرض، ولقاد كل ذلك - حتماً - إلى الاندثار والفناء. وقس على ذلك - رعاك الله - صفات الناس وهيئاتهم وقاماتهم فهي الاخرى يجب ان تختلف وتتفاوت ليكون للحياة معنى، ويصبح للوجود طعم، فلو تماثل الناس وتشابهوا في كل ذاك، لانعدمت القدرة على التمييز بينهم، ولخمدت حرارة العلاقات الشخصية، ولنتج عن كل ذلك - بالضرورة - فناء الفردية المميزة، واندثار الاحاسيس والعواطف، وتعطل العلاقات الاجتماعية والتفاعلات العائلية. اما القضية التي تهمنا هنا فهي حال (الفكر البشري) اذ لا مفر من الاختلاف فيه، والصراع حوله، والتلاقحات المتنوعة في رحابه، لكي تستمر حياة البشر مفعمة بالاحداث والتغيرات والابداعات، فلو اجمع البشر على فكر واحد لكان ذلك ايذاناً بركود الاطر الحياتية وجمود مقوماتها وانهيار اسسها، وبالتالي تتحقق شروط (الفناء الفكري). إذن لكي تستمر الحياة، وتتوالى حلقاتها، وتتعمق أسسها، فإنه لا بد للفكر أن يسري بين معط ومتلق، وبين أخذ ورد وفي بوتقة الطرد والجذب، وكان لا بد أن تلتقي الحجة بالحجة، وان يتصارع البرهان مع البرهان، وان تستمر عملية (الحوار والاختلاف) بأشكال متنوعة، وفي أطر متباينة بين البشر إلى ان تقوم الساعة. لو لم يكن (الفكر البشري) في حال من التنوع والاختلاف والتغير لانهارت معطيات حياة البشر، ولهوت في جرف سحيق من حالة (الفناء الفكري)، وهو مما لا تحتمله الطبيعة البشرية، ولا تقوى على الصمود امام خوائه وجدبه، وصدق الحق عز وجل:(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين). (البقرة:251). وهكذا نجد ان قضية (الحوار والاختلاف) قضية جوهرية في الحياة الفكرية المفعمة بالنشاط والابداع، وعندما تتعطل لغة الحوار فإن (الفناء الفكري) هو الحتمي لانه يعني تطابق وجهات النظر، وتماثل العقول، وتساوي الافهام وبالتالي توقف النشاط الحيوي والتبادلات التفاعلية التي اقرتها السنن الكونية، وتجلت في علم (الفيزياء) في (التبادلات الحرارية) التي لو توقفت لاصبح الكون بارداً هامداً.. وصعيقاً جامداً لا حياة فيه ولا عطاء، ولتحققت ظاهرة (الموت الحراري) للكون. اذن ليس صحيحاً ان (الحوار) في حد ذاته ليس هدفاً، وليس صحيحاً انه اذا لم تنتج عن (الحوار) مباشرة آثار تنفيذية وآليات تفعيلية، فإنه لا طائل من ورائه.
مـؤيـد
03-15-2005, 10:54 PM
الفناء الفكري والموت الحراري!
