View Full Version : [COLOR=firebrick]حوار مع خالد مشعل[/COLOR]
bigera
03-30-2004, 02:46 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اثنا ء الدعبسة عبر النت وجدت حوار جميل مع خالد مشعل
قلت انقله على فترات عشان الحوار طويل
الجزء الاول : الحلقة الاولى :flowers:
دخل الصغير مبتسماً ومصافحاً. سألته عن اسمه فأجاب: يحيى مشعل. رنّ في ذاكرتي اسم يحيى عياش "المهندس" الذي أقض مضجع اسحق رابين ونجح شمعون بيريز لاحقاً في اغتياله. رنّ اسم الرجل الذي هندس اول العبوات لأول الاستشهاديين في "كتائب عز الدين القسام" الجناح العسكري لحركة "حماس".
ادرك خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة ما يجول في خاطري فسارع الى القول: "ولد يوم استشهاد يحيى عيّاش فاخترنا له هذا الاسم". سألت الأب لاحقاً عن المستقبل الذي يتطلّع اليه بعد موقعه الحالي, فأجاب: "احسن خاتمة للمرء هي موته شهيداً". وحين سألته عن مسؤولية من يرسل الشبان لينفجروا بالآخرين, روى لي قصة سيدة فلسطينية كتبت الى قيادة "القسام" تعاتبها لأنها رفضت اعطاء نجلها فرصة الاستشهاد. انحنت القيادة امام ارادة الام التي واكبت التحضيرات الاخيرة لنجلها ولبست أجمل فساتينها لتقبّل التهاني حين بلغها نبأ استشهاده.
بين اسم الصبي وطموحات والده وقصة والدة الشهيد غمرني شعور غريب, يدمغ الفلسطينيون ابناءهم بالأسماء والروايات لئلا يجرؤ احد على التنازل عن شبر. ما أصعب لغة منتصف الطريق حين يتقاتل الناس على بشر وشجرة وغيمة, على ذاكرة ووجود كأن المكان لا يتسع الاّ لمنتصر ومهزوم. وشعرت بأن النزاع الذي ولدنا بعد اندلاعه سنرحل قبل ان نرى حلاً نهائياً له يلغي ظلم الاحتلال ومعه مصانع الشهداء.
أتعبني خالد مشعل وربما أتعبته. يريد التحدث عن الحركة لا عن شخصه. وأنا اريده ان يتحدث عن الاثنين معاً على رغم معرفتي ان "حماس" تنظيم علني وسري في آن, وان ليس من عادة قادته الغوص في ظروف نشأته ومسيرته الميدانية وآلية صنع القرار فيه وعلاقاته العربية ومتاعبه الدولية وقنوات تمويله. كنت اعرف ان خالد مشعل لا يزال في خضم المعركة وان الحصار المضروب على "حماس" يحول دون كشف تفاصيل قد تلحق ضرراً بها او بمنتمين اليها. وفي المقابل كنت اعتبر ان ليس من حق "حماس" التي تحولت "رقماً صعباً" يصعب تجاهله في مسار النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي بفعل ثقلها وضرباتها المدوية, ليس من حقها الا ان تقدم روايتها لقصتها وبلسان من كان حاضراً منذ اللحظة الاولى. تعثرت محاولتان لإجراء الحوار على رغم الشهور الفاصلة بينهما. وكان السبب قدراً من التحفظ لدى القائد الفلسطيني, وقدراً غير قليل من الطمع لدى سلسلة "يتذكر".
وساهمت المسافة الزمنية والتطورات في الساحة الفلسطينية والمنطقة في توفير الظروف الملائمة مما اتاح لـ"الحياة" القيام بزيارة لذاكرة "حماس" ورئيس مكتبها السياسي.
بعد توقيع "اتفاق اوسلو" في 13 ايلول (سبتمبر) 1993 كان الواضح ان النضال الفلسطيني دخل منعطفاً كبيراً وخطيراً. راودتني فكرة جمع الشهادات والروايات
لماذا خالد مشعل بالتحديد؟
في 25 ايلول (سبتمبر) 1997 تناقلت وكالات الانباء خبر تعرضه لمحاولة اغتيال في عمان. فشلت المحاولة ولم يقبل العاهل الاردني الراحل الملك حسين بأقل من ان تحضر اسرائيل سريعاً العلاج القادر على مكافحة السم الذي دخل جسم المستهدف وان تفرج ايضاً عن الشيخ احمد ياسـين قائد الحركة ورمزها الاول.
http://www.daralhayat.com/special/features/12-2003/20031203-04P15-01.txt/KhaledMashaal_15.jpg_200_-1.jpg
خالد مشعل في مستشفى مدينة الحسين الطبية بعد محاولة اغتياله
وسألت نفسي يومها لماذا غامر رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بالموافقة على عملية من هذا النوع في عاصمة دولة عربية وقّعت مع اسرائيل معاهدة سلام؟ سألت نفسي وسألت بعض المواكبين لـ"حماس" وكان الجواب: لأن دور مشعل اكبر من لقبه وأخطر. فإضافة الى مشاركته في تأسيس الحركة, التي ولدت قبل اعوام من اعلان قيامها وشيوع اسمها, ساهم مشعل في نسج العلاقات وفتح القنوات التي جعلت "الخارج" يؤمن لـ"الداخل" مستلزمات الصمود والاستمرار والتوسع.
في هذا الحوار سيتحدث مشعل عن تحول "الاخوان المسلمين" في فلسطين الى حركة "حماس" التي استقطبت ايضاً شرائح اسلامية اخرى. سيروي قصة الولادة السرية على مراحل, ثم الولادة العلنية في بدايات الانتفاضة الأولى في كانون الأول (ديسمبر) 1987. سيحكي قصة العمل العسكري و"جنرالات القسام" والاعتقالات والعمليات الاستشهادية. وسيتطرق الى العلاقات الفلسطينية - الفلسطينية وعلاقات "حماس" بسورية والأردن وقطر ودول اخرى.
لم يكن عالم ما بعد 11 ايلول سهلاً على "حماس". وعلى رغم عدم ضلوع الحركة في أي هجوم مسلح خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة اتخذت اميركا اجراءات ضدها بوصفها "ارهابية", وادرج الاتحاد الأوروبي جناحها العسكري في لائحة الارهاب, وقلصت دول عربية علاقاتها معها. براعة "حماس" خففت وطأة الحوار. مواقفها تتسم بالصلابة والمرونة معاً. تتشدد وتتساهل وتقرأ المتغيرات من دون ان يتغير برنامجها البعيد المدى.
طالت جلسات الحوار وتعددت. وتباينت وجهات النظر في قراءة الأحداث واتسع صدر خالد مشعل لكل الأسئلة.
ولد خالد مشعل في 28/5/1956 في بلدة سلواد في قضاء رام الله. بلدة محافظة ومتدينة يعمل ابناؤها في الفلاحة وجذورهم عميقة فيها. روايات والده عبدالرحيم عن مشاركته في مقاومة الانتداب البريطاني وفي ثورة 1936 تركت بصماتها على عقله ووجدانه. في الستينات توجه والده الى الكويت للعمل فيها. وبعد حرب 1967 التحقت العائلة به والتحق خالد بإحدى المدارس فيها. من مدرسة خالد بن الوليد الى متوسطة الحريري (الحريري العتيق النائم في كتب الأدب العربي) كان المناخ الفلسطيني هناك يسترجع صدى الهزيمة المؤلمة في 1967 ثم صدى التماع صورة الفدائيين في معركة الكرامة في 21 آذار (مارس) 1968. تديّن العائلة علّمه الصلاة والصوم منذ نعومة أظفاره, لكنه انتقل الى التديّن الحركي في ثانوية عبدالله السالم بعد مرافقته عدداً من الشبان من "الاخوان المسلمين". وفي 1971 انضوى في تنظيم "الاخوان". في مناخ الغضب الفلسطيني الذي اتسعت الكويت له, شاهد الشاب ياسر عرفات وصلاح خلف وخالد الحسن. مرات عدة كاد ان يغادر مقاعد الدراسة للالتحاق بالعمل الفدائي, لكن تفوقه الدراسي كان يدفعه الى التأجيل لاعتقاده بأن التحصيل العلمي سيساعده لاحقاً على أداء دوره الوطني.
على مقاعد جامعة الكويت (1974 - 1978) انشغل طالب الفيزياء بالهموم الوطنية والاسلامية. ولا تزال ذاكرته تحتفظ بدوي حرب 1973, وفصول الحرب في لبنان, واحياء الفلسطينيين "يوم الأرض" في 1976, فضلاً عن توجه زملاء لتنفيذ عمليات في الداخل الفلسطيني, ثم رؤية الرئيس أنور السادات يزور الكنيست الاسرائيلية في 1977.
رأس في الجامعة كتلة "قائمة الحق الاسلامي" التي خرجت بعد مناكفات مع "فتح" والكتل الأخرى, على اتحاد الطلبة بعد ثلاث سنوات لتشكيل ما عرف بـ"الرابطة الاسلامية لطلبة فلسطين". ويقول مشعل: "كانت هذه الرابطة من اللبنات التمهيدية لحركة "حماس" التي بنيت لبناتها الأولى في غزة والضفة والشتات الفلسطيني. كان جسم الحركة يتشكل هنا وهناك".
بعد الجامعة مارس التدريس. تزوج في 1980, وهو أب لثلاث بنات وأربعة صبيان. وفي النصف الأول من الثمانينات كانت "حماس" تولد سراً في أماكن عدة وعلى دفعات, وكان مشعل شريكاً في تلك المحطات قبل أعوام كثيرة من تحوله مسؤولاً علنياً. عندما اجتاح العراق الكويت كان في عمان في اجازة. بعد عشرة أيام وقبل تعليق حركة الطيران تماماً توجه الى بغداد ومنها الى صفوان الحدودية وبعدها في ساعة متأخرة الى الكويت. كان الدخول مغامرة بسبب عدم معرفة الواصلين بحظر التجول وكاد الرصاص ان يلامسهم. أمضى اسبوعاً في الكويت "رتبت أموري وعدت الى بغداد فأنا مسؤول في حركة ولا يسعني البقاء محاصراً".
army m@n
03-30-2004, 02:57 PM
جزاك الله خيرا يا اسمك ايه :flowers::flowers:
سندس الجنة
04-01-2004, 09:57 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
جوزيت خيرا
يالله فين الجزء التاني..........:thinky:
bigera
04-01-2004, 08:31 PM
الجزء الاول ( الحلقة الثانية )
انتهت المرحلة الكويتية وبدأت مرحلة أخرى. يحمل خالد مشعل جوازاً أردنياً ويفترض ألا تكون هناك مشكلة في إقامته. لكنه ليس "مواطناً" عادياً في البلد الذي تحكم حساباته الأردنية ـ الفلسطينية اعتبارات شديدة التعقيد خصوصاً بعدما أقام الأردن علاقات مع إسرائيل تنفيذاً لخياره ألا يكون الأول في ذلك وألا يكون الأخير. في عمان, القريبة من خط التماس, كبر دور خالد مشعل بالتوازي مع تصاعد دور "حماس" في الداخل وانطلاق قوافل الاستشهاديين. وفي 1996 انتخبه رفاقه رئيساً للمكتب السياسي. لكن الحدث الأكبر والأخطر جاء بعد عام حين وافق رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو على اقتراح "موساد" شطب مشعل في عمان, فيما الشيخ أحمد ياسين معتقل في سجن إسرائيلي. وكانت غلطة نتانياهو مكلفة. غضب الملك حسين. وكان عامل الوقت ضاغطاً. وحدها إسرائيل تملك الدواء الذي ينقذ مشعل الممدد في المستشفى من السم الذي تسرب الى جسمه. ولم يكن أمام نتانياهو غير إرسال الدواء والتجاوب مع طلب العاهل الأردني إطلاق الشيخ أحمد ياسين زعيم الحركة. أما لماذا الإصرار على إطلاق ياسين فالجواب عليه يكمن في حسابات الملك الراحل.
لم تشطب المحاولة مشعل. سلطت الأضواء عليه وحولته رمزاً. اتسع دور الرجل البارع الذي يصوغ المواقف المتشددة لحركته بعبارات منطقية تكاد توحي باعتداله. صلب ومرن. محاور لا يوصد الباب, يترك خيط الصداقة حياً حتى مع من يختلف معهم. قبل الخوض في تفاصيل "حماس" ولادة ومسيرة وفي العمليات الاستشهادية وتبريراتها وذيولها وآلية صنع القرار, سألناه ان يقدم الرواية الكاملة لمحاولة اغتياله وقصة خروجه من الأردن إلى المحطة القطرية.
اعتقد ان الوقت حان لمعرفة الرواية الكاملة لمحاولة اغتيالك. كيف حدثت؟
- صباح الخامس والعشرين من أيلول (سبتمبر) 1997, خرجت من مكان إقامتي في الشميساني, خلف حدائق الملك عبد الله, وذهبت إلى مكتبي في شارع الغاردنز في عمان. كان ثلاثة من أولادي الصغار برفقتي في طريقهم إلى صالون الحلاقة. وكان عدد الحراس المرافقين (واحد أو اثنين) قليلاً, كما كانت العادة. كنا نعتقد بأن الأردن لا تحصل فيه عمليات اغتيال. وكان تركيزنا على الحماية محدوداً في ذلك الوقت. عندما نزلت من السيارة وقبل الوصول إلى مكتبي حصلت الحادثة. في الطريق, كنت أجلس إلى جوار السائق الذي لاحظ ان سيارة تراقبنا وتلاحقنا من أمام البيت إلى مسافة نصف كيلومتر عن مركز العمل. وهي سيارة سياحية. وفي العادة يخبرني مرافقي إذا حدث أمر كهذا. هذه المرة لم يفعل. وقبل الوصول إلى المكتب سبقتنا السيارة وتجاوزتنا. وعندما وصلنا إلى مدخل البناية, واسمها مركز شامية, حيث كنت اقيم في الطابق الخامس, توقفت سيارتي على الرصيف وهناك محلات تجارية أمام البناية. ولاحظت شخصين, يرتديان الجينز ولهما شكل الأجانب, يبعدان عن مقدم سيارتي نحو مترين. ارتبت في أمرهما. كانا يرتديان نظارات سوداء ويبدو عليهما هاجس انتظار فريسة. ترددت في النزول من السيارة وتحدثت مع سائقي. شكلهما غير طبيعي وهو أثنى على كلامي. خرجت مع أخذ الحيطة. فعادة أنزل من مقعدي في جوار السائق وأسير. من باب الحيطة, استدرت من وراء السيارة وتحاشيت الرجلين. ولما وصلت الى مدخل البناية هاجمني من ارتبت في أمرهما. شهر أحدهما جهازاً بحجم مسدس علمت في وقت لاحق أنه يضخ مادة كيماوية سامة بطريقة مبتكرة فتدخل مسام الجلد من دون حقنة. وتم تشغيل الجهاز إلى يسار رأسي وأذني. اهتزّ جسمي وتيقنت أنني أتعرض لمحاولة اغتيال, وفوجئت. عادة يتم الاغتيال بالرصاص. وكان مستخدم الجهاز يلف يده بالشاش ليحمي نفسه من الأذى الذي قد يلحقه السم به. وقيل ان المهاجمين حملا إبرة فيها مصل مضاد للسم.
ماذا حصل لك؟ وماذا فعل المهاجمان؟
- لم أقع أرضاً وفرّ الرجلان. وتعالجت على الأرجح بواسطة المادة التي على الأرجح كان الرجلان يحملانها. وتذهب إحدى الروايات إلى ان نتانياهو تعرض لضغوط من أجل تسليم مصل العلاج. فمن نفذ العملية اعتبرها ناجحة لأن السمّ دخل إلى جسمي. أما محمد أبو سيف, مرافقي الذي كان يتبعني بسيارة أخرى, فلحق بالمهاجمين اللذين لم ينتبها الى وجوده. فرا بالسيارة المستأجرة التي كانت تنتظرهما على بعد ثلاثمائة متر, بالقرب من مطعم الثروات. وحاولا إعاقة مرافقي ونجحا في ركوب السيارة. وأحسن مرافقي بإصراره على ملاحقتهما, ووقف في وسط الشارع المتفرع عن شارع الغاردنز وأوقف أول سيارة سلكت هذه الطريق. وألح على سائقها طالباً منه مساعدته على ملاحقة سيارة أخرى بسبب حادثة خطيرة. تصرف الرجل بشهامة وطارد السيارة التي دخلت مناطق سكنية وشوارع فرعية. وشاهد الرجلين يهمان بمغادرة السيارة, ويتجهان, مشياً على الأقدام, نحو شارع المدينة المنورة. تركا في السيارة المستأجرة كل أدوات الجريمة التي كانت بحوزتهما, والتي قيل إنها أخذت إلى السفارة الإسرائيلية. وشارع الغاردنز قريب من منطقة الرابية حيث السفارة الإسرائيلية.
تبعد السفارة الإسرائيلية كيلومتراً واحداً عن مكان الجريمة. وذهبت كل الأدوات المتروكة في السيارة اليها. فعميلا الموساد اللذان دخلا الأردن بجوازات سفر كندية, كما عرف لاحقاً, اطمأنا وابتعدا عن مسرح الجريمة. واتجها إلى مكان تنتظرهما فيه سيارة أخرى. لم يخطر في بالهما أن مرافقي لحق بهما. وبعد ملاحقتهما راجلاً, بلغهما وتعارك معهما بالأيدي. لم يكن في حوزتهما مسدسات, لكن أحدهما كان يحمل أداة مسننة حادة, ضرب بها محمد أبو سيف على رأسه, وأصابه بجرح غائر, وعولج بخمس عشرة غرزة. وكان أبو سيف صائماً صيام تطوع في ذلك اليوم. تجمهر الناس حولهم , وأعلم مرافقي المتجمعين أن من يتعارك معهما من الـ"موساد" وحاولا قتل خالد مشعل, رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس". فلم يكن من المتجمهرين سوى محاصرة المهاجمين ومنعهما من مواصلة القتال. وحمل أحد الرجلين صخرة كبيرة ليقتل أبو سيف بها. وصادف العراك مرور ضابط في جيش التحرير الفلسطيني, فأخذ الرجلين في سيارته إلى مركز أمن أردني في منطقة وادي السير. وفي المركز, شرح محمد أبو سيف الحالة لرجال الأمن فاعتقلوا الرجلين.
في هذه الأثناء لم نكن ندري ما يجري مع أبو سيف. فأنا ذهبت مباشرة الى مكان آمن حيث اتصلت بالمكتب السياسي وأطلعته على الحادثة وتفاصيلها. لم أذهب الى بيتي وتركت أولادي مع السكرتير الذي يعمل في مكتبي. أكدت للإخوة أن شيئاً حصل في جسمي في أثناء عملية الاغتيال. وفي أثناء حديثي اتصل المرافق هاتفياً بمكتبي وأبلغنا بالقبض على عميلي الموساد. فأدركنا ما الذي جرى. بعد نصف ساعة على الحادثة وبعد مشاورات مع المكتب السياسي نشرنا الخبر في وكالة "فرانس برس". وبثته في الحادية عشرة إذاعة مونتي كارلو. وبدأت الاتصالات مع الحكومة الأردنية عبر مدير الاستخبارات الأردني.
في البدء نفت الحكومة الأردنية الخبر ولم تكن لديها معلومات عما حصل. وذهب وزير الإعلام الأردني الى ان الحادثة طوشة او هوشة بين مرافقي خالد مشعل وسائحين كنديين. ولكن عندما أصبح عملاء الـ"موساد" في مخفر أمن أردني, وبعد إلحاحنا على وزير الإعلام عاد المسؤولون الى تأكيد الخبر. وعلمنا لاحقاً أن المسؤول عن الـ"موساد" في الأردن اتصل بالقصر. ويبدو ان نتانياهو, رئيس الحكومة الصهيونية السابق, أمر هذا المسؤول بالتدخل لتغطية فشل العملية وللمحافظة على العميلين المعتقلين في الاردن.
بعد ساعتين بدأت أشعر بأعراض السم. في البدء كنت أشعر بدوي في الأذن. فقدت توازني وتقيأت. اصطحبني من كنت في رفقته الى المستشفى الإسلامي. ويتطلب الدخول إليه إجراءات, في حين كان الأمن الأردني يبحث عني. وتجمهر القوم حولي في جناح المستشفى والفريق الطبي, وجاءت قيادة المكتب السياسي وقيادة جبهة العمل الإسلامي والمسؤول عن شرطة العاصمة الأردنية. وعندما وصل الخبر الى القصر وانكشف الامر, تدخل الملك الحسين, متبنياً موقفاً جريئاً وشجاعاً. أمر بنقلي الى مدينة الحسين الطبية. فهو اقتنع بأن ما تعرضت له عملية من صنع الـ"موساد". وفي وقت كنت أفقد فيه توازني ووعيي, دار جدل حول ذهابي الى المدينة الطبية أو عدمه. بدأ الاوكسيجين ينخفض في دمي ولم يكن الأطباء يعرفون ما يجري. تبين لاحقاً ان المادة السامة التي استهدفت بها تعطل مراكز التنفس اللاإرادي في الدماغ. فالإنسان يتنفس بشكل لاإرادي خلال النوم. ومع السم يتوقف هذا النوع من التنفس, ويموت الإنسان.
راهن الإسرائيليون على انتهاء الأمور بشكل طبيعي. وفي أدبيات الـ"موساد" وفي المداولات الأمنية المصغرة في عهد نتانياهو, ورد أنهم أرادوا عمليةً هادئة من دون متفجرات وإطلاق نار تفادياً لإحراج أنفسهم مع الأردنيين بحكم اتفاقية وادي عربة المبرمة عام 1994 مع الأردن. وأصبحت العملية بسبب فشلها صاخبة
, ونقلت مساء الخميس الى المدينة الطبية وأصابتني حال نعاس شديد وبدأت أفقد الوعي تدريجاً. وضعوني تحت التنفس الاصطناعي بينما غبت عن الوعي من مساء الخميس وحتى صباح السبت. في فترة الغيبوبة هذه تصرف الملك حسن بحزم وشجاعة. قدرت موقفه وراسلته لاحقاً في فترة مرضه. اتخذ موقفاً إنسانياً وجريئاً في وقت لم تحسن الحكومة الأردنية التصرف في هذه المسألة. وعرف لاحقاً, ان الملك حسين اتصل بالرئيس الاميركي بيل كلينتون, وهدد بإغلاق السفارة الإسرائيلية. ومع فشل نتانياهو في هذه العملية, ولاستيعاب تداعياتها, أرسلت إبرة العلاج. وقبل ذلك, استدعى الملك طبيبه الخاص من عيادة مايو كلينيك الذي فحص دمي وأبلغ الملك بوجود خيارين: إما أخذ عينة من الدم وفحصها في الأردن أو في العالم العربي حيث لا قدرة على كشف هذه المادة, وإما إرسال العينة إلى الولايات المتحدة الاميركية لنعرف نوع السم. وشدد على ان الطريق الأقصر هو الاتصال بالجهة التي دست السم وطلب العلاج منها. وعندما حقنوني بالإبرة استعدت وعيي بعدما كنت في حالة حرجة. ومكثت في المستشفى أسبوعاً.
