TruthSeeker
03-15-2004, 01:40 AM
بروتوكولات حكماء صهيون............مزيفة !!!
كلمة "بروتوكول" كلمة إنجليزية تعني" اتفاقية" ، وبروتوكولات حكماء صهيون وثيقة يقال أنها كتبت عام 1897م في بازل بسويسرا أي في نفس العام الذي عقد فيه المؤتمر الصهيوني الأول . بل ويزعم البعض أن تيودور هرتزل تلاها على المؤتمر ، وأنها نوقشت فيه ، بل وتذهب بعض الآراء إلى التأكيد على أن المؤتمرات الصهيونية المختلفة إن هي إلا مؤتمرات حكماء صهيون هذه ، وأن الهدف من المؤتمر السري الأساسي الأول الذي ضم حاخامات اليهود هو وضع خطة محكمة ( بالتعاون مع الماسونيين الأحرار والليبراليين والعلمانيين المتحدين ) لإقامة إمبراطورية عالمية تخضع لسلطان اليهود وتديرها حكومة عالمية يكون مقرها القدس . وتقع البروتوكولات البالغ عددها أربعاً وعشرين بروتوكولاً في نحو مائة وعشر صفحات ونشرت أول ما نشرت عام 1905م ملحقاً لكتاب من تأليف سيرجي نيلوس وهو مواطن روسي ادعى أنه تسلم المخطوطة عام 1901م من صديق له حصل عليها من امرأة ( مدام ك) ادعت أنها سرقتها من أحد أقطاب الماسونية في فرنسا .
لكن نيلوس نفسه اخبر أحد النبلاء الروس بأن هذه المرأة أخذتها من رئيس البوليس السري الروسي في فرنسا ، وان الأخير هو الذي سرقها من أرشيف المحفل الماسوني . وقد كانت لنيلوس اهتمامات صوفية متطرفة ، كما كان غارقاً في الدراسات الخاصة بالدلالات الصوفية للأشكال الهندسية .
وقد لاقت البروتوكولات رواجاً كبيراً بعد نشوب الثورة البلشفية التي أسماها البعض آنذاك " الثورة اليهودية "
إذ عزا الكثيرون الانتفاضات الاجتماعية التي اجتاحت الكثير من البلدان الأوروبية إلى اليهود .
وانتقلت البروتوكولات إلى غرب أوروبا عام 1919م حيث حملها بعض المهاجرين الروس . وبلغت البروتوكولات قمة رواجها في الفترة الواقعة بين الحربين ، حينما حاول الكثير من الألمان تبرير هزيمتهم بأنها طعنة من الخلف قام بها اليهود المشتركون في المؤامرة اليهودية الكبرى أو العالمية . وقد أصبحت البروتوكولات من أكثر الكتب رواجاً في العالم الغربي بعد الإنجيل ، وترجمت إلى معظم لغات العالم بما في ذلك العربية حيث ظهرت عدة طبعات منها . وحازت البروتوكولات اهتمام المشتغلين بالتأليف والإعلام حيث أشاروا إليها باستحسان كبير ، وكأنها وثيقة ذات شأن كبير . ولحسن الحظ ، لا يوجد مركز دراسات عربي واجد أعارها أي اهتمام ، ولا يتم نشرها إلا من خلال دور نشر تجارية .
والرأي السائد الآن في الأوساط العلمية التي قامت بدراسة البروتوكولات دراسة علمية متعمقة هو أن البروتوكولات وثيقة مزورة ، استفاد كاتبها من كتيب فرنسي كتبه صحفي يدعى موريس جولي يسخر فيه من نابليون الثالث بعنوان حوار في الجحيم بين ماكيافللي ومونتيسكو ، أو السياسة في القرن التاسع عشر ، نشر في بر وكسل عام 1864 م ، فتحول الحوار إلى مؤتمر ، وتحول الفيلسوف إلى حكماء صهيون . وقد اكتشفت أوجه الشبه بين الكتيب والبروتوكولات حيث تضمنت الأخيرة اقتباسات حرفية من الكتيب المذكور ، وأحياناً تعبيرات مجازية وصوراً منه . والرأي السائد الآن أن نشر البروتوكولات وإشاعتها إنما كان يتم بإيعاز من الشرطة السياسية الروسية للنيل من الحركات الثورية والليبرالية ومن أجل زيادة التفاف الشعب حول القيصر والأرستقراطية والكنيسة بتخويفهم من المؤامرة اليهودية الخفية العالمية 0
وقد قمنا بدراسة سريعة لعناصر خطاب البروتوكولات ( الأسلوب والمفردات والصور ...الخ) ، فوجدنا أن هناك من الدلائل ما يدعم وجهة النظر القائلة أنها وثيقة مزيفة :
1- يلاحظ أن البروتوكولات وثيقة روسية بالدرجة الأولى والأخيرة
(أ) فكاتب الوثيقة لا يعرف شيئاً عن المصطلح الديني اليهودي ولا يستخدم أية كلمات عبرية أو يديشية . وهناك إشارتان للإله الهندي فنو ، وإشارة واحدة لأسرة داو ود وبطبيعة الحال يمكن إثارة القضية التالية : إذا كانت البروتوكولات وثيقة سرية ، فلماذا لم يكتبها حاخامات اليهود بالعبرية أو الآرامية أو اليديشية ليضمنوا عدم تسربها ؟ ومما يجدر بالذكر أن كثيراً من يهود روسيا آنذاك كانوا يتحدثون اليديشية ولا يعرفون الروسية . وكان حزب البوند ، أكبر الأحزاب العمالية في أوروبا ، يدافع عن حقوق العمال من أعضاء الجماعة اليهودية ويطالب بالاعتراف باليديشية باعتبارها لغتهم القومية (باعتبارهم أحد شعوب " الإمبراطورية" الروسية )0
(ب) المواضيع الأساسية المتواترة في البروتوكولات مواضيع روسية ، فهناك دفاع عن الاستبداد المطلق وعما سمى " أرستقراطية الطبيعية الوراثية " ن وهجوم شرس على الليبرالية والاشتراكية ، وهو ما يبين أن اهتمامات الكاتب روسية تماما وتعكس رؤية الطبقة الحاكمة الروسية في السنين الأخيرة من حكم النظام القيصري 0
(ت) هناك هجوم على الكنيسة الكاثوليكية واليسوعية ، وهو ما يدل على التربة المسيحية الأرثوذكسية السلافية التي كانت تناصب الكاثوليكية العداء .
