PDA

View Full Version : 2-الله أعلم حيث يجعل رسالته


هريدي يابووووي
01-18-2004, 10:21 PM
http://media.islamway.com/lessons/naderh///seera_2.rpm
لتنزيل الملف اضغط هنا (http://media.islamway.com/lessons/naderh///seera_2.rm)


بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله .. نحمده و نستعينه و نستهديه و نستغفره..
و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا..
من يهده الله فلا مضل له..
و من يضلل.. فلن تجد له وليا مرشدا..

و عودة.. لسيرة المصطفى "ص"..
و حديثنا اليوم.. و مدخلنا الى سيرة النبي"ص"..
هو آية في كتاب الله..
(...اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... {124}‏) الأنعام
أي أننا لكي نبدأ..
يجب أن نفهم هذه الآية..
لذا سيكون حديثنا حول محوري هذه الآية.. و هما "الرسالة".. و "الحيثية" التي اصطفاها الله سبحانه و تعالى لهذه الرسالة..

و عندما نتحدث عن الرسالة.. و لنعرف دورها في حياتنا.. وجب علينا أن نرجع بأفكارنا الى بداية التاريخ..
خلق الله الإنسان.. و أنزله الى الأرض محاطا برعايته..
و أعطاه كافة المواهب و الطاقات و الأدوات التي يحتاجها لأداء مهمته على الأرض.. و هي مهمة "الخليفة"..

(‏ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ {30} وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {31} قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ {32} قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ {33}) البقرة

علمه الله الأسماء كلها.. أعطاه العلم.. لم يكن سيدنا آدم.. و هو نبي.. ذلك الكائن البائس الذي لا يدري شيئا عن أي شئ.. يكتشف القدرة على الكلام بالصدفة..و يكتشف النار بالصدفة.. و يكتشف الزراعة بالصدفة..
بل و يكتشف أنه إنسان أساسا... بالصدفة..
هذه أوهام من لا يؤمنون بوجود الله أساسا و بأن الإنسان خلقه رب آخر.. اسمه "الصدفة"..
أما آدم.. أبونا.. فخلقه الله.. و علمه الأسماء كلها.. و رفعه الى منزلة من التكريم لم تحظ بها الملائكة..
إذ أعطاه الله القدرة على الإختيار.. أن يزكي نفسه.. أو أن يدسيها..

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا {10}) الشمس

و سخر له الله الكون كله..
كل الكون.. في خدمة الإنسان.. مسخر للإنسان.. ليقوم بدوره الذي خلقه الله له..
كيف هذا؟..
هناك من يستغربون هذا.. إذن.. أجبني على هذا السؤال..
هل تحتاج الشمس؟؟..
هل تستطيع الحياة بدونها؟...
ثم أجبني على سؤال آخر...
هل تحتاجك الشمس؟؟
هل تستطيع الحياة بدونك؟؟
ثم أجبني على سؤال ثالث...
هل انت الذي سخر الشمس لتخدمك؟؟
من الذي سخرها؟؟
الله ..
هذا خلق الله للإنسان و تكريمه..
فهل ترك الله الإنسان و أهمله كما يزعم البعض؟..
لا .. بل تعهده بإرسال الرسل يحملون هدي الله الى البشر كلما تطاول عليهم الزمان.. و ضلوا في المتاهات
لمَ؟
ألم تكن الحياة لتستقيم بدون رسالات الله؟
يقول ابن تيمية..
"والرسالةُ روحُ العالمِ ونورُهُ، وحياتُه، فأيُ صلاحٍ للعالمِ إذا عَدِمَ الُروحَ والحياة"
هل يستطيع الإنسان أن يهتدي الى ما فيه صلاح دنياه و أُخراه بعقله فقط؟ دون هداية من الله؟
هل يقوم الإنسان وحده كما توهم بعض فلاسفة الغرب كـ "جوليان هكسلي"؟
إن المتتبع للتاريخ يجد أن الإجابة على هذا السؤال دائما ماتكون بـ "لا"..
فهو قانون أزلي..
الإنسان.. بعيداً عن الرسالة.. و بعيداً عن الوحي.. لا يصبح إنساناً حقا.. بل يفقد كرامته و مكانته التي حباه الله بها..
و أي هوان بعد أن تعبد كائنات خلقها الله و سخرها لك؟؟
و في عصرنا هذا..
نرى متعلمين و مثقفين من الهندوس.. يعبدون البقر..
و نرى المتعلمين من أمم كثيرة يلجأون الى التنجيم و الكهانة..
و نرى الأطباء يدخون.. و يشربون الخمر.. بل و يتعاطون المخدرات أحيانا.. و هم أكثر الناس علما بمضار هذه الأشياء..
و نرى كتاباً و فلاسفةً عاشوا يصفون جمال الدنيا و متعها ... تنتهي حياتهم... بالإنتحار.
و مازال السؤال قائما..
هل يقوم الإنسان وحده؟..هل يستغني الإنسان عن الرسالة؟
بل هل يقدر الإنسان على الحياة أساساً .. بدون وحي الله؟

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
" إن حاجةَ العبدِ إلى الرسالةِ أعظمُ بكثيرٍ من حاجةِ المريضِ إلى الطبيب، فإن آخرَ ما يُقَدَّر بعدمِ الطبيبِ موتُ الأبدان، وأما إذا لم يحصُل للعبدِ نورُ الرسالةِ وحياتُها ماتَ قلبُه موتاً لا تُرجى الحياةُ معه أبداً".

ويقول أيضاً:
" والعقلُ يدركُ مدارَ السعادةِ من حيثِ الجملة، ولكنه لا يهتدي إلى تفاصيلِها ومعرفةِ حقائقِها، كالمريضِ الذي يدركُ وجهَ الحاجةِ إلى الطبِ ومَنْ يداويه ولا يهتدي إلى تفاصيلِ المرضِ وتنزيلِ الدواءِ عليه ".

أي أنه. كما أن المريض يدرك حاجته الى الطبيب.. ولا يستطيع أن يشخص مرضه بنفسه... ولا أن يصف لنفسه الدواء بنفسه..
فعقل الإنسان يدرك حاجة الإنسان الى الحياة.. و الى السعادة.. و لكنه لا يعلم أين الطريق الى السعادة حقا..
فيرسل الله الأنبياء و الرسل اليه أطباءا للأرواح.. يصفون له الدواء.. و يعرفوه بالطريق الموصل لسعادة الدارين.. الدنيا.. و الآخرة..

