تحرير القول في حكم الموسيقى و الغناء
تمهيد:
بعد استعراض القول بالتحريم في هذه المسألة، وأدلته، والإبانة عن خطأ الاستدلال بها عليه، من جهة ضعف ما تعلق به المحرم دلالة أو رواية، وبعد إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع، وذكر مذاهب الصحابة ومن بعدهم مما أنبأك بفسحة الرأي الذي كانوا عليه، ومن ثم تحرير مذاهب الأربعة الفقهاء وأنها ليست على الوجه الذي يعزوه لهم المحرمون، يأتي هذا الجزء لتحرير القول في حكم الموسيقى والغناء، من خلال الأدلة، ودون رد إلى الخلاف، وأفصل ذلك في مبحثين لتأصيل حكمهما:
أولهما: في حكم استعمال آلات المعازف واستماعها.
وثانيها: في حكم الغناء.
ثم أثلث بمبحث يلخص الحكم مع التمثيل لأنماط الجائز والممنوع من الغناء، مع نظرة إلى الغناء في الواقع المعاصر.
فمبحث رابع في حكم ما يسمى بـ(الإنشاد الديني).
وقبل الخاتمة ..مبحث خامس في أحكام تتصل بالموسيقى والغناء، زائدة على مجرد السماع.
أولا : حكم استعمال آلات المعازف واستماعها
أذكر ابتداء بمقدمات مهمة سبق بيانها من قبل:
ا- الأصوات الموزونة الخارجة من آلات المعازف طيبة في الأسماع، حسنة في العقول، من أجل ذلك استعملت مقاييس للأصوات الحسنة المحبوبة.
كما شبه بها الصوت الحسن بقراءة القرآن، كما قال النبي “ص“ لأبي موسى الأشعري: “لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود“ (حديث صحيح متفق عليه.. أخرجه البخاري)
فشبه حسن صوته بالمزمار، ولا. يشبه بمذموم، فقد قال النبي “ص“ : “ليس لنا مثل السوء “.
وقال التابعي الكبير أبو عثمان النهدي: ما سمعت مزمارا ولا طنبورا ولا صنجا أحسن من صوت أبي موسى، إن كان ليصلي بنا فنود أنه قرأ البقرة، من حسن صوته (أثر صحيح.. أخرجه أبو عبيد في “فضائل القرآن“ بسند صحيح).
فكأنه يقول: سمعت أصوات المزامير والطنابير والصنوج، أي أحلى الأنغام الموسيقية لهذه الآلات، فكان صوت أبي موسى بالقرآن أحلى وأعذب منها، فاستساغ التشبيه للصوت الحسن بأصواتها، بجامع الحسن المؤثر في القلوب.
2- وأن المعازف لاحقة بباب العادات لا بباب العبادات، وتقرر في الأصول أن (الأصل في كل العادات الإباحة، ما لم يرد ناقل ينقلها إلى حكم آخر).
3- وأن ما استدل به من النصوص على تحريمها كآلات ضعيف نقلا أو خطأ نظرا..
4- وأن الكلام في مفردات الآلات وإن تفاوتت في أصواتها، كالكلام في جملتها، لعدم ورود دليل يصار إليه في التفريق، فإذا قلنا بإباحة الدف والطبل والمزمار لورود نصوص أفادت ذلك، لم يكن ذلك حاصرا للمباح منها، وإنما لكونها أكثر آلات التاس في ذلك الزمان شيوعا، وحيث لم يرد برهان يحتج به لمنع ما سواها فهي مثلها في الحكم.
فإذا استحضرت تلك المقدمات وجدتها تدل بمجردها دون النظر إلى أدلة سواها على إباحة استعمال المعازف واستماعها، وذلك لذاتها دون اعتبار الأغراض المطلوبة أو المرفوضة.
فالموسيقى تأصيلا: مباحة ، وهو الأصل فيها، ولو على وجه اللهو الفارغ من القصد، ما دام الاشتغال بها لا يفوت طاعة، ولا يوقع في معصية، ومن صور ذلك: الاشتغال بها لإدخال السرور، أو لدفع السآمة والملل وتحقيق مشتهى النفس.
والقول بإباحة شيء بناء على مجرد انتفاء الدليل التاقل عنها كاف ، لكن الشأن هنا أن النصوص جاءت بحوادث تؤكد القول بإباحة الموسيقى تأصيلا، فمن ذلك:
ا- عن عائشة “ر“:
أن رسول الله “ص“ دخل عليها أيام منى، وعندها جاريتان تغنيان وتضربان بدفين، ورسول الله “ص“ مسجى على وجهه الثوب، (وفي رواية: مستتر بثوبه) لا يأمرهن ولا يتهاهن، فنهرهن (وفي رواية: فانتهرهما) أبو بكر، فكشف رسول الله “ص“ ثوبه عن وجهه،، فقال: “دعهن (وفي رواية : دعهما) يا أبا بكر، فإنها أيام عيد(حديث صحيح).