(ث) ثمة هجوم شرس على الماسونية ، التي كانت آنذاك جزءاً لا يتجزأ من الحركة الليبرالية والثورية الروسية .
(ج) هناك هجوم شديد على " دزرائيلي " الذي كان شخصية مكروهة تماماً من النخبة الحاكمة في روسيا لأنه كان يساند الدولة العثمانية حتى تظل حاجزاً منعاً ضد توسع الإمبراطورية الروسية
2- كما أن نبرة البروتوكولات ساذجة للغاية ، فمن الواضح أن كاتبها الذي زيفها ، لا يجيد التزييف ، فقد حاول أن يبين الخطر العالمي لليهود . وحتى يعطي وثيقته درجة من المصداقية ، جعل حكماء صهيون ( لا أحد سواهم ) يتحدثون عن الخطر اليهودي ، حتى يبدو الأمر كله وكأنه" شهد شاهد من أهلها " ، غير أنه لم يكن على درجة كبيرة من الذكاء في عملية تزييفه هذه :
( أ ) ففي الصفحة الأولى من البروتوكول ينطق حكيم صهيون الأول بالكلمات التالية ( يجب أن يلاحظ أن ذوي الطبائع الفاسدة من الناس أكثر عددا من ذوي الطبائع النبيلة ) . وهذه ملحوظة تبين الشر المتأصل في صاحبها . ولكن السؤال البديهي الذي يطرح نفسه هو : لماذا يصر كبير حكماء صهيون على نقل هذه الآراء لحكماء صهيون ؟ أليس كل الحاضرين من الأشرار الذين لا توجد شبهة في شرهم ؟ ونفس السذاجة تتبدى في الملاحظة التي ترد بعد عدة صفحات حيث يقول كبير الحكماء : (( إن الغاية تبرر الوسيلة ، وعلينا ( ونحن نضع خططنا ) ألا نلتفت إلى ما هو خير وأخلاقي بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضروري ومفيد ! )) ومرة أخرى لماذا يكلف كبير الحكماء نفسه بتذكير الحاضرين من الحاخامات بمثل هذه البديهيات المتداولة بين الأشرار في كل زمان ومكان ؟ أم أنه لاحظ بعض علامات الخير فأراد أن يحذرهم منها ؟
(ب) يحاول واضع البروتوكولات أن يضخم اليهود وقوتهم ليخيف الناس منهم فيجعلهم ينسبون إلى أنفسهم في البروتوكول الثاني كل شر فيقول : (( نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل )) . ولكنه ينسى نفسه بعد قليل وتتبدل النبرة إذ يبدأ اليهود في توجيه الاتهامات لأنفسهم في نفس البروتوكول الثاني : (( من خلال الصحافة اكتسبنا نقودنا ، وبقينا نحن وراء الستار ، وبفضل الصحافة كدسنا الذهب ، ولو أن ذلك سبب أنهارا من الدم )) ، وهذا في الواقع عريضة اتهام موجهة للذات ، فلماذا يكلف كبير الحكماء خاطره ليقدمها لبقية أعضاء المجتمع الذين يعرفون ذلك مسبقاً ؟ ولماذا يصر على أن يخبرهم في البروتوكول الثالث أن (( أسرار تنظيم الثورة الفرنسية معروفة لنا جيداً لأنها من صنع أيدينا ، ونحن من ذلك الحين نقود الأمم من فشل على فشل ، حتى أنهم سوف يتبرأون منا )) . فمن يمكن أن يصف حركته بأنها حركة لقيادة الأمم من(( فشل إلى فشل )) ، ويصر على أن هذه الحركة ستودي بهم ؟ ثم يضيف في البروتوكول التاسع : (( إن لنا طموحاً لا يحد ، وشرهاً لا يشبع ، ونقمة لا ترحم ، وبغضاء لا تحس . إننا مصدر إرهاب بعيد المدى . وإننا نسخر في خدمتنا أناساً من جميع المذاهب والأحزاب )) . ثم يتطوع بالتأكيد على ما يلي : (( لقد خدعنا الجيل الناشئ من الأممين ، وجعلناه فاسداً متعفناً بما علمناه من مبادئ )) . ومن الواضح أنه لم يبق من التزييف سوى صيغة المتكلم الجمع ، أما الباقي فهي اتهامات موجهة بالتآمر لليهود ، ينسبها كاتبها لهم حتى تبدو كما لو كانت صادقة .
ويمكننا الآن أن نعرض الأفكار الأساسية في البروتوكولات التي تؤكد على أن السياسة لا تخضع للأخلاق ، وأن اليهود سينفذون مخططهم الإرهابي عن طريق الغش والخداع . فعلى مستوى المجتمع ، سيقومون بتقويض دعائم الأسرة وصلات القرابة ، وبإشاعة الإباحية ، واستغلال الحريات العامة ، وتخريب المؤسسات المسيحية ، وإفساد أخلاق العالم المسيحي الأوروبي ، أما على مستوى الدولة ، فإنهم سيسعون إلى تقويض كيان الدول عن طريق الإيقاع بينها بحيث تندلع الحروب ، على ألا تؤدي هذه الحروب إلى تعديلات في حدود الدول أو إلى مكاسب إقليمية ، ليتمكن رأس المال فقط من الخروج بالغنائم .