ماذا عن خروج الشيخ ياسين؟
- طبعاً, أنا سعدت لأن محاولة اغتيالي الفاشلة كانت سبباً في الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين. وكنت من الذين زاروه في جناحه في مدينة الحسين الطبية. أدى فشل المحاولة والإحراج في إسرائيل الى بحث حكومة نتانياهو عن مخرج للتخلص من ضغط الملك حسين, ولاسترجاع عملاء الـ"موساد". وقيل ان الأمن الأردني قبض على عملاء آخرين وان السفارة الإسرائيلية طوقت. فإفراج إسرائيل عن الشيخ ياسين وعن عدد من السجناء الفلسطينيين هو نوع من رد الاعتبار إلى الأردن وتغطية على فشل الـ"موساد".
من طرح فكرة اطلاق الشيخ ياسين؟
- جاءت فكرة الإفراج خلال التفاوض بين القصر في عمان والإسرائيليين. وأذكر ان الملك حسين ألقى خطاباً في الزرقاء تكلم فيه عن محاولة اغتيالي وذكرني بالخير, واشار إلى احتمال الإفراج عن الشيخ ياسين. وكان الملك موجوداً في المدينة الطبية قبل تماثلي للشفاء. وزارني قرابة الواحدة والنصف ليلاً لمدة خمس دقائق. شكرته وهنأني بالسلامة. سألته عن قصة الشيخ ياسين فأبلغني أنه سيصل في الليلة نفسها. ومن نافذة غرفتي وعند الساعة الثانية فجراً, رأيت طائرة هليكوبتر لم أعرف هل كانت أردنية أم إسرائيلية. ثم شاهدت الشيخ ياسين على كرسيه. بعدها نقل الى أحد الأجنحة. وعلى رغم عدم قدرتي على المشي, أصررت, عند الساعة الثالثة على رؤية الشيخ أحمد. سلمت عليه وقبلته. وكان هذا أول لقاء لي معه في حياتي. سبق لي لقاء بعض الإخوة من الذين أُبعدوا الى مرج الزهور عام 1993 مثل عبد العزيز الرنتيسي. وكان الشيخ ياسين في السجن في ذلك الوقت.
بعد صفقة التبادل, ساعة خروجي من المستشفى حضر الملك حسين والأمير الحسن والأمراء وعدد من المسؤولين الدينيين وأبو عمار. التقيتهم, في حضور الشيخ ياسين, في إحدى الغرف وشكرنا الملك. أمضى الشيخ ياسين أسبوعاً في الأردن الى ان تمت صفقة التبادل. وأقلته طائرة أردنية من المدينة الطبية الى غزة, وتسلمت طائرة إسرائيلية عملاء الـ"موساد". وألقى الشيخ ياسين كلمة قبل ذهابه والتقطت الصور ومن بينها صورة لي برفقته ورفقة الدكتور موسى أبو مرزوق ومحمد نزّال.
متى كانت المرة الاخيرة التي قابلت فيها الشيخ ياسين؟
- رأيته للمرة الأخيرة في أثناء توقفه في السودان عام 1998. بداية الجولة كانت شكوى الشيخ ياسين من أذنه. وفي اتصالاتنا مع السعودية عرضنا عليهم مجيئه للحج والعلاج. وقامت الحكومة السعودية بجهد مشكور. واعتبرنا خروجه من غزة فرصة للقيام بجولة ورتبنا له جولة شملت السعودية والإمارات والكويت وطهران واليمن وسورية والسودان ومصر, وعاد بعدها الى غزة.
هل وردت فكرة إقامته في الخارج؟
- كلا لم يكن الأمر وارداً بالنسبة إلينا واليه. فمقصدنا أن نكون جميعاً داخل فلسطين. لا أحد يتبرع بنفي نفسه وإبعادها.
هل ساهمت محاولة الاغتيال في صعودك داخل حركة "حماس"؟
- من دون شك, سلطت المحاولة الأضواء عليّ وعلى الحركة عموماً. وزاد بروزي الإعلامي. وأنا اعتبر ان أوضاعنا داخل "حماس" مرتبطة بالتاريخ الشخصي لكل منا, وبأدوارنا, ومعرفتنا بعضنا لبعض. لكن الأضواء الإعلامية تسلطت عليّ أكثر من قبل.
هل تعرضت لمحاولة اغتيال ثانية؟
- بطريقة مباشرة ومحددة لا. ولكن كانت هناك تحركات تابعناها ورصدنا خيوطها الأولى. لم نحبط محاولة في آخر لحظة. نعم كانت لدينا معلومات عن محاولات لاستهدافي. وأوحى بعضها بأن هناك محاولات تعقب في بعض دول الخليج. ولكن لم تنضج المحاولة ولم تبلغ مرحلة اللحظة الأخيرة. وكانت محاولة اغتيالي درساً لنا في إعادة النظر في إجراءاتنا الأمنية, خصوصاً بعدما تعزز دور الحركة في النضال الفلسطيني وامتداد المعركة العسكرية بين الحركة والكيان الصهيوني. ومضت إسرائيل في استهدافنا في الداخل والخارج مما حدا بنا الى التيقظ وزيادة الإجراءات الأمنية على قيادات الحركة وكوادرها.
في أي عاصمة تنام مرتاح البال؟
- أنام في كل الأماكن من دون القلق وهواجسه. الموت قدرنا كبشر ومن يركب طريق الخطر يتوقع كل شيء ولا يخشى شيئاً. ونحن مؤمنون بالله تعالى, نعلم ان الآجال محددة ومقدرة. ولكن هناك مناطق أكثر أمناً من غيرها. وخياراتي في الحركة محدودة بين الدوحة ودمشق. أنا مستقر في الدوحة ودمشق.
هناك سر في الدوحة, دولة تستضيف قادة "حماس" وتدير "الجزيرة" وتستضيف قاعدة عسكرية اميركية! ما هذه البراعة القطرية؟
- (يضحك) تسأل عن براعة قطر ام عن براعة "حماس"؟ يدخلنا هذا السؤال إلى ملفين, الأول ملف الإبعاد عن الأردن عام 1999 وملف علاقاتنا العربية. لدينا فلسفة في العلاقات.
كانت علاقتك جيدة مع الملك حسين بعد محاولة الاغتيال؟
- نعم. التقيته مجدداً بعد أسبوعين من المحاولة. وراسلته أثناء مرضه, ومن المفارقات ان آخر رسالة منه وصلتني قبل يوم من وفاته.
كيف كانت علاقتكم بقطر؟
مع والدته بعد خروجه من المستشفى
- أقامت الحركة علاقة مع قطر منذ كان الأمير حمد بن خليفة ولياً للعهد. ونشأت علاقة طيبة مع القطريين. وبعد تسلمه مقاليد الحكم, بقيت علاقتنا قائمة. ربطتني علاقة شخصية مع الأمير ووزير خارجيته الشيخ حمد بن جاسم بن جبر. وليست علاقتنا بقطر جديدة بل هي تاريخية. وعندما أغلق الأردن مكاتب الحركة في نهاية شهر آب (اغسطس) يوم كنت في زيارة لإيران, اتصلت بعدد من الدول العربية, وأبلغتهم ان خطوة الإغلاق لا مبرر لها, وأننا لا نريد الدخول في مواجهة مع أي دولة عربية. واتصلت بالشيخ حمد بن جاسم بن جبر, وأطلعته على ما حصل, وطلبت منه القيام بجهد لحل هذا الوضع. بعد ثلاثة أسابيع من الأزمة, عدنا إلى الأردن, وأدخلت سجن "الجويدة" مع المهندس إبراهيم غوشه.
وماذا كان مبرر إغلاق مكاتب الحركة؟
- أراد الأردن إنهاء العلاقة معنا. وقيل ما لا أصل له من الصحة لجهة حملنا أسلحة وارتكابنا مخالفات. نحن أردنيون, ولم نقم بأي مخالفة. وحقق معنا مدعي امن الدولة. وبعد دخولنا السجن, توسطت قطر, فأصرّ الأردن على مغادرتنا أراضيه إذا أفرج عنا.
هل كنتم تعلمون أنكم ستتوجهون إلى قطر؟
- كلا, لم يشارونا أحد في ما حدث. عند خروجنا من السجن في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1999, أخذونا إلى مطار ماركة حيث فوجئنا بطائرة تنتظرنا. وأجبرنا, وكنا معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي, على دخول هذه الطائرة التي مضت بنا إلى قطر. وكان على متنها محمد عبدالله المحمود, وزير الدولة للشؤون الخارجية.
هل يعني ذلك ان الشيخ حمد بن جاسم هو من قام بالتسوية؟
- نعم. وضعنا الأردن تحت الأمر الواقع. فذهبنا إلى الدوحة. وأطلعنا الوزير محمد عبد الله المحمود انه منع من مشاورتنا في أمر مجيئنا إلى قطر.
كم مكثتم في الدوحة؟
- أقمنا شهوراً وسنوات في الدوحة. وحاولنا, بمساعدة القطريين, معالجة الأزمة مع الأردن. لكن محاولتنا باءت بالفشل. وأدى ذلك إلى أزمة بين قطر والأردن. وأخذنا نتنقل بين الدوحة ودمشق.
متى جئت إلى دمشق؟
- ما زلت أتردد على الدوحة. ومنذ نحو سنتين, أقضي معظم وقتي في دمشق.
هل حاول الشيخ حمد بن جاسم التوسط بينك وبين الرئيس ياسر عرفات؟
- في بداية الانتفاضة, لم تكن العلاقة مع السيد ياسر عرفات تحتاج الى وساطة أحد. والتقيت الأخ أبو عمار في مؤتمر القمة الإسلامي في الدوحة, وبقيت على اتصال هاتفي معه. وفي جولات الحوار الفلسطيني - الفلسطيني التي سبقت إعلان الهدنة, بذلت قطر جهداً كبيراً. وكذلك فعلت مصر التي استضافت جولات الحوار.
هل عرض الشيخ حمد بن جاسم الذي يلتقي شمعون بيريز, إجراء وساطة بين "حماس" وإسرائيل لوقف العمليات؟
- كلا, لم يحاول. ولقاءاته مع بيريز معروفة. وقطر تتحمل مسؤولية سياستها الخارجية. ونحن لا نتوقع أن يعرض علينا أحد هذا النوع من الوساطات لأن سياسة "حماس" معروفة. ونحن لسنا في وارد إقامة أي اتصال من هذا النوع مع العدو الصهيوني. واقتصرت الوساطة القطرية على الحوار الفلسطيني- الفلسطيني. وأبو مازن له علاقات وثيقة بالقطريين, الذين استضافوه في الماضي.
هل قدمت قطر مساعدات إلى "حماس"؟
- كلا, قطر مثلها مثل الحكومات العربية لا تقدم المساعدات إلينا. المساعدات تأتي من لجان شعبية وجمعيات خيرية. وقد ينظم التلفزيون القطري يوماً لدعم الانتفاضة, وجمع التبرعات
سندس الجنة
04-06-2004, 05:48 PM
]السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
والله يا اخي اثريتنا باللقاء ولكن اما من تكملة:thinky:[/FONT] ؟؟؟
bigera
04-07-2004, 08:09 AM
خالد مشعل: ولادة على مراحل في غزة والضفة والشتات سهلت انبثاق "حماس" من رحم "الاخوان" اجتماع في الخارج في 1983 قرر تأسيس المشروع الإسلامي الفلسطيني للقضية وتحضير متطلبات نجاحه
لا يمكن عزل قيام "حماس" عن المناخات التي كانت سائدة عشية الثمانينات وفي بداياتها. "الجيش الأحمر" يجتاح افغانستان, فتعثر واشنطن على فرصتها لانهاك الاتحاد السوفياتي في "فيتنام اسلامية". وستتردد في العالمين العربي والاسلامي أصداء تضحيات المجاهدين وانجازاتهم. في ايران ثورة اسلامية تطيح نظام الشاه وتعد بتصدير الثورة الوافدة من خارج قاموس عالم المعسكرين. دوي عميق في الشرق الأوسط ومخاوف عميقة
خـالـد مـشـعــل
. في 1982 تسقط أول عاصمة عربية تحت الاحتلال الاسرائيلي. استباح ارييل شارون بيروت من الوريد الى الوريد. وغادر المقاتلون الفلسطينيون العاصمة اللبنانية وسط مشاعر الذل والغضب التي فجّرت المقاومة لاحقاً.
على دوي تلك الأحداث التقى في مكان خارج فلسطين شبان جاؤوا من تنظيم "الاخوان المسلمين" واتحادات وروابط شكلت في غزة والضفة والشتات. وفي ذلك الاجتماع اتخذ قرار توفير كل مستلزمات تأسيس المشروع الإسلامي الفلسطيني للقضية. وهكذا بدأت حركة "حماس" تولد على دفعات من رحم تنظيم "الاخوان" الفلسطيني. وسيتأخر اعلان ولادتها الى كانون الأول (ديسمبر) 1987 ليترافق مع بدايات الانتفاضة الأولى.
شارك خالد مشعل, رئيس المكتب السياسي لـ"حماس", في تلك الاجتماعات الأولى الى جانب مؤسسين آخرين.
تبقى الإشارة الى خطأ في حلقة أمس إذ سقط سهواً اسم قطر من لائحة الدول التي زارها الشيخ أحمد ياسين وان اسم وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري الذي توجه إلى عمان لاصطحاب خالد مشعل إلى الدوحة هو أحمد عبد الله المحمود. وهنا نص الحلقة الثانية:
من أين جاءت "حماس"؟ وما هي المقدمات التي أفضت إلى الإعلان عن قيامها العام 1987؟ ومن هم أوائل الذين راودتهم الفكرة؟
- أعلن عن حماس كفصيل سياسي وجهادي مشارك بقوة في الانتفاضة الأولى. وانطلقت "حماس" بفعلها الانتفاضي في الميدان في الثامن من كانون الاول (ديسمبر) 1987. وصدر أول بيان رسمي عن الحركة في الرابع عشر من الشهر نفسه. وضعت الحركة عملياً قدمها في الفعل الجهادي في اليوم الاول لاندلاع الانتفاضة الأولى. كان لحركة "الإخوان المسلمين", الموجودة في أقطار عربية مختلفة, حضور في فلسطين. وكانت بداية "الإخوان" في مطلع الاربعينات من القرن المنصرم, وتأسست شعبها (شعبة تعني المركز أو وحدات تنظيمية) الأولى العام 1945 في حيفا, ويافا, وغزة, والقدس, والخليل. وعندما وقعت حرب 1948 فاق عدد شعب "الاخوان" العشرين. بعد ذلك أوجدت الجغرافيا واقعاً جديداً فمن كان في قطاع غزة من "الاخوان" أصبح أقرب إلى مصر ومن كان في الضفة أصبح قريباً من الاردن. ومن أبرز رموز "الاخوان" الفلسطينيين القدامى في الأربعينات أبو نادر عميرة. وكان يعمل في الكويت وتعرفت عليه. شاركت هذه الحركة في حرب 4819, وفي المعارك التي جرت بين 1953 و1955 في قطاع غزة. وحضّر هذا الجو الجهادي لنشوء حركة "فتح". "أبو جهاد", خليل الوزير, كان من أبناء "الاخوان المسلمين", ومن المشاركين في الجهاد في قطاع غزة. كان "الاخوان" ينفذون عمليات نضالية ضد العدو الصهيوني في المناطق الحدودية المتاخمة لقطاع غزّة. وانتهت هذه التجربة النضالية مع العدوان الثلاثي. ومن المعروف أن جزءاً من حركة "فتح" تحضر وتبلور في إطار "الاخوان المسلمين". على غرار "أبو إياد", "أبو جهاد", عبدالفتاح حمود, كمال عدوان, ويوسف عميرة المعروف بأبو نادر عميرة. وكان لياسر عرفات علاقات مع "الاخوان". وفي وقت لاحق استقطب هذا الجزء بعثيين وقوميين وتيارات أخرى. وفي عام 1968, أطل "الاخوان" من جديد في معسكرات "الشيوخ" حيث توافق "الاخوان" الموجودون في مصر ولبنان وسورية والاردن والعراق واليمن والسودان ودول الخليج. وتفاهمت هذه المجموعة مع ياسر عرفات, وعملت تحت مظلة "فتح" في تنظيم معسكرات تدريبية للشباب المسلم. وبقيت المعسكرات في الاردن الى حين حدوث "أيلول الاسود" في 1970.
من من قادة "حماس" شارك في هذه المخيمات, وتدرب فيها؟
- في قيادة حماس الراهنة لم يشارك أحد في تلك المعسكرات. فلم يكن في وسع أبناء "حماس" أو الحركة الاسلامية مغادرة الاراضي المحتلة للمشاركة في التدريبات الجارية في الاردن.
تشكيل "حماس"
أين ظهرت المقدمات التي أفضت الى قيام "حماس"؟
- تشكلت "حماس" بخطوات تحضيرية في الداخل والخارج. تحت الاحتلال في الداخل كانت هزيمة 1967 صدمة حقيقية جعلت شعبنا الفلسطيني يبحث عن أسباب الهزيمة وعن حل بديل. فالثورة الفلسطينية السابقة للهزيمة أمست راية لدور جاد في مقاومة الاحتلال. وفرض احتلال قطاع غزة والضفة الغربية, حيث كان "الاخوان" موجودين, واقعاً جديداً. ودفع هذا الظرف "الاخوان" الى اعادة بناء هيكلياتهم التنظيمية. ولم ينخرط هؤلاء في المقاومة مباشرة. فرؤيتهم كانت تنص على بناء قاعدة شعبية لحركتهم والتحضير جيداً لصراع طويل مع الاحتلال. وأحدث الانفتاح الصهيوني على الضفة والقطاع اضطراباً في الوضع الاجتماعي والنفسي والاخلاقي للشعب الفلسطيني. واخترق الصهاينة المجتمع الفلسطيني بشكل واسع, و أثروا عليه أخلاقياً واقتصادياً وثقافياً. فكانت أولوية "الاخوان" كيفية التصدي لتأثيرات الاحتلال على الجيل الشاب في المدارس والجامعات الاولى في الاراضي المحتلة. وفي السبعينات أعيد ترتيب الوضع التنظيمي لـ"الإخوان", وتوسعت الحركة في صفوف الطلاب الذكور والإناث, وفي المساجد, وهي ركائز أساسية في تربية المجتمع وفي معالجة التشوهات التي سببها الاحتلال. وجرى استقطاب الناس في المساجد وتعبئتهم دينياً ووطنياً. وبنيت مؤسسات اجتماعية ترعى نشاطات الشباب الرياضية والثقافية, وتقدم خدمات الى الفقراء والأيتام. ومن ابرز هذه المؤسسات "المجمع الإسلامي" في غزة الذي أسسه الشيخ أحمد ياسين.
ألا يستدعي تأسيس مجمع من هذا النوع موافقة السلطات الإسرائيلية؟
- كلا, كان لدى الشعب الفلسطيني هامش مسموح به لتأسيس أندية ومؤسسات. ولم يكن لهذه المؤسسة المدنية طابع عسكري ليعارضها الاحتلال.
- أقصد أن هذا المجمع سجل تأسيسه لدى السلطات الاسرئيلية.
جرى تأسيسه وفق الإجراءات المعمول بها في ذلك الوقت.
من أين أتت الاموال التي بذلت لتأسيس هذا المجمع؟
- من جيوب ابناء الحركة الاسلامية الميسوري الحال. فإنشاء المجمع يعتبر عملاً خيرياً. وهؤلاء الابناء الميسورون بدأوا بجمع التبرعات خارج فلسطين مستغلين مكانتهم الاجتماعية في فلسطين. وفي الكويت, أشرفت لجنة شكلها "الإخوان" الفلسطينيون على جمع التبرعات لـ"المجمع الإسلامي" في غزّة.
هل استفادت الحركة, في هذه المرحلة, من مساهمات "الإخوان" المنتشرين في السعودية ومصر وغيرها من البلدان العربية؟
- ليس بشكل مباشر. وكانت كل لجنة تمثل مؤسسة فلسطينية تقدم خطط المشاريع التي تنوي تنفيذها, وتعرض الخدمات التي سيتسنى لها تقديمها للشعب الفلسطيني.
وتلتقي الجمعية بالمحسنين العرب والتجار وأهل الخير, وتعرض هذه المشاريع عليهم. ويقوم الغيورون على الأمة بتقديم الزكاة والصدقة إلى جانب هذه الجمعيات. وبعد "المجمع", نشأت "الجمعية الإسلامية" في غزة, ولجان زكاة في الضفة الغربية, والخليل, ونابلس والبيرة, و"جمعية الشبان المسلمين". فإلى ترتيب البنية التنظيمية في السبعينات, حرصت الحركة على العمل مع التلاميذ والطلاب, وفي المساجد, والجمعيات. وانفتحت الحركة الإسلامية على المجتمع من زوايا عدة: المدارس والجامعات والتربية الدينية والتعبئة والجمعيات وخدماتها. وكانت مراكز الحركة الإسلامية الأساسية في غزة والخليل ونابلس والقدس ورام الله ومدن أخرى. وفي هذه الحقبة, برز الشيخ أحمد ياسين بين قيادات الحركة الإسلامية.
هل هنا برز في "الإخوان" عبدالفتاح دخان ومحمد حسن شمعة ومحمد طه وكان الشيخ ياسين رئيساً لـ"المجمع الإسلامي"؟
- نعم, وعمل هؤلاء في مجال الدعوة والتربية وفي جمع التبرعات والعمل في الجمعيات الآنفة الذكر. إن "المجمع الإسلامي" مؤسسة خيرية ثقافية ورياضية.
الشيخ ياسين
كانت "فتح" تقاتل وكان "الإخوان" ينشئون مؤسسات اجتماعية لاستقطاب الشباب. لماذا كان اسم الشيخ ياسين بارزاً؟
- أعطى الله سبحانه الشيخ ياسين مواهب كثيرة منها قدرة عالية على العمل الدعوي والخيري, وعلى متابعة مختلف جوانب العمل. وعنده تضحية وتفان. وهو ليس متشدداً بل هو صلب ومرن ومستوعب. ومن مزايا الشيخ ياسين انفتاحه على الناس.
