محمد الغزالي الاستعمار أحقاد و أطماع

كيف يفتكون بنا…

رسالات السماء والأجناس التى حملتها:

الناس معادن تكشف المعاملات عن سرائرهم وهم آحاد، وتكشف السياسات عن طبائعهم وهم جماعات. ومعادن الأمم تتكون من جملة السلوك العام لأفرادها، مع ما ينضم إلى ذلك من خصائص الجنس، ومستويات الثقافة، وأنصبة المنفعة التى تحرص كل أمة على تحصيلها لنفسها…
ومعدن الأمة له أثر كبير “ فيما تحمل “ من رسالات، فإن الأمة التى لها خصائص كريمة تصل برسالتها إلى مدى بعيد، والأمة التافهة تكبو بالرسالة التى تحملها، وتقف بها دون الغـاية المنشودة…!
إذا التقت طبيعة أمة ما مع طبيعة الرسالة التى تحملها كان هذا الالتقاء قوة كبيرة للأمة ورسالتها معا. وتعزز ثمرات الخير الناشئة عنه إذا كانت هذه الرسالة قائمة على الإيمان والحق، محكمة السير فيما تقدم للعالم من بر ورحمة!
ولكن هل هذا الالتقاء ميسور دائما؟
إن الأمم قد تكون لها طبائع شرسة إلى جانب نواحيها الأخرى الطيبة، فإذا اعتنقت دينا كله.
رفق وبناء، فهل تهب له نواحيها الطيبة، وتطوى له طباعها الرديئة، وتؤدى الأمانة كاملة فى عرضه وفرضه؟؟
إن التاريخ يسجل تفاوتا كبيرا لمسير الرسالات الكبرى فى الأرض، وهو تفاوت يجب أن نلحظه حين ننصف الأديان من اتباعها، وحين نذكر ما لها وما عليها…
لقد اعتنق العرب الإسلام، فاستطاع هذا الدين فى فجر دعوته أن يذيب العصبيات المفرقة التى أكلت هذا الجنس، وبددت قواه، واستطاع أن يحول تهوره إلى شجاعة حكيمة، واعتداده بنفسه إلى اعتداد بالحق ورسالته فحسب..! من ثم انتفع الإسلام بالعرب، بعد أن هذب معدنهم، وصقل رونقه، فإذا هو يطوف بالمعمور من أرض الله فى سبعين سنة، ويؤسس حضارات عليها طابع الخلود..!
ثم تحركت العصبيات المكبوتة، وتفلتت من قيود الدين، ورجعت إلى العرب طبائعهم فى الجاهلية، مع حرصهم فى الوقت نفسه على استبقاء الإهاب الإسلامى، وظواهر التقى والإيمان. وتفرقوا شيعا فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين ومنبر!
فكانت عودة الحياة إلى هذه العصبيات المفرقة سببا فى انهدام الدولة الإسلامية الكبرى، بل كانت سببا فى انسلاخ أقطار وأقوام عن الإسلام جملة.
***
واعتنق الترك الإسلام، وكانوا أول عهدهم أصحاب بداوة أنقذت الإسلام من عصور الترف والانحلال التى وصلت إليها أمته ودولته. والجنس التركى كغيره من الأجناس له محامده ومثالبه، أنه شجاع تتغلغل عواطف الإيمان فيه إلى غور بعيد، بيد أن حماسه مشوب بحمق، وشجاعته تصحبها عنجهية، وهذه الخواص التى عرف بها الترك أفادت الإسلام وأضرته. أفادته فى مقاتلة أوروبا بحمية أربت على حمية الصليبيين، و إصرار كسر شوكتهم عدة قرون وصليبيو أوروبا ـ كما رأيت وسترى ـ وحوش، والقسوة التى لقيهم بها الترك كانت تأديبا قامعا لهمجيتهم.
إلا أن سياسة الأتراك هذه وخلافتهم العسكرية أضرتا بالإسلام فى داخل بلاده وخارجها:
ففى الداخل ذلت الأجناس المحكومة لعنجهية الجنس الحاكم وسيرته الخالية من الحكمة والرشاد، وفى الخارج تحولت الحرب الدينية إلى قتال ثارات وفتك، وغارات متبادلة.
والإسلام برئ من هذه الحروب ـ وإن حمل الصليبيون وحدهم تبعاتها فى القديم والحديث ـ فإن حروب الإسلام يجب أن تلزم الدائرة المضروبة حولها فى كتاب الله وسنة رسوله. ومهما أسف الأعداء، وغلت مراجلهم بالحقد، فإن أسلوب الدعوة الإسلامية تأخير القتال بحيث لا يجئ إلا بعد استنفاد الوسائل السلمية فى تأمين الحق، ورد المظالم، وتأديب الطغاة…
على أن تعاليم الإسلام ـ التى ضمن الله لها السلامة، وكتب لها البقاء ـ ظلت أولا وأخرا ترشد أتباع الإسلام إلى الحق إذا انحرفوا عنه، وترد شذوذ بعضهم إذا حمله الشطط على فعلة لا تليق.
وذاك على عكس الأحوال التى سادت الصليبية والأجناس التى اعتنقتها، أو التى تناثرت منها الآن فى أوروبا وأمريكا.
إن الناظر إلى أقطار الغرب قد تخدعه مظاهر المدنية التى بلغتها، وقد يظن أن نظافة القوم فى وجوههم وملابسهم فيض من نظافة ضمائرهم وأرواحهم، وهذا خطأ شديد، ووهم بعيد فالقوم من أقذر أهل الأرض ضمائر وأرواحا، وتقدمهم البادى فى مضمار العلوم والكشوف الكونية لم يخلعهم عن طبائعهم القبلية الأولى يوم كانت تسكن أوروبا قبائل الغال والقوط والوندال والسكسون وغيرهم، بل لعل تطور وسائل الإبادة والفتك زاد ضراوتهم، ووسع المجال أمامهم لإرواء ظمئهم إلى العدوان والسطو…
وأفعالهم فى المستعمرات التى سقطت بين براثنهم تدل دلالة حاسمة على صدق الحكم.
***
إن الأوروبيين يملكون الآن وسائل شتى لإخفاء فضائحهم، وسيطرتهم على العالم تمكنهم من ارتكاب أبشع الجرائم فيه، ثم تفرض الرقابة على الأنباء، فلا يدرى الناس شيئا عن الركن البائس من أركان الدنيا، الذى بطش الأوروبيون به، وأحلوا مقتهم بأهله ! هل درى الناس أن جزيرة “ مدغشقر “ ثارت بعد الحرب العالمية الثانية تطلب حريتها، فكان جزاء الثائرين أن تحركت القوات الفرنسية، وقتلت من الأهلين ثمانين ألف نسمة! يا لله ثمانين ألف نفس فى ضربة واحدة! لقد داخ الثوار إثر هذه المجزرة، وساد الجزيرة الصريعة صمت مطبق، وقضى على حركة التحرر فيها قضاء لا يعرف مداه، وركنت بقية الأحياء إلى الخنوع وهم فى فزع لمقتل الآباء والأبناء، والأمهات والبنات بهذه الصورة المسرفة!!.
أما الفرنسيون فقد استأنفوا حمل مشعل الحضارة مع غيرهم من مؤسسى هيئة الأمم المتحدة..!
ماذا حدث فى “ كينيا “؟ أن قبائل “ ماوماو “ ثارت هى الأخرى تطلب حريتها من الإنجليز المحتلين، واستطاعت هذه القبائل أن تكون جيشا على شىء من النظام والدربة، له قائد برتبة “ جنرال “، ودارت رحى القتال بين البيض والسود، وبين قبائل الإنجليز السكسون، وقبائل الزنوج الإفريقيين، وكانت حربا لا تكافؤ فيها ولا شرف.
كان قادة “ الماوماو “ يشنقون إذا سقطوا فى الأسر، وضرب المستعمرون الأقوياء نطاقا حول وسط أفريقيا. ثم شرعوا فى صمت يبيدون أهل البلاد، ويقتلونهم بالعشرات والمئات، حتى تم لهم الإجهاز على الثورة والثائرين.
***
قال الأستاذ محمد شاهين حمزة: “ لقد أعلن ناطق عسكرى منذ أيام أنه لم يبق من هؤلاء سوى 250 أو 300 على الأكثر.. “، إذن لقد أبيدت عشرات الألوف من هؤلاء ا!لطالبين بحقوق الإنسان، ولعل كثيرين لا يعلمون أنه ـ حين كانت هذه الجماعات تباد بمختلف الوسائل ـ أذاع الإنجليز فجأة أن وحوشا مفترسة تأكل البشر قد ظهرت بكثرة، وانتشرت فى مواطن أولئك المجاهدين، وأنها تفتك بهم فتكا ذريعا، وأن حملات عسكرية وجهت لإبادة هذه الوحوش، ونجحت فى إبادتها، وأغلب الظن أنه لم تكن ثمة وحوش، لكنهم أرادوا تغطية جرائمهم البشعة أمام العالم، فاختلقوا هذه المزاعم ليلصقوا بالوحوش البريئة تهمة إبادة البشر، على حد المثل “ رمتنى بدائها وانسلت “.. “ لقد كانوا وحدهم الوحوش التى أكلت البشر “.
إن فى دماء الأوروبيين وحشية بدأ الستار ينكشف عنها، وظاهر من سياسة دولهم أن القساوة الموغلة ديدنهم فى حروبهم التى تشتعل بينهم، أو التى يشعلونها ضد غيرهم، وهنا نسأل: أليس الأوروبيون نصارى، يؤمنون بعيسى بن مريم الإنسان الرفيق الرقيق الوديع، النبى الذى قال: (و السلام علي يوم ولدت و يوم أموت و يوم أبعث حيا).
ألم تؤثر هذه الرسالة شيئا فى اتباعها؟ ألم تكفكف قليلا أو كثيرا من سوء طباعهم، وشراسة أخلاقهم؟
* * *


صليبية الغرب ليست ديانة عيسى بن مريم:

والجواب أن الصليبية التى تهيمن على الأوربيين والأمريكيين شىء آخر غير النصرانية التى لها كتاب منزل، ومنهج سماوى مقدس، أنها شىء آخر يغاير تعاليم عيسى أتم المغايرة، و إن كان جمهور القساوسة والرهبان يمارى فى هذه الحقيقة, لأنه ينسج صلته بعيسى بن مريم على نحو يوائم الصليبية المحدثة الجامحة، ثم ينسب هذا الدين المحرف إلى عيسى نفسه.
وعيسى برىء من هذا الشرود، إن الله يقول فى رسالة عيسى: (وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين). وتلك كلها معان فقدت، أو ضاع منبعها فى الصليبية التى تعرف الآن، والتى يزعم أنها هى النصرانية الأولى.
***
ولهذه الصليبية الغالبة خواص لابد من كشفها. منها، أنها انسجمت مع طبائع الغربيين الذين اعتنقوها، وأرخت العنان لما يكمن فيها من قسوة.
ومنها، أنها نقضت الإحساس بمعنى الجريمة وعقباها السيئة.
ذلك أن نظرية الفداء، وما تضمنته من أن عيسى قتل كفارة لخطايا بنى آدم، جعلت الألوف المؤلفة من مصدقيها يستهينون بالآثام المحظورة، ويقدمون عليها وهم آملون أن تحمل عنهم!! وهذه العقيدة كانت سبب مصائب كبيرة حلت بالأمم المهزومة، ولعل شوقى كان يغمز أساسها ببيته اللاذع:
يا حامل الآلام عن هذا الورى * كثرت عليك باسمك الآلام!!
ثم إن هذه الصليبية كانت تعانى ما يسميه علماء النفس “ عقدة الضعة “، فهى تعرف مجافاتها للعقل، وبعدها الساحق عن منطقه السليم، ومن ثم فهى تستعيض عن الهدوء فى عرض نفسها، والجدال بالتى هى أحسن، تستعيض عن ذلك بغضب ظاهر على المذاهب والأديان الأخرى.
كان عاطفة الحنق على المخالفين سوف تضفى عليها حقا فاتها من ضعف الدليل، وانهيار الحجة. وهذا يفسر سياسة البطش الشنيع التى اتبعتها الصليبية ضد غيرها، بل التى اتبعتها ضد الإسلام خاصة..!!! وقد التقت الطبيعتان. طبيعة الغربيين الهمجية، وطبيعة الصليبية هذه، التقتا فى الغزو الاستعمارى الأخير للأقطار الإسلامية.. ونحن نختار أحداث الجزائر مثلا ناطقا بصدق ما قلناه آنفا.
كتب الأديبان الفرنسيان “ كوليت وفرانسيس جانسون “: “ لعل العبث بالدين الإسلامى كان هو المجال المفضل لدى القائد “ روفيجو “ فقد وقف هذا القائد الفاجر، ونادى فى قومه: إنه يلزمه أجمل مسجد فى المدينة ليجعل منه معبدا لإله المسيحيين. وطلب إلى أعوانه إعداد ذلك فى أقصر وقت ممكن.
ثم أشار إلى جامع القشاوة لأنه كما قال ـ أجمل مساجد الجزائر طرا ـ وهو فى وسط المدينة، وفى قلب الحى الأوروبى، وبالفعل تحدد ظهر يوم 18 من ديسمبر سنة 1832 لإنجاز هذا العمل، وتحقيق تلك الرغبة.
ففى الميعاد المحدد تقدمت إحدى بطاريات الجيش، وأخذت أهبتها للعمل فى ميدان السودان. وخرجت من بينها فرقة من سلاح المهندسين، فهاجمت أبواب المسجد بالبلط والفئوس، و إذا داخل المسجد (4000) أربعة آلاف مسلم، اعتصموا جميعا خلف المتاريس، فاندفعت نحوهم القوة العسكرية، ودحرتهم بالسناكى، فخروا بين صرعى وجرحى تحت أرجل الجنود، واستمرت هذه العملية طوال الليل! حتى إذا كان الصباح، كانت القرارات قد صدرت، وصار المسجد الجامع (كاتدرائية الجزائر). وما أن انتهى الجنود من هذا العمل، حتى استداروا على أعقابهم صوب مسجد القصبة، الغنى بذكريات الإسلام، وأيامه المجيدة، فدخله القواد والضباط والجنود، وأقاموا فيه شعائرهم الدينية، حتى إذا انتهى القداس، شرع القساوسة فى تمجيد “ إله الجيوش “، وترتيل “ نشيد الغفران “).
ولعمر الحق إذا ساغ للجنود الجهلة، ولضباطهم العابثين، أن يأتوا مثل هذه الأفعال النكراء، فكيف يسوغ للقس “ سوشيه “، وهو الوكيل العام لأسقف الجزائر، أن ينضم إليهم، ويتزعم طابورهم؟ لقد وضع هذا القس سنة 1839 كتابا أسماه “ رسائل مفيدة ومشوقة عن الجزائر “، وجه فيه الكلام إلى عاهل فرنسا فقال: إن مسيو “ فاليه “ رجل عميق التفكير! ذو ضمير حى! لا تنقصه الحيلة! إنه! يحكم الجزائر كأكثر الملوك إطلاقا فى الحكم! إنه الرجل الذى ليس لهذه المستعمرة غنى عنه! إنه يرغب أن يستتب الدين المسيحى وأن يحترمه الجميع! إنه يريد أن يضاعف من عدد الصلبان والكنائس! فى الجزائر! إن مولاى يستطيع أن يفعل ما يشاء مع رجل مثل المسيو “ فاليه “ الذى اختارأجمل مسجد فى قسطنطينة ليجعل منه أجمل كنيسة فى المستعمرة… “ ا. هـ
* * *


مآسى لا تنسى…

وقد وقع الاختيار على القس سوشيه هذا ليكون راعيا للكنيسة التى كانت مسجدا، وما أن أطلقت يداه ليعد لنفسه منبرا للوعظ فيها، حتى استولى على منبر الرسول محمد، أتى به من مسجد يقال له “ المقدس “، وهو آية فى فن النقش العربى، وعلى هذا المنبر النفيس، وقف سكرتير الحاكم “ بوجو “ يقول: “ إن آخر أيام الإسلام قد دنت، وفى خلال عشرين عاما لن يكون للجزائر إله غير المسيح، ونحن إذا أمكننا الشك فى أن هذه الأرض تملكها فرنسا، فلا يمكننا أن نشك على أي حال أنها قد ضاعت من الإسلام إلى الأبد، أما العرب فلن يكونوا ملكا لفرنسا إلا إذا أصبحوا مسيحيين جميعا “…
***
أرأيت هذه السخائم المشتعلة يمدها بالوقود تدين وحشى كاذب؟ تلك هى الصليبية الفرنسية، قادها ضد مصر “ لويس التاسع “ من سبعة قرون، ثم عاد يكسوه العار، وقادها خلفاؤه ضد الجزائر من قرن وثلث، ولا يزال القتال ناشبا بين المغيرين والمدافعين إلى يوم الناس هذا، وهو قتال مرير المذاق، ندفع نحن المسلمين مغارمه الفادحة من آلاف المهج الهالكة، وعشرات القرى المدمرة. والعالم الغربى يشهد المأساة الشائنة وهو يضحك!! إن قتل المسلمين (جملة وتفصيلا) بعض ما تواضع عليه ساسة أوروبا وأمريكا، والخلاص من دينهم هو أمنيتهم الحبيبة، هو أمنيتهم التى يسعون لتحقيقها جهرة واغتيالا..!
لكن هل تحقق بعد ما يشتهون؟
إنه منذ أكثر من قرن وصوت الشيطان يتردد ـ كما سمعت ـ يزعم أن آخر أيام الإسلام دنت، وبعد عشرين عاما لن يكون للجزائر إله غير المسيح!! وقد مضت عشرون، وعشرون، وعشرون… وأهل الجزائر يأبون الفتنة فى دينهم، ويستعصون على الإلحاد والفسوق الذى تبثه فرنسا بينهم. أما فرنسا نفسها فقد أصبح ثلثها شيوعيا.. يرى أن الله خرافة وأن المسيح لقيط..!
والثورة اليوم ناشبة فى أنحاء الجزائر، والثوار ـ بوسائلهم المحدودة ـ يستميتون فى مدافعة العدو البغيض، والأنباء الكئيبة تصدع الصخر، بيد أن العالم الصليبى يتلقاها بغير اكتراث، إلا قليلا من ذوى القلوب الكبيرة، فقد نشرت مجلة “ الأديب “ هذه النبذة: تهتم الصحف الفرنسية اهتماما كبيرا هذه الأيام بالحالة فى الجزائر، بمناسبة عرض القضية الجزائرية على الأمم المتحدة، وتخصص هذه الصحف صفحات كثيرة عن الوضع الجزائرى ، ولكن عددا قليلا من هذه الصحف يتحدث بتجرد ونزاهة، ويعنى بإظهار الأمور على حقيقتها، ومن هذه الصحف القليلة الحرة صحيفة “ فرانس أوبسرفاتور “، المعروفة بتجردها ونزعتها الديمقراطية الصحيحة.
وقد نشرت “ فرانس أوبسرفاتور “ فى عددها 348 رسالة من مراسلها فى “بيسكرا” بالجزائر” يتحدث فيها عن حالة التوتر الفظيعة التى تعيش فيها المدن والقرى والناس.
يقول المراسل: “ إن “ بيسكرا “ نفسها تعيش فى حالة حصار حقيقى ، فهناك مصفحات ودبابات تحاصر الأحياء العربية فى المدينة، ويقف الجنود السنغاليون فى حالة الاستعداد عند مدخل كل شارع من الشوارع الأوروبية، وقد كف السكان المدنيون عن دخول دور السينما، وانقطع كل اتصال بين فئتى السكان “ ثلاثة آلاف فرنسى ، وزهاء خمسين ! ألف مسلم “.
والفرنسيون القليلون الأحرار الذين يحاولون إبقاء العلاقة مع المسلمين مشبوهون، وبريدهم مراقب، وقد طرد بعضهم، وسجن البعض الآخر! وينتظر الأوروبيون بقلق يوم السبت الذى اعتاد أعضاء جبهة التحرير الجزائرية أن يغتالوا فيه بعض الأشخاص الذين يظهرون عداء شديدا لمبدأ استقلال الجزائر؟ ويظل المسلمون بدورهم فى حالة إرهاب وذعر من البوليس وأعضاء الميليشيا، الذين خلقهم البوليس لمجابهة الإرهابيين (!!) وقد حدث أن جبهة التحرير أمرت باغتيال رجل يدعى “ دوغليون “، فكانت النتيجة أن البوليس الفرنسى قبض على أحد عشر شخصا كانوا يسيرون صدفة فى الطريق، وحصدهم بالمدافع الرشاشة، وكان بينهم طالب فى الثالثة عشرة اسمه “ عادلى على بن عباس “ وجميع الباقين متزوجون ولهم أولاد.
وفى ضاحية تبعد كيلو مترا واحدا عن “ بيسكرا “، واسمها “ العالية “، قتل فى الوقت نفسه مسلمان، وفى “ فيلياشا “ التى تبعد كليو مترين قتل خمسة مسلمين.
وهكذا يبلغ عدد المسلمين الذين قتلوا ثأرا للفرنسى “ دوغليود “ ثمانية عشر، والواقع أن جبهة التحرير أمرت بقتل هذا الشخص، لأنه كان قد تسبب قبل أيام فى قتل مسلمين وجدا مذبوحين بعد أن أطلقت السلطات سراحهما. وهكذا تخلق السلطات الفرنسية فى مدن الجزائرـ ولست “ بيسكرا “ إلا حالة واحدة ـ جوا من الإرهاب الفظيع، لا يمكن أن يخلق إلا النقمة والحقد والكراهية، ما يجعل حل القضية الجزائرية أمرا مستحيلا. ولا شك فى أن أفظع ما فى هذا الإرهاب خلق معسكرات الاعتقال، ولا سيما فى “ سان لو “ و “ لودى “، وكان” موليه “ قد وعد بإطلاق سراح المعتقلين، ولكن عدد هؤلاء تضاعف منذ تولى “ موليه “ السلطة.
وفى هذه المعسكرات يحشر من يسمون “ بالمعتقلين السياسيين “: الذين يوضعون تحت المراقبة الشديدة فى انتظار محاكمتهم، وقد يستمر هذا الانتظار عدة أسابيع، بل عدة أشهر، يعانى المعتقل فى أثنائها ألوانا من التعذيب، أصبحت معروفة. ويضم معتقل “ لودى “ 120 معتقلا كلهم من الشيوعيين، أو من نقابة العمال، ومعظم هؤلاء من الأوروبيين، ولذلك كانت أحوال المعيشة والمعاملة فى هذا المعتقل أفضل منها فى المعتقلات الأخرى. وأما معتقل “ سان لو “ فيضم 1300 سجين من المسلمين يعاملون أسوا المعاملة، ويموت بعضهم من الجوع والتعذيب.
وهناك عدة معتقلات أخرى تضم زهاء ثلاثة آلاف معتقل ؛ وتبقى بعد ذلك المعتقلات التى يديرها العسكريون إدارة مريعة تخالف كل ما هو بشرى .
تلك هى لوحة موجزة عن نظام الإرهاب والاعتقال السياسى فى الجزائر التى يأخذون عليها أن تطالب باستقلالها وحريتها !! “ أ . هـ
* * *
والذى سطرته الصحيفة الفرنسية من فعال قومها ، لو كان منكراً حدث فى يوم من الأيام ثم انتهى لهان الخطب ، ولكن الداهية التى تضرم الأحزان فى الأفئدة أن هذه المآسى تتجدد على الأيام ، وتتغلغل فى الماضى الأسود أكثر من مائة وثلاثين سنة..
اتون يصلى المسلمون ناره ، فما تنقلهم الأحداث الرهيبة من ميدان إلا ليدخلوا ميدان آخر ، وما تندمل جراحهم من مأساة إلا نكأت الجراح مأساة أشد ، وذلك كله ليكون المسيح إله الجزائر ـ كما صرحوا ـ ، ولتكون أرض الجزائر الغنية طعمة للصليبيين الجياع إلى السحت ، المنهومين الذين لا يشبعون أبداً من سرقة ولا غضب..! وقد تحركت بعض الضمائر فى فرنسا نفسها ، واستنكرت هذه الوحشية فى معاملة المسلمين ، غير أن الذين استحيوا من فعال قومهم قليل لا يؤبه لهم ، وكأن هذا النفر الغاضب على مصائب الإنسانية المجردة فى القطر البائس إنما أراد أن يوضح للعالم كله : أن الكثرة الساحقة فى فرنسا ترتضى هذا العذاب وتؤيده ، وترفض التراجع عنه ، أو التخفيف منه . وتلك على كل حال هى الحقيقة . فإن النواب الفرنسيين منحوا ثقتهم الحكومة أكثر من ثلاثين مرة كلما طرحت مصيرها بين النواب ، وهى الحكومة التى تباشرها هذه الأيام حرب الإبادة ضد مسلمى الجزائر ، ولا يمر يوم إلا وفى طياته جانب من الأحزان التى تطحن القلوب فى البلد المجاهد المحروب .
إن فرنسا ، بل الاستعمار كله هو الذى يحمل هذا الجرم ويطالب ـ وإن طال المدى ـ بالقصاص ..!
* * *
ومن بين الكتاب الفرنسيين الذين حاربوا مظالم قومهم، وناشدوهم الانصاف، وتجفيف المآقى الدامية الأديبان “ كوليت “ و “ فرانسيس جانسون “ وقد نشرا أخيرا مؤلفا عن الجزائر الثائرة ترجم إلى العربية، وقدم له وزير الإرشاد بمقدمة جاء فيها: “ سيرى القارىء فى هذا الكتاب كل ما أورده المؤلفان من صور يقشعر لها البدن، بل يجمد لها القلب، وسيسائل نفسه ـ كما ساءلت نفسى ـ عند كل فقرة: هل هذا حدث فعلا، أو أنه خيال قصاص؟ لكنه سيرى أن التساؤل لا محل له، فالمؤلفان لا يرويان عن شاهد، إنما ينقلان عن تقارير لجان رسمية، أو من رسائل مكتوبة بخط قادة، أو ضباط، يتركون أنفسهم فيها على سجيتها وهم يتحدثون إلى زوجاتهم، أو ذوى قرباهم، فقد جاء مثلا فى أحد التقارير الرسمية: “ بناء على تعليمات الجنرل “ روفيجو “، خرجت قوة من الجنود فى مدينة الجزائر ليلة السادس من أبريل سنة 1832، وانقضت قبيل الفجر على أفراد القبيلة، وهم نيام تحت خيامهم، فبغتتهم جميعا دون أن يستطيع أحد منهم الدفاع عن نفسه، وقد لقى الجميع حتفهم بغير ما تمييز بين رجل وطفل، ولا بين رجل وامرأة، وعاد الفرنسيون من هذه الحملة وهم يرفعون رؤوس القتلى على أسنة رماحهم! “ . ويقول الجنرال شان جارنييه: “ إن رجاله وجدوا التسلية فى جزر رقاب المواطنين من رجال القبائل الثائرة فى بلدتى “ الحواش “ و “ بورقيقة “، كما جاء فى تقرير رسمى: “ إن كل الماشية قد بيعت إلى قنصل الدانمرك، وعرض باقى الغنيمة فى سوق باب عزون، حيث كانت ترى أساور النساء محيطة بمعاصم مقطوعة، وأقراط تتدلى من لحم آدمى، وقد بيعت هذه المصوغات، ووزع ثمنها على ذابحى أصحابها، وفى ليل ذلك اليوم أصدر البوليس أوامره إلى أهل المدينة بإضاءة الأنوار فى حوانيتهم علامة على الابتهاج!! “. وقالت إحدى اللجان الرسمية الفرنسية فى تقرير لها ـ كتبته بعد تحقيق أجرته إثر بعض هذه المذابح ـ :
“ لقد ذبحنا أناسا كانوا يحملون تراخيص بالتنقل، كما قضينا على مناطق بأكملها، اتضح فيما بعد أن ضحايانا فيها كانوا أبرياء، وقد حاكمنا رجالا عرفوا بالقداسة بين عشيرتهم، وآخرين لا تنقصهم صفة الاحترام بين ذويهم لمجرد أنهم مثلوا أمامنا سائلين الرحمة بزملائهم، وقد وجدنا قضاة ليحكموا عليهم، ورجالا متمدينين ليشنقوهم! “.
وقد كتب الماريشال “ سانت أرنو “ إلى أهله يقول: “ إن بلاد “ بنى منصر “ بديعة، وهى من أجمل ما رأيت فى أفريقيا، فقراها متقاربة، وأهلها متحابون، لقد أحرقنا فيها كل شىء، ودمرنا كل شىء “. وقال لزوجته فى خطاب: “ إنى أفكر فيكم جميعا، وأكتب إليك يحيط بى أفق من النيران والدخان، لقد تركتنى عند قبيلة البراز، فأحرقتهم جميعا، ونشرت حولهم الخراب، وأنا الآن عند السنجاد، أعيد فيهم الشىء نفسه، ولكن على نطاق أوسع “.
وكتب “ مونتياك “ فى كتاب له أسماه “ رسائل جندى “ يقول: “ لقد كانت مذبحة شنيعة حقا، كانت المساكن والخيام فى الميادين والشوارع والأفنية التى انتشرت عليها الجثث فى كل مكان، وقد أحصينا فى جو هادىء- بعد الاستيلاء على المدينة- عدد القتلى من النساء والأطفال، فألفيناهم ألفين وثلاثمائة، أما عدد الجرحى فلا يكاد يذكر لسبب يسير هو أننا لم نكن نترك جرحاهم على قيد الحياة… “. أ. هـ
* * * *
وقد اشمأز من هذه الجرائم التى تذهل قساة القلوب، بعض الذين شاركوا فيها، أو أمروا بتنفيذها، مثل القائد الفرنسى “ الكونت هيريسيون “ الذى قال : “ فظائع لا مثيل لها! أوامر بالشنق تصدر من نفوس كالصخر، يقوم بتنفيذها جلادون قلوبهم كالحجر، بالرمى بالرصاص أحيانا، وباستعمال السيف أحيانا أخرى، فى أناس مساكين، جل ذنبهم أنهم لا يستطيعون إرشادنا إلى ما نطلب إليهم أن يرشدونا إليه!”. ومع ذلك فإن الميل إلى سفك الدم، وحب التعذيب بازهاق الأرواح جملة، وبإبادة القرى والقبائل، وحرق البيوت، والتمثيل بالموتى، والإجهاز على الجرحى، والفتك بالأ طفال والشيوخ والنساء، والاتجار بأعضائهم المبتورة، وحليهم ومتاعهم الغارق فى دمائهم، هذا الميل لم يجد فى كل الذى رويت لك طرفا منه ما يشبعه أو يرضيه، فأخذ الفرنسيون يتفننون فى ابتكار وسائل أخرى لم يسمع بها تاريخ البشرية، على كثرة ما أمتلأ به هذا التاريخ من الفظائع والآثام.
فهدتهم أخيرا غريزة التدمير والتخريب النامية عندهم إلى طريق أسموها هم أنفسهم “ بجهنم “، وخلاصة هذه الطريقة: أن يسد الجنود الفرنسيون باب الكهف أو المغارة التى يلجأ إليها الجزائريون بنسائهم وأطفالهم ومواشيهم فرارا بأنفسهم من الموت والقتل والحرق، ثم يشعلوا فى بابها نارا كبيرة، فيختنق القطيع “ البشرى “ داخل المغارة مع قطعان الماشية التى صاحبته إلى جوفها، فإذا انبلج نور الصبح، ذهب الفرنسيون ليروا آثار ما قدمت أيديهم. وإليك وصف ما رأوه فى أحد تلك الكهوف: “ فى مدخل الكهف انتشرت هياكل ثيران وحمير وخراف حدت بها الغريزة صوب مخرج الكهف بحثا عن الهواء الذى عدم فى الداخل، وتكدست بين هذه الحيوانات ومن تحتها جثث رجال ونساء وأطفال، وشوهد رجل ميت وهو جاث على ركبتيه وقد أمسكت يداه قرن ثور محترق، وبجواره امرأة تحتضن بين ذراعيها طفلها الميت، مما يدل على أن هذا الرجل قد اختنق وهو يدافع عن امرأته وطفله ـ اللذين اختنقا أيضا ـ شر هجوم الثور عليهما “.
* * *


طبيعة قديمة جديدة:

هذه الفظائع المروعة ليست فى الصليبية الغربية سجية محدثة، إن القوم يسيرون على النهج الذى سلكه آباؤهم قبل، فالخلف والسلف على اختلاف الأمكنة والأزمنة، تحركهم طبائع واحدة، وتحدوهم غاية واحدة، أنهم مع خصومهم لا يعرفون للحرب أدبا، ولا للرحمة موقعا، إلا إذا تكافأت القوى، وخافوا الثأر العاجل، فهم عندئذ يعاملون العدو بحذر، اتقاء للعقوبة لا اتقاء لله، أما إذا أمنوا الثأر فلن يتوقع منهم إلا بطش الجبابرة.
هل استخدام القنبلة الذرية يومئ إلى ذرة من الحس الإنسانى؟
إن هذه القنبلة تنزل فتحصد الرجال المقاتلين، ثم تحصد معهم الشيوخ الفانين، وجماهير النسوة والأطفال ممن لا شأن لهم بالحرب أبدا، ثم قطعان البقر والغنم والدواجن التى تعيش لسوء حظها مع هؤلاء! بل الحشرات، وأنواع النبات! إنها تجتث الحياة اجتثاثا حيث تنزل بلعنتها الماحقة، ومع هذا الشر المستطير فإن الأمريكان أنزلوه بمدينتين يابانيتين فى الحرب الأخيرة، وهو نوع من القتال لم يعرفه أدب الحروب من بدء الخليقة، ولولا أن سر الذرة فضح، وعرفه الآخرون لاستخدم هذا التفوق فى قهر الناس، وتغليب الهوى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).
إن وحشية الفرنسيين فى الجزائر لا تزيد ولا تنقص عن وحشية غيرهم فى شتى المستعمرات، وخاصة التى يعيش فيها مسلمون، وهى تجديد للأساليب القديمة التى اتبعها آباؤهم فى إبادة الأجناس، واستئصال المخالفين فى الرأى والعقيدة.
وهل محى الإسلام من الأندلس محوا إلا بالحديد والنار، وما سجله التاريخ لمحاكم التفتيش من همجية وعار؟ هل حدث مثل ذلك أو بعضه أو شئ منه فى تاريخنا؟ كتب الأستاذ “ محمد شاهين حمزة “ يروى مخازى هذه العهود: “ لم تقم فى الشرق محاكم مثل محاكم التفتيش التى قامت فى بلاد عديدة من أوروبا، مثل أسبانيا و إيطاليا وفرنسا والبرتغال وألمانيا لسجن حرية العقيدة والفكر، ومطاردة الضمائر والعقول…، وإصدار أحكام تتقزز النفس منها اليوم وهى تقرأها فى صحائف التاريخ السود، أحكام منها الإماتة حرقا فى أحفال عامة يحضرها الملوك والوزراء والأعيان..، والدفن بالحياة بوضع المحكومة عليهم فى مقابر تترك فيها فتحات صغيرة ليراهم الناس منها وهم يدنون من الموت رويدا رويدا!. أجل ليتفرج الناس جميعا على أولئك الذين يحرقون! وهؤلاء الذين يدفنون أحياء، ليعذبوا بهذا الاختناق!..
والويل لمن ينظر ثم يتأفف أو يتحسر. فإذا كان المحكوم بموته امرأة، عريت وشدت إلى مقبرة وتركت ليلا ونهارا حتى تموت أو تجن..
أما حين تكون فى طور التحقيق فإنها تعرض لكلاليب ذات رؤوس حادة تسحب الثديين من الصدر! كانت هذه المحاكم تستعين فى تحقيقاتها للحصول على إقرارات صحيحة أو مزيفة بوسائل عديدة من التعذيب منها: “حرق الأقدام… واستعمال السياط فى الأقفية… والتعليق فى السقف مع ربط كل يد وكل قدم إلى حبل يشدها فى اتجاه مضاد… وغرز المسامير فى الرؤوس… وسل اللسان من الحلق بآلات خاصة… وتهشيم الأسنان بأجهزة معينة… ووضع الأقدام فى أحذية حديدية عرضت للنار حتى حميت وأحمرت… والكى فى أى مكان من الجسد… واستعمال أحذية ذات مسامير داخلية حادة، يؤمر المتهم بلبسها والمشى فيها، أو الجرى والسوط من خلفه… ومشانق تشنق المتهم نصف شنق… وتسديد حربتين إلى عينى المتهم تنفذان من مؤخرة الجمجمة… وتوجيه حربة إلى القلب، وأخرى إلى المعدة أوالأمعاء… وطى الجسم وكسر عظامه بآلات خاصة… وحلق الرأس وتعرضه لآلة تسقط الماء البارد عليه نقطة نقطة… وسلق مواضع من الجسم أوسلخها بوضع اسفنج مغموس فى ماء مغلى عليها… وتعريض الرؤوس لمطارق ثقيلة ساحقة… وصب الماء فى الجوف من الفم أثناء الوخز بالدبابيس فى الأعصاب والشرايين… ووضع آلة على فم المعذب حتى لا يخرج أنينه، فإذا أغمى عليه أنعش بشراب معين، ثم أعيد إلى التعذيب من جديد، وإذا مات فى أثناء التعذيب ألقى به بين المعذبين الآخرين زيادة فى إيلامهم و إرهابهم. “ أ. هـ
***
هل صنع إنسان فى الشرق مثل هذا؟ إن الإنسان لم ينحط فى الشرق قط كما انحط فى الغرب فى أزمنة مختلة، وفى دورات متعددة من التاريخ، ولا علا فيه جانبه الحيوانى المفترس، كما علا فى ربوع الغرب، واستبد وسيطر.
كانت سلطة ديوان التحقيق أو محاكم التفتيش هذه مطلقة لا حد لبطشها ولا لجبروتها فى كل الأعم التى قامت فيها، لكنها فى أسبانيا ـ حيث كثر المسلمون ـ كان أفظع منها فى أى دولة أخرى. وبلغ المنفيون من أرضهم فى بلاد الأندلس مليونى يهودى، وثلاثة ملايين مسلم، أما عدد الذين أعدموا والذين سجنوا والذين عذبوا فى معتقلاتهم فقد كانوا مئات الألوف.
ويقرر التاريخ أن هؤلاء المسلمين كانوا نخبة أهل الأ ندلس مقاما، وأمهرهم صناعة، وأغزرهم علما، وكان ما حدث لهم سببا من أسباب النكسة التى أصابت الحضارة فى ذلك العصر. وما يعنى الصليبية من ازدهار الحضارة أو اندثارها؟ إن الذى يعنيها أولا وأخرا هو التنفيس عن سخائمها الوبيلة، تلك السخائم التى التقت فيها وحشية الجنس بوحشية المبدأ، والتى جعلت قتل عداها إجابة لشهوات النفس، وسيلة لمرضاة الله (!) فى وقت واحد..
وقد تم إفناء المسلمين فى “ أسبانيا “ بهذه الأساليب، واستراحت الصليبية بعد ما خلا لها الجو!! وهى اليوم تكرر المأساة القديمة فى “ الجزائر “، غاية ما هنالك أن محاكم التفتيش كانت السلطات الرسمية تعقدها وتقدم المتهمين إليها، أما الفرنسيون الذين استوطنوا الجزائر، فهم يكونون المحاكم من تلقاء أنفسهم، ثم يصدرون أحكام الإعدام وينفذونها.
* * *


دم لا ثمن له..

فقد حدث فى أعقاب الحرب العالمية الثانية أن ثار الجزائريون مطالبين بحريتهم. ففى 8 مايو سنة 1945 تبودل إطلاق النيران فى “ سطيف “ بين المتظاهرين والبوليس الفرنسى أثناء العرض الذي أقيم احتفالا بالانتصار فى الحرب، وأعلنت الأحكام العرفية على أثر ذلك، وأقبل الطراد “ ديجواى- تروان “، فأمطر مدينة “خزاطة “ وابلا من قنابله الثقيلة، وقامت قوات الجيش بالحملات التأديبية، وشنق الوطنيين من غير محاكمة، ورأت الحكومة أن تلزم الصمت بإزاء هذه الحوادث، وأوفدت لجنة للتحرى سرا عن أسباب المظاهرات ومصدرها، بيد أنها لم تلبث أن أصدرت الأوامر بوقف أعمال اللجنة بعد مضى ثمان وأربعين ساعة من بدئها.
ولعل ما حدا بالحكومة إلى إصدار أوامرها على هذا النحو ما أثبتته اللجنة: من أن جماعات المزارعين الفرنسيين كانوا يعطون أنفسهم حق محاكمة الوطنيين و إعدامهم رميا بالرصاص، أو ما جمعته اللجنة من معلومات عن عدد القتلى من الوطنيين والأجانب، إذ قالت: “ إن عدد القتلى الأوروبيين كان 102 قتيلا على وجه التحديد، أما عدد القتلى من العرب فقد قيل أولا بصفة رسمية: إنه 1500، غير أن الجيش أعلن أنه يتراوح بين 6000 و 8000. ثم جاءت إحصاءات أخرى تقول: إن العدد 30000، وبعد إعادة النظر فى حقائق الأمور تبين أن العدد الصحيح هو 40000 قتيل وقد أيده القنصل الأمريكى ببيانات من عنده. أربعون ألف قتيل يحصدون هكذا فى غداة واحدة؟ أربعون ألف مسلم يذهبون هكذا بين عشية وضحاها؟ أربعون ألف مسلم يتعاون الفرنسيون على قتلهم جملة واحدة فى محاكمات يعقدها السكارى والماجنون والسفلة أو بالافتراس السافر فى وضح النهار؟ أربعون ألفا..؟ أتظن وباء الطاعون لو انتشر بالبلد البائس أكان يغتال هذا العدد بهذه السرعة؟
ويجىء القساوسة الكاثوليك ـ بعد هذه المجزرة ـ لينصروا اليتامى من أبناء وبنات الشهداء، وليقولوا لهم وهم يحشرونهم فى أحد الملاجىء: “ الله محبة “ و، على الأرض السلام “ و” للناس المسرة “!! على ركام من الأشلاء ذاهب فى الطول والعرض، وبعد أمواج من الرعب يخلفها هذا السيل المشئوم من الدماء، يجاء بالأولاد التائهين فى أنحاء الأرض ليسمعوا ـ وقلوبهم قد فطرها الثكل والفزع ـ إن الله محبة!!! وتمضى الإرساليات التبشيرية تؤدى رسالتها “النبيلة “ على ذلك النحو النشيط فى إخراج المسلمين من دينهم، أو إخراجهم من أرض الجزائر، مثل ما صنع الأسبان قديما بأهل الأندلس!
وفى وسط الضجيج العالى لحضارة الغرب تخترق آذان العالمين صيحات الهول، يطلب فيها الجزائريون النجدة؟ إن دماء أربعين ألف مسلم لا تطفىء نار الوحش الظامىء إلى المزيد! ويتضاحك الإنجليز والأمريكان وهم يؤيدون حليفتهم العاهرة وهى تقول: إنها ستمضى فى أداء رسالتها بالجزائر إلى آخر الشوط...! إن ارتقاب العدل من هؤلاء عبث، فمتى تجيء عدالة السماء، متى نصر الله..؟
* * *


مطلوب من المسلمين أن يكفروا بدينهم..

ونحن نعرف ما يتركه ترادف المآسى والمخازى على النفوس من آثار غائرة، ونعرف أن هناك من يضعف عن احتمال هذا العذاب الموصول.. إن النفوس ليست سواء بإزاء الضغط الذى يعرض لها، وكم يختلف رد الفعل للعمل الواحد! إنك تلقى الكرة على الأرض بقوة فترتد إلى أعلى، وكلما ازددت شدة فى رجم الأرض بها كلما ذهبت فى الجو صعدا، لكنك تلقى على الأرض كوبا من زجاج فيتناثر ألف قطعة، وتنتهى كل قطعة إلى مكانها لا تتحرك عنه.. وجماهير المسلمين تحت ضغط الاستعمار الصليبى العاتى ، تفاوتت معادنهم فى تلقى أوصابه ، وتحمل فتنه، منهم من زادته البأساء قوة يقين، ونفخ الاضطهاد فى روحه كما تنفخ الرياح فى الجمر المتقد، لا تزيده إلا لهبا، وأولئك ولله الحمد كثير! ومنهم من أصابه الوهن، وأخذت شكيمته تنكسر تحت اللطمات التى تناولته من كل جهة.
ومنهم من رأى الابتعاد عن الإسلام، إن ظاهرا و إن باطنا يحسب أن هذا الابتعاد قد يخفف البلاء النازل به..
وقد أخذ هذا الفريق يحس خطأه، ويتعلم من سلسلة الأحداث التى استهدفته أن ذلك أيضا ما يغنيه!.
تقول: كيف؟ وهدف الصليبية القضاء على الإسلام، وهى قد بلغته مع هؤلاء الذين نزلوا عند إرادتها، وبدا فى منطقهم وسيرتهم أنهم تركوا الإسلام فعلا؟
والجواب: أنك ذكرت المبدأ، ونسيت طبيعة أصحابه! فلأعد بك إلى ما قاله ممثل فرنسا- وهو يخطب فى المسجد الذى حوله إلى كنيسة! إنه يقول: “ أما العرب فلن يكونوا ملكا لفرنسا إلا إذا أصبحوا مسيحيين جميعا.. “!
أى أنهم إذا تنصروا فسوف يسمح لهم أن يبقوا فى الجزائر رقيقا لفرنسا، إن العرب جنس وضيع، والأجناس المتأخرة الرتبة، أو الملونة الجلدة لا ينبغى أن تتآخى ـ ولو تنصرت ـ مع الجنس الأبيض، مع الأوروبيين السادة. إن الفرنسيين قد يتفضلون على العرب- إذا تنصروا- بأن يجعلوهم ملكا لهم، وهذا شرف عظيم! وهذا هو منطق الصليبية والصليبيين! هو منطقها فى كل مكان. ألم يتنصر الزنوج فى أمريكا ومع ذلك يعيشون منبوذين مهانين؟ حسبهم من الشرف أن منحوا حق الحياة ليخدموا الجنس الأعلى! ومن ثم فنحن نقول للواهنين المرتدين على أعقابهم، خاب فألكم! إن ترككم للإسلام- فزعا من الأذى النازل بأهله- لن يفيدكم شيئا، سيقتلكم الاستعمار المسعور إن شاء، أو يستحييكم لتعيشوا له هو، لا لأنفسكم، ولا لذراريكم..!!
أثبتوا على عقائدكم خير لكم، وتأسوا بالسابقين الذين نزل فيهم: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين).
***
إن كثيرا من الكتاب والمفكرين والساسة فكروا فى عزل الإسلام عن ميادين الكفاح ضد الاستعمار، يحسبون أن هذا العزل قد يخفف من وطأة الاستعمار عليهم. وهذا أفحش خطأ يمكن أن يرتكبه امرؤ ضد ربه ونفسه وبلاده. إنه مع انعدام جدواه- كما أبنا- انتصار جزئى للصليبية الغازية، بل انتصار خطير، فهو يبعد من ميدان المقاومة أهم سلاح فيها، سلاح العقيدة الدافعة، وهو يضيع من أيدينا فى التراب أنفاس الحقائق التى عرفها العالم- وهى الإيمان بإله واحد حى قيوم- وهو قبل ذلك وبعد ذلك يحرمنا من السناد الوحيد الذى نرقب نصره، ونرمق عونه، بعد ما تخلى عنا كل شىء! وهو الله جل جلاله.. إن القادة الذين يعزلون الإسلام عن ساحة الكفاح العام، لن يكسبوا خيرا عاجلا، وسيفقدون كل ربح يمكن أن تفد به الأيام.
ولا يجوز أن نستطيل الزمان، فقد ظلت أوروبا ـ فى العصور الوسطى ـ تلاحقنا بحملاتها مائتى سنة، وهلك منا نحن المسلمين خلق كثير، ولكن النبات آتى ثمراته الحلوة، فارتدت الذئاب مدحورة، وسلم لنا ديننا، وسلمت لنا بلادنا، ولقى المعتدون العقاب الذى يستحقون.
وعلى هدى هذا الكلام ندرك الخطل فيما رواه مؤلف “ الجزائر الثائرة “ من آراء لبعض الثائرين، لا تعطى صورة صحيحة عن الواقع: “ سألت بعض الجزائريين عن مدى علاقة الإسلام بالكفاح القائم، فأكدوا لى أن الحرب التى يشنها الشعب الجزائرى على الاستعمار الفرنسى إنما تجد عاملها المحرك فيما فرضه الاستعمار من أوضاع اضطرتهم إلى حمل السلاح. و إن ما بسطته فرنسا عليهم من سيطرة تامة، وما أوقعته بهم من ظلم وضيم فى كل مكان، حملهم على مواجهة ذلك العنف الذى كانوا ضحية له منذ سنين طوالا بعنف آخر، و إن هدفهم الأوحد أن يتولوا زمام أمورهم، ويقرروا بأنفسهم الأسس المنظمة لوجودهم الجماعى ، وأن سلوكهم سبيل الكفاح له غايات تحررية، فهو عمل سياسى لا غير “.
يعنى بذلك أن الثورة ليست حربا دينية، وأن التعصب للإسلام ليس هو الذى يشعلها. يقول الكاتب الفرنسى: “ إنى أميل إلى الأخذ بهذا الرأى، إذ ليس الكفاح القائم صراعا بين الإسلام والمسيحية- هذا على الرغم من أن المسيو” جورج بيدو “ وزير خارجية فرنسا عمل المستحيل لخلق فتنة من هذا القبيل، عندما أعلن على الملأ، وفى مناسبات عدة: أنه يجب ألا يسمح للهلال بالتغلب على الصليب، فهو ليس نضالا بين دين وآخر، كما أنه ليس حربا بين جنس وجنس آخر، أو بين مدينة وأخرى أو بين الشرق والغرب، بل هو كفاح مجتمع مظلوم، ضد المجتمع الذى أوقع عليه هذا الظلم، وثورة هذا المجتمع على السيطرة والاستغلال اللذين كان عرضة لهما حتى اليوم. و إذن فإن الحرب فى شمالى أفريقيا ليست حربا دينية، ولا حربا بين جنسين، وإنما هى حركة تحرر بحت، وسواء أكان الجزائرى المسلم من العرب، أم من البربر، فإنه لا يلجأ فى محاربتنا إلى استخدام عامل الدين، أو عامل الجنس، إن مشكلاته تشبه مشكلاتنا، وعندما يطلب وسائل مادية تمكنه من الحياة، ويعلن رغبته فى الحصول على أيسر الحريات الإنسانية والحقوق العامة، فإنه يتعين علينا ساعتئذ أن نكف عن إثارة موضوع الإسلام، فليس الإسلام سببا لما وصلت إليه الأمور من سوء. إننا نحن السبب فى ذلك، وآن لنا أن نعترف بهذه الحقيقة ونقرها “.
***
إن النزعة الإنسانية فى هذا الكلام، وصبغة الانصاف التى تترقرق فى صفحته، أمر يستحق الثناء من الأعماق، ولنا عليه تعليق يسير. إن اقتران الثورة الجزائرية بمشاعر إسلامية ليس شيئا يعاب! لماذا يعاب امرؤ إن آمن بالله، وبرسول معين؟ ولماذا تعاب جماعة من الناس إذا أقامت حياتها على تعاليم هذا الإيمان؟ ظهيرا لرد العدوان إذا شنه البغاة، وسياجا لحفظ الحقوق إذا امتدت إليها أيدى الطامعين، فأى شىء يعاب فى هذا؟ لماذا يطلب منا نحن المسلمين أن نتخلى عن صلتنا بالله، وهى صلة لا عوج فيها؟ ولماذا نكلف بإعلان براءتنا من الإسلام عندما نثور لاسترجاع حقوقنا المغصوبة؟ كان هذا الإسلام معرة! أو كأننا ما بقينا عليه فلن نستحق انصافا ؟؟
إن هذه النسبة الروحية من حقنا ونحن نملأ بها أفواهنا:
أنا ابن دارة معروفا بها نسبى * وهل بدارة ـ ياللناس ـ من عار؟
حسب هذه النسبة شرفا أنها تجعلنى طبيعيا فى معاملة الآخرين، فلست- بسبب اختلاف الدين- أكن حقدا وضيعا على الآخرين، أو أتمنى لهم الشر، وأتربص بهم الدوائر.. حسب هذه النسبة شرفا أنها تعلمنى بل تلزمنى العدل مع من يخالفنى فى الدين، وأنها تحضنى ـ إلى جانب العدالة الواجبة ـ أن أكون برا بمن يسالمنى من الكافرين..
مهما شط كفرهم، وابتعد عما أراه الحق المبين! لكن الصليبية ترى الفتك دينا، وترى وجود غيرها إلى جوارها منكرا، وذاك ما أضراها علينا، وأغرى الوحوش من أتباعها باستئصالنا. والكاتب يقول: إن هناك اتجاها فى الجزائر يرى أن الجزائرين إنما أحسوا الظلم بوصفهم مسلمين، فقد كان الإسلام هدفا لهجمات المستعمر منذ أول أيام الغزو، وذاك ما دعاهم إلى اللجوء للإسلام عندما أرادوا أن يتحرروا ثم يقول: “ وإقرارا للحق يتعين علينا أن نعترف ـ نحن الفرنسيين ـ بأن غزونا للجزائر اتخذ مظهر حرب صليبية”..! إنه لكذلك يا سيدى! فلماذا نلام إذا أصررنا على إسلامنا وتشبثنا بالبقاء عليه؟ ولماذا يستغرب منا أن نستمد من هذا الدين روح الكفاح المر، أو يعاب علينا أن استدفأنا بعقيدته فى العراء، واستلهمناها الحماس والتحمل والمصابرة، وأنسنا بها عندما استوحشنا فى عالم سادته قوانين الغاب، حتى إذا مات منا مجاهد أو ضرج فى دمائه شهيد قلنا له: أذهب إلى جنة عرضها السموات والأرض، ثم التفتنا إلى من خلفه فى مكانه لنقول له: أد واجبك كما أداه أخوك.. هذه طبيعة ديننا.
أما طبائعنا، فإن العالم ما رأى أرحم من حضارة العرب، أو أزكى منهم ضمائر فى معاملة الأجانب..
***
وإذا ذكرنا ما فى طباع الترك من جفوة عسكرية، فلنذكر أن ضوابط الإسلام الدقيقة ألزمتها حدود العدل، ولم تترك مجالا للعصبية الدينية أن تستحمق أو تجور. لقد كان الترك قادرين أن يستأصلوا أقباط مصر، بل فكر أحد سلاطينهم فى هذا، بيد أن شيخ الإسلام رفض هذه السياسة رفضا باتا، فوقف الحاكم المتحمس عند حدود الدين كما بينها له الفقيه المسلم لم يتجاوزها!
وكان الترك قادرين على استئصال نصارى الشام، كما استؤصل مسلمو الأندلس، فما فعلوا شيئا من ذلك، بل دللوهم حتى زادت أموالهم وأولادهم إلى حد بعيد، فأين الثرى من الثريا؟ ولك أن تسأل: بل يجب أن تسأل: ماذا فعلت الكنيسة بعد ما افتضحت فى أرجاء الدنيا سلسلة الآثام التى ارتكبها الفرنسيون فى الجزائر؟ والإجابة الفذة: لا شىء ؟! أحزابها السياسية هى التى تؤيد السفاحين فى الجمعية الوطنية الفرنسية، وتناصر غشمهم وقحتهم.
ووعاظها يقولون أحقر كلام يمكن أن يقوله إنسان فى هذا المجال، إن الكنيسة تنادى بالمحبة (!) قائلة: “ إن إنكار الذات وحب الناس كفيلان بحل كل معضلة كفيلان برفع الظلم عن المظلوم وتوطيد أركان العدالة “ هذا صحيح.
يقول المؤلفان الفرنسيان: “.. ولكن كيف يحدث ذلك التبدل العجيب؟ بالابتهال إلى الرب؟ وهل للجزائريين أن ينتظروا حلول نعمة الله تعالى فى نفوس المستعمرين؟ انه كان أجدر بالكنيسة ـ بدل أن تنادى بمحبة المغلوبين على أمرهم للذين غلبوهم ـ أن تقرر فساد النظم السياسية التى تبقى على الظلم الاقتصادى والاجتماعى. كان الأجدر بالكنيسة أن تعلن أن ثورتهم الخارجة على القانون ـ كما يقال ـ إنما تجد مسوغاتها ومشروعيتها فى بقاء تلك النظم الظالمة. لكن الكنيسة لا ترى سبيلا لتحقيق ذلك إلا بالمحبة وإنكار الذات، وعندما أرادت التقدم بحلول عملية، طالبت فرنسا بأن تواجه مسئولياتها ـ بعد نوم طال أمده ـ فتقدم للجزائر حاجتها من العون المالى لتستطيع رفع مستوى معيشة أهلها.
وكأن الكنيسة بذلك تدعو إلى سياسة استعمارية من طراز جديد، والمراد بتقديم هذا العون المالى هو إحداث انفعال نفساني من شأنه تهدئة الخواطر، ضمانا لصيانة المصالح الفرنسية، وهذه حيلة كانت تصادف نجاحا منذ سنوات مضت، أما اليوم فهناك وعى قومى.. هناك جبهة التحرير الوطنى “.




 

 
من فضلك اترك تعليقك..

تذكر بياناتي الشخصية

إعلام بريدي بوجود تعليقات جديدة؟