وينبغي التركيز على المنافسة في المجتمع ، وعلى تصعيد الصراع الطبقي ، ليجري الجميع نحو الذهب الذي لابد ان اليهود سيحتكرونه ، وتصاب المؤسسات الدينية والسياسية بالإهتراء ويسود رأس المال كل شيء .
وتهتم البروتوكولات في المراحل الأولى من المخطط بأن يسيطر اليهود على الصحافة وعلى دور النشر وعلى سائر وسائل الإعلام ، حتى لا يتسرب إلى الرأي العام العالمي إلا ما يريدونه ، كما أنها ترى ضرورة أن يسيطر اليهود على الدول الاستعمارية وأن يسخروها حسب أهوائهم ، كما أنهم سيسيطرون أيضاً ، بطبيعة الحال ، على الدول الاشتراكية المعادية للاستعمار . والبروتوكولات تجعل اليهود مسئولين عن كل شيء ، عن الخير والشر ، وعن الثورة والثورة المضادة ، وعن الاشتراكية والرأسمالية ، فالبروتوكول السادس ، مثلاً ، يقول " كي نخرب [ أي نحن اليهود ] صناعة الأغيار سنزيد من أجور العمال [اتجاهات اشتراكية] ونعرض الصناعة للخراب والعمال للفوضى [ اتجاهات فوضوية] " .
ومن الواضح أن البروتوكولات ليست نقداً لليهود بقدر ماهي تعبير عن إحساس الإنسان الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر بأزمته ، وبقدر ماهي تعبير عن إدراكه السطحي المباشر لها بعد تزايد معدلات العلمنة في الغرب وبعد تفكك المجتمع التقليدي الذي كان يوفر له قدراً كبيراً من الطمأنينة ، حتى وإن سلبه حريته وفرصه في الحراك الاقتصادي . فالمجتمع الذي يحاول اليهود فرضه على العالم ، حسبما جاء في البروتوكولات ، ليس عالماً شريراً بشكل شيطان ميتا فيزيقي ، وإنما هو في الواقع العالم الغربي الصناعي الذي سادت فيه العلمانية والنفعية والداروينية الاجتماعية ، ومن هنا كان الجمع بين الرأسمالية والاشتراكية باعتبارهما نظامين يبشر بهما اليهود ، كما كان الجمع بين نيتشه وماركس باعتبارهما فيلسوفين يبشر اليهود بفكرهما . فبرغم الاختلافات العميقة بين النظامين المذكورين ، والاختلاف بين الفيلسوفين ، فإن العامل المشترك الأعظم ( أو نقطة البدء والتلاقي ) هو تأسيس مجتمع علماني يستند إلى قيمة المنفعة واللذة لا إلى القيم الدينية الأخلاقية المطلقة .
وقد وجد أعضاء الجماعات اليهودية في مختلف القطاعات والاتجاهات ، شأنهم في ذلك شأن أعضاء أي أقلية أخرى ، فكان يوجد أعداد كبيرة من كبار الممولين الرأسماليين اليهود ، كما كان كثير من أعضاء الجماعات اليهودية يشتغلون بالتجارة الصغيرة والربا ، وكان من بينهم عدد كبير من المفكرين الليبراليين بل والرجعيين الذين يدافعون عن حرية التجارة وعن أكثر الأفكار الداروينية الاجتماعية تطرفاً . بل ونجد أن بعض اليهود ارتبطوا بالتجارب الاستعمارية الغربية غير الصهيونية كما حدث في جنوب أفريقيا ( في صناعة التعدين ) ، أو في شركة الهند الشرقية الهولندية ، أو في شركة قناة بنما . كما تركز أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة في قطاعات اقتصادية مشينة مثل البغاء ( قوادين وعاهرات ) ونشر المجلات والمطبوعات الإباحية . وقد ربط هذا بين اليهودي من جهة ، وبكل من " اليمين " و" التحلل الرأسمالي " و " التفكك الليبرالي" من جهة أخرى .
ولكن ، إلى جانب ذلك ، كانت هناك أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في حركة اليسار أيضاً : فقد كان أكبر حزب اشتراكي في أوروبا هو حزب البوند اليهودي . وقد انخرط الشباب اليهودي بأعداد كبيرة في الحركات الثورية ، حتى أن 30% من أعضاء الحركات الثورية في روسيا القيصرية كانوا من الشباب اليهودي
وحينما قامت جمهورية بلشفية في المجر عام 1919م ، كان رئيس الدولة يهودياً ، وكان عدد اليهود من الوزراء كبيراً لدرجة مدهشة ، وكانت هناك أعداد كبيرة من المفكرين الاشتراكيين والشيوعيين من أصل يهودي . كما كان لليهود حضور واضح في الفكر الفوضوي . وفي نهاية الأمر ، كان هناك كلا من روتشيلد رمزاً للارتباط العضوي بين اليهود والرأسمالية ، وماركس رمزاً للارتباط العضوي أيضاً بين اليهود والاشتراكية . ولذا ، كان من الممكن تفسير كل شيء بالرجوع إلى مقولة (( يد اليهود الخفية ))
ومما ساعد على إشاعة هذا النموذج التفسيري الساذج أن الوجدان المسيحي كان يجعل من اليهودي قاتل الرب رمزاً لكل الشرور . وقد شهدت نهاية القرن التاسع عشر عصر الهجرة اليهودية الكبرى ، ولذا كان هناك يهود في كل مكان ، يهود لا جذور لهم في طريقهم من شرق أوروبا إلى الولايات المتحدة . وكما هو معروف ، فإن الإنسان المهاجر المتنقل لا يلتزم بكثير من القيم ، ولكل هذا أ صبح اليهودي رمزاً متعيناً لعملية ضخمة لم يكن الإنسان الأوروبي يفهمها جيداً رغم شقائه الناجم عنها ، وهي الثورة العلمانية الشاملة الكبرى ( بشقيها الاشتراكي والرأسمالي ) ، وهي ثورة لم يكن اليهودي يشكل فيها سوى جزء بسيط من كلٍ ضخم مركب . بل إن العقيدة اليهودية ذاتها سقطت ضحية لهذه الثورة ، وفقدت قطاعات كبيرة من الجماعات اليهودية هويتها نتيجة لها .