وفي رواية أخرى للحديث، قالت عائشة: دخل علي رسول الله “ص“ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي “ص“ ؟! فأقبل عليه رسول الله “ص“، فقال: “دعهما“.. فلما غفل غمزتهما، فخرجتا. وكان يوم عيد ، يلعب السودان بالدرق (التروس) والحراب، فإما سألت النبي “ص“ وأما قال: “تشتهين تتظرين؟!“ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: “دونكم يا بني أرفدة“، حتى إذا مللت قال: “حسبك؟ “، قلت: نعم، قال: “ فاذهبي “ (حديث صحيح).
قلت: فهذه إباحة صريحة للغناء والعزف إظهارا للسرور يوم العيد، وتقدم بيان السبب في إتكار أبي بكر، وليس هو لتحريم ذلك.
2- وعن بريدة الأسلمي، أنه، قال:
خرج رسول الله “ص“ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله، إني كتت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله “ص“: “ إن كتت نذرت فاضربي، وإلا فلا!“، فجعلت تضرب. وذكر بقية الحديث. (حديث صحيح)
قلت: فهذا الحديث حجة قوية في إباحة العزف والغناء بغير محذور! وذلك لأن النبي “ص“ قال في الحديث الصحيح: “من نذر أن يطيع اللة فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه “ ، وقال: “لا نذر في معصية الله“، وفي رواية:“لا وفاء لنذر في معصية“.
فلو كانت هذه المرأة نذرت محرما لما أذن لها النبي“ص“ بالوفاء به، وإنما أذن لها به لكونها نذرت مباحا.
ولاحظ أن النبي“ص“ جعل النذر هو علة الإذن، وليس لمقامه وشخصه “ص“، كما قد يتعلق به بعضهم، ألم تره قال: “إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا“؟
وهذا من أبلغ ما يكون في رد زعم من زعم أن العزف بالدفوف والغناء لا يحل إلا في عرس وعيد ، فلم تكن هذه المناسبة عيدا ولا عرسا.
قد جمع الكل معنى السرور، فالعرس والعيد وقدوم الغائب العزيز مناسبات سرور، فأبيح فيها العزف والغناء من أجل هذا المعنى، وهو معنى يقع للإنسان في أحوال مختلفة ، لا تنحصر في هذه المناسبات الثلاث، وذلك لأن الله تعالى لم يمنع الإنسان في الأصل أن يفرح وأن يكون مسرورا في أحواله المختلفة، والنفس تمل الجد فتحتاج إلى بعض الأنس، فيكون ذلك مما للمسلم فيه سعة أن يدخل السرور على نفسه ومن يحب، فحيث يحقق له الغناء والعزف هذا المعنى دون مواقعة محذور فهذا مما وقع الإذن فيه من رسول الله“ص“.
3- وعن السائب بن يزيد، “ر“:
ان امرأة جاءت إلى رسول الله “ص“، فقال: |يا عائشة، أتعرفين من هذه؟“، قالت:“ لا، يا نبي الله“، فقال: “هذه قينة بني فلان ، تحبين أن تغنيك؟“، قالت: نعم، قال: فأعطاها طبقا، فغنتها، فقال النبي “ص“ : “قذ نفخ الشيطان في متخريها“ (حديث صحيح).
قلت: أعطاها النبي “ص“ الطبق لتضرب به، ووصفت بكونها (قينة تغني)، وهذه سمة المغنيات، ولا توصف به إلا من كانت تحسن الغناء، ومن كان كذلك تهيأ له أن يضرب بأي شيء يصدر صوتا بالضرب عليه، فيأتي به ضربا متناسبا مع غنائه، نعم الطبق ليس بدف ولا آلة صنعت للعزف، ولكن الضرب به هنا عزف بلا مرية ، بقرينة الغناء.
وهذا يؤكد ما تقدم ذكره من كون الآلة لا يتصل بها حكم في ذاتها، إنما الحكم للأصوات حيث تستخدم.
وقد رأيت ذات يوم من أخذ عودين، فصار يضرب بهما على صفائح معدنية مستخرجا بذلك من الأصوات ما لا يختلف عن أصوات آلات الموسيقى المعروفة.
والشاهد من هذا الحديث: أن الغناء والعزف فيه لم يقعا في مناسبة معينة، كعيد أو عرس، ولا يدل ظاهره على أكثر من أن ذلك وقع تحقيقا لبعض مشتهى النقس بالسماع، كما يدل عليه قوله “ص“: “أتحبين أن تغنيك؟!“ قالت: نعم.