لكن الشيخ ياسين قضى نهائياً على الشيخ حجازي البربار الذي حاول تأسيس مجموعة تابعة له؟ وكان هذا الشيخ خطيباً في مسجد؟
- من فعل ذلك, الشيخ ياسين؟ لم أسمع بهذا الشيء من قبل. ولكن من يعرف الشيخ ياسين يعرف دماثته ومرونته واستيعابه للناس. وهو له شخصية قوية وهيبة وشعبية بين الناس. وليس كل ما يسمعه المرء له نصيب من الحقيقة. ويمتلك الشيخ ذاكرة حديدة. كل قائد في الدنيا يجد من يخالفه, ولا تقلل هذه المخالفة من قيمة الإنسان. بعد 1967, ذهب الشيخ ياسين إلى مناطق 1948 حصل تواصل بين أهالي الضفة والقطاع وبين أهالي 1948. وأثر هذا التواصل على امتداد الحركة الإسلامية. وتكبر قيمة الشيخ بعين الناظر إليه الذي يلاحظ أن صاحب هذه الجهود كلها مصاب بالشلل. فيترافق اعتلال الجسد مع روح كبيرة ومتسامية. وفي الثمانينات, كان الشيخ ياسين من الأشخاص البارزين في قدرتهم على حل المشكلات في قطاع غزة. وكانت صفات الشيخ تدفع بالناس إلى قصد منزله طلباً لمشورته. وكان رشاد الشوا, رئيس بلدية غزة, يستعين بالشيخ ياسين لحل المشاكل التي تتطلب تدخل الوجهاء.
أين درس الشيخ ياسين؟
- لم ينه الشيخ ياسين الدراسة التي باشرها في مصر. بعد 1948, كان من الطبيعي في أوساط أبناء غزة الذهاب للدراسة في مصر. وكانت مصر تفتح جامعاتها أمامهم. جزء من طلاب الحركة الإسلامية في غزة والضفة من الذين ذهبوا إلى جامعات مصر عادوا في منتصف السبعينات حاملين شهادات جامعية ولقب دكتور على غرار الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي, وإبراهيم مقادمة, ومحمود الزهار, وموسى أبو مرزوق والمهندس إسماعيل ابو شنب. أصبح لدى الحركة الإسلامية جيل من المتعلمين والمثقفين. وبدأ مشوار "الجامعة الإسلامية" في غزة التي كان لها دور مهم كمنارة علمية, وأسهمت الحركة الإسلامية في بناء هذه الجامعة في أواخر العام 1978.
اللبنات الأولى
هل كان هناك صدى للثورة الإيرانية ولحركة المجاهدين الأفغان في يقظة الإسلاميين في الشارع الفلسطيني؟
- تأسست اللبنات الأولى لحركة "حماس" في ظروف مناسبة في غزة والضفة وفي الخارج. وقد ذكرت ما أنجز في الداخل من تشييد جمعيات ونواد وجامعات. وفي الخارج, كانت الحركة الإسلامية الفلسطينية, المنتشرة في دول الخليج ومصر والسعودية وقطر والإمارات والأردن, تتلمس دوراً في ساحة النضال الفلسطيني. في عام 1977 تم تشكيل "قائمة الحق الإسلامية" كإحدى قوائم اتحاد طلبة فلسطين في جامعة الكويت, وكنت أول رئيس لها. وبعد مواجهة عوائق حالت دون مشاركتها في الانتخابات جرى الإعلان عن تحويل هذه القائمة إلى "الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين" في جامعة الكويت وذلك عام 1980. ونشأت في بريطانيا العام 1979 "رابطة الشباب المسلم الفلسطيني", وتأسس في أميركا الشمالية وكندا "الاتحاد الإسلامي لفلسطين" عام 1981 وشارك الأخ موسى أبو مرزوق في هذا الاتحاد العام 1983. وعبرت هذه الرابطات, التي نشأت في الخارج, عن بحث الشباب الفلسطيني في الشتات عن دور في ساحة العمل الفلسطيني. ولم تشكل هذه الرابطات في ذلك الوقت فصيلاً واحداً, ولم تنتم جميعها إلى "الإخوان". وكان عدد من "الإخوان المسلمين" يساهمون في هذه الأطر الطلابية المفتوحة التي كانت تضم أحياناً غير الفلسطينيين في صفوفها.
كيف استقبلت منظمة التحرير و"فتح" قيام هذه الرابطات؟ قدم بعض الذين انضموا الى "فتح" من حركة "الإخوان المسلمين", فلماذا لم يختاروا الذهاب إلى "فتح" عوضاً عن الالتحاق بهذه الرابطات الجديدة؟
- في تلك الفترة صدرت مواقف سلبية من منظمة التحرير تجاه هذه الرابطات, وخشيت المنظمة من المنافسة. وفي الكويت, اتهمت "القائمة الإسلامية", التي خرجت من اتحاد طلبة فلسطين, بالانشقاق. وردت هذه الرابطة عليها بتحميلها مسؤولية ما حصل لأنها جمدت الانتخابات وأغلقت الأبواب في وجوهنا. ولم تتطور هذه المواقف السلبية إلى حوادث عنف, وبقيت محدودة. فسياسة "حماس" منذ البداية تقوم على مسالمة أبناء شعبنا وأمتنا, وعلى استعمال القوة ضد الاحتلال.
هل بدأ الشيخ ياسين يبرز كرمز لهذه الحركة في ذلك الوقت؟
- نعم, كنت أسمع باسمه وبأخبار إخواننا في الداخل منذ التحاقي بالحركة الاسلامية في العام 1971.
إيران
وهل كان للشيخ أحمد ياسين مكانة بارزة في "الإخوان"؟
- نعم, كان الرقم واحد في "الإخوان", وكان عبدالفتاح دخان يحل في المرتبة الثانية من بعده. وبالعودة الى سؤالك السابق, في ظل الثورة الإيرانية وحركة المجاهدين الأفغان, سادت في أوساطنا ثقة بدور الحركة الاسلامية في الميدان.
ألم يكن لدى "الإخوان" تحفظات على كون الثورة الإيرانية شيعية؟
- في إيران كنا أمام ثورة إسلامية, ولو كانت شيعية. فالتباينات بين المذاهب معروفة في التاريخ الإسلامي. وفي الحالة الفلسطينية, نحن نترقب أي نشأة لظاهرة جديدة لنستقوي بها ضد الاحتلال. وتعاملنا تعاملاً إيجابياً مع هذه الثورة لأنها غيرت نظاماً موالياً لأميركا وإسرائيل, واعتمدت على مساندة شعبية كبيرة. وقدمت هذه الثورة نموذجاً مميزاً لنا. وظهرت الرمزية الفلسطينية مع بدايات الثورة بإغلاق السفارتين الإسرائيلية والأميركية. وصدرت تصريحات للإمام الخميني ساند فيها القضية الفلسطينية, وعادى إسرائيل وأميركا. وأثرت هذه التصريحات في وجدان الفلسطينيين والشعوب الإسلامية والعربية بشكل عام. وكانت الحالة الأفغانية مختلفة عن الإيرانية, فتعاملت المنطقة مع هذه الحالة تعاملاً مزدوجاً. وكانت نظرة اليسار الفلسطيني, المرتبط باليسار السوفياتي, الى المجاهدين الأفغان مختلفة عن نظرة الشباب المسلم إليهم, وهي نظرة متعاطفة مع الأفغان الذين يواجهون احتلالاً أجنبياً.
كان تعاطف الشباب الفلسطيني المسلم مع الشعب الأفغاني ومجاهديه طبيعياً. فالأفغان شعب مسلم يتعرض لاحتلال وله حق مقاومة هذا الاحتلال. فهاتان المحطتان, الثورة الإسلامية الإيرانية وحركة المجاهدين الأفغان, تركتا أثراً في الوجدان والعاطفة والعقل, وأضافتا أبعاداً أخرى في تلمس الحركة الإسلامية لدورها المقبل. كما ان أحداث لبنان في السبعينات والثمانينات كان لها تأثيرها. يتفاعل الفلسطيني مع كل ما يجري حوله, سواء كان يخص فلسطينيي الشتات أو غيرهم من المسلمين. وفي الثمانينات أخذ التحضير للإعلان عن "حماس" يسخن. في الداخل, عرفت أول تجربة في ساحة النضال الوطني ضد الاحتلال بـ"ثورة المساجد", أي خروج شبان المساجد في الضفة وغزة إلى الشارع والاحتكاك بالجيش الإسرائيلي ورميه بالحجارة. وكانت هذه الثورة أولى بدايات الحركة الإسلامية الفلسطينية في ساحة الجهاد. وكانت هذه الثورة مبرمجة. الحركة الإسلامية كانت مؤمنة بتحرير فلسطين ومدركة لخطورة المشروع الصهيوني. وهي كانت تعتبر المشروع الذي تسعى إلى بنائه كبيراً ويلزمه الوقت للنضوج. فهي لم ترد خوض تجربة عمل فدائي محدود. وكانت لها رؤية استراتيجية وشمولية. فالمشروع الصهيوني, الذي يتخذ من فلسطين قاعدة له, يشكل خطراً على الأمة العربية والإسلامية. وينبغي أن يواجه تحالف المشروع الصهيوني مع الغرب بمشروع كبير يبدأ في فلسطين ويكون له عمق عربي إسلامي. لذلك فضلت الحركة التأني في مرحلة بناء مشروعها الشامل لتقوى على تحمل الضربات والصمود, ولتتفادى ما يحبط معنويات الشعب من تجارب مجهضة متتالية على غرار ثورة 1921, وثورة 1923, وثورة 1929, وثورة 1933, و1936, و1939. توخينا بناء مشروع عميق الجذور يقدر على حشد الأمة الإسلامية. ولم تحمل ثورة المساجد عنوان "حماس" أو الحركة الإسلامية, بل كانت ظاهرة متنامية تحضر الشباب المسلم, الذي تثقف وتربى وعاش في حضن المساجد, لخوض ساحة النضال.
عناوين مختلفة لتنظيم واحد
هنا حصلت محاولة لتخزين السلاح وانكشفت؟
- بدأ الشباب الذي تلقى ثقافة إسلامية وعربية ودينية وسياسية ووطنية يشعر بمسؤولية تجاه قضيته. وفي العام 1983 كانت أول تجربة عسكرية لنا بقيادة الشيخ ياسين, أقصد تنظيم 1983 الذي سعى إلى جمع السلاح تمهيداً لتدريب مجموعات عسكرية واطلاق المشروع الجهادي. وكانت خبرتنا محدودة وضعيفة وكان حقل تجارة السلاح ملغوماً بالتدابير الامنية المعقدة ما أدى إلى انكشاف هذه التجربة وإلى اعتقال القادة المخططين لها الشيخ أحمد ياسين, والدكتور ابراهيم مقادمة, وصلاح شحادة, وعبدالرحمن تمراز. ونجح الدكتور أحمد الملح في الوصول إلى خارج فلسطين والتخلص من مطاردة الاسرائيليين له. وكانت هذه التجربة المحدودة مصدر إلهام لنا. ولأن هذه التجربة نتجت عن ارادة وتصميم تكررت في وقت لاحق بنجاح. وفي 1985, أفرج عن الشيخ ياسين في عملية تبادل لمئات من الأسرى مع "الجبهة الشعبية - القيادة العامة" برئاسة الأخ المناضل أحمد جبريل. في الخارج سعينا إلى تطوير مشروعنا. ولا يخفى أن تجربة شراء أسلحة 1983 مولناها من الخارج. فـ"حماس" كانت تتشكل في الرحم ولم تخرج إلى الحياة بعد. في الخارج لم تكن لنا تسمية بل كنا نعمل في المساجد ومن خلال أندية ورابطات واتحادات. وفي الداخل كان لنا أسماء متعددة بدءاً بـ"حركة إسلامية", و"إخوان مسلمين", و"تيار إسلامي", و"شباب المجمع" (الإسلامي) وصولاً إلى "الكتلة إسلامية" التي تتواجد في الجامعات. كان تنظيمنا واحداً, ويقدم نفسه إلى الشعب بعناوين مختلفة.
من حل محل الشيخ ياسين في أثناء اعتقاله؟
- تسلّم الأستاذ عبد الفتاح دخان مسؤولية العمل في غزة. وكان هناك مسؤولون آخرون عن العمل في نابلس, ورام الله, والقدس والخليل والمدن والقرى الأخرى. وإلى جانب النشاطات التي مارسناها في الخارج, بدأنا في الداخل بتوسيع قاعدتنا التنظيمية,
وباستيعاب اكبر عدد من الشباب الفلسطيني, وتطوير الثقافة السياسية الوطنية المصاحبة للثقافة الدينية الاسلامية والتي تحضر هذا الجيل لدوره العسكري الجهادي اللاحق. وكانت اهتماماتنا في الخارج تنصب على إيجاد سبل لدعم إخواننا مادياً في الداخل.
اللقاء الجامع
كيف كنتم تتصلون بالداخل؟
- كنا نستعمل الهاتف, والرسائل, والأشخاص المتنقلين بين الداخل والخارج. وقبل اعتقال الشيخ ياسين في مطلع الثمانينات, حصل لقاء في الخارج شارك فيه إخوة من الضفة والقطاع مع فلسطينيي الشتات, وتباحثوا في كيفية بناء مشروع التنظيم القادم. وكان هذا اللقاء اللبنة الأولى التي تجمع الداخل والخارج في بلورة مشروع "حركة حماس", وفي تحديد الأهداف التي نتوخاها من هذه الحركة. ولم يشارك الشيخ أحمد ياسين في هذا اللقاء, لأن حركته وحركة الرموز الآخرين لم تكن سهلة.
هل كان عدد من قادة "حماس" اللاحقين من المشاركين في هذا اللقاء الذي تذكره وترفض تحديد مكان انعقاده؟
- نعم, إذا استثني الشيخ ياسين التي حالت الظروف دون حضوره, شارك عدد من قادة "حماس" في اللقاء. وأنا أفضل التغاضي عن ذكر أسمائهم, وانتظار مرور ربع قرن على الحوادث قبل الكشف عن الوثائق كما يفعل البريطانيون (يضحك).
متى حصل اللقاء عام 1982 أم 1983؟ وهل اتخذ في هذا اللقاء قرار إطلاق عمل عسكري؟
- حصل عام 1983, اتخذ قرار تأسيس المشروع الإسلامي الفلسطيني للقضية وتحضير متطلبات نجاحه.
وهل كان صلاح شحادة من الحضور؟
- كلا, لم يكن هذا اللقاء اختصاصياً, لم نلتق لبناء عمل عسكري بل لصياغة مشروع حركة فلسطينية إسلامية تواجه الاحتلال, وتعمل لمصلحة القضية الفلسطينية, وتنشط في الميادين الشعبية والسياسية والإعلامية والجهادية.
الشهيدان الأولان
من الواضح أنك كنت من المشاركين؟
- اكتفي بما أقوله لك فالوقت لم يحن بعد لكشف التفاصيل. وأستعمل صيغة الـ"نحن" لأنني جزء من المشروع. وأنا ممن أكرمني الله تعالى بأن أكون أحد الذين شاركوا في تأسيس "حماس". وتوجب على الداخل الفلسطيني تجسيد ما يطمح إليه مشروع الحركة الذي بحثناه. أما الخارج, فتوجب عليه ان يلعب دوراً سياسياً وإعلاميا وتمويلياً. وفي 1985, أفرج عن الشيخ أحمد ياسين, ونشأ تطور لدى الحركة الإسلامية يدفعها الى الاحتكاك الشعبي بالاحتلال. وأصبح للحركة الإسلامية حضور مميز بين طلاب الجامعة, وتحديداً في الجامعة الإسلامية في غزة التي أنشأت أجيالاً تابعة للحركة, وفي جامعة بيرزيت التي تنوعت التيارات فيها, وضمت "فتح" و"الجبهة الشعبية" وتياراً إسلاميا, وكذلك في جامعة النجاح في نابلس. واحتويت الاحتكاكات التي حصلت في الجامعات بين طلاب التيارات المختلفة. وفيما تصاعدت الحال الوطنية في الداخل, خرجت المقاومة الفلسطينية من بيروت, وانتشرت في تونس والسودان واليمن وفي المنافي العربية. وفي وضع عربي متراجع, سادت حال من الإحباط وهمشت القضية الفلسطينية وأبعدت عن اهتمامات الحكومات العربية الرسمية. وعزّز هذا المناخ ضرورة المسارعة في تحريك الوضع في الداخل. فاتخذ قرار الانخراط في مواجهات شعبية مع الاحتلال. وانطلقت هذه المواجهات من الجامعات الفلسطينية. وفي تظاهرات 1986 في جامعة بيرزيت, استشهد صائب ذهب وجواد أبو سلمية, وهما أول شهيدين للحركة الإسلامية. وكانا طالبين من خان يونس في جامعة بيرزيت. ونحن نعتبر أن عامي 1985 و1986 توطئة ودخول إلى خط المواجهة بشكل واضح, وان بداية الثمانينات ووصولاً إلى 1987 هي فترة تحضير خفي وانخراط الشباب الفلسطيني عبر الكتل الطلابية والمساجد في الحركة الإسلامية لمواجهة الاحتلال.
العلاقة مع أراضي 1948
هل امتدت هذه الحركة إلى أراضي 1948؟
- كلا, لم يحصل مثل هذا الامتداد التنظيمي. ولكن الرموز الاسلامية تنقلت بين حيفا ويافا والناصرة وقرى المثلث. ودرس شباب من أهالي 1948 في الضفة الغربية وحصل التواصل معهم. وبين 1979 و1980, نشأت حركة إسلامية في أراضي 1948 لها إطار تنظيمي مستقل عن حركتنا. وترأس هذه الحركة الشيخ عبدالله نمر درويش, وكان نائبه الشيخ رائد صلاح. وما لبثا ان انفصلا وبات رئيس الحركة الشيخ رائد صلاح المسجون حالياً في معتقلات الاحتلال, بسبب دوره الكبير تجاه المسجد الأقصى المبارك.
أليست هذه الحركة تابعة لـ"حماس"؟
- كلا. فوضع أهالي 1948 مختلف عن وضعنا وحالتهم مستقلة عن حالتنا. وهم يعيشون تحت الاحتلال في دولة اسرائيلية وفي قانون إسرائيلي ويحملون الجنسية الإسرائيلية. هذه الحالة الخاصة لا تجعل خيارات عملهم شبيهة بخيارات أهل الضفة والقطاع. ولا أقصد بنفيي علاقة الحركة الاسلامية التابعة لعرب 4819 بـ"حماس" التمويه على علاقة فعلية بين الحركتين.
فلو وجدت هذه العلاقة لاستحال إخفاء اثرها. هم أخوة لنا وجزء من شعبنا. وتواصل الشيخ رائد صلاح وإخوانه مع الحركة الإسلامية في الضفة وغزة ومع "فتح" ومع غيرهما من الفصائل. وعند حصول المشكلات في غزة, كان الشيخ رائد صلاح واخوانه ينضوون في لجان الإصلاح. فعندما حفر الاسرائيليون النفق تحت المسجد الاقصى, قام الشيخ رائد صلاح بمتابعة هذا الموضوع وتصوير النفق وسلم الشريط إلى ياسر عرفات. وهم بهذه الطريقة يمارسون مسؤولياتهم الوطنية والدينية العامة, ويتفاعلون مع جميع شرائح المجتمع الفلسطيني وفصائله. ولا فصيل من الفصائل الفلسطينية يستأثر دون غيره بأهلنا في أراضي 1948.
إذاً, بين عامي 1985 - 1986, بدأ مشروع "حماس" يتأطر ويتبلور, وينضج من دون أن يعلن عن نفسه. وكان التواصل بين الداخل والخارج عميقاً يرسم ملامح هذا المشروع. وكنا في الخارج نركز على جمع التبرعات لتحريك المشروع ولتأمين نفقاته, وعلى استقطاب الفلسطينيين في الشتات, وعلى التواصل مع العمق العربي والحركات الإسلامية. وفي هذه الأوساط, أخذنا ننشر فكرة ان القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة. فهذه القضية ليست على تخوم الأمة بل في قلبها. وفيها أرض الإسراء والمعراج وأرض الرسل والنبوات والمسجد الأقصى وفيها الصخرة وكنيسة القيامة, وحضارة الأمة وتاريخها. وبدأ الناس يقتنعون ببطء. فالأمة كانت مشغولة بقضايا ساخنة أخرى في أفغانستان وغيرها. وكذلك, لم تكن الساحة في الداخل مشتعلة بعد. وفي ذلك الوقت تراجع العمل الفدائي. فكان تفاعل الناس محدوداً مع قضيتنا وكانت التبرعات قليلة ولا تناسب حجم مشروعنا. وفي سنة انطلاقة الانتفاضة الأولى عام 1987, كان الأستاذ عبدالفتاح دخان رئيساً منتخباً للمكتب القيادي التابع للحركة الإسلامية في غزة.
هل كان للحركة التي لم يكن لها اسم معلن مجلس شورى وانتخابات؟
- نعم. وفي كل مدينة فلسطينية كان للحركة مجلس شورى. وفي ذلك الوقت, لم تنضج بعد الهرمية التي تحدد المراتب بين المجالس والمكاتب على مستوى الداخل والخارج.
الانتفاضة الأولى
ومن كان يمثل القيادة في الخارج؟
- لا نريد الكلام في ذلك لأسباب أمنية. اكتفي بالقول انني كنت مع آخرين من قيادة الحركة في الخارج. في ذلك الوقت لم يكن ممثلو القيادة في الخارج ظاهرين أو معلنين عن أنفسهم. في السابع من كانون الأول (ديسمبر) 1987, حصلت حادثة الشاحنة الاسرائيلية التي داهمت سيارة عمال فلسطينيين من "مخيم جباليا", شمال غزّة, وقتلت ستة الى ثمانية منهم. وتعتبر هذه الحادثة مفصلاً مهما.ً وساد الغليان في جباليا وغزة. وفي تلك الليلة, وفي حضور الشيخ ياسين والأستاذ عبدالفتاح دخان, اجتمع مكتب الحركة الإسلامية القيادي في غزة, وقرر تصعيد رد الفعل الشعبي ضد الاحتلال. ولا يعني هذا القرار احتكار الحركة الإسلامية لما حصل في اليوم التالي. وفي حوار القاهرة عام 1995 مع حركة "فتح" حيث كان وفد حركة "حماس" يشمل أربعة قادة من غزة هم الأساتذة عبدالفتاح دخان, ومحمد حسن شمعة, وسيد أبو مسامح, والدكتور محمود الزهار, ومن الضفة الغربية الأساتذة الشيخ الشهيد جمال سليم, والشيخ جميل حمامي, والشيخ محمد عبد الخالق النتشه, والشيخ حسن يوسف. ومن الخارج كان الإخوة عماد العلمي ومحمد نزال وأسامة حمدان, وأنا. وفي هذا الحوار, مع وفد حركة "فتح" برئاسة أبو الأديب (سليم الزعنون), جرى جدل حول هوية من أطلق انتفاضة 1987, وشكك البعض في دور "حماس" في تلك الانتفاضة. فرد على المشككين الأستاذ عبد الفتاح دخان, وروى أنه كان مسؤول المكتب القيادي الذي اجتمع, وقرر الرد على الاعتداء, ونفذ ما قرره. ولا يلغي هذا دور الإخوة في "فتح, والفصائل الأخرى أو الروح الشعبية التي غذت الانتفاضة. ولم يكن ما حصل صبيحة اليوم الذي تلا الحادثة رد فعل تلقائي, بل نتج عن قرار دعا إلى التصعيد وحضر له.