والفكرة الأساسية في البروتوكولات هي فكرة الحكومة اليهودية العالمية . لكن المعروف تاريخاً أنه لم تكن هناك سلطة يهودية مركزية تجمع سائر يهود العالم بعد تحطيم الهيكل على يد " بختنصر" عام 586ق.م ، وذلك بسبب طبيعة الوجود اليهودي في العالم حيث انتشر اليهود على هيئة أقليات دينية لا يربطها رباط قومي ، وقد كان لكل أقلية محاكمها وهيئاتها الخاصة التي تقوم برعاية شؤونها . ولكن اليهود لا يختلفون في هذا عن أي أقلية دينية أو جماعة وظيفية أخرى .
وهنا يمكن أن نثير قضية مهمة هي قضية الوسائل : هل تشكل الجماعات اليهودية في العالم من القوة ما يمكنها من تنفيذ هذا المخطط الإرهابي الضخم ؟ إن الدارس لتواريخ الجماعات اليهودية يعرف أنها كانت دائما قريبة من النخبة الحاكمة لا بسبب سطوتها أو سلطانها وإنما بسبب كونها أداة في يد النخب ولأنها لم تكن قط قوة مستقلة أو صاحبة قرار مستقل .
والإشارة إلى البروتوكولات واستخدامها في الإعلام المضاد للصهيونية أمر غير أخلاقي لأنها وثيقة مزورة ، ولا توجد دراسة علمية واحدة ( سواء بالعربية أو بغيرها من اللغات ) تثبت أنها وثيقة صحيحة ، ولكن ، وحتى لو كانت البروتوكولات وثيقة صحيحة ، فإن من يستخدمها يفقد مصداقيته وفعاليته أمام الرأي العام الغربي الذي لا يؤمن بصحتها .
كما أنه لا يمكن إثبات أن هذه الوثيقة تعبر تعبيراً حقيقياً عن دوافع أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ، أو أنهم يأخذون بها كوثيقة ملزمة تحدد سلوكهم وأهدافهم .
وبسبب السمعة الشائنة للبروتوكولات ، فإن الصهاينة يصفون أي نقد موجه إليهم بأنه وقوع في أحابيل البروتوكولات .
ومن الطريف أن هناك وثائق يتداولها بعض أعضاء الجماعات اليهودية تحتوي على آراء أكثر تآمرية من البروتوكولات مثل ما يسمى بكتاب التربية الذي يوزع في إسرائيل في الوقت الحالي .كما يحتوي التلمود وتراث القبالاه( وهي كتابات يهودية لا شك فيها ) مقطوعات عنصرية إلى أقصى درجة ، ولكن يبدو أن المروجين للبروتوكولات لا يعرفون عنها شيئاً ، وهي على كلٍ كتابات لا يعرف عنها معظم أعضاء الجماعات اليهودية بدورهم شيئاً ، ولا يتبادلها في الغالب إلا بعض العنصريين الموجودين في كل المجتمعات وبين أتباع كل العقائد.
وثمة رأي يذهب إلى أن الصهاينة يقومون بالترويج لهذه البروتوكولات لأنها تخدم المشروع الصهيوني الذي يهدف إلى ضرب العزلة على اليهود وتحويلهم إلى مادة خام صالحة للتهجير والتوطين في فلسطين المحتلة . كما أن كثيراً من الافتراضات الكامنة في البروتوكولات ، مثل" الشعب اليهودي " ، و" الشخصية اليهودية " و " المصالح اليهودية " ، هي كلها افتراضات صهيونية أساسية والهجوم عليها هو في واقع الأمر تسليم غير مباشر بوجودها .
وسواء كان هذا الرأي الأخير صحيحاً أم كاذباً ، فإن ترويج البروتوكولات يخدم المصالح الصهيونية من الناحية العملية . ويتم الآن ، في العالم العربي ، تداول كم هائل من الكتابات ( مثل أحجار على رقعة الشطرنج وغيرها )
كل هدفها إشاعة الخوف من اليهود والصهيونية بتبني رؤية بروتوكولية تنسب إلى اليهود قوى عجائبية .ويساهم بعض أعضاء النخب الحاكمة في الترويج لهذه البروتوكولات لتبرير العجز العربي والتخاذل أمام العدو الصهيوني . وقد أثبتت الانتفاضة الفلسطينية أن اليهود بشر وأنه يمكن إلحاق الأذى بهم وهزيمتهم ، وأنهم قد يهاجمون عدوهم كالصقور حينما تسنح الفرصة ثم يفرون كالدجاج حينما يدركون مدى قوته وإصراره . والاستمرار في إشاعة الرؤية البروتوكولية هو نوع من الإصرار على مد يد العون للعدو الصهيوني ، وعلى التنكر لإنجازات الانتفاضة .
ولا يمكن للمسلم الملتزم بتعاليم دينه أن يوجه الاتهام إلى أي إنسان جزافا دون قرائن ، كما لا يمكن لرؤية دينية حقة أن تحكم على الفرد باعتباره تجسداً لفكرة ، إذ يظل كل إنسان مسئولاً عن أفعاله . وقد عرف الإسلام حقوق أعضاء الأقليات خصوصاً أهل الكتاب ، فحدد أن لهم مالنا وعليهم ما علينا ، وهي حقوق مطلقة لا يمكن التهاون فيها . وفي الواقع ، فإن استخدام البروتوكولات لاتهام اليهود فيه سقوط في العنصرية والعرقية التي تصنف الناس لا على أساس أفعالهم وإنما على أساس مادي لاديني (علماني) مسبق وحتمي . ولذا ، فهي لا تميز بين ما هو خير وبين ما هو شرير.
