محمود الأزهري
01-01-2005, 04:08 PM
رفع اليدين مع تكبيرات الجنازة
لأهل العلم فيها قولان مشهوران؛
أحدهما: أن المصلي على الجنازة يرفع يديه مع كل تكبيرة.
والثاني: أن اليد ترفع مع التكبيرة الأولى فقط. بالنسبة للأدلة الواردة في هذا الباب، فكلها ضعيفة لا تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذين رأوا أن اليد ترفع مع التكبيرة الأولى فقط استدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه(211)؛ الذي أخرجه الدارقطني والبيهقي وغيرهما، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّر على جنازة, فرفع يديه في أول تكبيرة، ووضع اليمنى على اليسرى.
وإسناد هذا الحديث ضعيف جدًا، بل هو تالف، ففيه أبو فروة يزيد بن سنان، وهو متروك، وفيه أيضًا يحيى بن يعلى، وهو ضعيف. واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود(212). أخرجه الدارقطني، والعقيلي، وإسناده ضعيف أيضًا، ففي إسناده الفضل بن السكن وهو ضعيف، ووصفه بعض أهل العلم بالجهالة.
وبالنسبة للأثار عن الصحابة، فلم أقف على شيء ثابت صحيح يفيد أنهم- أو أحدهم – كان يرفع في التكبيرة الأولى فقط من صلاة الجنازة.
أما الآثار عن التابعين الذين رأوا الرفع في التكبيرة الأولى فقط؛ فقد رُوي ذلك بإسناد حسن عن إبراهيم النخعي عند ابن أبى شيبة في المصنف(213)، وفيه: رأيت إبراهيم إذا صلى على جنازة رفع يديه فكبر، ثم لا يرفع، وكان يكبر أربعًا.
وكذلك روى ابن أبى شيبة(214)- رحمه الله تعالى- نحو هذا عن الحسن ابن عبيد الله النخعي بإسناد صحيح.
وثَم آثار أخرى, لكن في أسانيدها ضعف.
وممن قال بهذا الرأي؛ أن اليد ترفع في التكبيرة الأولى فقط: سفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأهل الكوفة(215)، ورواية عن الإمام مالك– رحمه الله-, ثم ابن حزم، والشوكاني- رحمهما الله-, ثم الشيخ سيد سابق والشيخ الألباني- رحمهما الله-.
أما القائلون بالرفع مع كل تكبيرة، فلم يثبت لهم أيضًا حديث مرفوع في الباب، فقد ورد في هذا الباب حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه عند الدارقطني في العلل(216)، من طريق عمر بن شبة عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى على الجنازة رفه يديه مع كل تكبيرة.
وهذا مخالف لسائر الروايات عن ابن عمر رضي الله عنه, فعموم الروايات عن ابن عمر على الوقف وليست على الرفع، ورجح الدارقطني وقفه، وقد ورد له إسناد آخر عن ابن عمر مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطبراني في الأوسط(217)، وإسناده تالف، ففيه عباد بن صهيب، وعبد الله ابن محرر، وكلاهما متروك.
أما الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم, فالثابت لديّ منها أثر عبد الله بن عمر رضي الله عنه(218)؛ أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة، وإذا قام من الركعتين. وله عدة طرق عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه موقوفًا عليه،
وثم آثار أخر عن الصحابة، وفيها ضعف.
أما الآثار عن التابعين؛ فقد صح عن قيس بن أبي حازم(219)، أنه كبّر على الجنازة فرفع يديه في كل تكبيرة، وكذلك صح عن نافع بن جبير(220) أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة، وصح عن موسى بن نعيم(221) مولى زيد.ابن ثابت أنه قال: من السُنة أن ترفع يديك مع كل تكبيرة. (وموسى لا نعلم له صحبة). وصح عن محمد بن سيرين(222)، أنه كان يرفع يديه في الصلاة على الجنازة، وإذا ركع, وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان يفعل ذلك مع كل تكبيرة على الجنازة.
وثبت عن الحسن البصري(223) أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة، وصح عن عطاء(224) أنه قال: يرفع يديه في كل تكبيرة، ومن خلفهم يرفعون أيديهم، وثبت عن مكحول(225) أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة، وكذلك ثبت عن الزهري(226) أنه كان يرفع مع كل تكبيرة على الجنازة.
وثم آثار أخرى, وفيها كلام.
والقائلون برفع اليدين مع كل تكبيرة من تكبيرات الصلاة على الجنازة أكثر أهل العلم(227)، ومنهم الشافعي(228)وأحمد(229)، ورواية عن مالك، ورواية عن أبى حنيفة, وداود الظاهري وغيرهم، ومن المعاصرين الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله-.