وهل صدر بيان عن هذا الاجتماع؟
- كلا, ولكن حصل تعميم للقرار بين أعضاء التنظيم. وغالباً ما يلجأ إلى تعميم من هذا النوع عندما تكون الأوضاع الأمنية ممسوكة من قبل قوى احتلال. وانخرط شعبنا كله في الانتفاضة التي بدأت في جباليا وامتدت إلى غزة, والى الضفة الغربية. أما البيان الذي أعلن عن حركة "حماس" فقد وُزّع في 14 كانون الأول 1987, وكان بتوقيع حركة المقاومة الإسلامية من دون كلمة "حماس". ففي ذلك الحين, لم نكن توصلنا إلى الاسم المختصر الذي سنطلقه على حركتنا. ونحن استثمرنا حادثة الشاحنة بسرعة, ولم يتوافر لنا الوقت لوضع اسم مختصر للحركة. وبعد شهر اخترنا لأنفسنا اسم "حماس", وذلك في مداولات جرت بين الخارج والداخل حيث اتفق على استعمال كلمة "حماس" لاختصار اسم حركتنا.
سندس الجنة
04-12-2004, 02:07 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
وفي انتظاااااااااااااار باقي الحلقاااااات:closeeye:
bigera
04-12-2004, 05:43 PM
وهنا نص الحلقة الثالثة:
في بيان كانون الأول (ديسمبر) 1987 أعلن قيام حركة جديدة. من كان يقودها؟
- تختلف القيادات باختلاف المناطق الجغرافية وبحكم المواقع بينها, ففي الضفة قيادة مختلفة عن تلك الموجودة في غزة. تتواصل أجزاء القيادة بصورة مناسبة. أما الشيخ أحمد ياسين, وبحكم شخصيته وتاريخه ودوره في التحضير للعمل العسكري, فكانت له مكانة مميزة في كل المناطق. وهو على رأس مؤسسي "حماس" مع مجموعة من اخوانه أبرزهم في غزة الاستاذ عبدالفتاح دخان والاستاذ محمد حسن شمعة والدكتور ابراهيم اليازوري والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي والمهندس عيسى النشّار, وكان الدكتور إبراهيم المقادمة وقتها في السجن. أما أبرز المؤسسين في الضفة فهم الدكتور عدنان مسودة والاستاذ ناجي صبحة والشيخ محمد فؤاد أبو زيد والشيخ جميل حمامي وآخرين. وفي تلك الفترة, لم يكن لدى الحركة رغبة في إعلان أسماء.
يتردد اسم صلاح شحادة كواحد من مؤسسي الحركة, فهل هذا دقيق؟
- نعم كان صلاح شحادة من المؤسسين.
هل هناك مجموعة مؤسسة في الخارج؟ وهل اسمك هو الوحيد المكشوف بين أسماء هذه المجموعة؟
- نعم هناك مجموعة مؤسسة في الخارج, لكن في الوقت الحالي لا نستطيع الاعلان عن مؤسسي الحركة في الخارج لأن الظرف لا يسمح بذلك.
حركة مؤسساتية وشورية
هل هنالك مجلس شورى يجمع بين مجالس الشورى المنتشرة في غزة والضفة الغربية وفي الخارج؟
- الحركة في اطارها التنظيمي تطورت مع الممارسة والتجربة. اليوم لدينا مكتب سياسي للحركة ومجلس شورى تشمل صلاحياته الداخل والخارج. علاوة على المجالس الشورية في المناطق المختلفة, وجميع هذه المجالس منتخبة.
هل يمتلك مجلس الشورى القرار؟
- يمتلك مجلس الشورى, وهو الاطار القيادي الاعلى, صلاحيات شورية غير تنفيذية. وينتخب مجلس الشورى المكتب السياسي للحركة.
هل يعني ذلك أن أعضاء الحركة ينتخبون مجلس الشورى الذي ينتخب بدوره المكتب السياسي؟
- نعم.
في حال اتخذت في الغد موقفاً غير مقبول بالنسبة لسياسية الحركة, هل يحق لمجلس الشورى محاسبتك, وهل يحق له سحب الثقة منك؟
- طبعاً. يمتلك مجلس الشورى الصلاحيات التنظيمية والسياسية في الحركة. فالمكتب السياسي يدير الشأن السياسي في الداخل والخارج بالتنسيق مع قيادات الحركة ورموزها في الضفة وغزة والسجون والخارج. ويرسم مجلس الشورى السياسات العامة والخطط, ويمتلك حق استدراك أي قرار أو موقف. ويلتزم المكتب السياسي بتنفيذ هذه السياسات الصادرة عن هذا المجلس. ويحق للمجلس إعادة الامور الى نصابها في حال حصل أي خطأ مني أو من غيري, فنحن حركة مؤسساتية وشورية.
تصف الوكالات الاجنبية الشيخ أحمد ياسين بالمرشد الروحي لحركة "حماس", ما الصفة التي يسعني استعمالها كصحافي لوصف الشيخ ياسين؟
- الشيخ أحمد ياسين هو القائد الأبرز بين المجموعة المؤسسة لحركة "حماس". ويقصد بالمرشد الروحي المكانة المعنوية الكبيرة التي يحظى بها داخل الحركة. والشيخ ياسين ليس فقط مرشداً روحياً, بل هو قائد فعلي, وهو مؤسس الحركة وشيخها ورمزها الأول.
وهل الشيخ ياسين عضو في الشورى العامة؟
- في ظل وضع الحركة الامني المعقد وتشتتها الجغرافي هناك صيغة تجمع بين غزة والضفة والخارج. وهي صيغة على مستوى مجالس الشورى والقيادة. ولا يسعنا الافصاح عن هذه الصيغة حالياً. ولا نحدد موقع فلان ودوره وكيفية تواصله مع الآخرين.
هل يستعين المكتب السياسي بالانترنت للاجتماع؟
- هذا شأن المكتب السياسي الذي يتدبر أموره بالطريقة التي يختارها.
يقال إن عدد أعضاء مجلس الشورى يتراوح بين ستين شخصاً وسبعين. هل هذا العدد قريب من المنطق؟
لا انفراد بالقرار
- في الوقت الحالي لا استطيع ان أجيبك عن عدد أعضاء مجلس الشورى, أما المكتب السياسي, فأنا رئيسه والدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب, وهناك الإخوة إبراهيم غوشه وعماد العلمي ومحمد نزال وسامي خاطر وعزت الرشق. وهناك صيغة مع الاخوة في الداخل بشأن إدارة القرار السياسي في المكتب السياسي. ويعنى المكتب السياسي بالشأن السياسي والاعلامي وبعلاقات الحركة السياسية والعامة. ولا علاقة لهذا المكتب بالشأن العسكري. وتوجد القيادة العسكرية وكوادرها في الداخل حيث ساحة الفعل العسكري.
من يحاسب المسؤول العسكري في "القسام" في حال اقدامه على عمل يرتب انعكاسات سلبية على الحركة؟
- تدير الحركة شؤونها بطريقة معقدة لا تتيح لمسؤول العمل العسكري أو للمسؤول السياسي أو للمسؤول الذي يعنى بالأموال والتبرعات, الانفراد بالقرار. وتسير جميع أعمال الحركة وفقاً لسياساتها العامة, ولا تخرج عنها.
أريد جواباً قاطعاً, ألم ينفرد أي مسؤول بالأموال من قبل؟ ألم يحصل أي التباس في الموضوع المالي؟
- قطعاً لا. تدار الأموال في حركتنا بمنهجية مؤسساتية منضبطة, ولا تعرف الحركة الفساد المالي بفضل الله تعالى. وهناك انضباط ورقابة ومحاسبة على المستويات كافة. كما تشكل الاخلاق والورع دافعاً لرعاية المال العام بدءاً بجمعه ومروراً بحفظه, ووصولاً الى انفاقه.
لنعد الى منعطفات حصلت إبان الانتفاضة الاولى, متى قام شخص من "حماس" بإطلاق الرصاصة الاولى؟
- في أول يوم للانتفاضة استشهد حاتم السيسي ورائد شحادة, وهما أول شهيدين لحركة حماس في مواجهة شعبية.
العملية الأولى
كيف استقبلت الفصائل الفلسطينية بيان الإعلان عن ولادة "حماس"؟ وعلى سبيل المثال, هل عرض ياسر عرفات عليكم الاموال للانضواء في حركته وعدم تشكيل حركة جديدة؟ ويتردد أن عرفات قدم أموالاً الى حماس عندما حصلت قصة المبعدين؟
- ليس ما يقال صحيحاً. والأخ "أبو عمار" موجود وبوسعه الكلام في الأمر. مع انطلاقة الانتفاضة, حضرت حركة "حماس" متطلبات الانتفاضة, بلورت جهازاً عسكرياً سرياً في قطاع غزة اسمه "المجاهدون الفلسطينيون" عرف في ما بعد. وكان الشهيد صلاح شهادة مسؤولاً عن هذا الجهاز. كذلك أنشأت "حماس" الجهاز الأمني المعروف بالجهاد والدعوة, واسمه الرسمي "مجد", وكان بقيادة الأخ يحيى السنوار, وجهاز الاحداث الذي يقود فاعليات الانتفاضة. وأنشأت الحركة في الضفة أجهزة مشابهة. عام 1988, حصلت أول موجة اعتقالات لحركة "حماس" في غزة حيث شملت الشيخ صلاح شحادة ويحيى السنوار وروحي مشتهى وذلك على اثر ما عُرف بعمليات العبوات في غزة. وفي آب (اغسطس) 1988 ظهر ميثاق "حماس". في شهر كانون الأول (ديسمبر) 1988 حصلت أول عملية خطف لمهندس طيران إسرائيلي, لكنه تمكن من الافلات بعد الإمساك به وبعدها اعتقل محمد الشراتحة. في شهر شباط 1989, نفذت الحركة أول عملية خطف ناجحة للجندي الإسرائيلي افي سبارتوس ثم عملية أخرى لخطف الجندي ايلان سعدون في أيار (مايو) 1989, وجرى قتلهما من جراء مقاومتهما وتم اخفاء جثتيهما. وقامت بهذه العملية خلية عسكرية تابعة لـ"المجاهدون". وكانت لهذه العملية تداعيات كبيرة, فجاء رد الفعل الاسرائيلي كبيراً. وجن جنون اسرائيل وحصلت موجة اعتقالات كبيرة.
وعلى أثر ذلك بدأت الاعتقالات والتحقيقات وأدت إلى انكشاف خيوط عمل الحركة. حصلت أول ضربة أمنية واسعة لـ"حماس" في الثامن عشر من شهر أيار (مايو) 1989, واعتقل الشيخ ياسين الذي اتهمه الاحتلال بالوقوف وراء هذه العمليات. ونجحت المجموعة المنفذة لعملية الخطف بالخروج إلى خارج فلسطين, وعاد واحد من الخاطفين إلى فلسطين وبقي اثنان في الخارج. واعتقل الصف الأول من القيادة في غزة. وكان اليهود يعتقدون ان خيوط العمل العسكري تؤدي إليهم.
من تولى القيادة بعد اعتقال هؤلاء؟ وهل بقي عبدالفتاح الدخان في القيادة؟
- من بعد هذا التاريخ, لم تعد أسماء القادة معلنة. وكان الاستاذ عبدالفتاح دخان في القيادة. وطارق دخان, أحد أبناء الأستاذ عبدالفتاح, هو من شهداء "كتائب القسّام" الأوائل.
الجناح العسكري
إذاً الحركة سرية وعلنية في آن واحد.
- الحركة علنية في شعاراتها, وأدائها, وفعلها. أما قيادتها فغير معلنة بسبب مرحلة المواجهة مع الاحتلال. وبات شهر كانون الأول (ديسمبر) من كل عام شهر تصعيد عسكري لموافقته ذكرى انطلاق الانتفاضة الأولى وذكرى انطلاقة حركة "حماس". وفي الرابع عشر من كانون الاول 1990 نفذت الحركة عملية كبيرة, هي أول عملية طعن بالسكاكين وقتل ثلاثة إسرائيليين, أدت إلى حركة اعتقالات واسعة للحركة في الضفة والقطاع وإلى إبعاد الاخوة عماد العلمي ومصطفى القانوع ومصطفى اللداوي وفضل الزهار وهم من قيادات "حماس" وكوادرها الفاعلة. وقبل ذلك, أي في عام 1989 أبعد الشيخ خليل القوقا إلى لبنان, وهو من القيادات الشعبية ورئيس "الجمعية الإسلامية" في غزة, وأحد خطباء غزة المعروفين. بعد الضربة الأمنية السابقة واعتقالاتها الواسعة تمت إعادة ترتيب قيادة الحركة ورمم الجناح العسكري صفوفه واستعاد قواه. أصبح العمل العسكري لـ"حماس" متنامياً, وتطورت الوسائل التي يستعملها بدءاً بالحجر, ومروراً بالسكين والمولوتوف, ووصولاً إلى البنادق والعمليات الاستشهادية. وبعد كل عملية عسكرية كانت حملة الاعتقالات تشمل ما يزيد على ألف شخص.
وبين 1990 و1991, ظهر الجناح العسكري لـ"حماس" تحت اسم "كتائب عزالدين القسّام". من قيادات القسام الأولى ياسر النمروطي الذي استشهد. وتصبح أسماء بعض قادة "القسام" علنية يوم تكشف التحقيقات هوياتهم. فالشهيد عماد عقل, على سبيل المثال, عرف اسمه مع تعاظم دوره والعمليات التي نفذها وأشرف عليها, ومع إفضاء التحقيقات والاعترافات إلى كشف اسمه. وعندئذ, أصبح عماد عقل ملاحقاً, ومن أبرز القادة المطلوبين. ولجأت الحركة على الصعيد العسكري والتنظيمي إلى اللامركزية. ففي مرحلة الهدوء في غزة أو في مدن الضفة على سبيل المثال, يعمل مجلس الشورى والمكتب القيادي, ولكن في المراحل الامنية الصعبة, تتوزع المكاتب القيادية على المناطق والمدن. فقد يصبح لشمال غزة قيادة منفصلة عن قيادة جنوب غزة, أو عن تلك الموجودة في خان يونس, وهكذا الأمر في مدن وقرى الضفة. ولجأت "حماس", بهدف التكيف مع الأوضاع الأمنية المتشددة وتقليل الخسائر, إلى عدم الإعلان عن قياداتها, وإلى هياكل تنظيمية قيادية مرنة تنحو منحى اللامركزية.
وميّز العام 1992 عملية خطف الجندي نسيم توليدانو في شهر كانون الأول (ديسمبر), التي أبعدت على أثرها اسرائيل 415 إلى مرج الزهور. ولاحقاً عادت مجموعة من المبعدين في أيلول 1993وعاد الباقي في كانون الأول من العام نفسه.
في بداية وجود المبعدين في مرج الزهور, ذهب وفد من حركة "حماس" في أواخر كانون الأول 1992 إلى تونس والتقى بالسيد ياسر عرفات وبوفد من منظمة التحرير من أجل التشاور في قضية المبعدين. وكان على رأس وفد "حماس" الدكتور موسى أبو مرزوق والاخوة ابراهيم غوشة وعماد العلمي ومحمد نزال وآخرون. وحصل هذا اللقاء بترتيب من بعض الوسطاء. فعدد المبعدين كبير, وعلى رغم كون معظمهم من "حماس" و"حركة الجهاد الإسلامي", فإنه شكل حالة فلسطينية عامة. وتوافقت قيادات الحركة في الخارج على إحباط خطوة رابين الهادفة إلى التخلص من الصف القيادي الواسع في "حماس" مع بقية مبعدي شعبنا. ومنذ لحظة وصول المبعدين الأولى إلى الجنوب اللبناني, أرسلنا من يتواصل معهم, وأصررنا, كما أصر الاخوة المبعدون, على عدم مبارحة المبعدين مكانهم إلا للعودة إلى فلسطين. وأصبحت المسألة مسألة تحد بين "حماس" وحكومة اسحق رابين. وقامت "حماس" بحركة ديبلوماسية مهمة ومكثفة لإقناع مسؤولين غربيين بوجوب عودة المبعدين ولهذا الغرض اتصلت "حماس" بديبلوماسيين أميركيين في عمان ما لبثوا ان قطعوا اتصالاتهم معنا بسبب ضغوط الحكومة الإسرائيلية عليهم. هذا الأداء الإعلامي والديبلوماسي كان له تأثيره لا سيما في ظل الصمود الاسطوري للمبعدين. وكان الأستاذ عبدالفتاح دخان مسؤول مخيم مرج الزهور, وكان الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي الناطق الرسمي باسم المخيم. وفي ذلك العام, أي 1993, حصلت أوسلو.
هل شاوركم ياسر عرفات بشأن هذا الاتفاق؟
- كلا, لم يفعل. ياسر عرفات لم يشاور جماعته فكيف تتوقع ان يشاورنا. من صنع أوسلو هو فريق من منظمة التحرير, وفريق من "فتح". ولم تجر مؤسسة منظمة التحرير أو مؤسسة "فتح" المفاوضات. كانت أوسلو بوابة مرحلة جديدة حملت معها متغيرات هامة. من الناحية العملية, وقف قسري للانتفاضة بصورتها الشعبية والجماهيرية وإجهاض عملي لها.
عودة عرفات
هل جرت عمليات استشهادية قبل أوسلو؟
- نعم, جرت عملية الشهيد ساهر تمام في نيسان (ابريل) 1993, وكانت آنذاك ضد هدف عسكري, وإلى هذا الوقف القسري, أدت أوسلو إلى انقسام الشارع الفلسطيني بفصائله, ونخبه, والقيادات السياسية. وفتحت أوسلو الطريق أمام اتفاقات عربية أخرى, وفتحت أبواب التطبيع, ونشأ فريق كوبنهاغن. وسادت رؤية بيريز للشرق الأوسط الجديد ونشأت مكاتب المصالح الاقتصادية في الدوحة ومسقط وغيرهما. وعقدت المؤتمرات الاقتصادية الشرق أوسطية في عدة عواصم عربية. وعندما تعثرت التسوية على المسار الفلسطيني - الصهيوني, أجهضت هذه المؤتمرات بموقف مصري - سعودي - سوري مشترك. وأدت أوسلو الى قيام السلطة الفلسطينية في أريحا, وغزة, والضفة الغربية. وعاد أبو عمار في تموز (يوليو) 1994 إلى الأراضي الفلسطينية.
كيف تعاملتم مع عودته مع تصفيق الجماهير له؟
- تعاملت "حماس" مع عودته بطريقة مثالية. فـ"حماس" لها رصيد شعبي وتنظيمي وعسكري كبير خاصة في غزة, التي دخلها ياسر عرفات. وكانت "حماس" لتختار طريقاً مختلفاً عن التي سلكته لو انحازت إلى مصالحها الذاتية فقط. ولكن المنهج الذي تتبعه الحركة يقوم على تفادي الصدام والصراعات الجانبية مع الفلسطينيين. أبو عمار تخوف من مواجهة قد تحصل عند دخوله إلى غزة.
كان أبو عمار متخوفاً؟
- ليس ما أقوله استنتاجاً. التقيت شخصية إسلامية مرموقة تربطها صلة بعرفات, وقال لي هذا الرجل إن ابو عمار طلب منه, قبل عودته إلى غزة, جس نبض "حماس" ليكون دخوله الى غزة ميسوراً. وقال لي هذا الرجل انه أدرك ان وزن "حماس" كبير ليحسب ابو عمار حسابها. على رغم رفضنا أوسلو, واختلافنا مع قيادة منظمة التحرير, اخترنا المصلحة الوطنية العامة. لم نواجه السلطة عسكرياً, ولم ندخل في سجالات شعبية معها. لم نرد تعميق الانقسام الفلسطيني, والهاء الساحة الفلسطينية بمعارك جانبية. وذلك لقناعة الحركة بأن أوسلو محطة عابرة وسيكون الفشل من نصيبها من دون أن نخسر وحدتنا الوطنية. ورفعنا في ذلك الوقت شعار حرمة الدم الفلسطيني, والبنادق لمواجهة الاحتلال الصهيوني. ولم نتخل عن مشروع مقاومة الاحتلال لأن أوسلو مشروع خلافي لم يستشر الشعب الفلسطيني فيه. ولا تعبر اتفاقات أوسلو عن رغبة الشعب الفلسطيني بل عن رغبة طرف فلسطيني. وقبيل عودة ياسر عرفات, قدمت "حماس" مساعدات الى قوات الشرطة الفلسطينية التي دخلت غزة قبله والتي كانت في حاجة الى طعام وغيره من الحاجات الأساسية. وهذا دليل على انحيازها الى المصلحة العامة.
ألم المصافحة
ماذا شعرت عند متابعتك توقيع اتفاق اوسلو على التلفزيون؟
- انتابني شعوران. شعرت بالألم لأن هذه الزفة, بالتعبير البلدي, والاحتفال في حديقة البيت الأبيض, وفي حضور دول العالم وممثليها, هي مأتم واحتفال تأبين للقضية الفلسطينية. وشهد العام في حديقة أقوى دولة في العالم شطب 78 في المئة من الحق الفلسطيني مقابل 22 في المئة. ولم يكن الحصول على هذه النسبة الموعودة, وهي ثمن التنازل عن حقنا, مؤكداً أو مضموناً. وصدر ألمي عن إقبالنا كفلسطينيين على صفقة خاسرة. أما الشعور الثاني الذي راودني, هو انه رغم كل الصولجان والهيلمان المحيطين بتوقيع الاتفاق, كان يقيني بأن المسألة عابرة ولا تختزل ولا تصادر المستقبل الفلسطيني.
هل كانت مصافحة رابين لياسر عرفات, الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, مؤلمة بالنسبة للإسلاميين؟
- كذلك كان الألم الناجم عن المصافحة مزدوجاً. فمصافحة القاتل رابين, وبصرف النظر عن كل التسميات التي أطلقت عليه لا تطاق. أما تردد رابين في الاقبال على هذه المصافحة فيعكس دونية موقفنا تجاه موقف اسرائيل. تردده كان يرمز الى ضعف الطرف الآخر, وينم تردده على اقدامه على المصافحة وهو مكره, وهو مغتصب الأرض, عن موقف كأنه يمن على ياسر عرفات وعلى الشعب الفلسطيني بإثنين وعشرين في المئة التي سيفاوض عليها.
هل فكرتم في اغتيال رابين أو ياسر عرفات, أي إسقاط الاتفاق عبر إلغاء الطرف الموقع عليه؟
- كلا, يصح الاغتيال في كل القيادات الصهيونية كما تصح فيها المواجهة والعمليات العسكرية ضدها. أما بالنسبة لياسر عرفات والقيادات الفلسطينية, فسياسة الحركة لا توافق على هذه الأساليب مع فلسطينيين. في الساحة الفلسطينية, وقعت اغتيالات فلسطينية - فلسطينية, مع الأسف, طالت عصام السرطاوي وغيره... وشهدت بيروت اغتيالات خفية عرفت بقتل القتيل والمشي في جنازته.
في ظل السلطة
و"حماس" كرست مبدأ عدم اغتيال الفلسطينيين بأيد فلسطينية, ونحن قتناعتنا أن النهج لا يتغير بتغييب الشخص بل بتعديل النهج. وبين عامي 1994 و1995, ازداد التوتر بين "حماس" والسلطة التي بدأت ترسخ أقدامها, وتبني أجهزتها الامنية وتتمدد. وفي 1995 دخلت السلطة إلى ست مدن في الضفة الغربية هي نابلس وطولكرم وجنين وقلقيلية وبيت لحم ورام الله. وحاولت السلطة ابراز رموز دولة فلسطينية بدءاً بالبورصة والمطار ووصولاً إلى البحث عن ميناء. وامتدت السلطة جغرافياً, وتوسعت مؤسساتها. وأصبح الشعب الفلسطيني, الرافض لاتفاقات أوسلو, أمام أمر واقع يدفعه إلى اختبار ما ستؤول اليه هذه التجربة. وكان الناس يرون ان هذا المشروع محفوف بالمخاطر وقد لا ينجح. ويتوق الشعب الفلسطيني إلى لحظة الانعتاق من الاحتلال ولذلك فرح بحالة الانعتاق من الاحتلال حتى ولو كانت صورية. وتمنى الناس أن تكون هذه الصورة الشكلية حقيقية. عندما وضعت أوسلو أمام محك السيادة, واختبر الناس الاذلال عند الانتقال عبر الحواجز بين الضفة وغزة أو بين رفح ومصر, ورأوا وجوه الفلسطينيين على المعابر الذين يأخذون التعليمات من الضابط الاسرائيلي الذي يقف وراءها, ويستعمل جهاز الكومبيوتر. وبدأ هذا الحلم يتبخر مع تعثر المرحلة الانتقالية. وتلاشى الوعد بتحول غزة إلى هونغ كونغ, وبتدفق الاستثمارات. وكانت السلطة تقول في خطابها إن "حماس" وغيرها من الفصائل عقبة في طريق سعيها إلى إقامة دولة موعودة, وإلى تشكيل وطن للفلسطينيين. ومنعت السلطة الفصائل من المقاومة زاعمة انها ستوفر ذرائع تتخذها اسرائيل للتنصل من تعهداتها. وجرت احتكاكات. ولا يليق بنا اليوم, حيث نحن مع السلطة و"فتح" وبقية فصائل شعبنا وجماهيره في خندق واحد في مواجهة شارون والعدو الصهيوني, العودة إلى الجراح والاحتكاكات التي حصلت بيننا.
الحوار
هل حصلت حوارات تناولت ما حصل بين السلطة و"حماس"؟
- نعم. في عام 1993, جرت حوارات مع قيادة منظمة التحرير كما سبقت الاشارة في تونس, وثم حوارات جديدة في الخرطوم في كانون الثاني 1993 بمبادرة من الدكتور حسن الترابي.
هل لياسر عرفات علاقة قوية بالترابي ليرعى هذا الاخير الحوار؟
- ياسر عرفات له علاقات مع كثير من الدول العربية, وكان الدكتور الترابي آنذاك جزءاً من السلطة السودانية. وتكمن مهارة أبو عمار في إقامته علاقات سياسية جيدة مع جميع أطياف الحركات, بما فيها الاسلامية والأنظمة, وغيرها.
من فاوض في الخرطوم؟
- كان الدكتور موسى أبو مرزوق رئيساً لوفد "حماس", وشارك في الوفد المهندس إبراهيم غوشة والدكتور محمد صيام والاخ محمد نزال وآخرون. وكان وفد منظمة التحرير برئاسة أبو عمار وعضوية أبو الاديب ونصر يوسف ومحمد دحلان وأبو علي شاهين. وشارك مع الدكتور الترابي رفيقاه الشيخ ياسين عمر الإمام والشيخ إبراهيم السنوسي. ثم جرت حوارات القاهرة في كانون الأول 1995 بحضور الأخ أبو الأديب (سليم الزعنون) والطيب عبدالرحيم وفريح أبومدين ونبيل عمرو وحسن عصفور وابو علي شاهين وآخرين. وكانت هذه المفاوضات مع السلطة و"فتح". فالتداخل بينهما معروف.
متى التقيت الرئيس ياسر عرفات للمرة الأولى؟
- أول لقاء لي معه كان عام 1996 في عمان, ثم في أماكن أخرى بينها الدوحة. أما أول حوار لنا مع "فتح" فجرى في اليمن في آب (اغسطس) 1990, حيث كان وفد الحركة برئاسة المهندس إبراهيم غوشة وعضوية الدكتور موسى أبو مرزوق وآخرين, وكان مع الأخ أبو عمار أكرم هنية وعبدالله أبو سمهدانة وآخرون, وكان غرض اللقاء لتفاهم على حل مشكلات المعتقلين في سجون الاحتلال. في عام 1995 خطف الجندي الإسرائيلي فاكسمان على أيدي مجاهدي "كتائب القسام" ودارت لاحقاً بينهم وبين قوات العدو معركة كبيرة في مكان احتجازه. ونتج عن هذه المعركة مقتل فاكسمان وعدد من جنود العدو, إضافة إلى عدد من الاخوة المجاهدين الذين قاموا بالعملية. ثم جاء مقتل رابين (رئيس وزراء العدو آنذاك) في تشرين الاول 1995 على يد يهودي يميني, مما نتج عنه تغيرات مهمة في خريطة التسوية في المنطقة. فغياب رابين عمق جرح الخلاف الاسرائيلي - الاسرائيلي, وأتى ببيريز, صاحب الحظ السيئ في حزبه.
اغتيال "المهندس"
ولكن الحركة أسهمت في صنع سوء حظه.
- كان يضحكني كثيراً اتهامه المتكرر لـ"حماس", بذلك فقد أخذ بيريز النمط العربي في الولولة في المؤتمرات الصحافية من خلال تكراره "حماس أسقطتني". وبيريز, على الصعيد الإسرائيلي الداخلي, تعيس الحظ والاداء. ووقع في أخطاء وارتكب مجازر. بعد أقل من اسبوعين على حوار القاهرة عام 1995, اغتيل الشيهد يحيى عياش, وتحديداً في 5 كانون الثاني 1996. وبعد خمسين يوماً, ردت "حماس" على اغتيال قائدها العسكري الأبرز, حيث نفذت "حماس" و"الجهاد" خلال أسبوع واحد تقريباً أربع عمليات كبيرة. وانعقد على اثر هذه العمليات مؤتمر شرم الشيخ, وأعلنت أميركا وإسرائيل الحرب العالمية على "حماس" .
هل حصل اختراق في الجهاز الأمني لـ"حماس" أدى إلى اغتيال يحيى عياش؟
- ليس باختراق بل ثغرات أمنية. لم يخترق الصف الامني المحيط بيحيى عياش, ولكن ضاقت الأرض بعياش من شدة التضييق الامني عليه. وفي نهاية الامر انتقل إلى غزة, حيث تنقل بين منازل كثيرة, وأقام في بيت زميل سابق له في جامعة بيرزيت. وكان خال هذا الزميل عميلاً للاسرائيليين, فوشى بإبن أخته.
وهل اعتقل هذا الخال أم قتل؟
- اعتقلت السلطة زميل عياش, وهرب الخال, وهو رجل أعمال وصاحب بنايات واملاك, إلى اسرائيل ومنها إلى أميركا.
وفي عام 1996, ارتكب بيريز, الذي يعاني من عقدة عدم انتمائه الى المؤسسة العسكرية, مجزرة "عناقيد الغضب" في جنوب لبنان. وتراجعت التسوية كثيراً مع مجيء نتانياهو.
ومع أوسلو تكيفت "حماس" مع الوضع الجديد, وأعادت تشكيل هياكلها القيادية وفقاً لقواعد المرحلة الجديدة. وكانت هذه التشكيلات القيادية أقرب إلى السرية سواء في قطاع غزة أو الضفة, خصوصاً أن السلطة الفلسطينية اعتقلت لاحقاً عدداً من قيادات الحركة في الضفة والقطاع.
مَن من قادة "حماس" كان سجين السلطة؟
- اعتقلت السلطة في غزة الشيخ سيد أبو مسامح والدكتور الزهار والدكتور إبراهيم المقادمة والاستاذ محمد طه والشيخ أحمد نمر حمدان وغيرهم. أما في الضفة فاعتقلت الشيخ جمال سليم والشيخ جمال منصور والشيخ يوسف السركجي والاستاذ محمود مصلح والشيخ محمد جمال النتشة وغيرهم.
ماذا لو سألنا عن الأجيال القيادية في الحركة والتوزع الجغرافي؟
- في ما يتعلق بقطاع غزة ومن الجيل القديم في اطار الحركة الاسلامية: الشيخ أحمد ياسين وعبدالفتاح دخان ومحمد حسن شمعة وعبدالرحمن تمراز ومحمد طه (معتقل مع ابنه) ومحمد بارود وحماد الحسنات وجمال ابو هاشم ومحمد محسن. ومن وجوه الخير: الشيخ محمد النجار.
ثم جاء الجيل اللاحق له في حركة "حماس" وأبرزهم (إضافة إلى الأسماء السابقة), الدكتور إبراهيم المقادمة والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي والمهندس عيسى النشار والدكتور أحمد الملح والمهندس اسماعيل أبو شنب والدكتور موسى أبو مرزوق (الذي سافر إلى الخارج للعمل والدراسة) والدكتور محمود الزهار والمهندس عماد العلمي والشيخ أحمد نمر والشيخ سيد أبو مسامح والاستاذ اسماعيل هنية والشيخ أحمد بحر والاستاذ عطاالله أبو السبح.
في الضفة: جيل من الوجوه الاسلامية أبرزهم الشيخ يوسف نوفل والاستاذ هاشم النتشة في الخليل وعدد من الشخصيات الإسلامية في القدس أبرزهم الشيخ أسعد الإمام والحاج طاهر بركات والاستاذ محمود العريان والاستاذ عباس الكرد والاستاذ محمد نمر وهبة, وذلك في فترة الخمسينات والستينات, ثم برز جيل آخر في القدس بعضهم سافر إلى الخارج مثل المهندس إبراهيم غوشة وبعضهم بقي في القدس, وقد يكون من الأفضل تجنب ذكر اسمائهم في الوقت الراهن.
في الخليل: جيل من مؤسسي "حماس": الدكتور عدنان مسودة والاستاذ محمد عيد مسك والاستاذ فتحي عمرو, ثم جيل الدكتور عزام سلهب والشيخ محمد جمال النتشة (معتقل) والشيخ عبدالخالق النتشة (معتقل) والاستاذ مصطفى شاور والشيخ ماهر بدر والشيخ نايف الرجوب والشيخ محمد مطلق والشيخ تحسين شاور.
في نابلس: الرموز الاسلامية التي ظهرت في نابلس وهيأت لـ"حماس": الاستاذ نبيل البشتاوي والشيخ احمد الحاج علي والدكتور ناجي صبحة (أولاده من شباب الحركة في الجامعة, وعدد منهم في السجن) والشيخ حامد البيتاوي والشيخ سعيد بلال (أربعة من أولاده في السجن) والشيخ حسن البوريني. ثم جيل الشيخ الشهيد جمال سليم والشيخ الشهيد جمال منصور والشيخ الشهيد يوسف السركجي والشيخ تيسير عمران (معتقل) والشيخ صلاح دروزه والدكتور محمد غزال والاستاذ عدنان عصفور.
في رام الله: الاستاذ محمود مصلح والشيخ ابراهيم ابو سالم والشيخ فضل صالح (اعتقل حديثاً) والشيخ حسن يوسف (معتقل) وحسين ابو كويك (معتقل وقد اغتال العدو زوجته وثلاثة من أولاده في هذه الانتفاضة) والاستاذ جمال الطويل (معتقل).
في قلقيلية: الاستاذ وجيه قواس (معتقل) والاستاذ طلال الباز (معتقل) وآخرون.
بيت لحم: الاستاذ غسان هرماس والاستاذ خالد طافش (معتقل) وآخرون.
جنين: من أبرز الشخصيات: الشيخ محمد فؤاد ابو زيد, وهو من مؤسي الحركة, والاستاذ خالد الحاج (معتقل) والشيخ جمال ابو الهيجا (معتقل هو وابنه) والشيخ الشهيد نصر جرار الذي قطعت أطرافه في معركة جنين قبل استشهاده.
في طولكرم: الاستاذ عباس السيد (معتقل) والاستاذ رأفت ناصيف.
في القدس: من الأسماء التي يمكن ذكرها في الوقت الحاضر الشيخ جميل حمامي والشيخ محمد ابو طير (معتقل), وهناك اسماء لها أهميتها في القدس يصعب ذكرها الآن.
واستشهد من الصف الأول من قيادات الحركة كل من الشيخ صلاح شحادة والدكتور ابراهيم المقادمة والمهندس اسماعيل أبو شنب والشيخ جمال سليم والشيخ جمال منصور والشيخ يوسف السركجي. كما استشهد عدد كبير من قيادات "كتائب القسام", رحمهم الله, يمكن الاشارة إليهم لاحقاً.
سندس الجنة
04-21-2004, 06:51 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
اخي ..................:chair:
التكملة:blush)::flowers:
bigera
04-21-2004, 11:19 PM
خالد مشعل: العمليات الاستشهادية فرضها تصاعد العدوان الاسرائيلي ضد المدنيين واختلال ميزان القوى (4)
خالد مشعل.
زعزعت العمليات الاستشهادية التي نفذتها "كتائب القسام" في العمق الاسرائيلي أمن الدولة العبرية, وأظهرت عجز رئيس الوزراء ارييل شارون عن ضمان أمن الاسرائيليين في وقت يتابع فيه عدوانه على الفلسطينيين. لكن هذه العمليات طرحت اسئلة عن نتائجها, خصوصاً لدى بعض الحكومات الغربية التي صنفت هذه العمليات التي تتسبب في سقوط مدنيين في خانة الارهاب. سألت "الحياة" خالد مشعل, رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس", عن هذه العمليات ومبرراتها وأصدائها وهنا نص الحلقة الرابعة:
هل يلجأ المطاردون من "كتائب القسام" الى عمليات جراحية لتغيير ملامحهم؟
- لا أعتقد أن العمليات التجميلية تدخل ضمن أساليب التخفي لكن هذا يبقى شأن المجاهدين أنفسهم. كثيراً ما كانت إسرائيل تقول إن منفذ العملية الاستشهادية كان متنكراً في زي رجل دين إسرائيلي أو غيره. وهناك بين المطاردين من يلجأ الى الجبال ويعيش فيها. ويروى عن الشهيد القائد محمود أبو هنود انه عندما جرت محاولة اغتياله الفاشلة في جبال قريته, عصيرة الشمالية, طوقه ألف جندي من قوة اسرائيلية خاصة تفاخر بها إسرائيل واسمها "دفدفان" وتعني الكرز. وتدربت هذه المجموعة لاستهداف أبو هنود الذي كان عرف انه قائد الجناح العسكري في الضفة الغربية. ورصدت الفرقة الشهيد ولاحقته, ونصبت الكاميرات في نابلس, وفي القرى المحيطة بها, وفي قريته. واشتبك أبو هنود معهم وقتل اثنين أو ثلاثة وأصيب في كتفه الأيمن. وعلى رغم اصابته تمكن من الانسحاب, ومشى كيلومترات عدة حتى وصل الى حدود نابلس حيث دخل المستشفى واعتقلته السلطة الفلسطينية. وحصلت هذه الحادثة قبل انتفاضة الأقصى. وخلال التحقيق معه في سجن المستشفى من قبل السلطة سألوه أين كان يقيم وعند مَن. فأجابهم, وهو رجل فلاح ومتقشف, كنت أعيش في الكهوف ورؤوس الجبال. اعتقدوا انه لا يقول الحقيقة فقال لهم اذهبوا الى المكان الفلاني والتلة الفلانية, وستجدون بعض آثاري هناك: حصير وكأس ماء. ذهبوا وتأكدوا من صدق روايته. وهذا دليل على ان حياة المجاهدين خلال فترة المطاردة قاسية وبالغة الصعوبة.
محمد الضيف
< قصة صناعة العبوات ارتبطت باسم يحيى عياش؟
- نعم كان أول من برز في هذا المجال ونجح في توظيف دراسته العلمية حيث كان متفوقاً لصالح عمله العسكري. وهناك الشخص الذي أمضى أطول فترة يطارد فيها أحد المجاهدين في تاريخ النضال الفلسطيني وهو الأخ محمد الضيف في غزة.
< منذ متى وهو مطارد؟
- منذ أكثر من عشر سنوات. وهذه حالة فريدة في تاريخ النضال الفلسطيني. فعندما يكشف الاسم تصبح حياة المجاهد صعبة وخياراته صعبة. لأن اسمه وصورته ينشران, وتظل الملاحقة مستمرة. ويجيد الضيف, التخفي والتنكر والمناورة مع ممارسة دوره. فهدف المناضل لا يقتصر على التخفي بل على الاستمرار بالقيام بدوره في الوقت نفسه.
< هو صانع عبوات أيضاً؟
- انه القائد الأبرز حالياً في "كتائب القسام", لكنني لست مطلعاً على طبيعة عمله.
ساهر تمام
< متى كانت أول عملية استشهادية نفذتها "حماس"؟
- العملية الأولى حصلت في ابريل (نيسان) 1993 وكان بطلها الشهيد ساهر تمام. وهي كانت من ابداعات الشهيد يحيى عياش فهو الذي خطط للعملية, وكانت أول عملية استشهادية ناجحة لـ"القسام", إذ سبقتها محاولات لم تنجح آنذاك بسبب نقص الخبرة في إعداد العبوات.
< واسم رائد زكارنه؟
- هو منفذ عملية العفولة عام 1994 رداً على مجزرة المسجد الابراهيمي في الخليل, وهي كانت بداية سلسلة من العمليات الاستشهادية, وبعدها جاءت الخضيرة ثم ديزينغوف وهكذا.
توقيت العمليات
< لماذا اتخذ قرار سياسي بتنفيذ العمليات الاستشهادية في وقت دون غيره؟
- ان قرار العمليات الاستشهادية ليس سياسياً. انه قرار عسكري ميداني تتخذه القيادة العسكرية التي تحدد نوع العملية والجغرافيا التي يتحرك فيها المجاهد.
جاءت العمليات الاستشهادية نتيجة تطور طبيعي في حافز الانسان الفلسطيني للرد على جرائم العدو, خصوصاً ضد المدنيين. تطور الاداء الفلسطيني طبيعي لمواجهة تطور العنف الاسرائيلي. ان وجود الاحتلال استدعى وجود مقاومة, كما استدعى تطور اساليب عنفه وجرائمه تطوراً في وسائل المقاومة. فالانتفاضة الاولى بدأت بالحجارة. ولكن شدة العنف الاسرائيلي المستعمل للرد على الحجارة, واتساع جرائم العدو ضد شعب أعزل, استدعيا بروز وسائل بدائية كالمقلاع, وثم المولوتوف, وثم السكاكين, وثم السلاح. واستفزت مجزرة المسجد الأقصى المبارك في 24 تشرين الأول (اكتوبر) 1990, التي أدت إلى استشهاد ما يزيد عن عشرين شهيداً, الانسان الفلسطيني.
وبدأ البحث في العبوات. وبعد مجزرة المسجد الإبراهيمي في الخليل في شباط (فبراير) 1994, أصبحت وتيرة العمليات الاستشهادية متلاحقة. فالمجزرة ارتكبت داخل المسجد عند صلاة الفجر وفي منتصف شهر رمضان, وأدت إلى استشهاد 29 مصلياً.
الاستشهاد والفقه
< ولكن ألا يفترض في حركة منظمة كـ"حماس" أن تستند في العمليات الاستشهادية الى دراسة شرعية لمبدأ الاستشهاد؟
- الجهاد واجب شرعي, كما هو واجب وطني. والمجاهدون يعودون إلى العلماء لطلب الفتوى في ما يمارسونه ويعرض لهم في الميدان. وفي التراث الفقهي الاسلامي أدلة كثيرة على شرعية العمليات الاستشهادية. ويعتبر كثير من العلماء هذه العمليات أعظم جهاد في سبيل الله. وهناك بعض العلماء الذين لا يجيزون هذه العمليات وفقاً لفهمهم الشرعي. ونحن نحترم فهمهم هذا, ولكن جمهور العلماء الأكبر مع جواز مثل هذه العمليات. وتظهر الادلة على ذلك في الكتاب, والسنة, وفي تجارب المسلمين وتاريخهم.
< هل في تاريخ المسلمين سوابق من هذا النوع؟
- طبعاً. في العهود القديمة لم تكن المتفجرات متوفرة, اي لم تكن هناك أداة تهدف إلى قتل العدو من خلال تفجير النفس. ومن الادلة على جواز هذه العمليات قصة البراء بن مالك, رضي الله عنه, عندما استعصى على المسلمين فتح أحد حصون المرتدين, طلب من أصحابه أن يحملوه على ترس ويقذفوه خلف جدران الحصن ليفتح الباب لهم. وفي مقاييس عصرنا الحالي تعتبر هذه الحادثة عملية استشهادية, لأن الصحابي رمى بنفسه إلى وسط العدو.
< في الشرق الأوسط, افتتحت العمليات الاستشهادية بتفجير المارينز ببيروت؟
- بصرف النظر عن الطرف المنفذ لهذه العملية, يعتبر هذا التفجير جزءاً من النمط الاستشهادي, وقد كانت له نتائج مهمة. في الساحة الفلسطينية نمطان من العمليات الاستشهادية. الأول قائم على استعمال عبوة تفجيرية. والثاني يقوم على الذهاب إلى تجمع للعدو, سواء كان معسكراً أو مستوطنة, واقتحامه بالسلاح. وتمثل عملية الشهيد محمد فتحي فرحات نمطاً من العمليات الاستشهادية الذي يقوم على حمل السلاح وقتل العدو لا تفجيره. وقتل محمد فتحي فرحات خمسة جنود إسرائيليين, واستشهد. أما والدة هذا الشهيد فحضته على الشهادة, واستقبلت التهنئة به. وباتت نموذجاً لأمهات الاستشهاديين. فعملية المارينز عام 1983 تندرج في النمط الاول, ومن النمط الثاني عملية الطائرة الشراعية لـ"الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة" في سنة 1987.
< وهل يجوز قتل النفس من أجل القضية؟
- أساساً لا يجوز قتل النفس إلاّ بالحق, ولكن ما يفعله الاستشهادي ليس انتحاراً وإنما اثخان في العدو. وفي احدى المعارك في التاريخ الاسلامي اندفع أحد المسلمين إلى وسط العدو. فقال بعض المسلمين: "لقد القى بنفسه إلى التهلكة". فرد عليهم أبو أيوب الأنصاري مصححاً فهمهم وموضحاً ان القاء النفس إلى التهلكة يكون في تخلي المسلم عن واجبه الجهادي وفي التقاعس عن النفير للجهاد. وفي الاسلام يسمى الجهاد بالحياة, كما في الآية الكريمة التي تتحدث عن الجهاد: "يا أيها الذين آمنوا, استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم".
المعركة مع الاحتلال
< هل تعتبر عملية الحادي عشر من ايلول عملية استشهادية اسلامياً؟
- لا تجيز رؤية "حماس" ما يسمى اليوم بالعنف إلا في مواجهة العدو المحتل. وتقتصر معركتنا على الصهاينة الذين احتلوا أرضنا في فلسطين. وعلى رغم تقديم أميركا معظم الاسلحة من طائرات "آباتشي", و"اف 16", وصواريخ, إلى اسرائيل, ورغم اعتقالها للدكتور موسى أبو مرزوق, نحن لم نفتح معركتنا مع أميركا, بل حصرناها بالاحتلال الاسرائيلي. في الساحة العربية مجموعات اسلامية لها رؤية تبيح ممارسة العمليات في أقطارها ضد الجيش, والشرطة, ومجموعات لها رؤية بفتح الجبهة مع الاميركيين. وليس من شأننا الدخول في سجال الحكم الشرعي على هذه العمليات. فهذا واجب رجال العلم والدين. ولكن موقفنا دائماً ضد ممارسة العنف داخل بلادنا العربية والإسلامية وضد أبناء أمتنا مهما كانت المبررات والخلافات.
< ألم تنفذ "حماس" اي عملية عسكرية خارج الاراضي الفلسطينية؟
- لم تنفذ "حماس" مثل هذه العمليات. فموقف "حماس" يحصر المعركة ضد الاحتلال الصهيوني وداخل فلسطين نفسها.
أيلول الأميركي
< أين كنت في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001؟
- كنت في دمشق التي وصلتها من الدوحة. عند وصولي إلى دمشق, فتحت التلفاز على قناة "الجزيرة" لمتابعة نشرة الساعة الرابعة, فشاهدت سقوط البرجين.
< ما اول ما تبادر إلى ذهنك؟ وهل تخوفت من كون منفذ هذه العملية عربياً, أو مسلماً, أو فلسطينياً؟
- كان انطباعي الأول المفاجأة. وفي بداية الخبر, كانت صورة الحادثة غامضة, ثم لاحقاً تبينت أبعادها. وعند حصول أي حادثة, يبادر الغربيون عادة إلى اتهام المسلمين والعرب, كما فعلوا في حادثة اوكلاهوما.
< هل ارتحت لتلقي الولايات المتحدة ضربة من هذا النوع؟
- من الصعب التعبير عن مشاعر محددة. تحمل كل الشعوب المتضررة من الظلم الاميركي, وخصوصاً العرب والمسلمين, مشاعر سلبية ومعادية للإدارة الاميركية وممارساتها السياسية والعسكرية. ولكن مقتل بشر لا صلة لهم بالقرار الاميركي, وبإدارته, ومقيمين في ابراج مدنية سكنية, أمر لا تشمله مشاعرنا السلبية. فنحن سافرنا إلى اميركا واوروبا واحتككنا بالانسان الغربي. ونحن نحمل مشاعر عداء حيال من اعطى وعداً ظالماً لليهود ببناء وطن قومي لهم في فلسطين, ولا نحمل عدائية تجاه الانسان البريطاني, وكذلك هو الأمر بالنسبة إلى الاميركيين. فالإنسان من حيث هو إنسان تجمعنا به آصرة الإنسانية. ونحن كسياسيين نمتلك قدرة على التمييز بين الادارة الاميركية والانسان الاميركي العادي. وتاريخنا كعرب ومسلمين هو تجربة تعايش مع الأديان الاخرى والحضارات. ولم تكن الحضارة الاسلامية نافية للآخر, ولا قائمة على الصراع مع الحضارات الأخرى, ولكن على التفاعل الايجابي معها أخذاً وعطاء.
بن لادن و"القاعدة"
< هل حاول اسامة بن لادن الاتصال بـ"حماس", وهل جرت اتصالات بينه وبينها, وما رأيكم في الاهتمام الذي أبداه بالقضية الفلسطينية؟
- كلا, لم تحدث مثل هذه الاتصالات. ولا يخفى على المرء ان كل مسلم وعربي مهتم بالقضية الفلسطينية التي أصبح لها فوق ذلك بعد انساني عالمي مع التظاهرات الاوروبية والعربية والاميركية. وقد تجد المتعاطف مع قضيتنا في أي قارة, وقد ينتمي إلى اي دين, ولون. ونحن لا نستطيع منع ملايين من البشر, ومنهم اسامة بن لادن, من التفاعل مع قضيتنا. ولكن لكل رؤيته.
< أليس لدى حركة "حماس" رأي في "القاعدة" التي تحمل المسلمين على الاصطدام بالعالم؟ ألا تناقش "حماس" مسألة من هذا النوع, وتتخذ موقفاً منها؟
- ان الوضع العربي والاسلامي مليء بالتناقضات والمشكلات. و"حماس" لا تستطيع تنصيب نفسها حاكمة على هذه الامور, أو قاضية في الحكم عليها. فليس من مهام "حماس" تصنيف الناس والحكم عليهم. وهي ان قامت بهذا التصنيف لأصبحت جزءاً من الخلاف العربي. اختارت "حماس" جعل قضية فلسطين عامل توحيد للأمة, لا عامل تفريق. إن تجربة الثورة الفلسطينية في بعض جوانبها السلبية في الاردن وسورية ولبنان أدخلت القضية الفلسطينية في صراعات. ونحن نستفيد من هذه التجربة, وننأى بأنفسنا عن كوننا جزءاً من الخلاف. وقد أوضحنا موقفنا برفض العنف في بلادنا وحصره في مواجهة العدو المحتل. وفي حال أراد المرء الحكم على "القاعدة" وبن لادن, توجب عليه العودة الى جذور الصراع بين "القاعدة" والادارة الاميركية, وإلى الأسباب التي وفرت المناخ لنشوء مثل هذه المجموعات, هذه ليست مهمتنا وفي الساحة العربية مفكرون وعلماء أقدر على القيام بهذه المهمة.
التطوع للاستشهاد
< العمليات الاستشهادية تقوم على التطوع؟
- نعم.
< ما هو الإعداد الذي يخضع له من سينفذ عملية استشهادية؟
- الساحة الفلسطينية, بحمد الله, تشهد فائضاً في التطوع. حال الإقبال كبيرة خصوصاً في الانتفاضة الأخيرة. الملفت أنها تشمل أجيالاً عدة. هناك شهداء دون العشرين. وهناك عدد كبير أعمارهم بين العشرين والثلاثين. وهناك من هم فوق الأربعين. الشهيد ماهر الحبيشي الذي نعتبره شيخ الاستشهاديين كان في السابعة والأربعين. كل هذا يؤكد ان الاستشهادي يقبل على العملية بملء قناعته وخلافاً لما كان يشيعه العدو الصهيوني وأطراف مغرضة عن عمليات تجنيد تقوم على الاستدراج والخداع. انهم بالغون وناضجون وقراراتهم ثمرة تفكير وخيار وقناعة راسخة.
< من يقرر أن هذا الشاب المتطوع مقبول لتنفيذ عملية استشهادية؟
- هذا يتم ضمن آليات الجناح العسكري فهو الذي يختار من المتطوعين ويحدد العمليات. هذه التفاصيل لا نعرفها ولا نطلع عليها إلا لاحقاً من خلال وصايا الاستشهاديين أو مذكرات بعض الأسرى.الاستشهادي يعيش نوعين من التحضيرات. تحضيرات مسؤوليه له وتحضيراته لنفسه. عندما يتخذ قرار باختيار شخص ما لعملية استشهادية, في ضوء تطوعه, تتولى القيادة المعنية بالعملية اعداده عسكرياً ومعنوياً ونفسياً.
< ودينياً؟
- المتطوع لدينا في الحركة يكون في الغالب محضراً دينياً لأنه شخص ملتزم أصلاً. تبقى ترتيبات العملية: الزمان والمكان والتجهيزات وهذه الأمور يتولاها الجناح العسكري. سأعطيك مثالاً من خلال قصص المجاهدين عن تحضيرات يقوم بها الاستشهاديون أنفسهم. أحدهم, وهو الشهيد أحمد عليان, وكان مؤذناً في أحد مساجد طولكرم وهو من حفظة القرآن الكريم, نفذ عملية استشهادية يوم عرفة في نتانيا وكان صائماً, بل صام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة كلها وأقام لياليها. وفي الشريعة الإسلامية هناك ترغيب في أداء الطاعات في الأيام العشرة الأولى من ذي الحجة سواء بالصيام أو العبادات أو الصدقات. التقرب من الله تعالى قبل لقائه جزء من الإعداد. هناك من يفعل ذلك كنوع من التوسل الى الله لإنجاح العملية. مثل آخر الشهيد فؤاد الحوراني. ليلة استشهاده أقام الليل. وهي صلاة نافلة يصليها المسلم في الليل تقرباً إلى الله تعالى, وطلب من أمه واخته أن تصليا تلك الليلة وأن تدعوا له من دون أن يخبرهما بنيته في تنفيذ عملية استشهادية, وهي كانت في القدس واستهدفت مقهى "مومنت" القريب من منزل شارون, وكانت عملية ناجحة جداً. الأسير حسن سلامة وغيره كتبوا عن أيام عاشوها في مواصلة العمل. تشعر ان الانسان سواء كان استشهادياً أو مجاهداً في "كتائب القسام" أو في فصيل مجاهد آخر, لديه قناعة ان بينه وبين الموت لحظات فهو وارد في أي لحظة. تجد حال التحفز لديه عالية, وقريباً جداً من الله تعالى وطاقته الإيمانية والنفسية والمعنوية عالية جداً. كما أن خلق الاستشهادي خلق رفيع. فأحمد عليان الذي سبق ذكره كانوا يقولون عنه في المسجد انه حمامة سلام, وانه كان محبوباً من أهله وأبناء حيّه. بين الاستشهاديين من ذهب وقبل قدم والدته قبل التنفيذ, من باب الطاعة, وطلب منها الدعاء له. الاستشهادي في علاقته بعائلته ورفاقه والمحيطين به, هو شخص في منتهى الشفافية.
الأم والابن الاستشهادي
< من شروط العملية أن لا يبلغ الاستشهادي أحداً بعزمه على التنفيذ؟
الشهيد محمد فرحات وفي الاطار والدته تحنو على جثمانه.
- بالتأكيد, إلا في حالات قليلة. الشهيد محمد فتحي فرحات كان عمره 17 عاماً وأعرب عن رغبته في الالتحاق بركب الاستشهاديين. كان له شقيق شهيد وشقيق مطارد واستشهد شقيقه الأكبر نضال لاحقاً. لهذا السبب رد المجاهدون طلبه رأفة بالعائلة التي قدمت الكثير. أم محمد فتحي فرحات, وهي أم نضال شقيقه الأكبر, لاحظت ان ابنها مهموم. ألحت عليه فحكى لها. هنا انتقلنا من السرية الى قدر من العلنية داخل إطار البيت. كتبت الأم رسالة مغلقة الى قيادة "كتائب القسام" في غزة قالت فيها ابني رجل وليس صغيراً ولا أسمح لكم أن ترفضوا رغبته في الاستشهاد وأتمنى عليكم قبول طلبه. لم يكن أمام القائمين على الجناح العسكري غير قبول رغبة الشاب. تخيل ان الأم واكبت هذه الحالة منذ موافقة المسؤول العسكري الى لحظة الاستشهاد. وعندما ذهب الى التنفيذ كانت مع زوجها والأولاد في وضع ترقب التنفيذ. وحين جاء خبر استشهاده سجد والداه شكراً لله. لبست الأم أفضل ما لديها من ثياب وبدأت في تقبل التهاني فرحة باستشهاد ابنها. هذه الحادثة تدل على عمق الحال الاستشهادية والرغبة في الجهاد لدى كل قطاعات الشعب الفلسطيني.وهناك الشهيد محمود العابد. شريط الوصية وشريط الاستعداد الذي سبق العملية سجله بالتعاون مع والدته التي كانت تعلم انه مقبل على الشهادة. وقد ظهر وهو يقبل والدته ويحمل معها الكلاشنيكوف. هذا الاندماج النفسي داخل العائلة الواحدة يدل على ان خيار المقاومة ليس خياراً طارئاً وليس خياراً يمارسه الشعب الفلسطيني مكرهاً. نعم وجود الاحتلال ألجأ شعبنا الى المقاومة لكن حين أصبحت المقاومة الخيار الوحيد لإزالة الاحتلال استعذب الناس خيار المقاومة.
< هل انهار أحد الاستشهاديين مثلاً قبل التنفيذ؟
- لا. لم أسمع بحالة من هذا النوع. لا أتوقع حصول ذلك لأن الشخص اتخذ قراره سلفاً, ثم هناك القدوة ورصيد من سبقوه الى درب الشهادة.
< الموافقة على تطوّع شاب لعملية استشهادية ألا تستدعي الرجوع الى مسؤول له صفة دينية؟
- في الإطار الإسلامي طالما ان الانسان في سن الاختيار فهو الذي يختار, وهو صاحب القرار. أما الانتفاضة الشعبية فيمارسها الكبار والصغار على حد سواء. رأينا الشهيد فارس عودة وأمثاله يشاركون في الانتفاضة بوصفها حالة شعبية يشارك فيها الطفل والصبي والشيخ.
< كم عمر أصغر استشهادي في "حماس"؟
- 17 عاماً أي في سن البلوغ والقدرة على الاختيار. غالبية الاستشهاديين كانت أعمارهم فوق العشرين. بالنسبة الى البعد الديني عندنا في الإسلام لا يحتاج من يقدم على خطوة ما الى استئذان شيخ أو عالم أو مرجع طالما ان الفعل الذي هو مقبل عليه مشروع دينياً.
< هل يجوز للمرء ان يقرر قتل نفسه في خدمة قضية "الجهاد"؟
- أنا لا أسميها قتل نفسه. في الظاهر قد تبدو كذلك لكنها في الحقيقة تضحية بالنفس وقيام بعمل فدائي من أجل الدفاع عن الشعب والأرض والمقدسات والرد على العدو. وهناك حالات خاصة في ظل اختلال ميزان القوى لا يتحقق فيها ايذاء العدو إلا من خلال التضحية بالنفس.
المدنيون الاسرائيليون
< إسرائيل دولة محتلة وشارون سفاح يرتكب كل أنواع الجرائم, لكن بماذا يشعر مسؤول مثلك في "حماس" حين تستهدف عملية استشهادية مقهى أو مطعماً وتتسبب في قتل صبي يهودي, نحن ندين اسرائيل لأنها تقتل أطفال الفلسطينيين, ما هو ردك وما هو الموقف الإسلامي هنا؟
- أنا أدرك ان هذه النقطة تثار في الإعلام. يستخدمها الطرف الإسرائيلي وكذلك الأميركي وجهات دولية أخرى. ينبغي أن نعود الى أصل الصراع. الشعب الفلسطيني شعب معتدى عليه. انه ضحية. لم يذهب للاعتداء على أحد في العالم أو لطرده من أرضه. تعرض هذا الشعب للعدوان والتشريد والسجن والاغتيال والاعتقال وهو في موقع الدفاع عن النفس, ولم يتمكن أحد في هذا العالم من انصافه وانقاذه من الاحتلال. ما يسمى بالشرعية الدولية بدا عاجزاً حتى عن تطبيق قراراتها. هناك استعداد لفرض قرارات مجلس الأمن على كل دول العالم إلا على أميركا وإسرائيل. الدول الكبرى, وتحديداً بريطانيا سابقاً والولايات المتحدة حالياً, كرست الاحتلال الصهيوني ودعمته ان بالغطاء السياسي والإعلامي أو بالدعم العسكري والمالي فضلاً عن العقول العلمية والرجال عبر هجرة الصهاينة الى فلسطين. ماذا يفعل الشعب الفلسطيني في هذه الحالة وأمام اختلال ميزان القوى؟ الانسان الفلسطيني يجد عدوه يقتله بكل أنواع السلاح المتطور. فلنتذكر مقتل الشهيد صلاح شحادة. القنبلة التي استخدمت تزن ألف كيلوغرام ضد مبنى يعلم شارون ان زوجة شحادة وبعض أولاده يقيمون فيها فضلاً عن عائلات عديدة أخرى في العمارة نفسها. والمعتدون يعلمون ان الطاقة التفجيرية لقنبلة من هذا النوع تسبب دماراً أوسع من البناية نفسها أي ان الدمار يصل الى المحيط المكتظ بالسكان. قرأت قبل فترة ان الطيار الذي ألقى القنبلة سئل عن شعوره وهو يلقي قنبلة قادرة على تدمير حي مدني, وهي قتلت تسعة أطفال من أصل 17 شهيداً فضلاً عن عشرات الجرحى, فأجاب: "شعرت ان جناح الطائرة اهتز". لك أن تلاحظ انعدام الانسانية. لم يستوقفه غير اهتزاز جناح الطائرة. انها جرائم ترتكب بنفوس قاسية ودم بارد ضد المدنيين العزل. الشعب الفلسطيني يرى طائرات الأباتشي تغتال أبناءه بشكل شبه يومي. استهدف منزل الدكتور محمود الزهار, وهو قائد سياسي, وقتل ابنه البكر الذي كان يتهيأ للزواج بعد يومين. أليست هذه حالة انسانية صارخة ومثلها كثير. وهناك الاجتياحات وتدمير البــيوت وتجريف البساتين. ماذا تتوقع من الشعب الفلسطيني وهو يعاين هذه المشاهد وفي ظل اختلال ميزان القوى؟ إن العمليات الاستشهادية جاءت تطوراً طبيعياً واستدعاء لكل المخزون المتاح للفلسطينيين, وهو محدود, للرد على الجرائم الصهيونية المتصاعدة والمسلحة بأعتى السلاح, وبخاصة السلاح الأميركي الفتاك.
< ولكن لماذا المطعم بالذات؟
- الزاوية الثانية هي زاوية المدنيين. تطبيق قصة المدني في الحروب يختلف عن حالة اقتلاع شعب من ارضه والحلول مكانه. عندما تتحارب دولتان جارتان هناك قواعد تحكم الحرب. الجندي يقتل الجندي أي تدور المعركة بين الجيوش ولا يجوز خرق هذه القواعد الأخلاقية بالاعتداء على المدنيين. ومع ذلك كان هناك قصف للمنازل في الحروب التي خاضتها أوروبا نفسها. كلنا اطلعنا على ما جرى في الحربين العالميتين لجهة حجم التدمير والقتل الذي حصل. حتى الذين يلومون "حماس" ويحتجون عليها وعلى "الجهاد" و"كتائب الأقصى", أي على الفصائل التي نفذت عمليات استشهادية, هؤلاء مارسوا قتل المدنيين واستهدافهم على نطاق واسع. يكفي أن نتذكر هجمات الطيران الألماني وهجمات طيران الحلفاء أيضاً. المعايير التي يحاكمنا بها بعض الغرب, ولا أعمم, هي معايير اخترقوها هم بأنفسهم ويجيئون الآن لمحاكمتنا بموجبها. نحن لسنا في حال حرب بين دولتين مجاورتين. لسنا في حرب حدودية تقليدية. هذا الذي جاء من بولندا أو بروكلن أو روسيا واقتلع خمسة ملايين فلسطيني وأقام مكانهم. هذا الذي يسكن في بيتي ويحتل أرض أخي من أعطاه الحق في أن يفعل ما فعل. انه محتل. قد يبدو في صورة مدني لكنه محتل. ان كان يريد أن يأمن على حياته فليرحل الى الخارج. يضاف الى ذلك أمر يتعلق بتركيبة المجتمع الصهيوني. الجيش الاحتياط يبلغ ثلاثة أضعاف الجيش النظامي. نصف المجتمع الاسرائيلي, ومن مختلف الفئات العمرية, هو عملياً تحت السلاح. هذا فضلاً عن الميليشيات العسكرية ووجود أكثر من 350 ألف مستوطن اسرائيلي في الضفة والقطاع بما فيها القدس الشرقية وكلهم مسلحون. انها عسكرة المجتمع الإسرائيلي. ليس صحيحاً ما قاله البعض عن عسكرة الانتفاضة. ان يكون لديك مئات المجاهدين المسلحين من ضمن ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع هذه ليست عسكرة. في المقابل نصف المجتمع الإسرائيلي تحت السلاح وهذه هي العسكرة. الزاوية الأخيرة وبافتراض اننا نريد تحييد الزوايا المذكورة سابقاً, حركة "حماس", وبعض الفصائل لاحقاً, عرضت تحييد المدنيين في هذا الصراع, هذه ليست مبادرة جديدة. طرحت للمرة الأولى في 1995 و1996. طرحت في بيانات لـ"كتائب القسام". وفي جولات التفاوض والحوار داخل الأطر الفلسطينية منذ منتصف التسعينات ومن خلال حوارات مع أطراف أوروبية, طرح هذا الأمر لكن الطرف الاسرائيلي رفضه وأراد أن يفرض علينا معادلة ظالمة بمعنى أن تكون يده طليقة في استهداف أي فلسطيني, عسكرياً كان أم مدنياً, بينما لا يسمح للفلسطيني أن يستهدف حتى العسكري أو المستوطن. للأسف ان العالم الغربي المرعوب من العقدة اليهودية أو المنافق لها, لا يرفض قتل المدنيين الاسرائيليين فقط, بل يرفض أيضاً قتل العسكريين. هناك عمليات استهدفت العسكريين الاسرائيليين وسارعت كثير من الدول الغربية إلى إدانتها. عملية الباص في تل أبيب - صرفند أخيراً استهدفت محطة تجمع للعسكريين مع ذلك ادانتها أميركا وأطراف أوروبية. في عرف أميركا ان المستوطنات في الضفة الغربية وغزة غير مشروعة. ومع ذلك هناك إدانة لعمليات استهداف المستوطنين. وهذا يعني بالنتيجة أن المسموح للفلسطيني فقط, في نظر هذه الأطراف, هو أن يتوسل السلام والحرية عبر مفاوضات عقيمة وأن ينتظر جهداً دولياً لا جدوى منه ولو طال الأمر عقوداً وليس فقط سنوات. يريدون ان يراهن الفلسطيني دائماً على مشروع وراء مشروع وآخرها "خريطة الطريق", من دون أن يقدموا له أي ضمانة بإلزام اسرائيل بتنفيذ مثل هذه المشاريع.
< هل أفهم ان ليس لدى "حماس" أي مشكلة من الناحية الدينية ان يستهدف استشهادي منها مقهى ويُقتل فيه سائح؟
- هناك فرق بين الاستهداف ونتائج الفعل. هدف الاستشهادي المباشر ليس أن يقتل. هدفه ان يفقد العدو الصهيوني أمنه على سبيل المعاملة بالمثل. فكما أفقدني أنا الفلسطيني أمني ولم أعد آمن لا في الشارع ولا في المدرسة ولا في البيت, من حقي أن أفقده هذا الأمن. هدف الاستشهادي ضرب النظرية الأمنية الاسرائيلية, وأن يفهم ذلك المجتمع ان ثمة عقوبة لما يقوم به المحتل علّه يرتدع عن عدوانه وينهي احتلاله لأرضنا. لا يقصد الاستشهادي قتل طفل اسرائيلي أو امرأة أو شيخ ولكن هناك ضرورة تلجئ الاستشهادي الى الدفاع عن نفسه وشعبه وأن يعامل العدو بالمثل. اقتله كما يقتلني.
العمليات في العمق
< متى انتقلت العمليات الاستشهادية الى العمق الاسرائيلي أو أراضي 1948؟
- في بداية التسعينات حصلت عمليات عادية كانت تركز على الجنود والمستوطنين. أما العمليات الاستشهادية بصورتها الواسعة فقد بدأت في 1994 بعد مجزرة المسجد الإبراهيمي في الخليل. جاء الرد في العمق الإسرائيلي, كي نعكس المرارة الفلسطينية. تخيل مخيماً كمخيم جنين يستهدف بالحصار والاقتحام والقتل 11 يوماً وبإمرة شاؤول موفاز (يوم كان رئيساً للأركان). ماذا يمكن أن يكون الرد. تحضرني هنا حادثة ذات مغزى. ذهبت مجموعة من شبابنا, بينها ابراهيم ريان وعبدالله شعبان, لتنفيذ عملية في مستوطنة في قطاع غزة. حين لاحظوا وجود أطفال أخروا التنفيذ الى أن مر الأطفال. نحن في حسنا الإسلامي لا نستهدف الطفل, ولا نستهدف المرأة ولا الشيخ الكبير. نستهدف المقاتل أساساً. لو كان الاستشهادي يستطيع الوصول الى شارون وقادة الجيش لفعل ذلك. انه يرد على جرائم شارون وموفاز ويعالون (رئيس الأركان) من خلال استهداف أمنهم حتى تشعر القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية بفداحة ما ترتكبه بحق الشعب الفلسطيني وتجبر على وقف العدوان وانهاء الاحتلال. وهذا ما يدفع كل فلسطيني ومنذ نعومة أظفاره أن يعد نفسه ليكون فدائياً ومجاهداً واستشهادياً. من يريد أن تتوقف كل صور سفك الدماء في فلسطين نقول له أن المفتاح السحري ليس قهر الفلسطينيين لأن الفلسطيني لن يقهر, بإذن الله, وليس الحل جعل شعبنا يتلهى بعظام فارغة لا جدوى منها مثل مشاريع التسوية الفاشلة من أصلها. الحل السحري هو إخراج الاحتلال من الأرض. عندها تنتهي المقاومة التي فرض الاحتلال وجودها وليس هناك ثمن لانهاء المقاومة أقل من زوال الاحتلال.
(غداً حلقة خامسة)
bigera
04-22-2004, 12:59 AM
خالد مشعل: "حماس" حركة مؤسسية لا يهدد فعلها ودورها غياب جيل أو قائد...ولم تشهد انشقاقات التمويل يرتكز على سخاء الأفراد... ومحاولات المخابرات الاسرائيلية اختراق "القسام" جاءت سطحية (5)
سألت "الحياة" خالد مشعل, رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" عن الحصار المضروب حول الحركة سياسياً ومالياً. كما سألته عن مرحلة ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) 1991 والدعوات إلى الهدنة وثمن بعض العمليات الاستشهادية. وتناولت الأسئلة أيضاً مسألة القرار في "حماس" وما يمكن أن ينشأ في حال نجاح إسرائيل في استهداف من هم في موقع القرار اليوم. وهنا نص الحلقة الخامسة:
< هل تتفق مع الرأي القائل ان توقيع اتفاق أوسلو بما تضمنه ورافقه أقلق أطرافاً فلسطينية معارضة وساهم في اطلاق العمليات الاستشهادية؟
- لا أتفق مع هذا الرأي.
< ألا يمكن القول ان هذا الهجوم التفاوضي لإنهاء النزاع رد عليه المعارضون بطريقة غير عادية؟
- لا. لدي ملاحظات هنا. "حماس" لا تبحث لنفسها عن دور. في عرف صراع القوى والبحث عن أدوار هناك أطراف تلجأ الى قلب الطاولة إذا خشيت على دورها. نحن لا نبحث عن دور لنقلب الطاولة على اللاعبين الآخرين. هذا ليس منطلق "حماس" في أدائها السياسي أو العسكري. "حماسش تنطلق من رؤية محددة: هناك احتلال إذاً هناك حق مشروع في المقاومة. "حماس" لم تبدأ فعلها العسكري بعد ظهور مشروع سياسي ما. مقاومة "حماس" وعملياتها بدأت قبل مدريد وأسلو.
< هناك من يتهمكم بأنكم أخذتم الانتفاضة الثانية بعيداً؟
- أدى العدوان الاسرائيلي وتدنيسه المسجد الأقصى الى انطلاق الانتفاضة الثانية, واستدعى دفاع الفلسطينيين عن أنفسهم ومقدساتهم. وحملت حركة "حماس" مسؤولية عالية خلال هذه الفترة مع بقية القوى والفصائل. وقدمت "حماس" أكثر من مبادرة, لمراعاة الوضع الفلسطيني العام. وأعلنت في وقت من الاوقات وقف عملياتها الاستشهادية. وجاء رد فعل شارون على هذه المبادرة بالإمعان في القتل. وكان ذلك الشهر أكثر الشهور دموية, وبلغ عدد الشهداء 99 شهيداً عام 2001.
عندما بدأ الحوار الفلسطيني في نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي, أسفر عن مبادرة فلسطينية من "حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"شهداء الأقصى" ومعظم الفصائل الفلسطينية. اعتبر شارون أن الهدنة قرار فلسطيني لا يعنيه, واستمر في الاغتيال. المقاومة ليست هدفاً بل وسيلة لتحقيق هدف. ولو كانت هناك ضمانة لحصول الشعب الفلسطيني على حريته, وللتخلص من الاحتلال من دون المقاومة لبادر إلى الحصول عليها.
وفي ضوء تجربته الطويلة, يدرك الفلسطيني غياب هذه الضمانة. وتكمن نقطة افتراق "حماس" عن غيرها من الأطراف التي تريد تحول الهدنة الموقتة إلى هدنة دائمة, وذلك على رغم متابعة الجلاد الصهيوني جرائمه. والى أطراف فلسطينية, تطرح دول عربية الطرح نفسه. فبعض هذه الأطراف العربية والفلسطينية تريد المقاومة مرحلة في الطريق تعود بعدها الى محطة التسوية والتفاوض. أما الأطراف المعادية فهي لا تريد توقف العمليات وحسب, بل تريد فرض الهزيمة علينا. فشارون يسعى إلى فرض الهزيمة على الشعب الفلسطيني. وهو لا يطلب من الشعب الفلسطيني التوقف ليعطيه حقه بل يقول توقف ولا حق لك. شارون يريد الأمن والأرض ولا يريد إعطاء شيء في المقابل. ونحن نتعامل مع فترات التهدئة من باب مراعاة الموقف الفلسطيني والمراوحة في الوسائل ولمراعاة أوضاعنا. وليست التهدئة للتخلي عن برنامجنا. نحن نأخذ الوضع العام في الاعتبار فنحن جزء من الحالة الفلسطينية. ولكن للحالة الفلسطينية نقاط ضعفها أيضاً. وفي ظل عدم اعتراف العدو بحقوقنا وفي ظل عجز العالم عن انصافنا بتمكيننا من التخلص من الاحتلال لا يبقى لشعبنا سوى الاستمرار في المقاومة. في طريق أداء المقاومة نتحمل المسؤولية ونراعي الظرف العام.
"حماس" والسلطة
< إذا تقوضت سلطة ياسر عرفات لن تخسروا. فإذا تابعتم برنامجكم وتابعت إسرائيل ردود الفعل, وواصلتم عملياتكم الإستشهادية تحمل إسرائيل السلطة الفلسطينية المسؤولية وتقوض سلطة عرفات. في هذه الحالة تكون "حماس" نفذت برنامجها وأزاحت الطرف المنافس لها فلسطينياً.
- ليست السلطة وحدها من يتحمل العبء. ويلاحظ المرء أن إسرائيل تستهدف الجميع. وتدفع كل الاطراف الفلسطينية ثمناً. لا أحد يحصر تحمل التبعة بطرف واحد. فالسلطة كيان ظاهر للعيان وعلى الارض وبالتالي فإن استهدافها أمر أيسر من استهدافنا. اليوم إسرائيل تستهدف القائد السياسي في "حماس" كما تستهدف المجاهد, وهذا ينطبق على قادة وكوادر الفصائل الأخرى. فالجميع مستهدف ويدفع الثمن. حركة "حماس" لا تسعى إلى إقصاء أحد في الساحة الفلسطينية. وذلك على رغم رفضها السياق السياسي, قاعدة أوسلو, الذي أتى بالسلطة. ونحن لم ندخل في برامجنا استهداف السلطة أو إزاحتها. فالمعيار عندنا هو ما يقربنا من الحصول على حقوقنا الفلسطينية. نحن معنيون بالتعاون بين جميع مكونات الساحة الفلسطينية وباحتشادها في المعركة. على رغم اختلافنا السياسي مع السلطة رحبنا بالتعاون معها. فإبن "فتح" وابن "حماس" وابن السلطة وابن أي فصيل آخر هم في خندق واحد واختلطوا في المعركة وتوحدت بنادقهم ومعها السواعد الفلسطينية لمواجهة المحتل. والساحة الفلسطينية لا تقبل التفرّد, وهي لا تقبل إلا التعدد. ولا يسع أحد زعم انفراده بالنضال. القضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل وأكبر من "حماس" ومن "فتح" والسلطة. وهي قضية بحجم الأمة لأن المشروع الصهيوني عالمي متحالف مع المشروع الغربي المعادي لأمتنا. ولذلك علينا مواجهة هذين المشروعين بمشروع عربي اسلامي وانساني. والشعب الفلسطيني هو رأس حربة هذا المشروع.
الأداء تحكمه الخيارات
< بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001, هل ناقش قادة "حماس" خيار وقف العمليات الإستشهادية؟
- نعم, أخذت الحركة بعد 11 أيلول سياسة التهدئة والتوقف عن العمليات الإستشهادية لفترة مؤقتة من الزمن, أي في تلك المرحلة التي حاول فيها شارون خلط الاوراق وربط النضال الفلسطيني بالإرهاب. وجدنا ان التوقف مؤقتاً عن هذه العمليات هو لمصلحة الشعب الفلسطيني. فاقتضت هذه المرحلة التهدئة لتقليل خسائر الشعب الفلسطيني ولتفويت الفرصة على شارون بتبني عنوان الادارة الأميركية الاثير الذي تريد تمرير كل مخططاتها العدوانية من خلاله وتحقيق أطماعه.
< كم دام توقف العمليات؟
- لا أذكر الفترة. ثم ان الساحة الفلسطينية ساحة ديناميكية ومتحركة حيث لا يوجد لاعب واحد. فإن انتهجت خطوة ما وأمعن شارون في القتل وهدم المنازل لن تستطيع الوقوف مكتوف اليدين. فالسياسة التي ننتهجها متحركة وتستجيب للتطورات والأحداث. إذا صعّد العدو لا يملك المرء أمر التهدئة. فحتى الشعب يرفض رؤية الجرائم تمر من غير رد.
< حصلت في 19 آب عملية في القدس, هل كانت هذه العملية ضرورية في هذا الإطار السياسي الدولي؟
- تقصد العملية التي تلاها اغتيال الأخ القائد اسماعيل أبوشنب. ان عملية الشهيد رائد مسك حصلت بعد خمسين يوماً من مبادرتنا بتعليق العمليات لثلاثة شهور, وهي جاءت رداً على استمرار المجازر الإسرائيلية. فنحن قدمنا مبادرة مشتركة مع فصائل أخرى, وعض الشعب الفلسطيني على جراحه ورأى استمرار الجرائم الاسرائيلية. تصاعدت العمليات العدوانية واغتيل اثنان من كوادر الحركة في مخيم عسكر واغتيل الأخ محمد سدر, من قيادات "الجهاد" في الخليل. وذلك في حين لم تقدر الاطراف الدولية, التي تمنت علينا إطلاق مبادرتنا وأجرت معنا حوارات موسعة والتي كانت معنية في المساهمة في توفير جو ملائم, على لجم العنف الإسرائيلي. هذا الوضع لم تقبله كل الفصائل الفلسطينية.
< أسأل هل من الضروري القيام بعملية في القدس؟
- في الوضع الذي وصفته كان الرد ضرورة ميدانية لا تتحكم القيادة السياسية في تفاصيلها. هذا ظرف ميداني يتعلق بالمجاهدين أنفسهم, ومن حقهم الرد على جرائم العدو خاصة ان مبادرة الهدنة كانت مشروطة وخرقها العدو مراراً.
< إذاً, يستطيع الجناح العسكري تقرير القيام بعملية تودي بحياة خمسمئة شخص في القدس أو تل أبيب بمعزل عن إرادة القيادة السياسية؟
- كلا, النضال الفلسطيني سقفه معروف. فـ"حماس" وغيرها لا يملكون أسلحة دمار شامل أو فتاكة حتى تكون حقيبة استعمالها عند القيادة السياسية, كما هو الامر عند الرئيس الاميركي أو السوفياتي والروسي لاحقاً. فادوات الفعل الفلسطيني متواضعة. ولكن الأداء على الأرض تحكمه الفرص والظروف, فقد يقتل في بعض العمليات ثلاثة وفي غيرها عشرات.
< هل جرى نقاش حول جدوى عمليات في القدس؟ أقصد كتلك التي سبقت عملية اغتيال الشهيد أبو شنب؟
- ربما كان سقف العملية بتداعياته اللاحقة سبّب موجة من ردود الفعل. ولكن جاء في سياق رد الفعل الطبيعي على الجريمة الإسرائيلية التي عجز العالم عن وقفها في أثناء مبادرة تهدئة فلسطينية, وإن كان سقفه عالياً. نحن توقفنا وكان على دول العالم ردع المحتل وحثه على الافراج عن الأسرى. ولم تنفذ إسرائيل شروط الهدنة فلم تفرج سوى عمن انتهت مدة حكمه, ولم توقف العدوان والاغتيالات. ولذلك, من حقنا الدفاع عن أنفسنا.
الحصار
< هل تتحملون كقيادة مسؤولية ايصال "حماس" إلى حالة من الحصار في وقت أخذت فيه أميركا, وبمشاركة بعض الدول الأوروبية, اجراءات تدرج منظمة "حماس" أو جناحها العسكري في لائحة المنظمات الإرهابية وتنفذ اجراءات مالية؟ وهل فكرتم في احتمال وقوعكم في قراءة خاطئة لعالم ما بعد 11 أيلول؟ ألم يكن في وسعكم حصر العمليات بالمستوطنات؟
- سؤال منطقي وجوهري لكن لنا رؤيتنا وقراءتنا للأحداث. ما جرى لـ"حماس" من تشديد الحصار, واجراءات الملاحقة, وما ذكرته, لا تتحمل حركة "حماس" مسؤوليته. فما يحدث هو حال الظلم التي تصيب الشعب الفلسطيني بكل شرائحه بما فيها "حماس". أما الادارة الأميركية فموقفها منحاز في جميع الاحوال إلى إسرائيل. فتحريض هذه الادارة المنحازة وغير العادلة دول العالم على حركة "حماس", بعد وضعها على لائحة الإرهاب, موقف تقليدي وتلقائي لم ينجم عن دراسة متأنية. ورأى الجميع معارضة أميركا دول العالم المجتمعة, واستعمالها لحق الفيتو لمنع تنفيذ قرار شارون إبعاد ياسر عرفات. لا جديد في ما أقدمت عليه الادارة الأميركية فمن عادتها مخالفة كل القيم والأعراف الدولية. أما أوروبا, وإذا استثنيت بريطانيا وايطاليا واسبانيا, فهي على مسافة من الموقف الاميركي. وأجرى الاتحاد الأوروبي, بواسطة مبعوثيه, حوارات مطوَلة مع حركة "حماس". وفي الماضي أجرينا حوارات مع كثير من الدول الأوروبية. ولم تكن هذه الحوارات علنية, وحصل معظمها مع سفراء أوروبيين في عواصم المنطقة. وتمت بعض الحوارات في الداخل. كان الأوروبيون يفهمون ما تريد "حماس". يدرك الأوروبي أن أساس المشكلة هو وجود الاحتلال الذي إن انتهى تنتهي المقاومة. وكان الدور الأوروبي مرفوضاً إسرائيلياً. وعندما شاركت أوروبا في إنضاج الحوار الفلسطيني - الفلسطيني تطور إلى الهدنة. ارتاحت أوروبا لتحقيق هذه الخطوة. ولكن يوم كسر شارون الهدنة ضغطت أوروبا على الطرف الاضعف (الضحية), واستسهلت معاقبة "حماس" بدلاً من معاقبة من تسبب بالخرق وفشل التهدئة. وفي ظل هذا العالم الظالم وازدواجية المعايير, تمارس الاطراف ضغوطها على الضعفاء. نحن لا نندم على ما نفعله إلا في حال ثبت لاحقاً خطؤه. وفي المحطات الاخيرة نحن لم نخطئ. نحن نتفهم إن اعترفت أوروبا بحقنا في المقاومة, وتمنت علينا مراعاة شروط معينة. وينبغي أن تقابل التمنيات التي توجه لنا ضغوط على إسرائيل بوقف عدوانها وانهاء احتلالها. وقال سولانا في القاهرة ان تغيير القرار الصادر بحق "حماس" ممكن إذا تحولت إلى حركة سياسية. فهو حرم "حماس" وكل الفصائل الفلسطينية من حق المقاومة الطبيعي. ومع الاسف, يبدو أن العقل الأوروبي لا يتسع للقبول بحق "حماس" وغيرها في المقاومة المشروعة للتخلص من الاحتلال. وذلك على رغم من مقاومة الأوروبيين للنازيين.
< إذاً, أنت لا تعتبر "حماس" محاصرة؟
- يحاصر الاميركيون وبعض الأوروبيين وبعض الدول العربية حركة "حماس". الحكومة الاردنية استجابت للأميركيين ثم تراجعت, وكذلك استجابت الحكومة اللبنانية وتراجعت. إن الدول العربية تحاول امتصاص الضغوط الأميركية بإجراءات شكلية. وفي الحقيقة ليس لـ"حماس" حسابات مصرفية. ورغم كل ذلك فـ"حماس" تحظى بتأييد واسع فلسطينياً وعربياً واسلامياً.
"حماس" والمال
< وهل يعقل أن تحمل "حماس" كل هذه المسؤوليات وألا يكون لها حسابات مصرفية؟
- "حماس" لديها آليات معقدة في إدارة الجانب المالي وتأمين حاجات المعركة والصراع المحتدم. وعلى رغم حالة الدول العربية وانكفائها أمام الهجمة الأميركية الشرسة, لا تقتنع هذه الدول بالتصنيفات الأميركية والأوروبية, ولا تعتبر "حماس" وغيرها من الفصائل حركات إرهابية. و"حماس" ليست محاصرة عربياً أو فلسطينياً. الشعب الفلسطيني ليس محاصراً بل يعاني من اختلال ميزان القوى وصعوبة الصراع. لكن شارون يعاني مأزقاً حقيقياً لفشله في حسم المعركة. هو نجح في اغتيال بعض قيادات "حماس" ولكنه فشل في غيرها. لسنا الطرف المأزوم بل اسرائيل هي هذا الطرف. نحن منسجمون مع ذواتنا لأننا نمارس حقاً مشروعاً في الدفاع عن أرضنا وشعبنا.
ألم تؤثر الاجراءات والضغوطات عليكم؟ وكيف تتعامل دول الخليج مع هذه الضغوطات؟
- أثرت الاجراءات في الحقيقة على الشعب الفلسطيني لأن التضييقات طالت المؤسسات الخيرية التي كانت تقدم المساعدات له. وتراجعت بريطانيا عن تجميد حساب من حسابات خمس مؤسسات خيرية واردة على اللائحة لأن الادارة الاميركية لم تقدم أدلة على تهمة الارهاب. ونحن ندرك ان الاوروبيين في وضع حرج لأن هذه المؤسسات تمارس دوراً إنسانياً في خدمة الشعب الفلسطيني, وتخضع لقوانين البلد التي توجد فيه. وأغلقت السلطة ثلاث عشرة مؤسسة خيرية, وثار الناس عليها. وأتحدى كل دول العالم أن تثبت ان هذه المؤسسات تعطي دولاراً واحداً الى "حماس". فهذه المؤسسات تقدم المساعدات الى الأيتام, والارامل, وأصحاب البيوت المهدمة وعائلات الشهداء والأسرى.