:55::فتكوا بعا:55:
كلمة "بروتوكول" كلمة إنجليزية تعني" اتفاقية" ، وبروتوكولات حكماء صهيون وثيقة يقال أنها كتبت عام 1897م في بازل بسويسرا أي في نفس العام الذي عقد فيه المؤتمر الصهيوني الأول . بل ويزعم البعض أن تيودور هرتزل تلاها على المؤتمر ، وأنها نوقشت فيه ، بل وتذهب بعض الآراء إلى التأكيد على أن المؤتمرات الصهيونية المختلفة إن هي إلا مؤتمرات حكماء صهيون هذه ، وأن الهدف من المؤتمر السري الأساسي الأول الذي ضم حاخامات اليهود هو وضع خطة محكمة ( بالتعاون مع الماسونيين الأحرار والليبراليين والعلمانيين المتحدين ) لإقامة إمبراطورية عالمية تخضع لسلطان اليهود وتديرها حكومة عالمية يكون مقرها القدس . وتقع البروتوكولات البالغ عددها أربعاً وعشرين بروتوكولاً في نحو مائة وعشر صفحات ونشرت أول ما نشرت عام 1905م ملحقاً لكتاب من تأليف سيرجي نيلوس وهو مواطن روسي ادعى أنه تسلم المخطوطة عام 1901م من صديق له حصل عليها من امرأة ( مدام ك) ادعت أنها سرقتها من أحد أقطاب الماسونية في فرنسا .
لكن نيلوس نفسه اخبر أحد النبلاء الروس بأن هذه المرأة أخذتها من رئيس البوليس السري الروسي في فرنسا ، وان الأخير هو الذي سرقها من أرشيف المحفل الماسوني . وقد كانت لنيلوس اهتمامات صوفية متطرفة ، كما كان غارقاً في الدراسات الخاصة بالدلالات الصوفية للأشكال الهندسية .
وقد لاقت البروتوكولات رواجاً كبيراً بعد نشوب الثورة البلشفية التي أسماها البعض آنذاك " الثورة اليهودية "
إذ عزا الكثيرون الانتفاضات الاجتماعية التي اجتاحت الكثير من البلدان الأوروبية إلى اليهود .
وانتقلت البروتوكولات إلى غرب أوروبا عام 1919م حيث حملها بعض المهاجرين الروس . وبلغت البروتوكولات قمة رواجها في الفترة الواقعة بين الحربين ، حينما حاول الكثير من الألمان تبرير هزيمتهم بأنها طعنة من الخلف قام بها اليهود المشتركون في المؤامرة اليهودية الكبرى أو العالمية . وقد أصبحت البروتوكولات من أكثر الكتب رواجاً في العالم الغربي بعد الإنجيل ، وترجمت إلى معظم لغات العالم بما في ذلك العربية حيث ظهرت عدة طبعات منها . وحازت البروتوكولات اهتمام المشتغلين بالتأليف والإعلام حيث أشاروا إليها باستحسان كبير ، وكأنها وثيقة ذات شأن كبير . ولحسن الحظ ، لا يوجد مركز دراسات عربي واجد أعارها أي اهتمام ، ولا يتم نشرها إلا من خلال دور نشر تجارية .
والرأي السائد الآن في الأوساط العلمية التي قامت بدراسة البروتوكولات دراسة علمية متعمقة هو أن البروتوكولات وثيقة مزورة ، استفاد كاتبها من كتيب فرنسي كتبه صحفي يدعى موريس جولي يسخر فيه من نابليون الثالث بعنوان حوار في الجحيم بين ماكيافللي ومونتيسكو ، أو السياسة في القرن التاسع عشر ، نشر في بر وكسل عام 1864 م ، فتحول الحوار إلى مؤتمر ، وتحول الفيلسوف إلى حكماء صهيون . وقد اكتشفت أوجه الشبه بين الكتيب والبروتوكولات حيث تضمنت الأخيرة اقتباسات حرفية من الكتيب المذكور ، وأحياناً تعبيرات مجازية وصوراً منه . والرأي السائد الآن أن نشر البروتوكولات وإشاعتها إنما كان يتم بإيعاز من الشرطة السياسية الروسية للنيل من الحركات الثورية والليبرالية ومن أجل زيادة التفاف الشعب حول القيصر والأرستقراطية والكنيسة بتخويفهم من المؤامرة اليهودية الخفية العالمية 0
وقد قمنا بدراسة سريعة لعناصر خطاب البروتوكولات ( الأسلوب والمفردات والصور ...الخ) ، فوجدنا أن هناك من الدلائل ما يدعم وجهة النظر القائلة أنها وثيقة مزيفة :
1- يلاحظ أن البروتوكولات وثيقة روسية بالدرجة الأولى والأخيرة
(أ) فكاتب الوثيقة لا يعرف شيئاً عن المصطلح الديني اليهودي ولا يستخدم أية كلمات عبرية أو يديشية . وهناك إشارتان للإله الهندي فنو ، وإشارة واحدة لأسرة داو ود وبطبيعة الحال يمكن إثارة القضية التالية : إذا كانت البروتوكولات وثيقة سرية ، فلماذا لم يكتبها حاخامات اليهود بالعبرية أو الآرامية أو اليديشية ليضمنوا عدم تسربها ؟ ومما يجدر بالذكر أن كثيراً من يهود روسيا آنذاك كانوا يتحدثون اليديشية ولا يعرفون الروسية . وكان حزب البوند ، أكبر الأحزاب العمالية في أوروبا ، يدافع عن حقوق العمال من أعضاء الجماعة اليهودية ويطالب بالاعتراف باليديشية باعتبارها لغتهم القومية (باعتبارهم أحد شعوب " الإمبراطورية" الروسية )0
(ب) المواضيع الأساسية المتواترة في البروتوكولات مواضيع روسية ، فهناك دفاع عن الاستبداد المطلق وعما سمى " أرستقراطية الطبيعية الوراثية " ن وهجوم شرس على الليبرالية والاشتراكية ، وهو ما يبين أن اهتمامات الكاتب روسية تماما وتعكس رؤية الطبقة الحاكمة الروسية في السنين الأخيرة من حكم النظام القيصري 0
(ت) هناك هجوم على الكنيسة الكاثوليكية واليسوعية ، وهو ما يدل على التربة المسيحية الأرثوذكسية السلافية التي كانت تناصب الكاثوليكية العداء .