د. خضر محمد الشيباني
من اللطائف في علم (الفيزياء) النظر إلى قوانينه ومفاهيمه ونتائجه، ثم مقارنة تلك القوانين والمفاهيم والنتائج مع ما يناظرها في الاطار العام من حياة البشر وتفاعلاتهم، ومجريات امورهم، وسيرورات احوالهم. ان لمثل تلك المقارنات، الشاحذة للذهن والمطورة للقدرات، فوائد عديدة، فاضافة إلى ما تقدمه من مادة فكرية عميقة جديرة بالتأمل والمتابعة والتحليل، فإنها - ايضا - تعمق الادراك بوحدة هذا الكون، وتجانس عناصره، وتناغم قوانينه، فيتجذر شعور الانسان بتلاحمه العضوي مع مكونات هذا الكون، وتزدهر لديه حاسة الاندماج والارتباط مع نبض الكون وسننه، ناهيك عن تلك الدفقات الايمانية الرائعة التي تدفع بها تلك المقارنات والتأملات إلى عقل الانسان وقلبه وهو يقف في خشوع امام وحدانية الخالق الذي صنع كل شيء واتقنه، وابدع تلك الوحدة الكونية المتلاحمة. ولا شك ان كل تلك التأملات الذهنية والوقفات الفكرية هي من عمليات (التدبر والتفكر) التي امرنا بها الخالق عز وجل، وهي توطد في الانسان ذلك الاحساس الفطري الحق بأنه ليس ذلك الكائن الذي جاء صدفة ليعيش عبثاً كما يزعم الملاحدة، ولكنه نتاج ارادة الهية خلاقة اتقنت كل شيء واحسنت خلقه، فينضوي الفكر والعلم تحت لواء يقود -بالضرورة - إلى الايمان بوحدانية الخالق المبدع لكل ذلك الاتقان والتجانس والتوافق والتلاحم بين عناصر الكون كلها، ومكوناته قاطبة. من المفاهيم الثابتة في (الفيزياء) مفهوم (الموت الحراري للكون)، فالحياة تعتمد في سيروراتها ومجرياتها على الطاقة الناتجة من سريان الحرارة بين الاجسام، وهذه الطاقة السارية بين الاجسام يستفاد منها في تحولات الطاقة المختلفة، وتطبيقاتها المتعددة لتجعل الحياة ممكنة، والتفاعلات الحيوية مستمرة. ولكن.. هناك مأزق في نهاية المطاف، فالطاقة الحرارية تسري من الاجسام الحارة إلى الاجسام الباردة، مما يؤدي بالضرورة إلى انخفاض درجة حرارة الاجسام الحارة وارتفاع درجة حرارة الاجسام الباردة، وهذا يعني انه مع مرور الزمن سوف تتساوى درجة حرارة جميع الاجسام في الكون، ويتوقف سريان الحرارة، وبالتالي تتوقف كل العمليات الحيوية اللازمة للحياة، مما يقود إلى (الموت الحراري) للكون. ان من لطف الله عز وجل بمخلوقاته ان كمية الحرارة المتوفرة في الكون كمية هائلة تقوم الشمس والنجوم بتزويدها، وشمسنا الموجودة في مجموعتنا (المحلية) هي التي تعتمد عليها الحياة على الارض، وهي كفيلة بتزويدنا بكميات ضخمة من الحرارة لمليارات السنوات القادمة حتى يقضي الله امراً كان مفعولاً. ان (الموت الحراري) للكون هو أحد الاحتمالات العلمية لنهاية الكون، ولكل اجل كتاب، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وصدق الحق عز وجل:(الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر، كل يجري لاجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون) (الرعد:2). ان مفهوم (الموت الحراري) للكون هو من المفاهيم الفيزيائية الثابتة التي تحدد مسار الاحداث في الكون ومن اهم نتائجها انها تقرر ان للكون نهاية، مما يؤدي بداهة في الوقت نفسه إلى ان للكون بداية، وفي هذا دحض علمي قاطع لدعاوى الملاحدة والقائلين بأزلية الكون وقدمه، وهكذا تتهاوى مزاعم فئة (الأزليين) من الفلاسفة تحت وقع معطيات علمية ثابتة، وتسقط اوراق التوت عن عورات الملاحدة. اذن (الموت الحراري) هو فناء للحياة، فلا بد من اختلاف درجات الحرارة من موقع إلى موقع حتى تستمر التفاعلات الحيوية والانشطة الحياتية، ولو تساوت درجات الحرارة على وجه البسيطة، وبلغنا مرحلة (التعادل الحراري)، لتوقفت الحياة، وانتهت المرحلة الدنيوية للبشر. ذلك (الحال الفيزيائي) جدير منا ببعض التفكر في تبعاته في مختلف مناحي الحياة، وقمين بنا ان نتأمل مقتضياته في الاطار العام لتفاعلات البشر، فلو تساوت الارزاق - على سبيل المثال -، وتماثل الناس في الجاه والنفوذ، لاستغنى كل منهم عن الآخر، ولتوقف التفاعل بينهم، ولانقرضت عملية تبادل المصالح والمنافع، ولما اتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، ولبغوا في الأرض، ولقاد كل ذلك - حتماً - إلى الاندثار والفناء. وقس على ذلك - رعاك الله - صفات الناس وهيئاتهم وقاماتهم فهي الاخرى يجب ان تختلف وتتفاوت ليكون للحياة معنى، ويصبح للوجود طعم، فلو تماثل الناس وتشابهوا في كل ذاك، لانعدمت القدرة على التمييز بينهم، ولخمدت حرارة العلاقات الشخصية، ولنتج عن كل ذلك - بالضرورة - فناء الفردية المميزة، واندثار الاحاسيس والعواطف، وتعطل العلاقات الاجتماعية والتفاعلات العائلية. اما القضية التي تهمنا هنا فهي حال (الفكر البشري) اذ لا مفر من الاختلاف فيه، والصراع حوله، والتلاقحات المتنوعة في رحابه، لكي تستمر حياة البشر مفعمة بالاحداث والتغيرات والابداعات، فلو اجمع البشر على فكر واحد لكان ذلك ايذاناً بركود الاطر الحياتية وجمود مقوماتها وانهيار اسسها، وبالتالي تتحقق شروط (الفناء الفكري). إذن لكي تستمر الحياة، وتتوالى حلقاتها، وتتعمق أسسها، فإنه لا بد للفكر أن يسري بين معط ومتلق، وبين أخذ ورد وفي بوتقة الطرد والجذب، وكان لا بد أن تلتقي الحجة بالحجة، وان يتصارع البرهان مع البرهان، وان تستمر عملية (الحوار والاختلاف) بأشكال متنوعة، وفي أطر متباينة بين البشر إلى ان تقوم الساعة. لو لم يكن (الفكر البشري) في حال من التنوع والاختلاف والتغير لانهارت معطيات حياة البشر، ولهوت في جرف سحيق من حالة (الفناء الفكري)، وهو مما لا تحتمله الطبيعة البشرية، ولا تقوى على الصمود امام خوائه وجدبه، وصدق الحق عز وجل:(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين). (البقرة:251). وهكذا نجد ان قضية (الحوار والاختلاف) قضية جوهرية في الحياة الفكرية المفعمة بالنشاط والابداع، وعندما تتعطل لغة الحوار فإن (الفناء الفكري) هو الحتمي لانه يعني تطابق وجهات النظر، وتماثل العقول، وتساوي الافهام وبالتالي توقف النشاط الحيوي والتبادلات التفاعلية التي اقرتها السنن الكونية، وتجلت في علم (الفيزياء) في (التبادلات الحرارية) التي لو توقفت لاصبح الكون بارداً هامداً.. وصعيقاً جامداً لا حياة فيه ولا عطاء، ولتحققت ظاهرة (الموت الحراري) للكون. اذن ليس صحيحاً ان (الحوار) في حد ذاته ليس هدفاً، وليس صحيحاً انه اذا لم تنتج عن (الحوار) مباشرة آثار تنفيذية وآليات تفعيلية، فإنه لا طائل من ورائه.
مـؤيـد
03-15-2005, 11:54 PM
البحث العلمي وامتلاك التقنية
الزبير مهداد- الجزائر
أكدت أبحاث عديد من العلماء على الأثر القوي للتعليم على الإنتاج وعلى التطور الاقتصادي والتقدم التقني، فخلف كل مظاهر التقدم التقني والاقتصادي تكمن جهود العلماء الباحثين في مختبراتهم. فمؤسسات البحث العلمي تلعب دورا مهما في تطوير الإنشاءات، وضمان نجاح التخطيطات الاقتصادية وتصحيحها وتقييمها. كما تؤدي البحوث إلى حدوث اكتشافات علمية تؤثر في طبيعة فهم الإنسان ونظرته إلى العالم وفي كشف مناطق جديدة من المعلومات والاحتمالات التطبيقية التي تتحول إلى وسائل وأدوات تكنولوجية للإنتاج والمواصلات وغيرها؛
فالبحث العلمي هو استنباط للمعرفة، وتطوير لمنتج، وتخلف البحث العلمي في القطاع الصناعي أو الاجتماعي أو غيره يحول دون تطوير هذه القطاعات والتغلب على مشاكلها؛ وبالتالي فإنه لا يمكن مع هذا التخلف تطوير تكنولوجيات أو تحسين مستويات هذه القطاعات ولا النهوض بها ولا إنتاج الثروات.
إن الاستقلالية التكنولوجية، وإخضاع هذه المعارف وتطويرها رهين بالبحث العلمي وسياسة واستثمار الموارد البشرية، والجامعات بما تضمه من مخابر البحث، وورش التجريب ومدرجات التدريس تعد من أهم وسائل إعداد الطاقة البشرية وصقلها، وتنمية مهاراتها بالعلم والمعرفة والتدريب.