4- وعن عائشة “ر“ قالت:
بينا أنا ورسول الله “ص“ جالسان في البيت، استأذنت علينا امرأة كانت تغني، فلم تزل بها عائشة “ر“ حتى غنت، فلما غنت استأذن عمر بن الخطاب، “ر“، فلما استأذن عمر ألقت المغنية ما كان في يدها، وخرجت، واستأخرت عائشة “ر“ عن مجلسها، فأذن له رسول الله “ص“، فضحك، فقال: بأبي وأمي، مما تضحك؟ فأخبره ما صنعت القينة وعائشة “ر“، فقال عمر: وأما والله لا، الله ورسوله “ص“ أحق أن يخشى يا عائشة .
قلت: فهذا الحديث صريح في إباحة الغناء، والضرب معه بشيء ، وظاهره دون مناسبة، وأن ذلك وقع من قينة تعرف بالغناء، كما قالت عائشة: “امرأة كانت تغني “، ثم وصفها بكونها مغنية وقينة، وهذا لا يقال إلا فيمن يحسن الغناء ويجيده.
فتأمل ما لهذه الأحاديث من الدلالة البينة على فسحة الشريعة السمحاء، أن يقع الغناء والعزف بإذن رسول الله “ص“، وفي بيته، المغنية فيه المرأة، والمستمع فيه الشابة عائشة “ر“، والشاهد رسول الله “ص“، يقع ذلك في أحوال مختلفة: تارة للفرح بالعيد، وتارة للسعادة بمقدم الغائب، وتارة مراعاة للشابة الحديثة السن الحريصة على اللهو، كما يقع ذلك ممن تحسن الغناء والعزف وتعرف به، وأخرى كانت مغنية لقوم تنسب لهم في مهنتها تلك، كل ذلك والوحي يتزل، في المجتمع الذي رباه رسول الله “ص“ وأدبه.
وكل هذه أحوال تناسب أصل اليسر في دين الإسلام وتجاريه.
انتقال حكم الموسيقي عن الإباحة:
والغرض المطلوب يجعل الموسيقى والغناء مطلوبا متدوبا، والغرض الممنوع يجعله ممنوعا، كما هو الشأن في كل مباح، وعليه فإن استعمال واستماع الموسيقى يصير باعتبار ذلك الغرض إلى ثلاثة أحكام غير أصل الإباحة:
الأول: الاستحباب.
وذلك حين يتحقق به مطلوب شرعي، وهذا وجدناه منصوصا عليه في النكاح، وذلك لعلة إظهار النكاح وإشهاره، وهو فاصل بين النكاح الحلال والسفاح الحرام، فالأول يعلن، والثاني يسر، فلهذه الغاية أمرت الشريعة بالعزف والغناء، وفي ذلك ثبت من الأدلة الصريحة ما يأتي:
ا- عن محمد بن حاطب الجمحي، قال: قال النبي “ص“:
“فصل ما بين الحلال والحرام: الدف، والصوت في النكاح “ (حديث حسن).
2- وعن الربيع بنت معوذ، قالت:
دخل علي النبي “ص“ غداة بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني ، وجويرياث يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال النبي “ص“: (لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين “ (حديث صحيح).
3- وعن أنس بن مالك :
أن النبي “ص“ مر ببعض المدينة، فاذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين، ويقلن:
نحن جوار من بني التجار * يا حبذا محمد من جار
فقال النبي “ص“: “الله يعلم إني لأحبكن “.
وفي روايه: أن النبي “ص“ رأى صبيانا ونساء مقبلين من عرس، فقام نبي الله “ص“، فقال:“اللهم أنتم من أحب الناس إلي، اللهم أنتم من أحب الناس إلي “ يعني الأنصار.
قلت: فهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على استحباب العزف والغناء في العرس، وإن كان مقتصرا في جميعها على الدف، فإنما ذلك لأنه الآلة الميسورة المشهورة، وتقدم أن الدف معزف، والضرب به عزف، ولم نجد ما يفرق به بينه وبين غيره كآلة.
الثاني: الكراهة.
وذلك إذا كان السماع مفوتا لطاعة غير واجبة مع عدم وجود مناسبة أو سبب يقتضيه.
وهذا وجدنا الدلالة عليه في حديث نافع مولى ابن عمر:
أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع ، فوضع أضبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟ فأقول: نعم، فيمضي، حتى قلت: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق، وقال: رأيت رسول الله “ص“ وسمع صوت زمارة راع، فصنع مثل هذا.
قلت: فلما كان النبي“ص“ مستعملا ساعاته في الطاعات، كما في حديث عائشة، “ر“ قالت: “كان رسول الله “ر“ يذكر الله على كل أحيانه “، كان في الاستماع إلى الموسيقى انشغال عن تلك الطاعة، ولم تكن هناك مناسبة ولا سبب يقتضي السماع.