و لكن.. لماذا لا يكفي الإقناع العقلي؟..
لماذا لا يستطيع الإنسان الإستغناء عن الرسالة؟..
لأن الإقناع العقلي بضرر الضار.. و نفع النافع.. لا يوجب العمل ولا الترك..
لماذا؟..
لأن شهوات الإنسان ليس لها حدود.. و لأن هوى النفس قد يعارض مصلحتها.. فيقدم الفرد هوى نفسه على مصلحته..
هذه طبيعة الإنسان..
لذا نجد في البلدان التي اعتمدت تماما على العقل و التربية الوضعية.. و أنكرت وحي الله.. بل أنكرت وجود الله..
نجد في هذه البلدان أنه كلما ارتقى الناس في العلوم المادية.. تدنوا و ازداد إسرافا في الرذائل و جرأة على اقتراف الجرائم.. لأن الشهوة.. لا حدود لها كما قلنا..

في حين أن المسلمين حين أدركوا قيمة الوحي.. تغيرت المعادلة تماما.. فكانوا كلما ارتقوا في العلوم المادية.. ترتقي انسانيتهم أكثر و أكثر.. لأن قانونهم هو
"إقرأ باسم ربك الذي خلق"..
كانوا يتعلمون العلم لله.. فأكرمهم الله.. "إقرأ.. و ربك الأكرم"..
تعلموا العلم لله... فأكرمهم الله بأن أقاموا أعظم حضارة عرفها التاريخ.. حضارة الأندلس..
كانت أعظم حضارة.. لأنها كانت تؤمن بالله.. كانت تقرأ باسم الله..
أما من لا يؤمن بالله.. فباسم من يقرأ؟؟
باسم المتعة.. باسم اللذة..
فالناس في أقطار المدنية الغربية يتصرفون و كأن المقياس الوحيد للسلوك هو إرضاء رغباتهم و غرائزهم الآنية..
و إذا سألت أحدهم من غير المسلمين.. "لماذا خلقنا الله؟".. لقال لك.. خلقنا الله لنسعد و نستمتع و نلتذ بالحياة...
و كأن الإنسان ليس أكثر من barbie doll .. ليس له دور في الحياة..
و إذا سألته.. إذن.. هل حققت هذه السعادة؟.. لسكت.. و سرحت عيناه في الأفق البعيد..
نعم..
إن تنكر البشرية للرسالة.. و جريها وراء السعادة لم تثمر إلا التعاسة و القلق و معاناة الإكتئاب و النزوع التدميري..

(وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ {205}) البقرة

إن الذي يمنع الناس من الفساد.. و إن الذي يزكي النفوس و يطهرها.. هو الإيمان بالله.. لا العقل وحده..

فما سمعنا أن سياسيا أو عسكريا أو عالماً خضع له الناس و صاروا أتباعا له الى يوم القيامة.. مثل ما فعلوا مع الأنبياء..
و ما سمعنا أن فيلسوفا أقام مدنية أو حضارة.. و إنما كان أقصى ما فعلوه أن أقاموا دولا خيالية على الورق.. يوتوبيا.. المدينة الفاضلة..
أقصى ما استطاعوه هو أن يبنوا قصورا من الرمال..
فأين هذا من عظمة التشريع الذي جاء به الإسلام لتنظيم مسألة الأسرة ومسألة المال والإنفاق ومسألة السلم والحرب، وحفظ الدين والنفس والعقل والنسل... إلخ.

عرفنا مكانة الرسالة و قدرها..
و لكننا نتسائل.. من يحمل هذه الرسالة؟..
إن أمة بلا رسالة.. هي أمة بلا وجود..
فمكانة الأمة.. أي أمة.. إنما تبرز بما تقدمه من عطاء حضاري..
و أمة الإسلام تحمل أعظم رسالة للدنيا..
لدنيا أرهقتها المشكلات الإجتماعية و الإقتصادية و النفسية..
و لكن.. هل حمل هذه الرسالة و القيام بها أمر اختياري؟
يقول الله تعالى..

(إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {39}) التوبة.

حمل الرسالة فرض .. و ليس اختيارا..
فحمل هذه الرسالة هو سبب وجودنا .. و سبب خلقنا..
و هو فطرة خلقها الله فينا.. أن نبحث عنها حتى نصل اليها.. فنحملها و نقوم بها..
و هذا مضمون آية الميثاق.

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ {172}) الأعراف

و لأن هذه النزعة.. نزعة البحث عن الرسالة.. و الإيمان بالله.. جزء من فطرة الإنسان..
كان من أهداف الشيطان قلب هذه الفطرة..

(وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً {119}) النساء

فليغيرن خلق الله.. و الفطرة من خلق الله..
هذه الفطرة التي تظهر في أجلى صورها عند الشدائد..

(وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ {33}) الروم

وقال تعالى:
(فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ {65}) العنكبوت

إذن.. تحدثنا عن الرسالة..
وبقي أن نتحدث عن "الحيثية"

إستمر الإنسان ينمو و يرقى..
يكبو أحيانا.. و يقوم أخرى..
يضل في المتاهات.. فيرسل الله اليه الرسل مبشرين و منذرين..
حتى قارب الإنسان أن يصل الى سن الرشد.. وآن له أن يعتمد على نفسه..
فأراد الله أن يرسل اليه آخر وصاياه على لسان خاتم الأنبياء .. محمد "ص"..
رسالة من نوع جديد..
رسالة ستنقل البشرية من عالم المعجزات المادية.. إلى عالم المعجزات الفكرية.. حيث يصبح الإنسان نفسه معجزة إذا اتبع منهج الله..
فمن يختارُ اللهُ من الأقوام و البلدان لحمل هذه الرسالة؟
كيف اختار الله المكان.. و الزمان.. و الإنسان.. لهذه الرسالة؟