(ث) ثمة هجوم شرس على الماسونية ، التي كانت آنذاك جزءاً لا يتجزأ من الحركة الليبرالية والثورية الروسية .
(ج) هناك هجوم شديد على " دزرائيلي " الذي كان شخصية مكروهة تماماً من النخبة الحاكمة في روسيا لأنه كان يساند الدولة العثمانية حتى تظل حاجزاً منعاً ضد توسع الإمبراطورية الروسية
2- كما أن نبرة البروتوكولات ساذجة للغاية ، فمن الواضح أن كاتبها الذي زيفها ، لا يجيد التزييف ، فقد حاول أن يبين الخطر العالمي لليهود . وحتى يعطي وثيقته درجة من المصداقية ، جعل حكماء صهيون ( لا أحد سواهم ) يتحدثون عن الخطر اليهودي ، حتى يبدو الأمر كله وكأنه" شهد شاهد من أهلها " ، غير أنه لم يكن على درجة كبيرة من الذكاء في عملية تزييفه هذه :
( أ ) ففي الصفحة الأولى من البروتوكول ينطق حكيم صهيون الأول بالكلمات التالية ( يجب أن يلاحظ أن ذوي الطبائع الفاسدة من الناس أكثر عددا من ذوي الطبائع النبيلة ) . وهذه ملحوظة تبين الشر المتأصل في صاحبها . ولكن السؤال البديهي الذي يطرح نفسه هو : لماذا يصر كبير حكماء صهيون على نقل هذه الآراء لحكماء صهيون ؟ أليس كل الحاضرين من الأشرار الذين لا توجد شبهة في شرهم ؟ ونفس السذاجة تتبدى في الملاحظة التي ترد بعد عدة صفحات حيث يقول كبير الحكماء : (( إن الغاية تبرر الوسيلة ، وعلينا ( ونحن نضع خططنا ) ألا نلتفت إلى ما هو خير وأخلاقي بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضروري ومفيد ! )) ومرة أخرى لماذا يكلف كبير الحكماء نفسه بتذكير الحاضرين من الحاخامات بمثل هذه البديهيات المتداولة بين الأشرار في كل زمان ومكان ؟ أم أنه لاحظ بعض علامات الخير فأراد أن يحذرهم منها ؟
(ب) يحاول واضع البروتوكولات أن يضخم اليهود وقوتهم ليخيف الناس منهم فيجعلهم ينسبون إلى أنفسهم في البروتوكول الثاني كل شر فيقول : (( نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل )) . ولكنه ينسى نفسه بعد قليل وتتبدل النبرة إذ يبدأ اليهود في توجيه الاتهامات لأنفسهم في نفس البروتوكول الثاني : (( من خلال الصحافة اكتسبنا نقودنا ، وبقينا نحن وراء الستار ، وبفضل الصحافة كدسنا الذهب ، ولو أن ذلك سبب أنهارا من الدم )) ، وهذا في الواقع عريضة اتهام موجهة للذات ، فلماذا يكلف كبير الحكماء خاطره ليقدمها لبقية أعضاء المجتمع الذين يعرفون ذلك مسبقاً ؟ ولماذا يصر على أن يخبرهم في البروتوكول الثالث أن (( أسرار تنظيم الثورة الفرنسية معروفة لنا جيداً لأنها من صنع أيدينا ، ونحن من ذلك الحين نقود الأمم من فشل على فشل ، حتى أنهم سوف يتبرأون منا )) . فمن يمكن أن يصف حركته بأنها حركة لقيادة الأمم من(( فشل إلى فشل )) ، ويصر على أن هذه الحركة ستودي بهم ؟ ثم يضيف في البروتوكول التاسع : (( إن لنا طموحاً لا يحد ، وشرهاً لا يشبع ، ونقمة لا ترحم ، وبغضاء لا تحس . إننا مصدر إرهاب بعيد المدى . وإننا نسخر في خدمتنا أناساً من جميع المذاهب والأحزاب )) . ثم يتطوع بالتأكيد على ما يلي : (( لقد خدعنا الجيل الناشئ من الأممين ، وجعلناه فاسداً متعفناً بما علمناه من مبادئ )) . ومن الواضح أنه لم يبق من التزييف سوى صيغة المتكلم الجمع ، أما الباقي فهي اتهامات موجهة بالتآمر لليهود ، ينسبها كاتبها لهم حتى تبدو كما لو كانت صادقة .
ويمكننا الآن أن نعرض الأفكار الأساسية في البروتوكولات التي تؤكد على أن السياسة لا تخضع للأخلاق ، وأن اليهود سينفذون مخططهم الإرهابي عن طريق الغش والخداع . فعلى مستوى المجتمع ، سيقومون بتقويض دعائم الأسرة وصلات القرابة ، وبإشاعة الإباحية ، واستغلال الحريات العامة ، وتخريب المؤسسات المسيحية ، وإفساد أخلاق العالم المسيحي الأوروبي ، أما على مستوى الدولة ، فإنهم سيسعون إلى تقويض كيان الدول عن طريق الإيقاع بينها بحيث تندلع الحروب ، على ألا تؤدي هذه الحروب إلى تعديلات في حدود الدول أو إلى مكاسب إقليمية ، ليتمكن رأس المال فقط من الخروج بالغنائم .