مساعداتنا تبرعات شعبية
< إذاً, كيف تموَل "حماس"؟ وإن كانت الجمعيات الخيرية لا تساهم في تمويلها؟ وهل صحيح ما يقال عن مساعدات مقدمة الى "حماس" من قبل دول معينة؟
- إن كثيراً من الدول العربية والاسلامية في ظل الانتفاضة الاخيرة قدمت دعماً مشكوراً الى الشعب الفلسطيني وليس الى "حماس". وتحاول الادارة الاميركية وقف هذا الدعم الذي يمول أعمالاً خيرية. أما حركة "حماس" فتتلقى المساعدات من التبرعات الشعبية فقط. وقد يستغرب البعض أن منظمة لها حجم "حماس" وفعلها العسكري الكبير تمارس دورها من خلال الدعم الفردي لها. فزمن حصول المناضلين الفلسطينيين على أموال من دول عربية ولَى. فنحن دخلنا الزمن الأصعب. ولكن نحن نحظى بدعم شعبي, وأهل الخير في الأمة العربية والاسلامية كثر ولله الحمد.
< ألا تصلكم هذه التبرعات بواسطة الجمعيات الخيرية؟
- قطعاً لا, انما تصلنا بشكل فردي. فأنصارنا واتباعنا منتشرون في العالم. نحن نبحث عن متبرعين, وقد يبحث عنا المتبرعون في حالات كثيرة. فضمير العربي أو المسلم, ضميره الديني والأخوي والانساني, يتحرك عندما يرى ما حصل في جنين ورفح وغيرهما, وجرائم الاغتيالات وهدم البيوت, ويمارس دوراً في مساندة الانتفاضة, كما يفعل الفلسطينيون أنفسهم في دعم أشقائهم في الأراضي المحتلة. ومما يساعدنا في ذلك انه ليس عند "حماس" فساد. فعندما يأتيها المال, وإن كان محدوداً, يودع في أيد أمينة تضبط الصرف وتحفظه.
نظم تضبط الفساد
< ليس عندكم فساد, ألم يحصل أن أزحتم شخصاً بسبب تورطه مالياً؟
- أبداً, ليس عندنا فساد. فالانضباط العام في الحركة ينجم عن الوازع الديني وعن تقديرنا للمتبرع الذي اقتطع أمواله عن أولاده وأهله وزوجته. ومع ذلك فنحن لا نترك الأمر لضمير كل شخص بل لدينا نظم تضبط هذه الأمور. وهناك بركة في المال, وإن كان محدوداً.
< من المعروف أن شعوب الخليج قدمت المساهمة الأكبر في دعم الشعب الفلسطيني, وبينها المساهمة السعودية على سبيل المثال؟
- إن المساهمة العربية والإسلامية كبيرة ومقدرة ومشكورة. وعبر التاريخ, إن شعب المملكة العربية السعودية من أكثر الدول العربية دعماً لشعبنا. والقيادة السعودية هي التي دعت الى تشكيل صندوقي الانتفاضة والقدس في القمة العربية الطارئة وتحملت العبء الأكبر فيهما. دون أن ننسى دور الدول العربية والاسلامية الأخرى سواء على المستوى الرسمي أم الشعبي في دعم شعبنا الفلسطيني.
< هل قدم نظام صدام حسين مساعدات إلى عائلات شهداء "حماس"؟
- قدم المساعدات إلى أسر الشهداء من جميع الفصائل من دون تمييز وبشكل معلن كما هو معروف.
< ما صحة الأقاويل التي تذهب الى أن مؤسسة الشهيد الإيراني تقدم الى "حماس", ثلاثة ملايين دولار سنوياً؟
- لا ليس عندي معلومات عن الرقم لكن من المعروف أن مؤسسة الشهيد الايرانية تقدم مساعدات لأسر الشهداء في فلسطين المحتلة.
نجاة الشيخ ياسين
< كيف نجا الشيخ أحمد ياسين في المرة الأخيرة التي استهدف فيها؟
- كان الشيخ أحمد ياسين يشهد مناسبة اجتماعية في بيت أحد إخوانه, وهو أستاذ في الجامعة. ويبدو ان العدو الصهيوني رصد هذه الزيارة. وظن ان الشيخ في الطابق العلوي من البناية المؤلفة من ثلاث طبقات, واستهدف هذا الطابق بقنبلة تزن ربع طن. ولم يكن الشيخ ياسين في الطابق المستهدف بل في الطابق الاسفل. ولذلك نجا مع الاخ هنية وغالبية الموجودين بفضل الله. وأصيب البعض بجروح. وتاهت الحسابات الاسرائيلية هذه المرة بفضل الله.
ملف الخلافة
< لو استشهد الشيخ أحمد ياسين, لا سمح الله, هل كان ملف الخلافة ليفتح. وهل كانت "حماس" ستواجه خطر التفكك. وهل هالة الشيخ ياسين من ضمانات وحدة "حماس" أم لديكم من المؤسسات ما يكفي؟
- نتمنى للشيخ السلامة والصحة ولإخوانه. ورغم مكانته الكبيرة داخل الحركة وعلى المستوى العام وتاريخه الحافل بالعطاء وقدراته المتميزة, إلا أن ذلك لا يعني أن غياب الشيخ أحمد ياسين, لا سمح الله, سيسبب خلافاً على خلافته أو انقساماً في الحركة. فأهم ما في "حماس" أنها حركة مؤسسية. لقد ظل الشيخ أحمد ياسين معتقلاً في الوقت الممتد بين عامي 1989 و1997 ومع ذلك بقيت الحركة مستمرة وقوية. وهناك قيادات كثيرة في الحركة اما غيبت بالاستشهاد أو بالاعتقال ومع ذلك ظلت الحركة مستمرة وصاعدة. لقد غاب عنا قادة كبار في غزة أبرزهم الشهداء صلاح شحاده وابراهيم مقادمة واسماعيل أبو شنب, كما غاب قادة كبار في الضفة أبرزهم الشهداء جمال سليم وجمال منصور ويوسف الركبي وصلاح دروزه ومع ذلك ظلت الحركة في عنفوانها. كما ان عدداً كبيراً من القيادات العسكرية في الضفة والقطاع استشهد ولم يؤثر ذلك على أداء وتطور الجناح العسكري وخابت آمال العدو الذي ظن أنه سيقضي على المقاومة من خلال اغتيال قياداتها. بل ان معظم قيادات "حماس" السياسية في الضفة معتقل في سجون العدو كالشيخ حسن يوسف وعبدالخالق النتشه وجمال الطويل ومحمد جمال النتشه وعباس السيد وجمال أبو الهيجا وخالد الحاج ووجيه قواس وغسان هرماس وتيسير عمران وغيرهم. ان الحركة حين تقوم على المؤسسية فانها تكون قادرة على تعويض غياب عدد من قادتها. والغياب قد يؤثر على الحركة ولكنه لن يضعفها بل سيحفزها على التحدي.
< قيل بين تشدد الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي واعتدال اسماعيل أبو شنب تلتقي هذه الآراء عند الشيخ ياسين الذي ضمن الوحدة, هل صحيح الدور الذي ينسب الى الشيخ ياسين؟
- لا شك ان دور الشيخ أحمد ياسين متميز ومستوعب وهو أب للجميع. أما الحديث عن تشدد فلان أو مرونة فلان فثمة من يراها تيارات بينما نحن نراها بمعنى التنوع الطبيعي للحياة. في مجتمع الرسول, خير المجتمعات, عرف المسلمون شدة سيدنا عمر وليونة سيدنا أبي بكر. وكلاهما كان يعمل في مجتمع الصحابة. فكل انسان له صفات تميزه عن غيره. ويستوعب الفقه الاسلامي شدائد عبدالله بن عمر الذي يميل في الفتاوى الى التشدد والتقيد بما هو أولى, ورخص ابن عباس الذي يميل الى التيسير. المهم ان الجميع يعمل وفق برنامج الحركة وسياساتها ولخدمة شعبه وقضيته وكل له دوره وفضله.
< من هو صاحب الكلمة الأخيرة في "حماس"؟
- إن صاحب الكلمة الأخيرة هو المؤسسة والقرار لدينا كما سبق ذكره يدار بطريقة معقدة تبعاً للظروف المعقدة التي نعيشها وتعيشها قضيتنا.
< بعدما تابع شارون سياسة الاجتياحات والاغتيالات هل ظهرت أصوات في "حماس" تنادي بنقل المعركة الى الخارج, كما كانت الهجمات الفلسطينية تحصل في السبعينات؟
- طرح موضوع البحث عن خيارات أخرى في أوساط الحركة عندما ضاقت الأمور واشتدت, وخاصة عندما نقل العدو المعركة الى الخارج باعتقال الدكتور موسى أبو مرزوق في أميركا لحسابه ثم بمحاولة اغتيالي في عمان. ولكن الحركة, بتفكيرها الطبيعي والتلقائي, حسمت أمرها في حصر المعركة داخل الأراضي الفلسطينية. ولم يصدر هذا الحصر عن خوف أو عجز بل عن قناعة وعن تجارب الفلسطينيين السابقة.
التنوع والآراء
< ألا يخلق الوجود في الخارج تباعداً في الرؤية مع الداخل, بينك وبين الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي على سبيل المثال,؟ طريقة مختلفة في فهم الأمور؟
- يساهم عاملان في تنوع القناعات وتعددها, البيئة الجغرافية وما يكتنفها من ظروف سياسية وأمنية واحتكاكات بالمحيط وهذا عامل معروف تأثيره حتى في الفقه الاسلامي الذي تتغير اجتهاداته من مكان الى آخر ومن زمان الى آخر. والعامل الثاني هو الاختلاف بين طبائع الأشخاص حتى بين الموجودين في مكان واحد. ونحن لا نكون بشراً إن كان بعضنا نسخاً متطابقة عن بعضنا الآخر. إن خيارنا هو القبول بهذا التنوع وتوظيفه لصالح الفكرة ولصالح الحقيقة. المهم ان ذلك يتم وفق قاعدتين: الأولى هي الحرص على الهدف المشترك والصالح العام بعيداً عن الأهواء والمصالح الشخصية. والثانية هي التزام المؤسسة والروح الجماعية في إدارة القرار وانضاج الموقف وهو ما نحرص على التزامه في حركة "حماس". اما التفاوت والتعدد في الآراء والأساليب لدى قيادات الحركة فأمر طبيعي.
< لم تسجل حالات انشقاق في "حماس" أو خروج عليها؟
- حصلت حالات خروج فردية ومحدودة. فخرج البعض من الحركة وأصيب البعض بالضعف فتركوا الحركة. ونحن استبعدنا أشخاصاً لمخالفتهم القرارات. ولكن لم تحصل انشقاقات أبداً بفضل الله.
< هل نجحت المخابرات الاسرائيلية في اختراق "حماس"؟ وهل نجحت في اختراق "القسام"؟
- نعم حققت المخابرات الصهيونية خروقات سطحية بعيدة عن عمق الحركة. وذلك على مستوى بعض العناصر المبتدئة سواء في الحركة أو في "القسام", وهذا أمر طبيعي في ظل صراع أمني هائل وشرس بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية وفي ظل ما يملكه العدو من امكانات الرصد والملاحقة ووسائل الضغط والتهديد والخداع. وكذلك في ظل الحجم الكبير لحركة "حماس" وانتشارها الواسع في الداخل الفلسطيني. ولكن سرعان ما ينكشف أمر المندسين في حركة لها ضوابط أخلاقية من الصعب أن يتقيد بها من ليس مقتنعاً بها
bigera
04-22-2004, 03:06 PM
خالد مشعل: "حماس" ليست تابعة لدولة أو محور وسياستها تحددها حساباتها الفلسطينية زوال اسرائيل حقيقة تاريخية... واعتبارات حالت دون نجاح مشروع الاندماج مع "الجهاد" (6)
حاوره غسان شربل 2003/12/9
.
سألت "الحياة" خالد مشعل, رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس", عن العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية والموقف من الرئيس ياسر عرفات. كما سألته عن الموقف من وجود اسرائيل وصراع الحضارات والحصار المضروب حول "حماس" والذي يجعل حركته تقتصر على حفنة من البلدان. وهنا نص الحلقة السادسة:
< ما هي المحطات البارزة في العلاقات الفلسطينية - الفلسطينية, وما حالها اليوم؟
- مع بداية الانتفاضة الاولى, بدأت علاقات "حماس" الفلسطينية. وساد هذه العلاقات توتر نجم عن الواقع الفلسطيني القديم. فالفصائل التاريخية مثل "فتح" لم تتعامل بسلاسة مع "حماس" الجديدة. وتراوحت المواقف بين التجاهل التام لـ"حماس" ومحاولة احتوائها مروراً بالتشكيك والضغط ومحاولات الاقصاء. وترافقت هذه المواقف مع احتكاكات ميدانية. وفرضت الحركة, بفضل الله وتضحياتها وادائها الجهادي المتطور, وجودها. ونشأت علاقات تعاون ميداني مع بعض الفصائل. وواجهنا فجوات في العلاقة مع بعض الفصائل, ولكننا نجحنا في تجاوز هذه المرحلة. وجرى أول حوار رسمي لنا مع "فتح" في اليمن عام 1990, كما أسلفنا, وكذلك تواصلنا مع "الجهاد الإسلامي" و"الجبهة الشعبية" و"القيادة العامة" و"الصاعقة" و"الجبهة الديموقراطية". ونحن نعتبر الموقف الفصائلي المعارض لمدريد في العام 1991 من المحطات البارزة في تاريخ هذه العلاقات. وقد شاركنا في تأسيس ما عرف بـ"تجمع الفصائل العشرة" الرافضة لهذه الاتفاقية. وبعد ثلاث سنوات, أي عام 1994, تطورت صيغة التجمع إلى صيغة "تحالف القوى الفلسطينية". توافقنا على رفض أوسلو, وعلى الاستمرار في المقاومة. وعلى أثر اتفاق واي بلانتيشن في العام 1998, عقدت ثلاثة مؤتمرات فلسطينية في غزة ورام الله ودمشق. وجمعت المؤتمرات فصائل معارضة, ومستقلين, وبعض الرموز الفتحاوية التي كان لها اعتراض على الاتفاقية. وعكست هذه المؤتمرات اتساع القاعدة الشعبية والفصائلية في الداخل والخارج الرافضة لنهج التسوية والتفريط, خصوصاً مع الفشل المتلاحق لمسيرة التسوية ووصولها إلى طريق مسدود.
وعلى رغم قوة الموقف السياسي لقوى المعارضة, لا سيما في ظل انكشاف حقيقة الموقف الصهيوني ونزوعه نحو اليمين والمزيد من التطرف, إلا أن قوى المعارضة لم تتمكن من تطوير حالتها التنظيمية إلى صيغة قيادية فاعلة تسمح لها بالتأثير في القرار الفلسطيني وتصحيح مساره ووجهته, إلى أن شهدنا المحطة الايجابية في العلاقات الفلسطينية والتي نشأت مع انتفاضة الأقصى. حيث شكلت في الداخل "لجنة التنسيق العليا" التي ضمت ثلاثة عشر فصيلاً (من مختلف قوى شعبنا الوطنية الإسلامية) والتي نجحت بصورة ملحوظة في التنسيق الميداني لفعاليات الانتفاضة في مواجهة الاحتلال الصهيوني.
رمضان شلّح وخالد مشعل.
لكن لم تتمكن هذه القوى من الاتفاق على برنامج سياسي مشترك, على رغم تواصل الحوار في الداخل والخارج, وتكرار المحاولات في غزة والضفة والقاهرة, وآخرها الحوار الذي انتهى هذا الشهر.
تأثير سورية وإيران
< لماذا اعتبرت الفصائل العشرة جزءاً من البرنامج السوري المخالف لبرنامج عرفات؟
- قد يكون السبب جغرافياً. فهذه الفصائل موجودة منذ زمن بعيد في دمشق. كذلك, قد يكون لهذا الاعتبار خلفية تاريخية متعلقة بجذور الخلافات في الساحة الفلسطينية. لكن الحقيقة أن قرارنا في إطار المعارضة والمقاومة قرار فلسطيني مستقل منطلق من المصالح والضرورات الفلسطينية. فاتفاق أوسلو كان مشروعاً خلافياً, ونشب عنه انقسام عميق في الداخل والخارج.
< إلى أي مدى تؤثر سورية أو ايران في قرار "حماس"؟
- قرار "حماس" نابع من الواقع الفلسطيني وليس تابعاً لأحد, وهذه حقيقة معروفة للجميع بشهادة الواقع والممارسة. ولكن "حماس" - باعتبارها جزءاً أصيلاً من أمتها - تراعي في موقفها مجمل الأوضاع العربية والإسلامية بعيداً عن التبعية والالحاق من ناحية, وعن الصراع والتوتير من ناحية أخرى. وقد نجحت "حماس" في تكريس معادلة متوازنة في علاقاتها العربية والإسلامية. وتؤكد سيرة "حماس" ذلك, وقدرتها على إقامة علاقات مع الدول العربية على اختلاف مواقفها, والاجتهاد في جعل قضية فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني عامل اجتماع وتوحيد للأمة.
< هل يعتبر جزء من برنامج "حماس" سورياً ـ ايرانياً, أو سورياً؟
- بالتأكيد لا. وعلاقتنا الجيدة مع سورية وإيران لا تعني أننا جزء من برنامجهما, ولكن هذه العلاقة جزء من تعزيز العمق العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية.
< وإن كانت مصالح مشتركة تجمع بين "حماس" وهاتين الدولتين لإحباط تصور للسلام, ولإسقاط حكومة شمعون بيريز, هل تكلف "حماس" بذلك؟
- قطعاً لا. "حماس" لم تسر أبداً في مثل هذا المسار. ولا تقبل لنفسها ما تفترضه. وتنطلق "حماس" في مواقفها من اعتبارات فلسطينية محضة, وتنبع سياساتها من مصالح شعبنا وحقوقه.
< ألا تدفعون ثمن تأمين ملاذ آمن لكم؟
- كلا, لا ندفع مقابل هذا الملاذ. ولو دفعنا هذا الثمن لكانت مواقفنا غير التي تراها. وجودنا في هذا البلد العربي أو ذاك جزء من حقنا على أمتنا, كما أنه يمثل جزءاً من حال الشتات الفلسطيني.
نرفض اتهام "أبو مازن"
< لماذا اتصلت بأبو مازن عند استقالته, وكم هو حجم دوركم في اسقاط حكومته؟
- نحن نتواصل مع مختلف الشخصيات الفلسطينية, وقيادات السلطة. التقينا أبو مازن في القاهرة, وتحاورنا معه, وتوج حوارنا بمبادرة تعليق العمليات العسكرية. واتخذنا سياسة الحياد في الخلاف المحتدم داخل السلطة الفلسطينية, وعدم الانحياز الى طرف دون الآخر. وكنا ندعو أبو عمار وأبو مازن الى تجاوز هذه الخلافات. وعندما اطلعنا على تفاصيل هذا الخلاف بعد استقالة أبو مازن, رأينا أن مثل هذه الامور لا تليق بعلاقاتنا الفلسطينية. وانطلاقاً من قيم "حماس", بادرت الى الاتصال به, وقلت له انه على رغم اختلافنا السياسي, نحن لا نقبل اتهامك بالخيانة والعمالة.
< إذاً, أنتم لا تتهمونه بالخيانة والتخريب, بل تعتبرون ما فعله اجتهاداً؟
- نعم نحن لا نخوّنه. نحن نعيب على محمود عباس نهجه السياسي, ولكننا لا نتهمه بالعمالة. ففي الساحة الفلسطينية, من حقنا الاختلاف, ومن حقنا تخطئة البرامج الاخرى, ويبقى الشعب هو الحكم
< هل جاء أبو مازن من "الإخوان المسلمين"؟
- كلا, كان صديقاً لبعض رموزهم.
"أبو علاء"
< ما الذي في وسع أبو علاء فعله ولم يكن في وسع أبو مازن؟
- ان السلطة الفلسطينية, وبصرف النظر عمن يديرها, في مأزق. ويكمن المأزق في تسوية أوسلو التي لا فرصة لها في النجاح. ان الاحتلال الاسرائيلي ليس لديه سوى فرض الهزيمة بالقوة على الشعب الفلسطيني, وبالسحق الامني والعسكري. وفي الماضي, لم يكن الموقف الاميركي منحازاً الى اسرائيل كما هو اليوم. والطرف الاوروبي عاجز عن التأثير في الموقف الاسرائيلي. لا أعتقد أن الآفاق مشرّعة أمام أبو علاء أو غيره. ويكمن سبيل الخروج من هذا المأزق في تغيير قواعد اللعبة. ولا تقوم قواعد اللعبة على الالتزام بـ"خريطة الطريق", وإنما تقوم على العودة الى أسس الصراع العربي ـ الصهيوني, والتمسك بالحقوق الفلسطينية, وتوحيد صفوف الفلسطينيين لمواصلة المقاومة حتى انهاء الاحتلال.
< إذاً تريدون سلوك نهج الحرب المفتوحة.
- لا نريد حرباً مفتوحة. فهذا المصطلح يعني اننا متكافآن مع اسرائيل, وأننا سندير الحرب من دون عقل سياسي. نحن ندعو الى ممارسة مقاومة مشروعة, وإلى عقل سياسي لإدارة الصراع. ونحن نتعظ من التجارب السابقة. فانتفاضة الاقصى العظيمة حققت انجازات عظيمة. أثبتنا قدرتنا على استنزاف العدو, وعلى إجباره على التراجع. ولكننا نحتاج الى مساندة فلسطينية, وعربية, وإقليمية لتعزيز منجزات الانتفاضة والمقاومة حتى نصل إلى الهدف الحقيقي وهو زوال الاحتلال.
شعبية عرفات
< الى أي حد أزعجكم اظهار الرئيس ياسر عرفات شعبيته في الساحة الفلسطينية؟
- نحن لا ننزعج من المكتسبات الشعبية التي يحصل عليها أبو عمار أو غيره. فالساحة الفلسطينية تتسع للجميع. ويحق لجميع الفصائل الفلسطينية تحقيق المكاسب, كما حققت "حماس" مكاسب شعبية كبيرة بخاصة في الأسابيع الأخيرة عندما استهدفت الاغتيالات رموزها. لكن الشعبية الحقيقية لأي قائد أو حركة تكون بعرض المواقف وبرامج العمل أمام الاختبار الشعبي, وبترك الاستقواء بأطراف خارجية.