1- المكان
و عندما نتحدث عن المكان الذي اصطفاه الله لآخر رسالاته.. نجد أن الله اختار الجزيرة العربية و أهلها لتكون محضناً لهذه الرسالة..
فقد كانت الجزيرة العربية في قلب العالم آنذاك.. و كانت - بطبيعة موقعها – مركز الاتصالات بين الشرق و الغرب.. و الشمال و الجنوب ..و لعل ذلك كان من أسباب احتراف كثير من أهلها للتجارة..
و من الجزيرة العربية .. اختار الله مكة.. إذ كانت مهوى القلوب.. حيث كان بها بيت الله الحرام..
و هي البقعة المباركة التي حماها الله من أن تخضع لسلطان طواغيت البشر.. من فرس و روم..
فكان أهلها.. و أهل الجزيرة العربية عامة أحرارا..لا سلطان لأحد على فكرهم ولا على أجسادهم..
أو بمعنى آخر.. لديهم حرية التفكير و الإختيار..
هذا من حيث الموقع..
أما من حيث الطبيعة..
فقد تميزت الجزيرة بطبيعتها الصحراوية.. البعيدة عن الترف الذي يسدل ستار الغفلة و اللهو على العقول..
فهي طبيعة تفرض حياة الجد.. و التأمل. و التفكر..
و تفرض على ساكنيها الكدّ من أجل تحقيق الكفاف..
و كان العرب بسطاء.. بساطة الطبيعة التي كانوا يعيشون فيها..
فكان الإنسان العربي آنذاك.. هو إنسان ماقبل الحضارة.. المادة الخام.. البكر.. القابلة للتشكيل
فكانت عقولهم صافية لم تشوشها النظريات و الفرضيات الجدلية.. فهم لم يخوضوا تجربة الدورة الحضارية..
على عكس الفرس و الروم.. الذين خاضوا هذه الدورة.. و خرجوا منها و قد استهلكت طاقاتهم و دخلوا في مرحلة الإنحدار و الإفلاس.. فكانوا كالخردة المستهلكة المبعثرة..
و اختار الله من العرب.. "قريش"..
قبيلة من أشرف قبائل العرب..
تركوا النهب و الغزو.. لما فيه من الغصب و استحلال الأموال..
و بالرغم من ذلك.. كانوا من أشجع الناس..
و هذا شئ عجيب..
إذ أن أهل القرى و المدن الذين يتركون القتال فترة من الزمن يضعف بأسهم..و يميلون للدعة و الرفه..
و لكن قريش.. بقيت شجاعتهم و بسالتهم..
و من العجيب في قريش أيضا.. أنهم كانوا تجارا..
ومع انشغالهم بالتجارة والكسب لم يقعوا في البخل لا في قليل ولا كثير، كما يقع عادة لكثير من التجار، بل كانوا غاية في الكرم، وقاموا بحقوق زوار البيت الحرام، ووصلوا الأرحام.
هذا عن المكان...
أما عن الزمان..

2- الزمان
فقد مضى على مبعث آخر نبي –في ذلك الحين- مايقارب ستة قرون..
و قد حرفت الأديان..و تفرق أتباعها و تنازعوا فيما بينهم.. حتى فقدوا قدرتهم الذاتية على هداية الناس و إنقاذهم.. إذ هم يتنازعون أمرهم فيما بينهم..
و بدأت البشرية تدخل سن الرشد..
و هي بحاجة إلى دين يثبت أقدامها على طريق العلم.. بعيدا عن المعجزات المادية..
دين يخلص الإنسان من الخضوع لطواغيت البشر و الإنسحاق بين حجري الرحى المتطاحنين.. الفرس و الروم.. كي يستعيد كرامته و دوره في الخلافة و الكشف و التسخير..

حقيقة..
إن المتتبع لهذه الحقبة من التاريخ.. يحس و كأن كل شئ في حالة توجس و ترقب..
الكل في حالة انتظار..
فقد ظهر الفساد في البر و البحر بما كسبت ايدي الناس..
" وإن اللّه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب "
لذا في هذه الفترة تستشعر حالة من الظمأ الروحي
الناس يتحدثون عن نبي أهل زمانه..
و الأرض عطشى لنزول الوحي من السماء..
حتى أن الشجر و الحجر كان يلقي السلام على النبي"ص".. و لم نسمع بحدوث هذا بعد البعثة.. كل الأخبار التي وردت بهذا كانت قبل البعثة..
و هي صورة تبين مدى الظمأ الذي كان يجتاح الأرض.. تلهُّفاً إلى إطلالة نبي.. ورذاذِ وحىٍ من السماء، يرحم الأرض، ويهدي أهلها.
هذا بالنسبة للمكان.. و الزمان..
فماذا عن (الإنسان)؟

3- الإنسان
من الذي اصطفاه الله تعالى على البشر قاطبة .. ليحمل هذه الرسالة؟
محمد "ص"...
ترى .. كيف اصطفاه الله.. كيف أدبه فأحسن تأديبه؟..
حقيقة.. لا ندري الكيفية..
و لكن نستطيع أن نستعرض حياة النبي"ص" قبل البعثه لنرى ما حباه الله به من رصيد – أو رأسمال- يدخل به الى مجال التغيير الفكري و الثقافي.
أ-الرصيد في النسب
كان محمد "ص" من أشراف قومه.. و من أوسطهم نسباً.. أي من أحسنهم نسباً..
يقول الرسول "ص" :
((إنَّ اللّه، عزَّ وجلَّ، أصطفى كنانةَ من ولد إسماعيلَ، واصطفى قريشاً من كنانةَ، واصطفى من قريشٍ بني هاشمٍ وأصطفاني من بني هاشم))

وفي الحديث نرى أهمية الوراثة في تحديد الشخصية.. والوراثة لها جانبان:
وراثة بالنّسب (الجينات) وهو أمر يحاول العلماء الآن أن يسيطروا عليه لترقية النوع الإنساني وتجنيبه الأمراض والعيوب. (جراحة الجينات).
ووراثة ثقافية فكرية يكتسب فيها المولود أفكار عائلته وأخلاقها.. خيرها وشرّها.
والحديث يصف لنا كيف أُعدَّ النبي "ص" وكيف كُرِّرَ اصطفاؤه مراراً.. في النّسب والخُلُق (الوراثة الجينية و الفكرية).. وتمَّ تكرير الإصطفاء عبر أربع مراحل.. حتى كان محمد "ص" هو صفوة الصفوة من عباد اللّه خَلْقاً وخُلُقاً..
وإن من نباهة العرب- على الرغم من أُمِّيتهم- أن يلاحظوا أثر النَّسب الحسن في الإنسان فيحترموا صاحب النَّسب الشريف.. لكن غلوّهم في الأمر أفسد المعاير حتى أصيبوا بالكبرياء الفارغة بالأنساب..
و هو مرض أتى الإسلام ليعالجه ضمن ما عالج من أمراض الفكر و النفس.. فنجد النبي"ص" يوجه المسلمين ليجتث هذا الأثر من آثار الجاهلية من النفوس.. فيقول"ص":
((فلا فضلَ لعربي على أعجمي ولا لأبيضَ على أسودَ إلا بالتَّقوى)).


ب-الرصيد النفسي
ولد "ص" يتيم الأب..
و لم يلبث أن أصبح رضيعا في بني سعد..
فنشأ أول ما نشأ في أحضان الطبيعة.. بعيدا عن ضوضاء المدن و أجوائها التي يختلط فيها الحابل بالنابل..
تحت قدميه صحراء لا حدود لها..
و من فوقه سماء لا حدود لجلالها.. ولا مثيل لبهاء لياليها..
كيف يعيش إنسان في حضن هذا الجو.. فلا ينظر.. ولا يتأمل.. ولا يرق قلبه و يخشع..
و يعود من الصحراء.. ليذوق طعم اليتم مرة تلو مرة..
ذاقه ذكرى مريرة.. ذكرى الأب الذي لم يره..
و ذاقه فراقاً يحياه..
فراق الأم التي توفاها الله و هو ابن 6 سنين. و لما يرتوي من حنانها بعد..
وفراق الجد العظيم.. عبد المطلب.. سيد قريش..
الذي وقف على باب الكعبة يوم أحاط بها أصحاب الفيل .. مناجياً ربه:
((اللهم إنَّ العبدَ يمنعُ رحلَه ، فامنع رحَالَك!)).
و من من أبناء قريش لا ينتشي و يتيه بأن يكون عبد المطلب له جداً؟
و من من رجال قريش لا ينتشي و يتيه بأن يكون محمد له حفيداً؟
فتح محمد "ص" على الدنيا.. فرأى عبد المطلب أبا له ملء السمع و البصر.. يحبه.. و يحنو عليه..
و كيف لا يحبه.. وهو حفيده.. و يتيم ابنه الحبيب.. عبد الله..
و لعلنا نجد صورة واضحة لهذا الحب في السيرة..
صورة محمد "ص" الطفل.. يقفز الى فراش جده الذي يتصدر فيه مجلس عشيرته..
فيهم الأعمام بإبعاده عن مكان سيد قريش..
لكن عبد المطلب ينهاهم.. و يقول بحنو:.. دعوا ابني.. فإن له شأناً.

لكن الجدَّ مضى.. وكاد قلب الطفل ينفطر،
و تروي لنا حاضنته أم أيمن هذه اللحظات فتقول..:
"رأيت رسول الله "ص" يومئذ يبكي خلف سرير عبد المطلب"..
و كيف لا يبكي على فراق عبد المطلب الذي لم يفارقه في سفر أو إقامة.. ولا في نوم ولا يقظة..
إن هذه الدموع المتحدرة من عيني محمد "ص" و هو يودع جده آية من آيات الوفاء..

و يسرع عمه أبو طالب فيضمه الى حضنه و عياله..
و قد ورث أبو طالب عن أبيه الشرف و السيادة..
لكنه.. كان قليل المال.. كثير العيال..
و ما أسرع ما أحس محمد"ص" الفتى المرهف بضيق ذات يد عمه..
فبادر الى العمل والكسب مساعدةً لعمه..
و كان أول ما اشتغل به هو "رعي الغنم"..
و يقول "ص" :
"ما بعث الله نبياً إلا و رعى الغنم"..
لماذا رعي الغنم تحديدا؟
تربية له و تعليماً..
كيف يرعى مصالح الناس؟..و كيف يسوسهم..
يحنو على الضعيف.. و يرعى المريض.. و يسعى في حاجاتهم..
يهديهم الى الطريق.. و يردهم عن التشتت و الضياع.. و يحرسهم و يحميهم من الذئاب..
لقد كان تدريباً رائعاً على اليقظة والحكمة والرحمة وبذل الجهد المخطط.
فلما شبَّ عمل مع عمِّه في التجارة.. ورأى كيف يتعامل الناس بالدرهم والدينار..
و عندما يدخل الدرهم و الدينار في علاقات الناس.. تظهر معادنهم و أخلاقهم..
أما النبي "ص"..
فقد تعلم كيف يخوض الأسواق فلا يتلوث..
و كيف يصافح الدنيا.. فيدخل طاهرا.. و يخرج طاهرا..
يتعامل مع الناس ويشاركهم فيعرف أخلاقهم وطبائعهم، ويحظى بحبِّهم واحترامهم حتىِ يُعرف بينهم بالصدق والأمانة..
لقد تعلَّم كيف يدخل في التجارة ويخرج ناجحاَ محبوباً دون أن يكون خبّاً (غشاشاً مخادعاً) ولا مغفَّلاً..
ولما أصبح ميسور الحال بعد زواجه من خديجة.. كلَّم عمَّه العباس في مساعدة عمّه أبي طالب فأخذ العباس أحد أولاد أبي طالب إلى عياله، وأخذ محمد "ص" عليّاً فضمَّه إلى عياله.
ولم يقصِّر قط في مدِّ يد المساعِدة لكل من قصده واستعان به..
و هكذا..
اربعين عاماً عاشها بين الناس.. يعلمه الله و يؤدبه..
تألم كما يتألم الناس..
و ذاق الفقر مع الفقراء..
و عرف الكد في الأسواق..
عاش حياة الناس. و عرف معاناتهم و مشاكلهم و عيوبهم و فضائلهم.. لم يترفع يوماً عليهم..
وكل هذا ضروري لمن ينذر نفسه لإنقاذ الناس وهدايتهم إلى الخير.. حقيقة.. لم يعقلها الكثيرون..
..حقا.. كيف تحس بالناس.. إن لم تكن منهم؟

ج-الرصيد الفكري:
كان محمد "ص" يعيش بين قومه كاليقظ بين السكارى..
كان يراهم يعبدون الأصنام.. لكنه لم يقلدهم.. و لم يسجد لصنم قط..
لقد أبى عليه عقله أن يتبع الآباء دون عقل.. أبى عليه عقله أن يقدس مالا يضر ولا ينفع..
ولا أدل على ذلك من حواره مع الراهب الذي رآه قرب الشام عندما كان مع عمه أبي طالب في تجارة إلى الشام..
سأله الراهب و استحلفه باللات و العزى أن يصدقه..
فقال"ص": لا تسألني بهما، فما أبغضت شيئاً بغضي لهما...