وينبغي التركيز على المنافسة في المجتمع ، وعلى تصعيد الصراع الطبقي ، ليجري الجميع نحو الذهب الذي لابد ان اليهود سيحتكرونه ، وتصاب المؤسسات الدينية والسياسية بالإهتراء ويسود رأس المال كل شيء .
وتهتم البروتوكولات في المراحل الأولى من المخطط بأن يسيطر اليهود على الصحافة وعلى دور النشر وعلى سائر وسائل الإعلام ، حتى لا يتسرب إلى الرأي العام العالمي إلا ما يريدونه ، كما أنها ترى ضرورة أن يسيطر اليهود على الدول الاستعمارية وأن يسخروها حسب أهوائهم ، كما أنهم سيسيطرون أيضاً ، بطبيعة الحال ، على الدول الاشتراكية المعادية للاستعمار . والبروتوكولات تجعل اليهود مسئولين عن كل شيء ، عن الخير والشر ، وعن الثورة والثورة المضادة ، وعن الاشتراكية والرأسمالية ، فالبروتوكول السادس ، مثلاً ، يقول " كي نخرب [ أي نحن اليهود ] صناعة الأغيار سنزيد من أجور العمال [اتجاهات اشتراكية] ونعرض الصناعة للخراب والعمال للفوضى [ اتجاهات فوضوية] " .
ومن الواضح أن البروتوكولات ليست نقداً لليهود بقدر ماهي تعبير عن إحساس الإنسان الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر بأزمته ، وبقدر ماهي تعبير عن إدراكه السطحي المباشر لها بعد تزايد معدلات العلمنة في الغرب وبعد تفكك المجتمع التقليدي الذي كان يوفر له قدراً كبيراً من الطمأنينة ، حتى وإن سلبه حريته وفرصه في الحراك الاقتصادي . فالمجتمع الذي يحاول اليهود فرضه على العالم ، حسبما جاء في البروتوكولات ، ليس عالماً شريراً بشكل شيطان ميتا فيزيقي ، وإنما هو في الواقع العالم الغربي الصناعي الذي سادت فيه العلمانية والنفعية والداروينية الاجتماعية ، ومن هنا كان الجمع بين الرأسمالية والاشتراكية باعتبارهما نظامين يبشر بهما اليهود ، كما كان الجمع بين نيتشه وماركس باعتبارهما فيلسوفين يبشر اليهود بفكرهما . فبرغم الاختلافات العميقة بين النظامين المذكورين ، والاختلاف بين الفيلسوفين ، فإن العامل المشترك الأعظم ( أو نقطة البدء والتلاقي ) هو تأسيس مجتمع علماني يستند إلى قيمة المنفعة واللذة لا إلى القيم الدينية الأخلاقية المطلقة .
وقد وجد أعضاء الجماعات اليهودية في مختلف القطاعات والاتجاهات ، شأنهم في ذلك شأن أعضاء أي أقلية أخرى ، فكان يوجد أعداد كبيرة من كبار الممولين الرأسماليين اليهود ، كما كان كثير من أعضاء الجماعات اليهودية يشتغلون بالتجارة الصغيرة والربا ، وكان من بينهم عدد كبير من المفكرين الليبراليين بل والرجعيين الذين يدافعون عن حرية التجارة وعن أكثر الأفكار الداروينية الاجتماعية تطرفاً . بل ونجد أن بعض اليهود ارتبطوا بالتجارب الاستعمارية الغربية غير الصهيونية كما حدث في جنوب أفريقيا ( في صناعة التعدين ) ، أو في شركة الهند الشرقية الهولندية ، أو في شركة قناة بنما . كما تركز أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد كبيرة في قطاعات اقتصادية مشينة مثل البغاء ( قوادين وعاهرات ) ونشر المجلات والمطبوعات الإباحية . وقد ربط هذا بين اليهودي من جهة ، وبكل من " اليمين " و" التحلل الرأسمالي " و " التفكك الليبرالي" من جهة أخرى .
ولكن ، إلى جانب ذلك ، كانت هناك أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في حركة اليسار أيضاً : فقد كان أكبر حزب اشتراكي في أوروبا هو حزب البوند اليهودي . وقد انخرط الشباب اليهودي بأعداد كبيرة في الحركات الثورية ، حتى أن 30% من أعضاء الحركات الثورية في روسيا القيصرية كانوا من الشباب اليهودي
وحينما قامت جمهورية بلشفية في المجر عام 1919م ، كان رئيس الدولة يهودياً ، وكان عدد اليهود من الوزراء كبيراً لدرجة مدهشة ، وكانت هناك أعداد كبيرة من المفكرين الاشتراكيين والشيوعيين من أصل يهودي . كما كان لليهود حضور واضح في الفكر الفوضوي . وفي نهاية الأمر ، كان هناك كلا من روتشيلد رمزاً للارتباط العضوي بين اليهود والرأسمالية ، وماركس رمزاً للارتباط العضوي أيضاً بين اليهود والاشتراكية . ولذا ، كان من الممكن تفسير كل شيء بالرجوع إلى مقولة (( يد اليهود الخفية ))
ومما ساعد على إشاعة هذا النموذج التفسيري الساذج أن الوجدان المسيحي كان يجعل من اليهودي قاتل الرب رمزاً لكل الشرور . وقد شهدت نهاية القرن التاسع عشر عصر الهجرة اليهودية الكبرى ، ولذا كان هناك يهود في كل مكان ، يهود لا جذور لهم في طريقهم من شرق أوروبا إلى الولايات المتحدة . وكما هو معروف ، فإن الإنسان المهاجر المتنقل لا يلتزم بكثير من القيم ، ولكل هذا أ صبح اليهودي رمزاً متعيناً لعملية ضخمة لم يكن الإنسان الأوروبي يفهمها جيداً رغم شقائه الناجم عنها ، وهي الثورة العلمانية الشاملة الكبرى ( بشقيها الاشتراكي والرأسمالي ) ، وهي ثورة لم يكن اليهودي يشكل فيها سوى جزء بسيط من كلٍ ضخم مركب . بل إن العقيدة اليهودية ذاتها سقطت ضحية لهذه الثورة ، وفقدت قطاعات كبيرة من الجماعات اليهودية هويتها نتيجة لها .