وأخيرًا.. فبالنسبة لهذه المسألة- كما قدمنا- لم يصح فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر؛ لا في إثبات الرفع مع التكبير، ولا في نفيه، فرأى فريق من العلماء– كما قدمنا- أن اليد ترفع مع كل تكبيرة، قياسيًا على الصلوات المعتادة، فاليد ترفع مع كل تكبيرة أثناء القيام، وأيضًا للأثر الوارد عن ابن عمر رضي الله عنه بذلك.
ورأى فريق آخر أنها لا ترفع, لعدم ورود دليل يثبتها.
والأمر في ذلك واسع، فمن تبنى إحدى وجهتي النظر السالفة فله رأيه، ولا ينبغي أن يحدث بين المسلمين خلاف بسبب ذلك، ولا ينبغي أن يحتد شخص، ولا ينفعل آخر، بسبب تبنيه لوجهة نظر في هذا الباب، ومعارضة أخيه له، وبالله التوفيق، ومنه العوان والسداد.
الهوامش:
(211) أخرجه الدارقطني (2/75)، والبيهقي (4/83)، وابن عديّ (7/271).
(212) أخرجه الدارقطني (2/75السنن)، والعقيلي (3/449).
(213) أخرجه ابن أبي شيبة المصنف (3/296)، والقائل: رأيت. هو الوليد بن عبد الله ابن جميع الزهري.
(214) أخرج ابن أبي شيبة (في المصنف3/297).
(215) انظر: سنن الترمذي (3/388).
(216)انظر: الزيلعي في نصب الراية (2/285)، والحافظ في التلخيص الحبير (2/146).
(217) انظر: جمع البحرين (2/417).
(218) أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (رقم 110-109)، وأخرجه معلقـًا في صحيحه (3/226 مع الفتح)، وابن أبي شيبة في المصنف (3/297).
(219) أخرجه البخاري في رفع اليدين (رقم 112)، وعبد الرزاق في المصنف (3/469)، وابن شيبة (3/296).
(220) أخرجه البخاري في رفع اليدين (رقم 114).
(221) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/296).
(222) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/297).
(223) أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (رقم122).
(224)أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/296).
(225) أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (116).
(226) أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (رقم 188).
(227) انظر: جامع الترمذي (3/379).
(228) انظر: الأم للشافعي (1/415).
(229) انظر: مسائل أحمد ص139.
لأهل العلم فيها قولان مشهوران؛
أحدهما: أن المصلي على الجنازة يرفع يديه مع كل تكبيرة.
والثاني: أن اليد ترفع مع التكبيرة الأولى فقط. بالنسبة للأدلة الواردة في هذا الباب، فكلها ضعيفة لا تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذين رأوا أن اليد ترفع مع التكبيرة الأولى فقط استدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه(211)؛ الذي أخرجه الدارقطني والبيهقي وغيرهما، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّر على جنازة, فرفع يديه في أول تكبيرة، ووضع اليمنى على اليسرى.
وإسناد هذا الحديث ضعيف جدًا، بل هو تالف، ففيه أبو فروة يزيد بن سنان، وهو متروك، وفيه أيضًا يحيى بن يعلى، وهو ضعيف. واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود(212). أخرجه الدارقطني، والعقيلي، وإسناده ضعيف أيضًا، ففي إسناده الفضل بن السكن وهو ضعيف، ووصفه بعض أهل العلم بالجهالة.
وبالنسبة للأثار عن الصحابة، فلم أقف على شيء ثابت صحيح يفيد أنهم- أو أحدهم – كان يرفع في التكبيرة الأولى فقط من صلاة الجنازة.
أما الآثار عن التابعين الذين رأوا الرفع في التكبيرة الأولى فقط؛ فقد رُوي ذلك بإسناد حسن عن إبراهيم النخعي عند ابن أبى شيبة في المصنف(213)، وفيه: رأيت إبراهيم إذا صلى على جنازة رفع يديه فكبر، ثم لا يرفع، وكان يكبر أربعًا.
وكذلك روى ابن أبى شيبة(214)- رحمه الله تعالى- نحو هذا عن الحسن ابن عبيد الله النخعي بإسناد صحيح.
وثَم آثار أخرى, لكن في أسانيدها ضعف.
وممن قال بهذا الرأي؛ أن اليد ترفع في التكبيرة الأولى فقط: سفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأهل الكوفة(215)، ورواية عن الإمام مالك– رحمه الله-, ثم ابن حزم، والشوكاني- رحمهما الله-, ثم الشيخ سيد سابق والشيخ الألباني- رحمهما الله-.
أما القائلون بالرفع مع كل تكبيرة، فلم يثبت لهم أيضًا حديث مرفوع في الباب، فقد ورد في هذا الباب حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه عند الدارقطني في العلل(216)، من طريق عمر بن شبة عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى على الجنازة رفه يديه مع كل تكبيرة.
وهذا مخالف لسائر الروايات عن ابن عمر رضي الله عنه, فعموم الروايات عن ابن عمر على الوقف وليست على الرفع، ورجح الدارقطني وقفه، وقد ورد له إسناد آخر عن ابن عمر مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطبراني في الأوسط(217)، وإسناده تالف، ففيه عباد بن صهيب، وعبد الله ابن محرر، وكلاهما متروك.
أما الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم, فالثابت لديّ منها أثر عبد الله بن عمر رضي الله عنه(218)؛ أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة، وإذا قام من الركعتين. وله عدة طرق عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه موقوفًا عليه،
وثم آثار أخر عن الصحابة، وفيها ضعف.
أما الآثار عن التابعين؛ فقد صح عن قيس بن أبي حازم(219)، أنه كبّر على الجنازة فرفع يديه في كل تكبيرة، وكذلك صح عن نافع بن جبير(220) أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة، وصح عن موسى بن نعيم(221) مولى زيد.ابن ثابت أنه قال: من السُنة أن ترفع يديك مع كل تكبيرة. (وموسى لا نعلم له صحبة). وصح عن محمد بن سيرين(222)، أنه كان يرفع يديه في الصلاة على الجنازة، وإذا ركع, وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان يفعل ذلك مع كل تكبيرة على الجنازة.
وثبت عن الحسن البصري(223) أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة، وصح عن عطاء(224) أنه قال: يرفع يديه في كل تكبيرة، ومن خلفهم يرفعون أيديهم، وثبت عن مكحول(225) أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة، وكذلك ثبت عن الزهري(226) أنه كان يرفع مع كل تكبيرة على الجنازة.
وثم آثار أخرى, وفيها كلام.
والقائلون برفع اليدين مع كل تكبيرة من تكبيرات الصلاة على الجنازة أكثر أهل العلم(227)، ومنهم الشافعي(228)وأحمد(229)، ورواية عن مالك، ورواية عن أبى حنيفة, وداود الظاهري وغيرهم، ومن المعاصرين الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله-.
وأخيرًا.. فبالنسبة لهذه المسألة- كما قدمنا- لم يصح فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر؛ لا في إثبات الرفع مع التكبير، ولا في نفيه، فرأى فريق من العلماء– كما قدمنا- أن اليد ترفع مع كل تكبيرة، قياسيًا على الصلوات المعتادة، فاليد ترفع مع كل تكبيرة أثناء القيام، وأيضًا للأثر الوارد عن ابن عمر رضي الله عنه بذلك.
ورأى فريق آخر أنها لا ترفع, لعدم ورود دليل يثبتها.
والأمر في ذلك واسع، فمن تبنى إحدى وجهتي النظر السالفة فله رأيه، ولا ينبغي أن يحدث بين المسلمين خلاف بسبب ذلك، ولا ينبغي أن يحتد شخص، ولا ينفعل آخر، بسبب تبنيه لوجهة نظر في هذا الباب، ومعارضة أخيه له، وبالله التوفيق، ومنه العوان والسداد.
الهوامش:
(211) أخرجه الدارقطني (2/75)، والبيهقي (4/83)، وابن عديّ (7/271).
(212) أخرجه الدارقطني (2/75السنن)، والعقيلي (3/449).
(213) أخرجه ابن أبي شيبة المصنف (3/296)، والقائل: رأيت. هو الوليد بن عبد الله ابن جميع الزهري.
(214) أخرج ابن أبي شيبة (في المصنف3/297).
(215) انظر: سنن الترمذي (3/388).
(216)انظر: الزيلعي في نصب الراية (2/285)، والحافظ في التلخيص الحبير (2/146).
(217) انظر: جمع البحرين (2/417).
(218) أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (رقم 110-109)، وأخرجه معلقـًا في صحيحه (3/226 مع الفتح)، وابن أبي شيبة في المصنف (3/297).
(219) أخرجه البخاري في رفع اليدين (رقم 112)، وعبد الرزاق في المصنف (3/469)، وابن شيبة (3/296).
(220) أخرجه البخاري في رفع اليدين (رقم 114).
(221) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/296).
(222) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/297).
(223) أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (رقم122).
(224)أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/296).
(225) أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (116).
(226) أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين (رقم 188).
(227) انظر: جامع الترمذي (3/379).
(228) انظر: الأم للشافعي (1/415).
(229) انظر: مسائل أحمد ص139.