و تمر الأيام..
و يشب محمد"ص"
و يعرف بين قومه بالحكمة و رجاحة العقل، حتى إنهم فرحوا بتحكيمه عندما اختلفوا في حمل الحجر الأسود في أثناء تجديدهم لبناء الكعبة..
و كادت أن تكون مقتلة بينهم.. إذ أن حمل الحجر الأسود شرف لا يتنازل عنه أحدهم إلى الآخر..
حتى اقترح أحدهم أن يحكموا بينهم أول داخل عليهم ..
فدخل محمد"ص"..
فقالوا : "هذا الأمين رضينا.. هذا محمد ".. "ص"
مشكلة .. تحتاج إلى حكمة ..
كيف ترضي جميع الأطراف في نفس الوقت؟
فنجد النبي"ص" يطرح ثوبه على الأرض و يضع الحجر الأسود عليه.. و يجعلهم يشتركون في شرف حمل الحجر الأسود برفع الثوب من جميع أطرافه..
قمة الحكمة..
ما أجمل أن يستخدم الإنسان ذكاءه و حكمته في الإصلاح بين الناس.. و ما كل ذكي يفعل هذا..
نعم..
يصلح بينهم.. بالرغم من انه لا يقرهم على بعادتهم لما لا ينفع ولا يضر..
فمحمد "ص" رغم رفضه لأصنام قومه ، فإنه لم يهاجم أو ينتقد أحدا على عبادتها-قبل أن ينزل عليه الوحي- و كذلك لم تتح له فرصة الإطلاع على الأديان الأخرى التي كان يدين بها الناس، لأنه كان أميا.. و قد صرفه الله عن ذلك حتى لا يُتهم بأنه اقتبس دينه من الآخرين كما يقول بعض الجهلة من أعداء الإسلام الآن..
لكن مسألة الدين الحق كانت شغله الشاغل.. خاصة عندما بلغ الأربعين.
فقد أصبح ينطلق بعيدا عن الناس ، إلى غار حراء.. يتحنث و يتفكر باحثاً عن الرب الحقيقي..
هناك كان يقضي الأيام والليالي..
يبحث عن الجواب..
و كأنما أحس بمسئولية تجاه البحث عن الإجابة.. إذ لأنه إن لم يبحث عنها.. فمن يجيبه؟
وجاءه الجواب أخيراً بنزول الوحي عليه وهو في سنِّ الأربعين، وهو سنُّ نضج الشباب، بعيداً عن طيش الحداثة وعن سنِّ الهرم والانحدار فلا يتهم بالتخريف والاختلاط، لقد كان سنّاً مثالياً يتألَّق فيه الفكر وتنضج فيه الخبرات وتتوازن عنده الشخصية.
وخلاصة القول:
أن محُمداً "ص" جاءته الرسالة وقد أمتاز برصيد فكري نقي قوي راسخ بشهادة من حوله، الذين كانوا ينظرون إلى حكمته بكثير من التقدير.

د-الرصيد الأخلاقي والاجتماعي
و حين نتحدث عن أخلاث محمد "ص"..
فنحن نتحدث عن القمة السامقة في الأخلاق..
نتحدث عن الإنسان الذي لا يدانيه في الطهر أحد..
فقد عرف بالطهارة فلم يقرب فاحشة قط..
و لم يشرب خمراً قط..
و لم يعرف لهو الشباب..
و لم يقرب ماكان يتهافت عليه شباب مكة من مجالس اللهو و الغناء..
عاش مستقيما.. عفيفا.. سليم النفس و الطوية.. فلم يدنسه مكر أو غدر، حتى لقب في قومه بالصادق الأمين..
فنجد القوم يستأمنونه على تجارتهم .. و يستودعونه كل ما يخشون ضياعه من نفيس أموالهم..
الى الآن .. ليس هذا بعجيب.. إذ أنه كان قبل البعثة..
أما العجب.. كل العجب.. أن يستمروا في وضع الودائع عنده بعد أن أعلن رسالته.. و بعد أن ناصبوه العداء علانيةً و حاولوا قتله في أكثر من مرة..
و يالها من لوحة عجيبة.. فريدة.. تلك اللوحة التي نراها ليلة الهجرة النبوية الى المدينة ..
المشركون يخططون لقتل النبي"ص" و شبابهم يحاصرون بيته..
و النبي يفكر في خطة يرد لهم فيها ودائعهم دون أن يقع في أيديهم!
سبحان الله..
المشركون يتآمرون لقتل أشد الناس أمانة فيهم.. أموالهم بين يديه و هم على ثقة تامة بأنه لن يغدر بهم..!!
لذا..كان من الطبيعي ألاَّ يقدروا على قتله.. لأنهم مهزومون أمامه من الداخل..

و يصف لنا عبد الله بن عمرو بن العاص موقفاً اجتمع فيه أشراف قريش في الحجر وقالوا: "ما رأينا مثلَ ما صبرنا عليهِ من هذا الرجل- يقصدون النبي"ص"- سفَّهَ أحلامَنا، وعابَ ديننَا.."
فبينما هم في ذلكَ طلع رسولُ اللّهِ "ص" فأقبل يمشي حتى استلمَ الركنَ، ثم مرَّ بهم طائفاً بالبيتِ فغمزوهُ ببعضِ القول.. فعرفتُ ذلك فِى وجهِهِ "ص".. فمضى..
فلما مرَّ بهم الثانيةَ غمزوهُ بمثلها فعرفتها في وجههِ ..فمضى..
فمرَّ بهم الثالثةَ فغمزوهُ بمثلها. فقال:"أتسمعون يا معشرَ قريش؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح".
فأخذت القومَ كلمتُهُ حتى ما منهم من رجلٍ إلا وكأنما على رأسِهِ طائرٌ وقع، حتى إن أشدَهُم فيهِ وُصاةً قبلَ ذلكَ.. لَيقولُ: انصرف أبا القاسم راشداً فما كنتَ بجهول.
فانظر إلى هذه الشهادة من أعدائه: ما كنت بجهول؟!
والجهل هنا هو عكس "الحلم"بمعنى : السفه والحمق والتهور وعدم القدرة على ضبط النفس ، وسرعة الانفعال ، واشتداد ثورة الغضب والاندفاع في غير تريث ولا تفكير وقد ورد استعمال لفظة "
كما يقول "عمرو بن كلثوم"
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا **** فنجهل فوق جهلِ الجاهلينا
وكان حلو المعشر عطوفاً محبوباً إلى درجة عظيمة.. فهو الحبيب "ص"
وصفته خديجة رضي اللّه عنها عندما عاد إليها خائفاً من نزول الوحي عليه..
((كلا واللّه لا يخزيك اللّه أبداً!! إنك لتصلُ الرحم، وتصدقًُ الحديث، وتحملُ الكلَّ- أي تعطي صاحب العيال ما يعينه- وتَكْسَب المعدوم- أي تبادر إلى إعطاء الفقير فتكسب حسنته قبل غيرك- وتقري الضيف، وتعين على نوائبِ الحق)).

وقصته مع زيد بن حارثة مشهورة. إذ أغارت خيل على قوم زيد فأخذوه وكان طفلا فبيع فِى الأسواق حتى وصل إلى خديجة بنت خويلد.. فرآه النبي "ص" فأبدى إعجابه به فوهبته خديجة للنبي "ص". وانطلق أبوه يبحث عنه ويسأل حتى وصل إلى محمد "ص" فعرض عليه أن يشتريه منه.. لكن محمداً "ص" ترك الخيار لزيد في أن يذهب مع أبيه أو يبقى عنده. فاختار زيد البقاء مع محمد "ص" ولو كان عبداً..!! فأعتقه النبي "ص" وتبنّاه .. كل ذلك حدث قبل البعثة.
وذكر أبو سفيان أنه خرج في تجارة لأشراف قريش. فلما عاد إلى مكة ما بقي رجل من الذين أرسلوا فيها أموالا إلا جاءه وسأله عن تجارته.. إلا محمد "ص"، فإنه جاءه مسلماً مرحباً بقدومه.. وانصرف، و لم يسأل أبا سفيان عن أمواله التي أرسلها معه.. فأَعجبَ أبا سفيان تصرفُه هذا وأدهشه. وصدق اللّه تعالى في وصفه:

( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (آل عمران: 3/159)

لقد كان "ص" يعرف كيف يملك القلوب. لأنه يعرف كيف يحب.. وكيف يعبر عن حبه للآخرين.. يهتم لهمومهم، ويتودَّد إليهم، ولا يبخل بكلمة طيبة لكل أحد..

هـ-رصيد العصبية القبلية
لقد كان قانون الحماية في أرض العرب نصرة العشيرة والقبيلة، وهو أمر أكَّدته الأشعار والأمثال العربية: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) حتى عدَّله الرسول "ص" بأن نصرة الظالم: منعه من الظلم..
وعلى هذه العصبية ضبطت حياة العرب، وحصل الفرد على الضمان الأمني..
أما من كان غريباً أو لم تكن له عشيرة قوية فقد كان يلجأ إلى أحد السادة الأشراف ويدخل في جواره (و هذا أشبه باللجوء السياسي الآن).. فيقوم السيد بإشهاد الناس على ذلك ويحصل الغريب أو الضعيف على الأمن.
وأما محمد "ص" فقد كان من عشيرة عزيزة لا يجرؤ العرب على الاعتداء عليها من بني هاشم.. ومنهم عبد المطلب الذي كان يسقي الحجيج ويطعمهم.. وورثه أبو طالب في ذلك وقد تولى حماية أبن أخيه محمد "ص" هو وسائر بني هاشم مسلمهم وكافرهم ولم ينشق عنهم في ذلك إلا أبو لهب.
وكم حاولت قريش التفاوض مع أبي طالب كي يرفع حمايته عن محمد "ص".. لكنه كان يرفض ويقول: "قل يابن أخي ما شئت فواللّه لن يصل إليك أحد". ولقد كان هذا مما هيّأه اللّه لرسوله "ص" وهو أمر في غاية الأهمية يضمن للداعي حرية التعبير والبيان والتبليغ..
ولئن كانت العصبية القبلية مذمومة في جوانب فقد أدت دوراً إيجابياً في جوانب أخرى..

هذا الرصيد بجوانبه الخمسة كان قاعدة صلبة وقف عليها محمد "ص" صامداً أمام تكذيب المشركين.. لقد شنّوا عليه حرباً كلامية شعواء لأنهم ظنوا أنه يحقر فكر آبائهم ويهدد مصالحهم بإزالة الفوارق بين الناس وإزالة الأصنام التي تحج إليها القبائل عند الكعبة..
لقد اتَّهموه بعكس صفاته.. قالوا عنه: مجنون.. وقالوا: ساحر كذاب.. وقالوا عنه: (مذمم) بدلاً من اسمه محمد
(وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) الزخرف.34/31،..

وقالوا: إنه يفرق بين المرء وزوجه.. وقالوا: سفَّه أحلامَنا وسبَّ آباءَنا.. قالوا وقالوا.. لكنهم في أعماقهم كانوا يعرفون أنها تهم لا أساس لها من الصحة

(فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ {33}) الأنعام.
فهم يتهربون من مناقشة الأفكار.. إلى المهاترة بالكلام..
هذه أمور لا بد من الانتباه إليها.. إن تاريخ الداعي يمثل (رأسمالاً) هامّاً في نمو دعوته.. ومن المؤسف أن الناس حتى الآن لا تفصل بين الفكرة وحاملها.. و لم تتجاوز مرحلة (الأشخاص) كي تدخل إلى الأفكار بشكل مجرد عن أي تأثير شخصي.
وعلى الداعي أن يحرص على نقاء صفحته لأنه محتاج إلي رصيد يشفع له ويدعم أفكاره. والناس يستغلون أخطاءه ويهولونها بشكل عجيب.
انظر إلى فرعون كيف يضع الحواجز في وجه موسى
(قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ {18} وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ {19}) الشعراء..

يذكره بقتل المصري خطأ ويريد أن يستغلها كوصمة في تاريخه.. لكن موسى يعترف بخطئه في الماضي وبأن اللّه هداه وتاب عليه
(قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ {20}) الشَعراء
مع أن الحادثة كانت: قتل خطأ وموسى فيها يدافع عن ضعيف.
هذا الرصيد ضروري لكل من أراد أن يتصدّى للدعوة إلى الخير.. ولا يعني هذا حرمان من كانت له آثام وضلالات من أن يتحرر ويتغير.. بل قد يكون تعلقه بالهداية متألقاً متميزاً لأنَّه جرَّب الضياع.. لكنه لن يقدر على الدعوة والتأثير في الناس حتى يشكل لنفسه رصيداً في الخير وتاريخاً يكفي ليكون موضع ثقة الناس. لأن عامة الناس- كما قلنا- لم تتعلم النظر إلى الأفكار مجردة..
وفي السيرة مواقف عديدة لأناس بسطاء أسلموا لثقتهم بمحمد "ص" حتى إن أحدهم يقول: "واللّه ما وجهه بوجه كاذب".

وهكذا أُعدَّ محمد "ص" وكان هو (المصطفى) لإحداث أكبر تغيير فكري ديني في ذلك العصر استطاع أن يخرج من شتات العرب أمة تحمل رسالة العلم والهداية والتحرير للعالم.

كانت هذه نبذة مختصرة عن هذه الحقبة من حياة النبي"ص"-سنوات ماقبل الوحي- رأينا فيها كيف اختاره ربه.. و كيف أعد الظروف من حوله..
و سنتابع ان شاء الله مع السيرة لنقف عند ما رأيناه من محطات ظهر فيه أثر هذا الرصيد الثمين من صفات النبي"ص"..
في التفكير والتخطيط..
في الخلُق المشعّ المبهر للآخرين..
في الحب والرفق بالآخرين..
في مهارته في التعامل الودي والتأثير الإيجابي..
في معرفته بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب..
في علاجه التربوي والنفسي لأخطاء أصحابه..
في علاقته الحميمة مع ربِّه التي كانت تمثل له الراحة والاسترواح والشحن المستمر الذي يعينه على الاستمرار في إبداعه للمجتمع الجديد.
وسننطلق مع الأحداث بحسب ترتيبها التاريخي فهذا أسهل من الفرز والتصنيف بحسب المواضيع..
وما أحلى.. وما أعظم الدخول إلى هذه الشخصية التي أثنى عليها ربّها أجمل ثناء:
(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلقٍ عَظِيمٍ ) القلم:68/4..
(لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) التوبة: 9/128،.
إنه الإبحار في محيط لا نكاد نبصر نهاياته..فمعذرة منك يا رسول اللّه على الضحالة والقصور..
فأنت أعظم من أن توفيك الكلمات حقك..
صلوات اللّه وسلامه عليك

محمد حبيب
01-19-2004, 03:46 AM
ماشاء الله.. جميييييييييييييلة جداً..:clap:

جزاك الله كل خير :flowers:

الرجل الحديدي
01-20-2004, 10:33 AM
السلام عليكم يا أخي الكريم

جزاك الله خيراً على هذا الجهد

تعليق صغير أحببت أن أذكره

كاتب الرسالة الأصلية : هريدى يابووووى

فبينما هم في ذلكَ طلع رسولُ اللّهِ "ص" فأقبل يمشي حتى استلمَ الركنَ، ثم مرَّ بهم طائفاً بالبيتِ فغمزوهُ ببعضِ القول.. فعرفتُ ذلك فِى وجهِهِ "ص".. فمضى..
فلما مرَّ بهم الثانيةَ غمزوهُ بمثلها فعرفتها في وجههِ ..فمضى..
فمرَّ بهم الثالثةَ فغمزوهُ بمثلها. فقال:"أتسمعون يا معشرَ قريش؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح".
فأخذت القومَ كلمتُهُ حتى ما منهم من رجلٍ إلا وكأنما على رأسِهِ طائرٌ وقع، حتى إن أشدَهُم فيهِ وُصاةً قبلَ ذلكَ.. لَيقولُ: انصرف أبا القاسم راشداً فما كنتَ بجهول.


عن عن فتوى للشيخ عطية صقر (http://www.islamonline.net/fatwa/arabic/FatwaDisplay.asp?hFatwaID=10454)


هذا ، وما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل مكة قبل الهجرة " أما والذى نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح " كما رواه الطبرانى-‏ فهو حديث ضعيف يرده العقل والنقل ، أما الأول فلأن الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يصرح بذلك فى بدء الدعوة وهو منفر لها لا مرغب فيها ؟ وكيف يقوله وهو ضعيف لا يستطيع حماية نفسه فضلا عن حمايته لأتباعه القلة ؟ ولماذا تركته قريش وهم يعلمون ما جاء به من الذبح ليحقق ما يريد، ولم يتغدوا به قبل أن يتعشى بهم ؟ وأما الثانى فلمنافاته لآية {‏ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }‏ الأنبياء :‏ ‏107 ، وحديث " إنما أنا رحمة مهداة" رواه الحاكم والطبرانى ، وما يماثله من نصوص وأحداث تدل على رقة قلبه وعظيم رحمته .‏ ولو كان النبى صلى الله عليه وسلم متعطشا للدماء ، وبخاصة من قريش ما عفا عنهم عند فتح مكة وهو القادر على الانتقام منهم ، كما أن الحديث لا يراد به قهرهم على الإسلام فهو يتنافى مع طبيعة الدعوة.‏ ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم الذى رواه أحمد بسند صحيح " جُعل رزقى تحت ظل رمحى" أن رزقه من الغنائم التى يحصل عليها المسلمون من الحروب التى كان يباشر أكثرها بنفسه ، وكفاية رئيس الدولة توفر من الخرينة العامة بمواردها المتعددة ، ومنها الغنائم ، وهو مبدأ إسلامى أقره الصحابة لأبى بكر وعمر والخلفاء


إن الفهم السطحى لمشروعية القتال بالآيات والآحاديث ربما يوحى بأن الإسلام قد انتشر بقوة السلاح ، ولولا ذلك ما كان له وجود أو ما كان بهذه المساحة الكبيرة من الأرض ، أو من نفوس الناس ، وكيف يقال ذلك والإسلام دين الرحمة كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، وهو الذى قال {‏ ادخلوا فى السلم كافة }‏ البقرة :‏ ‏208 ، {‏ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على اللَّه }‏ الأنفال :‏ ‏61 ، " لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا اللّه العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " رواه البخارى ومسلم .‏
إن الدعوة الإسلامية للعرض لا للفرض ، فما كانت العقائد تغرس بالإكراه أبدا ، لا فى القديم ولا فى الحديث ، واللّه يقول عن نوح {‏أنلزمكموها وأنتم لها كارهون }‏ هود :‏ ‏28، ويقول لمحمد عليه الصلاة والسلام{‏ أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين }‏ يونس :‏ ‏99 ، إلى غير ذلك من النصوص .

هريدي يابووووي
01-20-2004, 01:49 PM
أخي العزيز الرجل الحديدي..
لم تذكر الحديث من حيث الإسناد.. أهو ضعيف أم صحيح..
الحديث من حيث الإسناد "حسن" حسب علمي..
و علي أي حال مثل هذه الأحاديث في السيرة يتعامل معها على أنها "تاريخ" لا على أنه دليل شرعي يستنبط منه أحكام الحلال و الحرام..
بالإضافة الى أن حديث "جعل رزقي تحت ظل رمحي" هو الأولى بالتضعيف.. خصوصا و انه ضعيف سندا.. و متناً :)

الرجل الحديدي
01-20-2004, 07:59 PM
السلام عليكم

معلش أنا ماعرفش في موضوع الاسناد

وأنا قرأت فتوى تانية للشيخ القرضاوي تضعف حديث السيف أيضاً

والله العلماء دول حيرونا واحد يقول حسن والتاني يقول ضعيف :crazyy:




العجيبة فيه ناس كتير بيستدلوا بالحديثين خصوصا أنصار الجماعات اياها :viking:

هريدي يابووووي
01-20-2004, 08:30 PM
بالظبط:)
عشان كده قلتلك خلي تفاصيل علم الحديث لأهله..
و خلينا احنا في موضوعنا :)
و زي ماقلت.. الرواية دي مش عشان نطلع منها بحكم معين.. و لكن بنستدل بيها استدلال تاريخي لأنها بتحكي موقف معين.. بيدل على طبيعة مرحلة معينة..
و جزاك الله خيرا :flowers:

مصعب بن عمير
01-24-2004, 04:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اخي العزيز هريدي
تبارك الله تعالي الذي حباك بهذا الفيض منه لتكتب مثل هذه الانشوده الرائعه في حب نبينا المصطفي صلي الله عليه وسلم بل وينتقل القلم من مرحله الي اخري ترسل اشعه نور وهدايه علي هذه الروعه المتتاليه الاخاذه .
كم كانت الدنيا في حاجه الي بعثه خير الانام وكم اشتاقت الارض الي غديرالماء الصافي والي النبع الحنون لتسقي قلوبا لطاما الهبها حر المعصيه ولهيب الشهوات المتدنيه
لكن رحمه الخالق كانت اسرع الي عباده
واقول لك اخيرا بارك الله فيك
و
مبلغ العلم فيه انه بشر
وانه خير خلق الله كله
مصعب

هريدي يابووووي
01-24-2004, 04:44 PM
جزاك الله كل خير أخي الحبيب :flowers:

روبى 2
01-25-2004, 04:25 PM
أخي الكريم .. أسأل الله العلي القدير أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا ويزيدنا علماً

أنا بس عندي سؤالي ..

نعلم جميعاً أن الحبيب (صلى الله عليه وسلم) كان أعلم أميا عرفه التاريخ .. أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولكنه ما نطق إلا فصاحة وبلاغة وعلما .. صلى الله على محمد .. صلى الله عليه وسلم

وعلمنا منك أخي الكرام بعد الخصائص المميزة للزمان والمكان والأنسان الذي جعل الله فيهم رسالته

ولكن ماهي الحكمة من أن الله اختار أمياً لنقل رسالته الدائمة والمكملة لكل الرسالات والمبلغة للناس جميعا

وهل كانت بلاغته رغم أميته صلى الله عليه وسلم من الأعجاز الالهي أم أن لها دخل في طبيعة نشأته وتكوينه


و قد صرفه الله عن ذلك حتى لا يُتهم بأنه اقتبس دينه من الآخرين كما يقول بعض الجهلة من أعداء الإسلام الآن..
وماذا لو قيل أنه اقتبس دينه من الاديان السابقة من حيث أن كل الدياناتالسماوية الصحيحة التي ارسلها الله على العباد كانت تدعو ولو بشكل عام إلى ما دعى إليه الدين الإسلامي بغض النظر عن إضافات الدين الإسلامي من مناسك وشعائر وفروض

لا أدري إن كنت قد أوضحت هدفي من السؤال أم لا

وتقبل تحياتي هريدي وبارك الله فيك:flowers:

هريدي يابووووي
01-25-2004, 05:35 PM
الأخت روبي..
جزاكي الله خيرا على التفاعل :)
بداية.. دعيني أوضح أنه لا علاقة بين البلاغة و الأمية..
فكم من كبار المثقفين و دكاترة الجامعة ليس لهم من البلاغة نصيب :)
هذه مسألة موهبة خاصة و فكر.. و الموهبة و الفكر و العقل لا يستلزمان معرفة بالقراءة..
هذا أولا..
ثانيا.. اختار الله سبحانه و تعالى أميا لهذه الرسالة لتكون هذه معجزته..
كيف يأتي هذا الأمي بهذا الكتاب المعجز؟؟
أي شاعر أو كاتب أو مبدع بصفة عامة.. يحتاج لفترات متتالية تنضج فيها الفكرة لديه.. فيكتب.. ثم يعيد الكتابة.. و يصدر طبعة أولي... ثم طبععة ثانية منقحة.. و هكذا..
أما أن يأتي شخص أمي بكتاب محكم كهذا. معجز لغويا.. و يحمل تشريعا ربانيا من الإحكام بشكل معجز.. و يصدق آخره أوله ولا يناقض بعضه بعضا..
هذه هي المعجزة :)


ثانيا..
وماذا لو قيل أنه اقتبس دينه من الاديان السابقة من حيث أن كل الدياناتالسماوية الصحيحة التي ارسلها الله على العباد كانت تدعو ولو بشكل عام إلى ما دعى إليه الدين الإسلامي بغض النظر عن إضافات الدين الإسلامي من مناسك وشعائر وفروض

المقصود بهذه التهمة أنه ليس نبي يوحى اليه.. و لكنه مجرد مفكر قرأ كتب السابقين و تعلم منها و اخترع هذا الدين الجديد :)