PDA

View Full Version : بطة.. يا بطة!


طبابيشو
08-25-2002, 02:57 PM
"لم يف بوعده"..
استنند زميلي بوسطه إلى المكتب وهو يطلق زفرة حارة.. بينما استرخيت على كرسيي.. أملته للوراء.. وأنا ابتسم ابتسامة أثقلها الهم..
"هذا غير مقبول.. لا يمكنني الإنطلاق في المشروع بدون أن يشعرني بالأمان"..
واصلت تطلعي إليه وأنا لا أجد ما أقوله مكتفياً بتلك الابتسامة الذابلة..
استقام في وقفته.. وضع يداه في جيبي بنطلونه.. زفر زفرة أخرى.. وخرج..
* * *
اعتدلت على الكرسي.. فتحت قائمة الاتصالات على جهاز الحاسب الآلي.. أخذت أراجعها وأنا أقنع نفسي بأن أفضل طريق للهروب من الهم هو الانغماس في العمل.. رفعت سماعة الهاتف وأنا أراجع معلومات أحد الأشخاص الذين لم نتمكن حتى الآن من الاتصال به والتعاون معه.. توقفت للحظة وقد دهمني خاطر.. أعدت سماعة الهاتف مكانها.. واستلقيت على كرسيي مرة أخرى وأنا أزفر بدوري زفرة هم حارة..
أنا لست على استعداد لأن أورط نفسي أكثر من ذلك..
نهضت وخرجت أتمشى في الممر الرئيس.. مكتب مغلق.. ها هو ذا (أشرف) يجلس هو كذلك على مكتبه ويعبث بحاسبه الآلي وهو يسحب أنفاساً قاتلة من سيجارة في يده ثم يترك الدخان ليخرج من فمه وأنفه وكأنه لم يعد لديه أي جهد حتى لنفث الدخان..
تابعت سيري المتباطئ.. وصلت إلى آخر الممر حيث المطبخ.. سمعت عندها رنين هاتفي.. أشرت بسرعة بيدي إلى )بشير) العامل ليحضر لي كوباً من الشاي.. وعدت أدراجي إلى مكتبي لألحق بالهاتف..
"مرحبا.. أهلاً أمل.. لا لا.. لا تتصلي بها.. بإمكاننا تدبير مادة للعدد الأول.. لا عليك.. سنجد شيئاً من مجلة ما نعيد صياغته.. أو نترجم مادة ما.. لا نريد أن نرتبط معها قبل صدور العدد الأول.. تعلمين أننا نحاول حتى الآن العمل في سرية.. ويكفي الناس الذين عرفوا بأمرنا حتى الآن"..
أغلقت الهاتف وأنا أحس بغصة.. سرية؟!.. هه!.. لماذا لا أخبرها بالحقيقة؟ أليست تعمل معنا؟.. لماذا لا أخبرها بأننا علقنا بأوهام طيلة الفترة السابقة وبأن مشروعنا أصبح معلقاً في الهواء وقد يذهب أدراج الرياح في أية لحظة؟.. لماذا لا أخبرها بأنها قد لا تستلم راتبها هذا الشهر كذلك.. تماماً كـ(نحن)؟..
أتى "بشير" ووضع أمامي كوباً من الماء الحار وبجواره كيس شاي صغير (ليبتون) لأصنع الشاي على مزاجي..
أخذت أشرب الشاي وعيناي معلقتان بالمجهول.. هاتفني بالأمس القريب (فلان) وهو يطلب مني العودة إلى عملي السابق.. وأخذ يغريني بأن بإمكاني أن أفرض شروطي والراتب الذي يرضيني، كنت سأخبره بأنني ارتبطت بعمل آخر وأن لا يفكر هو في هذا الأمر مرة أخرى، ولكني تمهلت عندما مرت بخاطري صورة اليوم، تمتمت له شاكراً دون أن أقطع له بجواب..
ماذا أفعل يا ربي؟.. هل أتحمل وضعي الذي لا يحتمل وفاء لعهد بيننا؟ إلى متى؟..
ولكن كيف أقاسي وألتزم بالعهد بينما لم يف هو بشيء مما تعاهدنا عليه؟ عملت كل الفترة السابقة وأنا أؤسس لهذا المشروع.. أبني وأبني.. بينما لا يزودني هو بالمواد الخام للبناء.. اضطررت بعد فترة إلى إيقاف البناء.. أخذت أقترض من هنا وهنا لحماية أساس البناء كي لا ينهدم.. ولم يأت المدد.. وما آلمني أكثر هو أنني أصبحت بالفعل أقضي وقتي داخل البناء... ولهذا فإن انهار البناء فسوف ينهار فوق رأسي.. أنا..
حانت الساعة الثانية ظهراً.. رفعت جوالي واتصلت على أحد أصدقائي.. وخرجت لأتغدى معه..
* * *
أخذت أقود سيارتي عائداً إلى المكتب..
ترى كيف وقعت في هذا (المطب)؟..
كنت أشدد على زملائي وأصحاب دائماً أن يكونوا على حذر عند انتقالهم لوظيفة جديدة، فما أكثر من يعطي الوعود هذه الأيام، كنت أنبههم إلى أن يتمسكوا ويعيدوا النظر في وظائفهم الحالية قبل تركها إلى غيرهم، فلسان الغير قد يكون معسولاً يخفي خلفه الكثير من الألم.. وكنت أروي عليهم قصة (فلان) الذي ترك وظيفته الرائعة خلف حلم أغراه به شخص ما، ليعمل بعد ذلك تسعة أشهر دون أن يستلم ريالاً واحداً، ثم غادر عمله بعد أن افتقد أولاده الصغار الحليب، وذلك الشخص الذي سُحر بتدين صاحب شركة وأخلاقه، فنتقل ليعمل عنده، وليخلو بيته من الأثاث بعد عدة أشهر لأن صاحب العمل أصبح يترصد له في راتبه بعد أن اكتشف أنه مدخن.. وغيرها كثير..
أبعد أن كنت أستاذاً لغيري في تجنب هذه الفخاخ أسير بخطوات واثقة نحو فخي بنفسي؟
كنت لا أحمل همي فقط.. بل أحمل هموم كل من ورائي.. عشرات الأشخاص الذين يعملون لدي.. عشرات الأشخاص الذين شاركوا في البناء وينتظرون أجورهم، عشرات الأشخاص الذين رأوا الأساس وينتظرون للبناء أن يكتمل، عشرات الأعداء الذي ينظرون لي بتوجس وأنا أبني بناءي لأنافس به عماراتهم..
ترى ماذا أقول لكل هؤلاء؟..
وصلت إلى المكتب.. دخلته وأنا غارق في بحيرة من الضياع.. لا أكاد أرى ما حولي.. عزمت أن أهدم البناء بنفسي وأرتاح، وليكن ما يكون.. يبدو أنني أخيراً بدأت أقتنع بمنطق شمشون، بل هو المنطق الصحيح بالفعل..
خرج علي زميلي من مكتبه فجأة.. هممت بأن أصرخ في وجهه وأفرغ فيه أثقال الهم التي تملأ قلبي.. ولكنه ابتسم ابتسامة عريضة.. وهتف:
"أبشر.. أبشر.. لقد فرجت"..
أخيراً!..

------------
خطها قلمي بتاريخ 14 ربيع الأول 1423هـ

أم العيــــــال
08-25-2002, 03:03 PM
:blink: :blink: :blink: يا خوفي يا بدران............. :blink: :blink: :blink:

نفرتارى
08-25-2002, 08:13 PM
ايه نظام اعلانات الشاى ده؟؟؟

ليبتون ايه يا استاذ؟؟فيه مقاطعه00

و بعدين قول للاخ قلمى يعنى المونولوج ظريف و كله بس يعنى اوعى تكون كل من قصصه همست لنفسى و غمغمت فى سرى00

بس العبارات ممتازه و اسلوب رشيق يا طبابيشو00

كنا عاوزين نستفيد من خبراتك فى الصندوق عشان عندنا مواهب صاعده عاملين شغل حلو قوى00يوميات مراهق للعشيره00الحق و خدهم عندك قبل ما نبيل فاروق يشم خبر و ياخدهم00

أسير
08-25-2002, 08:50 PM
ربما أراد بالفرج.. أنه سيقدم الماء بارداً .. اليوم، لأن ابنته في السودان جاءها عريس.. ربما!

طبابيشو
08-26-2002, 02:56 PM
أصل أنا يا جماعة لما اطفش.. أقوم أكتب!..


وصراحة.. القصة اللي فاتت صحيحة بكل تفاصيلها.. عدا موضوع الفرج ده اللي في الآخر!.. لأني ما حبيت أجرح شعور الراجل اللي باتكلم عنه!..
^_^

زلابيا
08-26-2002, 06:26 PM
نفرتارى .. انتى مصيبه والله :D :D :D
مين فرج يا اخ طبابيشو؟ صاحب سنبل؟ :lol: :lol:

كرمـي
08-26-2002, 07:24 PM
Originally posted by نفرتارى@Aug 25 2002, 05:13 PM
و بعدين قول للاخ قلمى يعنى المونولوج ظريف و كله بس يعنى اوعى تكون كل من قصصه همست لنفسى و غمغمت فى سرى00

بس العبارات ممتازه و اسلوب رشيق يا طبابيشو00

كنا عاوزين نستفيد من خبراتك فى الصندوق عشان عندنا مواهب صاعده عاملين شغل حلو قوى00يوميات مراهق للعشيره00الحق و خدهم عندك قبل ما نبيل فاروق يشم خبر و ياخدهم00
كلام كبييييير............كبيييييييييييييير أوي :P :P :P :P :P