والفكرة الأساسية في البروتوكولات هي فكرة الحكومة اليهودية العالمية . لكن المعروف تاريخاً أنه لم تكن هناك سلطة يهودية مركزية تجمع سائر يهود العالم بعد تحطيم الهيكل على يد " بختنصر" عام 586ق.م ، وذلك بسبب طبيعة الوجود اليهودي في العالم حيث انتشر اليهود على هيئة أقليات دينية لا يربطها رباط قومي ، وقد كان لكل أقلية محاكمها وهيئاتها الخاصة التي تقوم برعاية شؤونها . ولكن اليهود لا يختلفون في هذا عن أي أقلية دينية أو جماعة وظيفية أخرى .
وهنا يمكن أن نثير قضية مهمة هي قضية الوسائل : هل تشكل الجماعات اليهودية في العالم من القوة ما يمكنها من تنفيذ هذا المخطط الإرهابي الضخم ؟ إن الدارس لتواريخ الجماعات اليهودية يعرف أنها كانت دائما قريبة من النخبة الحاكمة لا بسبب سطوتها أو سلطانها وإنما بسبب كونها أداة في يد النخب ولأنها لم تكن قط قوة مستقلة أو صاحبة قرار مستقل .
والإشارة إلى البروتوكولات واستخدامها في الإعلام المضاد للصهيونية أمر غير أخلاقي لأنها وثيقة مزورة ، ولا توجد دراسة علمية واحدة ( سواء بالعربية أو بغيرها من اللغات ) تثبت أنها وثيقة صحيحة ، ولكن ، وحتى لو كانت البروتوكولات وثيقة صحيحة ، فإن من يستخدمها يفقد مصداقيته وفعاليته أمام الرأي العام الغربي الذي لا يؤمن بصحتها .
كما أنه لا يمكن إثبات أن هذه الوثيقة تعبر تعبيراً حقيقياً عن دوافع أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ، أو أنهم يأخذون بها كوثيقة ملزمة تحدد سلوكهم وأهدافهم .
وبسبب السمعة الشائنة للبروتوكولات ، فإن الصهاينة يصفون أي نقد موجه إليهم بأنه وقوع في أحابيل البروتوكولات .
ومن الطريف أن هناك وثائق يتداولها بعض أعضاء الجماعات اليهودية تحتوي على آراء أكثر تآمرية من البروتوكولات مثل ما يسمى بكتاب التربية الذي يوزع في إسرائيل في الوقت الحالي .كما يحتوي التلمود وتراث القبالاه( وهي كتابات يهودية لا شك فيها ) مقطوعات عنصرية إلى أقصى درجة ، ولكن يبدو أن المروجين للبروتوكولات لا يعرفون عنها شيئاً ، وهي على كلٍ كتابات لا يعرف عنها معظم أعضاء الجماعات اليهودية بدورهم شيئاً ، ولا يتبادلها في الغالب إلا بعض العنصريين الموجودين في كل المجتمعات وبين أتباع كل العقائد.
وثمة رأي يذهب إلى أن الصهاينة يقومون بالترويج لهذه البروتوكولات لأنها تخدم المشروع الصهيوني الذي يهدف إلى ضرب العزلة على اليهود وتحويلهم إلى مادة خام صالحة للتهجير والتوطين في فلسطين المحتلة . كما أن كثيراً من الافتراضات الكامنة في البروتوكولات ، مثل" الشعب اليهودي " ، و" الشخصية اليهودية " و " المصالح اليهودية " ، هي كلها افتراضات صهيونية أساسية والهجوم عليها هو في واقع الأمر تسليم غير مباشر بوجودها .
وسواء كان هذا الرأي الأخير صحيحاً أم كاذباً ، فإن ترويج البروتوكولات يخدم المصالح الصهيونية من الناحية العملية . ويتم الآن ، في العالم العربي ، تداول كم هائل من الكتابات ( مثل أحجار على رقعة الشطرنج وغيرها )
كل هدفها إشاعة الخوف من اليهود والصهيونية بتبني رؤية بروتوكولية تنسب إلى اليهود قوى عجائبية .ويساهم بعض أعضاء النخب الحاكمة في الترويج لهذه البروتوكولات لتبرير العجز العربي والتخاذل أمام العدو الصهيوني . وقد أثبتت الانتفاضة الفلسطينية أن اليهود بشر وأنه يمكن إلحاق الأذى بهم وهزيمتهم ، وأنهم قد يهاجمون عدوهم كالصقور حينما تسنح الفرصة ثم يفرون كالدجاج حينما يدركون مدى قوته وإصراره . والاستمرار في إشاعة الرؤية البروتوكولية هو نوع من الإصرار على مد يد العون للعدو الصهيوني ، وعلى التنكر لإنجازات الانتفاضة .
ولا يمكن للمسلم الملتزم بتعاليم دينه أن يوجه الاتهام إلى أي إنسان جزافا دون قرائن ، كما لا يمكن لرؤية دينية حقة أن تحكم على الفرد باعتباره تجسداً لفكرة ، إذ يظل كل إنسان مسئولاً عن أفعاله . وقد عرف الإسلام حقوق أعضاء الأقليات خصوصاً أهل الكتاب ، فحدد أن لهم مالنا وعليهم ما علينا ، وهي حقوق مطلقة لا يمكن التهاون فيها . وفي الواقع ، فإن استخدام البروتوكولات لاتهام اليهود فيه سقوط في العنصرية والعرقية التي تصنف الناس لا على أساس أفعالهم وإنما على أساس مادي لاديني (علماني) مسبق وحتمي . ولذا ، فهي لا تميز بين ما هو خير وبين ما هو شرير.
:55::فتكوا بعا:55: