تهويد وتنصير
محو الإسلام من شرق أفريقية ووسطها..
كانت أفريقية العربية أسرع من أفريقية السوداء إلى التخلص من ربقة الاستعمار والفكاك من قيوده.
بل لعلها فى الجملة كانت أعصى على الغزو الأجنبى، وأقسى مقاومة وأبعد استسلاما.
وذلك أن الإسلام كان فيها أنضر ثقافة وأشيع معرفة وكانت ملامح الأمة فيه من الوضوح والرسوخ بحيث صعب على الغزو الأجنبى أن يجد امتداده، ويرسخ أقدامه..
أما أفريقية الوسطى من شواطئ المحيط الهندى شرقا إلى شواطئ المحيط الأطلسى غربا، فإن الاستعمار الصليبى ذرعها طولا وعرضا واستطاع أن يجد المجال الرحب لنفث سمومه وإدراك مراميه..! لكن من الظلم القبيح أن نرسل الكلام على عواهنه فى هذا الصدد..
فإن الإسلام دين الكثرة الكبرى فى هذه الأرجاء الفيحاء. والمسلمون الذين نكبوا بالاستعمار كما نكبنا ما فرطوا فى عقائدهم، ولا تراخوا فى الذود عن حماهم، ورد المغيرين بكل ما لديهم من طاقة… واليوم أمكنهم الاستقلال بأمورهم من الصومال وتنجانيقا وكينيا إلى غينيا والسنغال والنيجر.
أما الضعف المعنوى الذى غلب على أفريقية الوسطى فنحن العرب الذين نسئل عنه ونلام عليه! .
إن الإسلام رشح إلى هذه الأقطار من خلال الرحلات التجارية أو السياحات الصوفية دون أن توضع له خطط منظمة أو تتعهده أمداد متصلة. ولولا أن الإسلام دين الحق الذى تتمسك به الفطر، وتهوى إليه الأفئدة، ما بقى له اتباع فى هذه الآفاق، لقلة الدعاة والمعلمين. ومع ذلك فإن المسلمين فى وسط أفريقية وشرقها وغربها معتزون بعقائدهم مدافعون عنها.
وربما كان تخلفهم الثقافى والعمرانى سببا فى كلب الاستعمار عليهم، غير أننا وإياهم نحمل أوزار ذلك التخلف المعيب. ولندع التلاوم على ما مضى، ونستقرىء ما وقع من أحداث نتجت عنه، كى نستطيع حماية الحاضر وضمان المستقبل..
لقد اهتبل الاستعمار الفرصة فى تلك الأراضى البكر، وقرر أن يعمل بأقوى وأسرع ما يستطيع ليقهر الإسلام فى هذه الأوطان، وليعوق تقدمه وليدخل الجماهير من الوثنيين فى المسيحية، كى تخدم أغراضه وأحقاده.. وخطط الاستعمار تسير على هذا النحو:
ا- حرمان المسلمين من التعليم العام، وعزلهم وراء سجن من القصور العقلى يمنعهم من المشاركة فى بناء المجتمع، وترقية العمران. ومع هذا الحرمان من فنون الثقافة الإنسانية أعلن الغزاة حربا على التعليم الإسلامى الخاص الذى كانت تقدمه مكاتب تحفيظ القرآن. وبذلك يشب المسلمون بعداء عن كتاب ربهم وعن لغة الوحى الأعلى، ويفقدون صلاحية البقاء الأدبي من كل ناحية.
2- حرمان المسلمين من الوظائف الحكومية صغراها وكبراها، وتجريدهم من أنواع السلطة التى تمنحهم فضل قوة وبروز.. فمن أراد تولى منصبا من المسلمين فيجب أن يرتد عن دينه، حتى يظفر به.. وللسلطة إغراء يراود نفوسا كثيرة، وقد باعت أسر شتى إيمانها حتى تبقى لها الإمارة وحتى ينال أبناؤها بعض الوظائف .
3- لكن جمهرة المسلمين الكبرى بقيت مع هذين الأمرين حريصة على دينها مستمسكة به! وهنا يلجأ الاستعمار، والموالون له من الحكام الوطنيين إلى القسوة وفى فتنة الناس عن دينهم الحبيب.. وكان الاستعمار وأعوانه فى سباق مع الزمن، فهم يخشون أن يكون طول الأمد سببا فى انهيار سياستهم الصليبية، ومن ثم يشتطون فى أخذ المسلمين بالعنف كى يردوهم عن دينهم. ولا يبالون فى هذا بسفك الدم مهما غزر، واتلاف النفوس مهما كثرت.
ويعتبر حكام الحبشة نموذجا للتنصير المسلح فى شرق أفريقية ووسطها. لقد تواطأ الاستعمار البرتغالى والفرنسى والإنجليزى منذ قرن على تدويخ الإسلام فى هذه المناطق، وعلى تحويل اعتلال أهله إلى موت مؤكد. غيرأن المريض غالب الفناء وقاوم ببسالة مشكورة.. .
لكن ما يجدى هذا كله مع حرب الإبادة الناشبة هناك منذ زمن طويل؟ وإليك نماذج من الصراع الضارى لحمل المسلمين على ترك دينهم، لنقله مما وقع فى الحبشة خلال ربع القرن الأخير .
1ـ مذبحة فى مقاطعة القراقى:
بعد عام من عودة هيلاسلاسى ، وبعد أن أتم مبدئيا استئناف برامجه لتنصير المسلمين، جاءت الهيئات التبشيرية السويدية بإيعاز منه إلى مقاطعة القراقى الإسلامية الصرفة، فهب الشيخ عبد السلام شيخ المقاطعة يطالب عن طريق القانون، بمنع دخول المبشرين فى مقاطعته الإسلامية تجنبا لما قد يحدث من أضرار لأولئك المبشرين، فاتهمته السلطات الحبشية بأنه يبيت نية العدوان على المبشرين وزجت به فى السجن. وعند ذلك احتشد مسلمو تلك المقاطعة أمام بيت الحاكم الأمهرى ، وطلبوا منه الإفراج عن الشيخ فأغلظ لهم فى القول وهددهم بإطلاق النار عليهم إذا لم يعودوا إلى منازلهم، فرفضوا العودة وطلبوا منه التفاهم. ودخل إلى حصنه بعد أن أمر جنوده البرابرة أن يتصرفوا تصرفا جازما، وعاد الجنود ينزلون على أولئك المسلمين العزل ضربا بكعوب البنادق، تلاه إطلاق النار، وما هى إلا لحظات حتى تفرق المجتمعون مخلفين وراءهم 78 رجلا بين قتيل وجريح. وقضى على الشيخ فى السجن بطريقة غامضة، وانتقم الأهلون بإحراق مراكز التبشير، فانتقم هيلاسلاسى منهم بمنح 25 ألف هكتار من أخصب أراضيهم الزراعية ـ وهى جل ما يملكون ـ للمبشرين السويديين. وتشرد من نجا من الرصاص بعد أن انتزعت أراضيهم التى هى مصدر حياتهم، وأصبحت تلك القرية اليوم مسيحية بعد أن كانت إسلامية صرفة.
***
2ـ ابادة قبائل رايا:
كان ذلك فى أكتوبر فى عام 1942 وكانت التهمة هى التعاون مع الإيطاليين فى عام 1935 عند غزوهم للحبشة، وهى تهمة لا أساس لها من الصحة، اختلقت اختلاقا ليبرر بها ذلك القتل الذريع الذى أوقعته القوات الحبشية المسلحة من الإبادة والتدمير على قبائل “ رايا “ الإسلامية..
كان الهجوم فجائيا ومباغتا لقرى مسلمة لم تكن تتوقع ذلك العدوان الأثيم، وأمطرت الطائرات البريطانية التى ساعدت هيلاسلاسى كثيرا فى جرائمه البشعة لتحطيم المسلمين الذين كانوا قد استعادوا قواهم بعد أيام الحكم الإيطالى ـ أمطرتهم بوابل من قنابلها المدمرة فحصدت الأ برياء من الأطفال والرجال والنساء حصدا، وأتت على اليابس والأخضر.
ودخلت قوات الحبشة المقاطعة فأمعن البرابرة المعتدون فى الفتك والتدمير، وأحرقوا المساكن والمساجد وأصبح سكان المقاطعة المسلمون فئة مشردة لا معول لهم ولا مأوى ولا أرض بعد أن انتزعت أراضيهم وقسمت على المسيحيين الذين كانوا قطاع الطرق أيام الحكم الإيطالى وأطلق عليهم هلاسلاسى “ أربنيوت “ أى المكافحون.
ونهبت أراضى الأوقاف التى هى أملاك مقدسة فى جميع البلدان، وترتب على ذلك أن تشرد خمسمائة طالب علم فى المعاهد الدينية كانوا يعتمدون فى معيشتهم على حاصلاتها، ولقد كانت “ رايا “ قبلة التعاليم الإسلامية فى الحبشة ومنها نبغ علماء كثيرون ألفوا الدواوين الشعرية باللغة العربية الفصحى وفى التوحيد وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أثر هذه الحوادث الرهيبة أغلقت معظم معاهدها الدينية وتدهورت حركة التعليم فيها. وكان السبب الحقيقى لهذا الهجوم الغادر هو القضاء على الممالك الإسلامية فى الحبشة، قبل أن تتمكن من المطالبة بحقوقها الأساسية العادلة، ويقدر عدد القتلى بأكثر من ألف شخص بين رجال وأطفال ونساء.. ولم تكن “ رايا “ وحدها فى هذا المصير المشئوم. فقد حدثت نفس المأساة لسائر الممالك والأقاليم الإسلامية فى الحبشة.
* * *
3ـ مباغتة سلطنة أوسا:
فى ليلة السبت 21 ربيع الثانى 1363 هـ الموافق 1944 م تقدم جيش الأحباش البرابرة ليلا والناس نيام، والسكون مطبق يقودهم خائن واحد من الدناكل كان يعرف مسالك البلاد.
ويقول شاهد عيان عندما يحكى ذكريات تلك الليلة المشئومة، أنه سمع أصوات السيارات من بعيد فاستيقظ وكانت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، وفى نفس الوقت حضر رجل اسمه “ الحاج أحمد حسين “ وناداه، فخرج إليه فقال الرجل: “إنها الحرب.. لقد باغتنا العدو “ وعد الرجلان سبعين سيارة كانت تطفىء أنوارها بعد أن تصل أماكن التجمع وكان قد وصل قبلها ضعف هذا العدد. ! ولم تمر دقائق قليلة إلا وأصوات المدافع الرشاشة الكثيرة تحيل الوادى إلى بركان والطلقات النارية تخترق الظلام كضوء الشمس الذى يخترق السحب الكثيفة، وصار الوادى كله جحيما فى لحظات. وعند الزحف من المطار إلى المدينة انقسم الجيش إلى قسمين: قسم اتجه إلى مقر السلطان، وقسم آخر إلى بيت ابنه الأكبر، فالقسم الذى اتجه إلى مقر السلطان كان أشد وأعنف فى هجومه واستولى بغتة على مخزن الأسلحة، فبقى جنود السلطان عزلا لا يحملون سلاحا من الأسلحة الهائلة التى كانت بالخزن والتى خلفها الطليان، فهاجم البعض منهم جنود الأحباش بالمدى والأسلحة البيضاء، غير أن رشاشات الأعداء قضت عليهم قضاء تاما وفر البعض الآخر إلى الغابات مع ابن السلطان، وركز الأحباش بنادقهم ومدافعهم الرشاشة على جميع بيوت رجال السلطان وضباطه، وفى غمرة المفاجأة والذعر هب كثيرون يفتحون أبواب بيوتهم فالقتهم طلقات العدو مدرجين بدمائهم، نساء ورجالا وأطفالا مزقت أجسادهم قبل أن يغادروا فراشهم، وأمهات أطاش الفزع والرعب صوابهن، فهرعن يهربن بأطفالهن ولكن نيران العدو عاجلتهم وانتشرت جثثهم على الممرات والطرق وجعلت دماء الأطفال الأبرياء تختلط بدماء أمهاتهم، وفيما كانت المعركة قائمة كالجحيم خرج رجل من رجال السلطان يسمى “ دهرى أحمد “ من بيت مجاور ودخل إلى حيث السلطان المريض راقدا فى فراشه وقال له: “ وصل الضيوف “ ثم أخذ بندقية كانت فى غرفة السلطان، واستقر خلف دولاب بجانب سرير، وفى نفس الوقت خرجت زوجة السلطان من منزلها الملاصق وأسرعت تجرى حيث يرقد زوجها، وعندما وصلت الباب رأت جماعة من الجنود يتجهون نحوها، ثم تقدم بعضهم يريد إزاحتها من الباب بينما اجتمع البعض الآخر يطلقون مدافعهم على حصن السلطان وقصره من كل جانب، ولكن كأنما الرعب والفزع ورؤية الموت عيانا مدها بقوة خارقة فأمسكت بمصراعى الباب بشدة ولم تمكن أحدا من الدخول رغم أن ثلاثة من الجنود كانوا يجرونها من ذراعها. ثم انهالوا عليها بالضرب والركل الذى لم يزدها إلا تشبثا وعنادا، وعند هذا أمر الكابتن قائد الفرقة رجاله أن يتركوا المرأة ويتراجعوا، ثم أخرج مسدسه وأفرغ فى صدر المرأة كل ما فيه من الرصاص، وعندما كانت المرأة منكمشة فى دمائها تخطاها الكابتن ودخل غرفة السلطان ليخر فى نفس اللحظة صريعا برصاصة من “ دهرى أحمد “ خادم السلطان الذى كان قابعا يحمى سيده حتى الموت، ودخل خلف الكابتن إلى السلطان جندى برتبة ميجر، وكان هدفا للخادم المخلص الذى ألحقه بقائده الكابتن، ولكنه فى نفس الوقت أصيب برصاصة اخترقته من جانب إلى آخر وحمل الجنود الأحباش السلطان المريض فى سيارة من سياراتهم وطلع النهار ـ على بلدة أوسا ـ التى احترقت أكثر بيوتها، على أكثر من خمسة وتسعين جثة من النساء والأطفال وعدد مضاعف من الرجال منتشرة بين الممرات وفى جوانب البيوت وداخلها، لقد كانت هذه الحرب خديعة وخيانة دبرت بإحكام بالغ ونفذت بدقة، كانت عملية أريد بها اغتيال خسيس فى حرب خاطفة على رجل كانت نياته دائما صافية يعمل فى النور، بينما كان أعداؤه الكفرة يكيدون له فى الظلام، ويظهرون له خلاف ما يبطنون. وهكذا تعرضت “ أوسا “ آخر السلطنات الإسلامية لهجوم غادر ينافى أبسط مبادىء الاتفاقيات والجوار وراح ضحيتها السلطان “ محمد يايو “ فى سجن “ ألم بقا “ بأديس أبابا بعد أن قبض عليه كيلة وغدرا، ولكن سلطنة “ أوسا “ لم تذهب لقمة سائغة للأحباش لأن أحد أقارب السلطان وهو السلطان “ على مرح “ أخذ الأمر بيده وتصدى للأحباش وبدأ يناوئهم، وتراجع الأحباش مؤقتا خشية أن يتصل السلطان الشاب الجديد بالعالم الإسلامى أو يخرج القضية إلى الرأى العام العالمى فيفضح أساليب الأحباش الوحشية وفظائعهم. وهم لم ينجحوا إلا بالتستر وراء الستار الحديدى الذى أخفى كل ما فى البلد من فوضى و إرهاب، ينال فيه القوى أقصى ما يستطيع من الضعيف بالقوة وبالصورة التى لا يوجد لها مثيل فى عالم اليوم، أما أموال السلطان وهى طائلة جدا فقد نهبتها الحكومة الحبشية وجنودها البرابرة وهى عبارة عن لآلىء وجواهر وفضيات يزيد ثمنها عن مائتين وخمسين ألف جنيه استرلينى علاوة على عشرة آلاف من الجنيهات الذهبية، أما المواشى ما بين إبل وأبقار وأغنام ويزيد عددها عن خمسين ألف رأس فقد نهبت عن آخرها، وقد أثرى الجنود الأحباش الحفاة بما غنمو، من الغنائم الطائلة من سلطنة “ أوسا “ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
***
4ـ مذ بحة كمباشا:
وما أسهل أن تنسب الحوادث التى ترتكب ولا يعرف فاعلها إلى المسلمين، وهاكم حادثة وقعت عام 1946 م فى قرية صغيرة من قرى “ كمباشا “، وجد جندى أمهرى قتيلا فبعثت حكومة “ هيلاسلاسى “ كتيبة مؤلفة من مائة رجل بكامل أسلحتهم إلى القرية ليلا وقتلوا منها أكثر من ثمانين شخصا منهم الشيخ والطفل والمرأة، وأحرقوا الأكواخ عن آخرها، ونهبوا المواشى، وزجوا بالعشرات فى السجن، وذلك قبل أن يتحروا عن الحادث. وهكذا ذهب أولئك المساكين ضحية الخيانة والانتقام والحقد والكراهية، وهذا واحد من مئات الأمثلة التى حدثت ولا زالت تحدث فى كل وقت وحين. وبعد مضى سنتين ظهر أن القاتل كان زميلا للقتيل من القرية نفسها اتهمه بأنه على علاقة بامرأته.!
* * *
5ـ إحراق قرية جرسم:
فى “ جرسم “ ـ إحدى مقاطعات هرر ـ ثار الشيخ “ عبد القادر آدم “ عام 1947 ضد الضرائب الفادحة التى فرضت على هذه المديرية، وضد الأوامر التى كانت تقضى بأن تخبز نساء المركز المسلمات جوالا من الدقيق كل يوم للعسكر ويحملنه إليهم، فيلقين الاعتداء على كرامتهن من الجنود البرابرة. وبعد أن دخل رجال الثورة الغابات للمقاومة، جمعت الحكومة الحبشية الشيوخ والأطفال والنساء فى أكواخ كل عشرين أو ثلاثين منهم فى كوخ، وهو بيت يبنى عادة من الحشيش أو القصب وسكبت عليها صفائح البنزين فأحرقت جميعا بمن فيها. والذى أمر بهذه الجريمة المروعة لا يزال موجودا وهو وزير الحربية الرأس “ أيبرا أرقاى “ أما المواشي فقد أبيدت بالسم والرصاص، وكان هذا العمل انتقاما من الرجال الذين لجأوا إلى الغابات، ومن جهة أخرى لبث الرعب فى القرى المجاورة. ولا يقل ما أبادته الحكومة البربرية فى تلك القرية من الشيوخ والأطفال والنساء عن خمسمائة من الأنفس البريئة.
***
6ـ تدمير قرية بجوا:
فى سبتمبر سنة 1947 جردت حكومة الحبشة النصرانية، إحدى حملاتها المعتادة على قرية بجوا بمقاطعة (ولو) الإسلامية، وذلك لرفض المسلمين العمل فى مزارع الحكام بدون أجرة، ورفضهم دفع ضريبة الكنيسة العليا (منفسائى قوبائى)، فقوبل هذا الرفض القانونى بوحشية وفظاعة، ألم يعتادوا تسخير المسلم فى جميع أمورهم؟! ! ألم يبن مجلس الكنيسة كنائسه ومراكزه التبشيرية ضد الإسلام بأموال المسلمين؟! فلماذا يرفضون اليوم إذن؟ أيريدون تدمير الكنيسة؟.. حرام ثم حرام! أبيدوهم إذن، هكذا تساءل الأمبراطور ثم أصدر أوامره بالإبادة المعتادة، فأبيدت (بجوا) أسوأ إبادة وأحرقت مساجدها وزج بكثيرين من مشائخها فى السجن المشهور (آلم بقا) أى (نهاية الحياة) الذى هو مأوى الأبرياء من المسلمين الأحرار.
* * *
7ـ مأساة هرر:
فى عام 1947 حاول مسلمو هرر مصادمة الظلم والحد من الوحشية المتمادية والمطالبة بحقوقهم العادلة ومساواتهم بالمسيحيين، وجن ذلك جنون هيلاسلاسى، إذ كيف يعقل أن يطالب المسلمون بحقوق عادلة وبمساواة؟ إن هذا لوقاحة لن تسمح بها حكومة جلالة الإمبراطور، ولذلك جرد ثلاثة ألوية من الجيش اقتحمت المدينة وأعملت السلب والنهب والتعذيب. واستبيحت المدينة ثلاثة أيام متوالية تعرض خلالها الأهلون إلى أفظع أنواع النهب والسلب وهتك الأعراض على مرأى من الآباء والأزواج والعبث على ظهور الأبرياء بالسياط ودق خصيات الرجال، واستخدمت كل وسائل العنف والتعذيب، وصودرت المتاجر والمدارس والمزارع واعتقل الآلاف ووضعوا فى معسكرات التعذيب وأخذت أوقاف المساجد وضمت إلى الكنائس وأرسل الزعماء إلى المناطق النائية، واستخدمت كل وسائل التعذيب فى الاستجواب واستمرت هذه الأعمال الفظيعة سبعة أشهر كاملة قتل فيها من قتل وهلك من هلك بسبب الجوع والبرد. ولاذ بعض الهرريين بأماكن نائية يخفون أنفسهم وينكرون الانتماء إلى عشيرتهم ويلبسون القبعة بدلا من طاقيتهم المعتادة التى تميزهم وذلك أملا فى النجاة من التعذيب.
وفى تلك الأيام، قدم وفد من مسلمى هررإلى القاهرة ليعرضوا شكواهم على العالم الإسلامى، فلم يجدوا سندا ولا نصيرا، والظروف لم تكن فى صالحهم. وقد جاء ذكر هذه الحادثة فى كتاب “ الإمبراطورية السودانية فى القرن التاسع عشر “ من تأليف الدكتور محمدصبرى- عام 1948، قال فيها: (نشرت جريدة الأساس بتاريخ 29 أغسطس عام 1948 تحت عنوان: “ وفد مسلمى الحبشة عند فضيلة الأستاذ الأكبر “ مقالا جاء فيه: “ استقبل فضيلة الأستاذ الكبير شيخ الأزهر فى مكتبه أمس وفدا من مسلمى الحبشة من أهالى مقاطعة هرر، وتحدثوا إلى فضيلته فى بعض شئون المسلمين بالحبشة وخاصة من مقاطعة هرر، وقدموا إليه مذكر ة حالتهم الدينية والثقافية فى تلك البلاد،. كما قال الكاتب: “ إن جريدة البلاغ نشرت فى عدد 7 سبتمبر 1948 تحت عنوان: “المسلمون فى هرر يعرضون شكواهم من الحكومة الحبشية “ ما يأتى: “ جاءنا وفد من مسلمى هرر وقدموا لنا شكوى طويلة ختموها بما يأتى: “ لقد تقدم المسلمون إلى حكومة الحبشة عدة مرات بمطالبهم فكان مصيرهم التشريد ولما لم يجد المسلمون من وسائل السلم والتفاهم ما يحقق بعض مطالبهم العادلة ومعاملتهم بالمساواة مع مواطنيهم كأبناء بلد واحد حاولوا الدفاع عن حقوقهم المدنية والسياسية أمام اللجنة الدولية التى ذهبت إلى الصومال لتحقيق أمر المستعمرات الإيطالية السابقة، فذهب وفد منهم إلى مقديشو عاصمة الصومال، وكان يمثل جميع المقاطعات التى يسكنها أكثرية مسلمة، فكان نتيجة هذا العمل أن ازداد اضطهاد الحكومة الحبشية للمسلين، وأرسلت جنودها الحربيين المسلحين بالبنادق والمدافع الرشاشة إلى ديار المسلمين عامة، فأخذ الجنود ينهبون أموالهم ويأخذون من أمتعة وحلى النساء، ثم يشبعون الرجال بالضرب ويسوقونهم إلى السجون. وقد قامت مظاهرة فى مدينة هرر يطالب فيها المتظاهرون بالانفصال عن الحبشة والانضام إلى الصومال الكبرى عندما يقرر ذلك، فاعتقلت الحكومة الحبشية زعماء الحركة تحت ستار التفاهم معهم، ونقلتهم إلى جهة مجهولة، كما ذهب ضحية هذه الحركة عدد كبير من المسلمين، واعتقل نحو ثلاثة آلاف تجرى الآن محاكمتهم فى “ أديس أبابا “، ويلاقون الكثير من التعذيب والتنكيل، كما نفت الحكومة نحو خمسمائة من أبناء هرر إلى جهات غير معلومة. وقطعت المواصلات بين الجهات التى يسكنها المسلمون كهرر وعروس وولو.
ونحن مسلمى هرر خبرنا الحكومة الحبشية، ولاقينا على أيديها أسوأ ما عرفته البشرية من صنوف التعذيب والتنكيل والظلم والاضطهاد وحاولنا أن نصل معها بطريق التفاهم السلمى إلى حقوقنا فكان جزاؤنا النفى والتشريد، لم نجد أمامنا بعد هذا كله إلا أن نتقدم إلى العالم العربي الإسلامى خاصة والإنسانى عامة بشكوانا هذه راجين الإنصاف فى قضيتنا العادلة وذلك لا يكون إلا أن نفصل عن حكومة الحبشة ونضم إلى الصومال الكبرى عندما يقرر ذلك إن شاء الله.
وغير خاف أننا كنا دولة “ إسلامية “ دام سلطانها خمسمائة عام تقريبا والتاريخ شاهد على ذلك، ولقد كنا ولا نزال مختلفين عن الشعب الحبشى عامة فى اللغة والدين والأدب والأخلاق والعادات، هذا كله علاوة على سوء معاملة الحكومة الحبشية التى أوضحناها فى هذه المذكرة “. وإلى هنا انتهى ما جاء فى كتاب “ الإمبراطورية السودانية فى القرن التاسع عشر “ للدكتور محمد صبرى وهذه النبذة تعطى صورة واضحة لما حدث هناك من الظلم والإ بادة والتشريد.
* * *
8ـ قتل أربعين مسلما في عرقبا:
فى فبراير من عام 1949 قام نزاع بين عشيرة إسلامية من قبيلة (عرقبا) بالقرب من (أيفات) فى شكال مديرية (شوا) وبين المسيحيين النازحين هناك سببه أراض زراعية انتزعتها الحكومة من المسلمين ومنحتها للمسيحيين، فقام المسلمون يدافعون عن أملاكهم وبذلك حدث التصادم بينهما. وتدخلت الحكومة وجردت إحدى حملاتها المعتادة لتأديب المسلمين بالطبع، وأبادت الحملة كثيرا من أفراد العشيرة الإسلامية وسلمت الأراضى للمسيحيين وقد حكى جندى من جنود الجيش لشاب كان يظنه مسيحيا فقال له: “ إن أولئك القوم شجعان إلى حد كبير فقد قاوموا فرقتنا بالرماح والسيوف وقتلوا منا خمسة جنود، ولكننا استطعنا إبادتهم فقتلنا منهم أربعين شخصا وفصلنا رؤوسهم عن أجساهم وتركناهم فى العراء حتى يتعظ كل من تسول له نفسه بمعارضة إرادة الإمبراطور المقدسة “!
***
9ـ مأساة (داوى) قبلة العلوم الإسلامية بالحبشة:
صمدت سلطنة (أوسا) بفضل رجالاتها وأبنائها المشهورين بالبطولة فى الحرب وبطبيعة أراضيها المنيعة وأكثر من أى شىء آخر بالتأييد الأدبى من قبلة العلوم الإسلامية فى الحبشة (داوى)، فقد كان المسلمون جميعا يدركون أن سلطنة “أوسا” هى المعقل الأخير وسلطانها هو الحاكم المسلم الوحيد الباقى فى الحبشة كلها، وبطبيعة الحال نال تأييد المسلمين عامة و (داوى) خاصة، وكان السلطان يطبق فى بلاده أحكـام الشريعة الإسلامية ويتجه إلى (داوى) مستوضحا أحكام الشريعة ليجد الأجوبة الصحيحة من علمائها ولا سيما من المفتى “ محمد أمانى “.
وشغل هذا التعاون بال الحكومة الحبشية التى رأت فيه شرارة قد تنطلق منها نهضة إسلامية جديدة، وكان لابد من إيجاد حل. وأكثر الحلول نتائجا ـ كما هو فى الحبشة دائما ـ الضربات الشديدة التى تسحق بقوة أى تكتلات إسلامية وتضيع معنويات المسلمين، وكان تطبيق هذا مع سلطنة “ أوسا “ غير مستطاع فى تلك الظروف، فإذن فلتكن (داوى) الضحية، وبدأت الحكومة الحبشية تجس النبض فى (داوى) والبلدان الإسلامية المحيطة بها فأوعزت إلى بعض المسيحيين للتحرش بهم، فأغاروا على بعض القرى والمراعى الإسلامية، وقتلوا ثلاثة من الشبان، واستولوا على المواشي، فهب المسلمون بسرعة إلى حمل السلاح وتجمع من الفريقين عدد هائل، وبدأت الاصطدامات التى كان الكل يترقبها أن تتحول إلى حرب طاحنة. وفى نفس الوقت والاصطدامات مستمرة أقبلت قافلة من سيارات الحكومة متجهة إلى (ديسى) فظنها المسلمون مددا وعونا للمسيحيين، فبدأ بعض الشبان إطلاق النار عليها، وكادوا يقضون على القافلة لولا أن قام رجل من تلك الجهات واسمه “دجياش يوسف” ووجه نداء إلى المسلمين المهاجمين صائحا فيهم: أن أوقفوا إطلاق النار وألا هلكتم جميعا، فهذا ابن الملك وولى عهده، ذاهب إلى مقره وما جاء لحربكم، فأو قفوا هجومهم فى الحال.
وتفرق المهاجمون ونجا الأمير الحبشى لحسن حظه، ولكن ما أن انتشر الخبر حتى تحركت فرق الجيش من جهات العاصمة وديسى لشن هجوم على المسلمين، وانتشر الخبر بسرعة مذهلة، وتحدث عنه المسلمون فى كل مكان واستولى الذعر على الإمبراطور، فأمر بإيقاف الجيش عاجلا وطلب أن يعمل شيوخ المسلمين وقساوسة المسيحيين على إيجاد صلح بالطرق السلمية.
واجتمع الشيوخ والقساوسة وأعيان الطائفتين وعقد صلح سمي صلح (غدم) نسبة إلى مكان الاجتماع الذى يقع فى جهات (جمزا) واتفق الجانبان على أن يفرض 000. 50 دولار حبشى على أى من الجانبين يخرق الصلح، وكان ذلك فى أبريل من عام 1953. واستمرت الحال فى هدوء نسبى مدة، ثم تسلل بعض الأحباش إلى قرية إسلامية وقتلوا فتاة وجرحوا صبيا آخر واستولوا على بعض المواشى وأصبح المسلمون فى خطر، وأبلغوا السلطات الحبشية بما حدث، ولكنهم لم يجدوا أى جواب، وأخيرا رأى رؤساء المسلمين ومشايخهم أن يدعوا الأزمة تمر بدون تشدد لأن حالتهم لا تسمح ببدء القتال إلا فى حالة دفاع لا مفر منه إذا قام المسيحيون بهجوم منظم. ثم حدثت فترة من الهدوء والسلام، وبدأت الأحداث الخارجية تحظى باهتمام زائد فى الحبشة بصورة لم يسبق لها مثيل، فقد كانت الدعوة إلى (صوماليا الكبرى) فى أقوى مراحلها، وكان تجاوب المسلمين مع هذه الدعوة يتجلى فى صورة نشوة غامرة لا تحفظ فيها، وصار رجل الشارع المسلم يبدى سخطه وتذمره ويتوعد السلطات الحبشية مما ينالها على أيدى الصوماليين ومسلمى الحبشة عندما يبدأ الزحف المقدس، وكانت الكلمات والشتائم والسباب هى الوسيلة الوحيدة للتنفيس عن النفس والتعبير عن السخط وذلك بالنسبة لرجل الشارع المسلم.
وكان رد الفعل عند الأحباش يظهر فى صورة هستيرية مجنونة تخيل لهم أن كل من فى الحبشة يعمل على هلاكهم والفتك بهم، وزاد الطين بلة أن إذاعة القاهرة كانت تدعو الصوماليين إلى الاتحاد والعمل بجد ليتبوأوا مقعدهم بين الأمم، وينالوا مكانتهم بين الشعوب الحرة سيما وقد أوشكت وصاية إيطاليا باسم الأمم المتحدة أن تنتهى.
وبدأت السلطات الحبشية تتودد إلى المسلمين وتعمل جاهدة ضد ما أسمته “الدعاية المغرضة الخارجية التى تهدف إلى خلق الفتن وتمزيق وحدة الإمبراطورية “ وبدأت ظاهرة غريبة هى إغداق الألقاب على أشخاص نكرات من المسلمين، وخلق زعامات مهلهلة، وتعيين عدة رؤساء فى أصغر القبائل والوحدات مما ساعد على خلق الحزازات والتنافس على لا شىء. وجعل الناس يتذمرون والرؤساء أنفسهم يطالبون بالإعفاء من مناصبهم والتنازل عن ألقابهم بعد أن ظهر لهم ما خسروه بسبب هذه التوافه. وفى نفس الوقت بدأ فصل جديد فى تاريخ الاضطهاد والتعذيب لمسلمى هذه المنطقة من الحبشة، فعلى حين غرة وبلا مقدمات- كالعادة- توغلت فرقة من رجال الجيش إلى داخل البلاد وحاصرت بيت ابن زعيم مسلم يسمى “ حسن آمى “، ولكن الفرصة مكنته من الهرب فاعتصم بجبل قريب تغطيه أجمه كثيفة فأطلق جنود الأحباش النيران على زوجته، وجروا جثتها العارية المضرجة بالدماء إلى الخارج وأشعلوا النار فى البيت.
وهرع الشاب إلى البيت المشتعل فوجد الجنود البرابرة قد غادروه، ووجد زوجته جثة هامدة عارية، فتتبع الفرقة سريعا ولحق بهم وبدأ فى إطلاق النار، وفجأة وتحت ستار الظلام انضم ستة من زملائه الشبان وقتلوا الضابط الذى كان يقود الفرقة واسمه (شامل) وتمكنوا من إسكات المدفع الرشاش، وتملك الفرقة الفزع واضطربت قيادتها فهجم عليها الشبان المسلمون وكان عددهم قد زاد أثناء المعركة إلى عشرين ومزقوها شر ممزق.
وفى أثناء تراجع البقية الباقية من الفرقة استمرت المطاردة ثلاثة أيام، وكان الأحباش قد توغلوا فى داخل البلاد فى جهات لا يعرفون مسالكها اعتمادا على قدرتهم وسمعتهم التى توهموا أنها تجعل أشجع المسلمين يرتجف وينفطر قلبه هلعا وخوفا منهم، وفى اليوم الثالث قضى على الفرقة الحبشية، إلا أن أفرادا قلائل تمكنوا من النجاة بالهرب، واستولى المسلمون على أسلحة العدو واعتصموا بالجبال وتوغلوا فى الغابات. وتحرك الجيش الحبشى من أديس أبابا و “ دبرى برهان “ وذهب الملك بذاته لمقابلة الضباط فى تلك المنطقة ولإعطائهم الأوامر النهائية، ثم انقض الجيش على البلاد بقيادة الكولونيل ـ جنرال حاليا ـ “ أيى جمدا “ فاحتل القرى الإسلامية بسهولة واستباح كل بيت ونهب كل شىء واعتدى على كل امرأة شريفة، وكان الجنود الأحباش يعبثون مع الفتيات أمام آبائهن وأمهاتهن المقيدين حتى هلك الكثيرات منهن، وأخذوا كثيرا من المشايخ والعلماء من خلواتهم ومعابدهم، ثم جردوهم من ثيابهم وألقوا بهم فى الحفر، ووضعوا عليهم الشوك ثم ساروا عليهم بأحذيتهم العسكرية، ومازال الكثيرون منهم لا يستطيعون استعمال أيديهم إلى اليوم لما نالها من عطب، ولم ينج من التعذيب أحد حتى الأطفال قضت عليهم الركلات بالأحذية وهلك الكثيرون من جراء العطش والجوع فى معسكرات التعذيب.
وفى تلك الأيام ظهرت صور من التعذيب تفوق ما تصوره العقل. فقد حصل أن هرب شاب من أبناء الزعماء واسمه محمد عبده إلى حدود سلطنة (أوسا) حيث يستحيل على الأحباش إرجاعه من هناك، فقبضوا على والده وربطوا منفذ بوله بالأسلاك إلى أن مات بعد أن انتزعوا أظافره وهشموا ذراعيه وفقأوا عينيه مقدما، وتحولت المقاطعة إلى معسكرات للتعذيب. لعدة أيام، ومحيت قرى كثيرة من الوجود كما التهمت النيران كل ما رأى الأحباش تحويله إلى رماد، ولم يكن الهجوم فى أول الأمر بأقل فظاعة من التعذيب الذى تلى فيما بعد. لقد هجم الأحباش على القرى والمزارع بسرعة بينما كان الناس يترقبون منهم أن يتعقبوا الذين حملوا السلاح فى الجبال، ويستعملوا قاذفات اللهب ضد المشافي والنساء والأطفال الذين اختبأوا بين الصخور والأشجار، وطحنوا الأكواخ والبيوت بمن فيها بالدبابات والسيارات المصفحة، ولم يكفهم هذا بل حولوا المجزرة إلى لعبة صيد يتلذذون بها فكانوا يوقفون إطلاق النار ثم يطاردون فرائسهم عبر الحقول بسياراتهم حتى يسحقوهم واحدا واحدا عندما يتعثرون أو يكلون ويقعون على الأرض، وكان بعض الأطفال يتسلقون الأشجار أملا فى النجاة ولكن جنود الأحباش البرابرة كانوا يصيدونهم كالعصافير جاعلين منهم أهدافا فى مباراة الرمى يتسابقون إليهم ويقتلونهم كالعصافير.
ومرت أربعة أيام ومعسكرات التعذيب تجرى بأفظع وأقذر عمليات التنكيل والإذلال، فبكى الرجال وتضرعوا إلى الله، ثم طلب العلماء وأعيان البلد أن يبحثوا عن “ الحاج على “ ذلك الرجل الطيب الذى كانوا ينظرون إليه فى وقت الملمات والذى كان لسان حالهم لدى الأمهريين القساة.
وكان الحاج على بن الحاج يحيى هذا يأخذ على عاتقه مهمة الاتصال بالسلطات فيما يختص بالضرائب فيجمعها ويدفعها للأمهريين، ويقبض على المجرمين ويسلمهم إلى المختصين، وذلك حسب الاتفاق القديم الذى يترك للمسلمين إدارة شئونهم الداخلية ولا يسمح للجيش أو البوليس الحبشى بالدخول إلى البلاد أبدا، والحاج على هذا واحدا من الرجال القلائل الذين كانوا يجيدون اللغة الأمهرية لغة الأحباش المسيحيين فى تلك المنطقة، أما شعب هذا البلد فكانوا على العموم مغايرين للأحباش فى كل شىء: فى اللغة والدين، وفى طريقة المعيشة والعبادة، بل إن مشايخ هذا البلد وعلماءه لم يروا بأعينهم كافرا أبدا. وقال الكولونيل “ أيى جمدا “: إن أحضرت لكم هذا الرجل فهل تسلمون أولادكم الثائرين؟ فقالوا له: آت به ونحن نتفاهم معه، وسأل عنه الكولونيل الجيش فقيل له: إنه فى (دلتا) ولكنه لم يكن هناك وسألوا عنه فى (ديسى) ثم علموا أنه فى أديس أبابا، إذ كان قد هرع إلى العاصمة عندما سمع أن الجيش هجم على البلاد، ووصلت برقية إلى أديس أبابا واتصل وزير الداخلية” أتو مكنن هبنى ولدى “ بالإمبراطور حالا فى نفس الليلة، وفى الصباح استدعى الإمبراطور الشيخ وقال له: “ كيف يعذب الشعب وأمثالكم موجودون؟ اعملوا شيئا لأن البلد كانت ولا زالت تحت أيديكم “.
ورد عليه الشيخ: اعطنى الأمان لأسوى الأمور.. أعطنى عفوا شاملا وسأجعل الثوار يرمون أسلحتهم ويعودون. وتم كل شىء على وجه السرعة وتسلم الشيخ من يد الإمبراطور مرسوما يعلن فيه العفو الشامل ويدعو إلى تسليم الأسلحة والعودة إلى المدن، واستقل إحدى سيارات الجيش بصحبة ضابط خاص واتجه إلى البلاد، وبوصوله اجتاحت البلاد موجة عن الأمل وتنفس المسلمون الصعداء، وبدأوا يرهفون آذانهم يترقبون الفرج على يديه، ودعا الشيخ كل من حمل سلاحه، وخرج إلى الغابات: أن يعود إلى البلاد ويسلم أسلحته، وطمأنهم بعفو شامل من الإمبراطور فعاد الهاربون. وأقبل الشبان من كل جانب واضعين ثقتهم فى الشيخ، وسلموا أسلحتهم، ومن أوائل من استجاب لنداء الحاج على “ محسن أمرا “ ذلك الشاب الذى ابتدأت المأساة بمحاولة القبض عليه، وسلم الأسلحة والخيمة التى استولى عليها فى المعركة، فكيف قابل الأحباش هذا العمل؟ لقد جمعت السلطات كل الذين سلموا أسلحتهم وألقوا بهم فى!السجن وفجأة وصل ثلاثة أشخاص من الأحباش قيل أنهم من كبار القضاة فى المحكمة العليا، وأسرع “ الحاج على “ إلى العاصمة ليطلب من الملك أن يبر بوعده ويطبق العفو الشامل حسب ما أعلنه رسميا، ولكنه قال للشيخ البرىء أنه حاكم دستورى لا يستطيع أن يبت فى مثل هذه الأمور التى هى من اختصاص العدالة والقانون، كأن عندهم عدالة وقانونا ! وبدأ الأحباش يلصقون التهم بواسطة بوليس خاص وفرق من الجيش والحرس الإمبراطورى ، وكان المترجم والدفاع منهم، والمتهمون كلهم مكبلون بالسلاسل، ولم تأخذ المهزلة وقتا طويلا: استجواب سريع ثم الحكم بالموت ـ بالموت ـ بالموت ـ أنت شاركت.. أنت عاونت ـ فلا دفاع، ولا استئناف بل شنق سريع، وتجددت موجة التعذيب بأقصى مما كانت عليه من قبل.
استشهد الكثيرون من الشبان المسلمين فى الظلام قبل أن يقدموا حتى للمحاكمة الصورية، وأعلن البعض من الأبرياء إنهم مجرمون عندما اشتد عليهم التعذيب، وكان يسمح لأفراد الجيش والبوليس الذين ادعوا أنهم فقدوا أقاربهم وأصدقاءهم أن يتسللوا فى الليل إلى حيث كبل الأبرياء وأن ينتقموا بأيديهم قبل أن تسقيهم العدالة الحبشية كأس المنون.
ومن بين أكثر من 500 شاب نقلوا إلى السجن فى “ أديس أبابا “ أعاد الأحباش 55% إلى بلادهم ليشنقوهم على الأخشاب كل أربعة أو خمسة على خشبة فى نحو اثنى عشر قرية، وعروهم من الملابس عدا ما يستر عوراتهم للتحقير والتقليل من قيمتهم والصاق الهمجية بهم.
كان هذا فى الوقت الذى زار فيه الإمبراطور الجمهورية العربية المتحدة وحين كان يبتسم ويتودد إلى الرئيس جمال عبد الناصر باسم الأخوة الأفريقية وباسم فضل الحبشة على الإسلام فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولا يدرى أحد ماذا حصل لبقية الشبان الذين ألقوا فى السجون، ولو أن المرجح أنهم أبيدوا بالجملة وبمختلف الطرق، وكان الأحباش انتهازيين بكل ما فى هذه الكلمة من قذارة، فقد اتهموا المسلمين بخرق صلح (غدم) وأجبروهم على دفع الخمسين ألف ريال المتفق عليها. وبعد أن تسلموا المبلغ أجروا المحاكمات الصورية وأعدموا الشبان مع أنهم هم البادئون بالعدوان والبادىء أظلم.
هذا والضابط الذى كان يحمل وثيقة الصلح “ كابتن ورقنه “ لم يظهرها، بل أظهر رسالة أخرى تتضمن اتخاذ خطوات تساعد على السرعة وانتهاء مهمة القبض على أكبر عدد ممكن من الذين يستطيعون حمل السلاح بين المسلمين، وبتنفيذ أحكام الإعدام انتهى الفصل الأول من المأساة، وبدأ الفصل الثانى الذى لا يقل عنه وحشية وفظاعة، والذى لا زال مستمرا إلى هذا اليوم، ولا أحد يدرى متى يكون الخلاص منه.
استولى الجنود الأحباش على الأراضى وعلى بيوت المسلمين وزوجاتهم، بل وعلى الرجال أنفسهم فى كثير من الحالات، إحدى وعشرون امرأة وفتاة مسلمات سباهن جنود الأحباش ونصَّروهن قهرا ولا زالوا يعاشروهن إلى اليوم فوق أراضى استولوا عليها من آبائهن وأزواجهن.
وأكثر من ثلاثمائة بيت سخر المسلمون رجالا ونساء فى بنائها، بعد أن أجبروا على قطع الأخشاب من غابات قرب (سمبترا) وحملوها على أكتافهم ورؤوسهم إلى (كرافودى) و (داوى) حيث تم الاستيلاء على أراضيها لحساب أفراد الجيش الحبشى. ومازال المسلمون حتى اليوم فى تلك المنطقة يجلدون ويجبرون على خدمة هؤلاء السادة البرابرة فى قطع الأخشاب والحشائش وبناء الأسوار وشق الطرق وتعبيدها.
ومازالوا إلى اليوم يقبضون على أى رجل مسلم ويقولون له كنت كذا وكذا حتى فى أيام الاحتلال الإيطالى تملك بندقية أو مسدسا فسلمها و إلا فادفع قيمتها، والويل له لو تأخر.
* * *
وبعد، إننا نكتب هذه الصور وهى جزء من الواقع حتى يعلم المسلمون وكل ضمير فى العالم عنا بعض الشىء وأن الناس هناك يمنعون من القوت الضرورى، وأن الجوع والموت يغشاهم، والحالة لم تعد مستطاعة والانفجار محتمل فى أى لحظة والوقت ضيق، فلتبادروا أيها المسلمون فى كل مكان بسرعة معاونة إخوانكم إن أردتم بقاء الإسلام فى الحبشة .
* * *
10ـ حكومة الحبشة تحاول إبادة القبائل الصومالية فى منطقة (أوجادين):
أعطى أحد المجاهدين صورة عن هذه المحاولات فقال: “ جمعتنى الصدفة يوما فى غرفة واحدة فى قطار “ أديس أبابا- جيبوتى” مع ضابط حبشى من ضباط الحدود. فحدثنى كثيرا عن مغامراته مع القبائل الصومالية فى أوجادين، وكان يظننى مسيحيا مثله مما جعله يرفع الكلفة بيننا ويطلق العنان للسانه مطريا رجال الحدود وعظائم أعمالهم الوحشية، وقال: إن الصوماليين قوم شديدو المراس متهورون فى شجاعتهم ولديهم كثير من الأسلحة النارية الحديثة التى نالوها من الإيطاليين مما جعل كسر شوكتهم مغامرة خطيرة على رجال الحدود الذين ينتصرون عليهم أحيانا بشق الأنفس، بالحيل والخداع تارة، والأطماع والتساهل تارة أخرى، وبالقوة واستعمال الأسلحة الفتاكة أحيانا كثيرة، فتقتل إبلهم ومواشيهم التى هى عماد حياتهم كى يستسلموا ولكنهم لا يستسلمون، وأحيانا تحرق بيوتهم وتدمر مساجدهم بالمدافع فيستسلم بعض منهم عندما تضيق عليهم الحياة.
فقلت له متصنعا العجب من أعماله البطولية: لماذا تبذل حكومتنا النفس والنفيس فى مقاتلة هؤلاء الصوماليين؟! فأجاب القائد بغرور ظاهر قائلا: “ إن ما تنفقه الحكومة من الأموال الطائلة وما تبذله من نفوس جنودها راضية فى قتال الصوماليين لا يساوى شيئا بجانب استيلائنا على هذا البلد الذى اكتشف فيه كنوز من البترول والذهب والحديد والكبريت والملح الجبلى الذى سيدر أرباحا طائلة على الدولة عندما يتم استغلاله.
وهذه المحادثة القصيرة بين مجاهد مسلم وضابط مسيحى مستعمر تلقى ضوءا على ظلم حكومة الحبشة واعتداءاتها المتكررة على القبائل الصومالية فى منطقة أوجادين التى استولت عليها بمساعدة الفرنسيين والبريطانيين تحقيقا لأحلامها الاستعمارية وطمعها فى نهب مواردها الطبيعية0
وفى السنوات العشرين الأخيرة حدثت على القبائل الصومالية اعتداءات وحشية من برابرة الأحباش، أبيدت فها عشائر وقرى بأكملها، وهذه الحوادث كثيرة يصعب ذكرها جميعا هنا ولكننا نورد ثلاث حوادث على سبيل المثال:
ا- فى سنة 1955 علق بعض المشايخ راية دينية فى مسجد (جقجقا) بمناسبة دينية كما هو معتاد فى كثير من البلدان الإسلامية، وتدخل البوليس الحبشى وأمر بإنزال الراية وتعليق العلم الإثيوبى المسيحى فى المسجد، ورفض الصوماليون بحجة أن المسجد ليس مقرا حكوميا، وبدأ بذلك الاشتباك الذى راحت ضحيته عشرات من الأرواح وسجن الكثيرون من المشايخ.
2- وفى أواخر عام 375 1 هـ الموافق عام 956 1 م هاجمت القوات الحبشية المسلحة قبيلة (عيسى) الصومالية وقتلت منهم عددا كبيرا من رجال وأطفال ونساء وشيوخ بقصد انتزاع الأسلحة منهم. وأذاعت محطة لندن نبأ هذا العمل الوحشى الذى قصد به الإبادة والتشتيت، ولم تخجل إذاعة أديس أبابا من ترديده وذكرت أن قبائل عيسى كانت هى المعتدية.
3- وفى يوم 29 رمضان 378 1 هـ والمسلمون يستقبلون عيد الفطر المبارك والزحام مشتد حول الآبار تعطلت آلات رفع المياه الخاصة بأفراد الجيش فى قرية (قبر دهر) بالقرب من حدود الصومال البريطانى (سابقا) فورد جنود الأحباش على الآبار الخاصة بالصوماليين المسلمين فطردوا الفتيات والنساء واعتدوا عليهن بالضرب، وكان بالقرب منهن بعض الشبان الصوماليين الذين لم يستطيعوا أن يتحملوا منظر هؤلاء الجنود وهم يعتدون على النساء، فاشتبكوا معهم بالأيدى والعصى، وهرب الجنود إلى ثكناتهم وعادوا بأسلحتهم الفتاكة وقاموا بهجوم مفاجىء على القرية بأكملها، مستعملين المدافع الرشاشة وأنواع الأسلحة الأخرى، وبطبيعة الحال لم تقع معركة يتقابل فيها فريقان، بل مطاردة أشبه ما تكون بصيد الحيوانات فى الغابات لأن الصوماليين لم يسعهم إلا الفرار أمام زحف الجيش المسلح. وفر الصوماليون رجالا ونساء وأطفالا مسافة تزيد عن 25 كيلومترا حتى وصولوا إلى غابة على الجانب الأخير من حدود الصومال البريطانى (سابقا) واحتموا فيها بعد أن سقط منهم 36 قتيلا وجرح كثيرون.
وعاد الفارون بعد ثلاثة أيام إلى منازلهم بعد أن تفاهمت السلطات البريطانية مع حكومة أديس أبابا بشأنهم لا ليحتفلوا بالعيد، ولكن ليشيعوا جنائز شهدائهم التى تعفنت، وخيم على المنطقة جو مظلم يسوده القلق والتوتر، ولن ينتهى هذا ما لم تفصل منطقة أوجادين خاصة والمناطق الإسلامية فى الحبشة عامة عن الاستعمار الأمهرى الغاشم وتصبح جزءا من صوماليا الكبرى أو تصبح صوماليا الكبرى جزءا منها.
* * *
مجازر أوجادين:
كتب شاهد عيان عن الحوادث الأخيرة فى منطقة أوجادين قال: “ وقعت على قبائل “أ عيسى” مصائب كبيرة فى الأسابيع القليلة الماضية وسالت دماء الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال أنهارا فى مناطق (أوجادين) والاضطرابات على قدم وساق، ففى كل ليلة يرفع الشباب أعلاما صومالية كثيرة وتنزلها القوات الحبشية قى الصباح، حصل ذلك حتى فى منطقة (ديرداوا) وارتكبت القوات الحبشية جرائم وحشية ضد القبائل الصومالية، وأقامت المجازر والمشانق بالجملة.
وقد أوقفت قبائل عيسى القطار بين “ جيبوتى “ و “ديرداوا “ وغنموا حمولته، كما قطعوا الأسلاك الكهربائية والتليفونية انتقاما لما حل بهم من المجازر البشعة من القوات الحبشية، ويقال:أن أكثر من خمسمائة شخص بين جريح وطريد اخترقوا الحدود إلى جمهورية صوماليا، وقد رفعت حكومة صوماليا احتجاجا رسميا إلى حكومة الحبشة وهددت برفع شكوى إلى هيئة الأم المتحدة.
وبعد استقلال صوماليا فى 1/ 7/ 1960 ألغت الحكومة الحبشية اتفاقية عام 1948 م مع الحمية البريطانية بصدد المراعى، ومعنى هذا أن القبائل الصومالية الرحل لا تستطيع دخول المنطقة الرعوية التى تسمى” المنطقة الاحتياطية"، ومن جانب حكومة صوماليا ألغت معاهد ة سنة 1908 وما قبلها، والتى أبرمتها السلطات الاستعمارية مع الحكومة الحبشية، وهذا معناه أن صوماليا لا تعترف بحدودها، وعلى العموم فإن الحالة جد متوترة فى هذه المنطقة “.
هذا ما كتبه شاهد عيان، ونضيف إلى ذلك ما كتبته صحيفة “الجمهورية القاهرية” فى عددها رقم 26899 والصادر فى 2 1/ 2/ 0 38 1 هـ الموافق 5/ 8 /1960)، قالت بالحرف الواحد تحت عنوان “ اشتباكات عنيفة بين القوات الصومالية والإثيوبية “ ما يلى:
“ مقديشيو فى 4- أ. س أ ـ وقعت اشتباكات عنيفة بين بعض القبائل الصومالية ووحدات من الجيش الإثيوبى على الخط الحديدى بين جيبوتى وديرادوا، ولا تزال هذه الاشتباكات مستمرة “.
“ وتقول المصادر الموثوق بها أن هذه الاشتباكات بدأت منذ أسابيع، ثم ازدادت حدتها واشتركت فيها قبائل أخرى وأدت إلى قتل 800 صومالى و1000 إثيوبى، ويرجع سبب هذه الاشتباكات إلى اعتراف هذه القبائل بجمهورية صوماليا “
وكتبت جريدة (قرن إفريقيا) الصومالية فى عددها رقم 56 الصادر فى 3/ 9/ 1960 م ما يلى: “ غزت قوات هيلاسلاسى عدة قرى ومدن صومالية “ مسلمة “ فى غرب الجمهورية، وقامت بعملية قتل ونهب و إرهاب كما قتلت مئات من الأطفال والنساء والرجال ونهبت آلاف الحيوانات، واشتركت أيضا الطائرات الحبشية فى عملية الإبادة التى قامت بها القوات الباغية، وفى (دجحبور) استدعى الحاكم الحبشى بعض زعماء قبائل الصومال وقال لهم بالحرف الواحد ما يلى:
“ إن حكومة الإمبراطور العظيم “ هيلاسلاسى “ النجاشى قررت ما يلى:
ا- طرد جميع رعايا الجمهورية الصومالية من أراضى الإمبراطورية وحرمانهم من حقوق المراعى.
2- تأميم البرك الواقعة على هذا الجانب من الحدود وتوزيعها “ على رعايا الإمبراطور “، واستمر يقول “ إن الإمبراطور الذى يعطف على شعبه ويريد له الخير والسعادة اتخذ هذه القرارات ويرجو موافقتكم عليها “
وفى (قبر دهر)، ورع المواطنون منشورات يطالبون فيها بالجلاء عن منطقة (أوجادين) وأعلن المواطنون عن عزمهم للتخلص من الاستعمار والسيطرة الأجنبية، وتفيد الأنباء أن السلطات الحبشية هناك ألقت القبض على 25 مواطنا بتهمة تحريض الشعب ضد الحكومة.
ومن هنا يتضح لك أيها القارىء الكريم ما يقاسيه أبناء الصومال المسلمون الذين يطالبون بحقهم العادل فى الحرية والانضمام إلى إخوانهم فى جمهورية صوماليا، وفق الغد القريب إن شاء الله يتحقق هذا الأمل وتقوم جمهورية صوماليا الكبرى شاملة تحت لوائها لا منطقة (أوجادين) فحسب، بل سائر المناطق الإسلامية الرازحة تحت نير الصليبية الحبشية، وتتحقق بذلك الأمانى التى يصبو إليها المؤمنون بالعزة والكرامة، ويتحقق وعد الله الذى وعد به عباده المؤمنين (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا).
***
استقلال مزيف.. يقوم على اضطهاد الإسلام والمسلمين..
فى السنين الأخيرة انتفضت الشعوب الأفريقية انتفاضة الحياة، وبدت كراهيتها الواضحة للاستعمار الغربى الذى جثم على صدرها دهرا طويلا. وقررت هذه الشعوب أن تسترد حرياتها المسروقة وخيراتها المنهوبة، وأن تعيش سيدة نفسها دون تبعية سافرة أو مقنعة للرجل الأبيض القادم من وراء البحار.. والمستعمرون لا ينقصهم الخبث كى يواجهوا هذه الحركة بالتفاف ماكر. إنهم حراص على استنفاد كل خير، فى كل شبر من أرض القارة البكر لصالحهم الخاص.
وعندما تطلب ذلك قديما أن يحتلوا ال