يلاحظ بعض الباحثين أن جامعاتنا لا تقر سياسات البحث العلمي، ولا تحدد أهدافًا إستراتيجية على المدى القصير ولا على المدى الطويل ولا المتوسط، ولا تضم البرامج السنوية للجامعات برامج بحوث بالمفهوم العالمي إلا نادرا، وغالبا ما تكون مشاريع البحوث المنجزة من تلقاء مبادرة فردية أو مجموعات بحث صغيرة.
فهذه الجامعات لم تكن مجالا للبحث العلمي قط. فقد انهمكت بعد حصول بلداننا على الاستقلال في تكوين الأطر من أطباء وحقوقيين ومدرسين ورجال إدارة؛ ليحلوا محل الأطر الاستعمارية، واستمرت هذه الوضعية ردحا من الزمن، وبعد ذلك عند دخول هذه الدول فيما يسمى بالتقويم الهيكلي الاقتصادي الذي أملاه صندوق النقد الدولي، قلت الاعتمادات المالية والنفقات الاستثمارية في التعليم وفي سائر القطاعات. فبدأت ظاهرة بطالة الخريجين التي ما زلنا نعانيها: طوابير من المتعلمين والكفاءات معطلة عن الإنتاج، لا تتاح لها فرصة القيام بدور منتج، مشلولة مهمشة، رغم الحاجة الوطنية الملحة إلى المتعلمين كافة وفي سائر التخصصات.
عوائق في طريق العلماء
تعاني البلاد العربية نقصا في الموارد البشرية العاملة في حقل البحث العلمي فمعدل العلماء الباحثين ضعيف بالنسبة لعدد السكان، أقل من المعدلات العالمية التي قد تصل في البلاد المتقدمة إلى 3000 باحث لكل مليون من السكان. إضافة إلى ذلك عدم توفير شروط البحث العلمي منها:
غياب الحرية الأكاديمية وعدم تفرغ الباحثين. فالعلم لا يعبر عن نفسه بكل حرية. والقيود مفروضة على نشر المعلومات وتداولها، مما يحول دون إتاحتها للباحثين وعموم الناس. وهذا حال البلدان المتخلفة كلها، حيث نجد علماء ينتمون لمصالح الحكومات، ويتولون في غالب الأحوال مهام إدارية، وعلماء آخرون (خارج الدائرة) وهم كثيرون وأكثر نشاطا وإنتاجا، لا يستشارون في التخطيط لأية سياسة علمية أو اقتصادية أو اجتماعية، ولا يستفتون في القرارات الحكومية المتعلقة بالعلم ومجالاته وتطبيقاته. إن الحرية الأكاديمية يجب أن تتاح للمؤسسات العلمية وللعلماء؛ لأنهم يحتكمون على مقاييس للقيم، تحتم عليهم أن يكونوا قادرين على بلورة أفكارهم والالتزام بحدود أبحاثهم.
وطغيان السلوك الإداري البيروقراطي على أجهزة الإدارة المتحكمة في الجامعات ومرافقها ومخابرها، وشيوع سلوكيات غير أخلاقية بين أفراد الهيئة العلمية والقطاعات الممولة؛ يؤدي إلى انتشار الزبونية والانتهازية وعدم العدالة في تكليف الباحثين وتفرغهم وتمويل أبحاثهم. ؛ بالإضافة إلى تواضع العائد المالي للباحثين. مما يغري ويشجع الباحثين على الهجرة التي تؤدي إلى استنزاف الوطن العربي ومزيد تأخره. والضرورة التي تدعو إلى منح العلماء الحرية في اختيار ميادين بحوثهم، ترتبط بالدعوة إلى إتاحة الفرصة لهم لتحقيق مشاريعهم البحثية بتوفير الشروط المادية وتشريعات العمل التي تسمح لهم بالتفرغ طيلة مدة.
إجراء البحث
عزلة العلماء وغياب قنوات اتصال بينهم: فعلى مستوى المؤسسات يلاحظ بعض الباحثين أن نظام التعليم العالي بالمغرب يتوزع إلى جامعة ومدارس عليا ومعاهد تكون أطرًا تختلف في معاييرها التربوية ووسائلها وتدبيرها، أتت وضعية الشتات هذه ضمن إرث النظام عن فرنسا، فالمدارس العليا للمهندسين موروث عن فرنسا وباقي دول العالم المتقدم لا تعمل به، والمدارس العليا للأساتذة تعيش أزمة هوية، وكليات العلوم والتقنيات تتمتع بحق إعطاء شهادة مهندس؛ لكنها قد تحاول أن تتحول إلى مدرسة مهندسين، وتفرز كلية الطب أطرا يصعب عليها التواصل مع باحثي كلية العلوم، ولا يشارك المهندس مع الصيدلي في أمور كثيرة، أمثلة مثيرة عن صور الشتات، وغياب التواصل يعني غياب البرامج المشتركة والتعاون المثمر؛ بموازاة المؤسسات الجامعية هناك مراكز بحوث تابعة لبعض الوزارات، وترتبط بجهات مختلفة (جامعة، أو وزارة التعليم العالي، أو وزارة الفلاحة… إلخ) ويترتب على اختلاف الأنظمة وشتات بنيات البحث صعوبات كبرى في تواصل المراكز فيما بينها وبين الجامعات مما يؤدي إلى العزلة وإلى التبعية الفعلية للدولة التي استورد منها النظام لأول مرة .
ويزداد هذا العائق قوة بفعل قلة وسائل الاتصال بين العلماء والباحثين، ونقص تبادل المعلومات بسبب الافتقار إلى أنظمة تبادل المعلومات والنشرات المهنية والمجلات، وللعلم فإن التقدم العلمي يزدهر بالاتصال بين العلماء وذوي الاختصاص على جميع الأصعدة الإقليمية والوطنية والدولية والقارية؛ لمقارنة نتائج أبحاثهم ومناقشتها، والاطلاع على ما توصل إليه أندادهم، وهذا التقدم يعاق بسبب غياب أنظمة الاتصال بين العلماء، فلا تتاح لهم فرص إثراء بحوثهم وتنميتها وتعميق الخبرة، ويضاف إلى هذا العامل قلة فرص التدريب المتاحة لهم، وغياب حلقات التكوين المستمر ودوراته سواء داخل البلاد أو خارجها، بدعوى قلة الاعتمادات المالية المرصودة لهذا الجانب.
إن عزلة الباحث تعني ضعف إمكانية وصوله إلى مصادر المعلومات، وقلة فرص تعرف مجهودات غيره أو منجزات النمو العلمي ومستجداته، واعتماد اللغة الفرنسية في البحث وفي تدريس العلوم والتقنيات في المغرب يساهم في إبعاد الباحثين عن لغة النشر العلمي، ويؤدي إلى اختزال آفاقهم، كما يؤدي إلى رداءة تواصلهم مع عموم المواطنين وضعف اهتماماتهم بنشر الثقافة العلمية داخل النسيج الاجتماعي. إن القدرة على التواصل مع الآخرين توجد ضمن ما يتصدر مؤهلات الباحث العلمي في عصر الاتصال الذي دخلته البشرية ولا تزال تغوص فيه، ولا تقتصر مهارات التواصل على إتقان اللغة الأم والتمكن من لغة أجنبية فحسب، وإنما تمتد إلى تقنيات معالجة النص ومهارات التواصل بصفة عامة.
فالجامعة ليست مجرد مؤسسة للبحث العلمي وإعداد العلماء والتقنيين، فإنها إلى جانب ذلك مؤسسة ثقافية لها دور تثقيفي اجتماعي وطني، تساهم في بعث العلوم من رقادها وفي تثقيف المواطنين وتنشيطهم وحفزهم على الإبداع والتجديد والتأليف من خلال نشرها للأعمال الأدبية والعلمية، وتنظيمها للدورات التدريبية ومهرجانات الفنون والثقافة ومن خلال اتفاقيات الشراكة التي قد تربطها بهيئات المجتمع المدني، وفك العزلة عنها وإدماجها في النسيج الاجتماعي يعتبر من أول الأولويات.
عدم ارتباط النشاطات التعليمية والبحثية العربية ببرامج التنمية والإنتاج وضعف الإمكانات البحثية وعدم تكافؤ فرص وظروف البحث بين الجامعات، فبعض الجامعات تعاني من تخمة مالية بما يخصص لها من ميزانيات ضخمة لتسيير مرافقها وصيانتها، بينما تعاني جامعات في دول أخرى بؤسا ماليا وقلة في المخصصات، يحول دون مواكبة التطورات التقنية ودون تغطية نفقات أبسط البحوث، أو إصدار النشرات.
إن الإنتاجية العلمية والبحثية للجامعات ومعاهد البحث العربي أقل بكثير مما يمكن أن تقدمه بالقياس إلى الطاقات والكفاءات التي تملكها، ومقارنة الإنتاجية العلمية والبحثية العربية مع الإنتاج الإسرائيلي البحثي يثير القلق والأسى، برغم أن الفارق الكبير في الإمكانيات البشرية والمالية هو لصالح الأمة العربية، فإنتاج العلماء العرب مجتمعين في وقتنا الراهن يقل عن إنتاج الفئة نفسها في إسرائيل قبل عقود من الزمن، والأدهى من ذلك هو أن إنتاجية الباحث العربي تعادل 10 % ( من المعدل العادي لغيره من العلماء).
والأسوأ من ذلك أن البحث العلمي ينصبّ خاصة على القطاع الصناعي بالدرجة الأولى مهملا القطاع الزراعي والاجتماعي وغيرهما، وذلك في كثير من بلدان الوطن العربي، رغم أن المآسي الاجتماعية والكوارث الاقتصادية والهزات السياسية التي تعانيها هذه البلدان لها ارتباط وثيق بتخلف القطاع الزراعي وضعف مردوده وبتردي الأوضاع الاجتماعية وتفشي آفات الأمية والجهل والتطرف وقلة الطلب الاجتماعي على العلم وتردي أحوال الريف وتدني وضعية المرأة وانتشار الجريمة والمخدرات وغير ذلك من الآفات التي تحول دون تحقيق أي تنمية؛ وأكثر هذه الآفات مرتبط بتدهور وتخلف القطاع الزراعي الواسع الانتشار في بلداننا، فالتنمية الحقيقة هي التي تركز على تطوير وإنماء القطاع الزراعي ماديا وبشريا بتوجيه فائق العناية بالبوادي والقرى حيث يتواجد معظم السكان، وليس في خلق قطاع صناعي ضخم يكلف رساميل ضخمة وقد يصبح عبئا على موارد البلاد بسبب غياب الشروط والمعطيات.
إن عائد قوة العمل من خريجي النظام التعليمي محدود للغاية في النشاطات الزراعية. فالمشكلة تبقى في مدى الإسهام الحقيقي للإرشاد والبحوث في زيادة الإنتاج الزراعي بصورة عامة وتحسين أحوال البادية، ومدى تكلفة تعليم الخريجين في هذه المجالات، وتكلفة رواتبهم بعد التخرج بالنسبة للعائد الناتج عما ينشرونه من معرفة علمية، وما يساهمون به في حل المشكلات، ومن المعروف في بلداننا أن السواد الأعظم ممن يعملون في الزراعة من الأميين، والأميون يعيشون في عزلة وتهميش، يحرمون من امتلاك وسائل تحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية ويعجزون عن تأمين الحد الأدنى من شروط الحياة؛ فأهم أسباب الرقي هو العناية بالإنسان وتكوينه بوصفه العنصر الذي يمتلك القدرات التي يمكن توظيفها في كل مناحي الحياة.
المعرفة قوة
يجب إذن عند التفكير في تطوير الجامعة والنهوض بالبحث العلمي الالتفات إلى الموارد البشرية الكثيرة كمًّا والقليلة نوعًا، وضمان الرفع من مستواها بتكوين أساسي شامل يجعل الناس قادرين على التفاعل والتواصل فيما بينهم ويزيد من قابليتهم على التعلم ويقوي الطلب الاجتماعي على العلم والتكنولوجيا والمعلومات، ويضمن خلق سوق لترويج المعلومات وضمان استهلاكها؛ ومما يساهم في تحقيق ذلك، تنظيم المعارض العلمية واللقاءات الدراسية المنفتحة على مكونات المجتمع وهيئاته وطبقاته، من جمعيات واتحادات ونقابات ونساء وشيوخ وغيرهم، وإحداث قنوات تلفزية تعنى ببث البرامج العلمية والأفلام الوثائقية والاستطلاعات، واعتماد اللغة العربية في تواصل العلماء والهيئات العلمية مع المواطنين، وفي نشر الأعمال والأبحاث، وإحداث المواقع العلمية العربية على شبكة الإنترنت، وغير ذلك كثير مما يمكن إحداثه، وإقرار برامج ومشاريع التعاون بين الجامعات ومراكز البحث العربية، وبين المؤسسات الإنتاجية وغيرها.
من موقع اسلام اون لاين -علوم وتكنولوجيا
vBulletin® v3.7.2, Copyright ©2000-2009, Jelsoft Enterprises Ltd.