و مثل هذا السماع ليس حراما، ولا إثم على مواقعه، فإن المكروه لا عقاب في فعله، لكن العاقل من يجتهد في تحصيل أضداد من أسباب كسب الثواب، و تعاطي المكروه مفوت للحسنات، باطل المكروه في حبائله، نسأل الله العافية في الدنيا و الآخرة، و أدناه: أن يفوت عليه به من المصالح ماهو أولى و أنفع له.
الثالث: التحريم.
و هو كل صوت من آلة، ولو كانت طبقا، يستعمل في تزيين الفجور و الفاحشة و يعين عليها، كسماع دور الفساد، و كل مايكون سببا في تضييع الفرائض أو تفويتها.
و هذا وجدناه في أحاديث:
1- عن أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري، سمع النبي “ص“ يقول : “ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير و الخمر و المعازف، و لينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم-يعني الفقير- لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، و يضع العلم، و يمسخ آخرين قردة و خنازير إلى يوم القيامة“
2- و عن غير واحد عن النبي “ص“ قال:
“إن في أمتي خسفا و مسخا و قذفا“، قالوا: يا رسول الله، و هم يشهدون أن لا إله إلا الله؟ فقال: “نعم، إذا ظهرت المعازف، و الخمور، ولبس الحرير“
3- و عن جابر بن عبد الله، قال:
كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرون بالكبر و المزامير، و يتركون النبي“ص“ قائما على المنبر و ينفضون اليها، فأنزل الله “ و إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها“
قلت: ففي الحديثين الأولين كانت الموسيقى سببا للعون على معصية الله، فكانت ممنوعة بهذا الاعتبار، و تحريمها في هذا الحال من تحريم الوسائل الموصلة إلى الممنوع.
و في الحديث الثالث، كانت الموسيقى فيه في مناسبة عرس، و هي في الأصل مشروعة مندوبة، لكنهم حين لهوا بها معرضين عن رسول الله “ص“ وهو قائم يخطب على المنبر يوم الجمعة ذم ذلك منهم و منعوا منه، لما سبب من ترك الواجب ، فصار محظورا، كالبيع في تلك الساعة.
الموسيقى لغير اللهو:
هذه الأحكام التي ذكرت للموسيقى سماعا و إسماعا، هي في باب الملاهي، حيث تتخذ للتلهي بها حين تتخذ لتحقيق لذة مشروعة لكنا وجدناها أيضا تتخذ لأغراض أخرى سوى ذلك، كاستعمال علماء الطب لها لعلاج بعض الأمراض العصبية، وتخفيف المعاناة عند مواجهة بعض العوارض الصحية، كالشأن في استعمال ما يسمى بـ (الموسيقى العلاجية: Music Therapy)، فيعالج بها الطب الحديث أنواعا من العلل، كالاضطرابات والتخلفات العقلية التي تصيب الأطفال والمراهقين والكبار والشيوخ، كذلك تستعمل لتخفيف المعاناة من أمراض تقدم العمر، كمرض الزايمر Alzheimer’s disease وغيره، وتعالج بها بعض حالات الإصابة بآثار تعاطي المخدرات، وعموم إصابات الدماغ، وبعض الآلام المزمنة أو الحادة، كما تستعمل لتيسير عملية وضع الحمل، والتخفيف عن المرأة في حال الولادة، ولتحسين حالات التخلف في النمو والتعلم، وغير ذلك.
فهذه مصلحة معتبرة لاستعمال الموسيقى، وإذا كان الأصل جواز التلهي بها، فتحقيق متفعة كهذه أولى بحكم الإباحة.
ثانيا: حكم الغناء
تقدم في جزئية التعريفات و الأصول ان (الغناء): صوت يوالى به مرة بعد مرة بتلحين وتطريب، ويدخل فيه الصفير والتصفيق، ولا يختص بالحي من جهة كونه (صوتا)، لذا تسمى أصوات الموسيقى (غناء)، وآلاتها (آلات غناء ).
فمن حيث التأصيل: فإن الغناء كصوت مجرد بغير كلام كالترنم مباح في الأصل، بناء على أصل العادات، ما لم ينقل عنها بدليل خاص.
وإن كان أصوات الموسيقى فقد تقدم بيان حكمها، وأنها باقية على أصل الحل، تخرج عنه بحسب ما تتخذ له.
وإن كان باعتباره القول الملحن بشعر وكلام متظوم ، فهو الذي نعنيه في هذا المقام، فالنظر فيه من جهتين:
الجهة الأولى: أداؤه بالألحان.
اللحن: تحسين الصوت بالأداء على صفة مخصوصة.
فهذا ليس في الشريعة ما يعيبه البتة، والنفوس تستلذه بطبعها، بل من أجل أثره في النفس: نفس المؤدي ونفس السامع، حثت الشريعة على التغني بالقرآن.
كما في حديث البراء بن عازب، قال: قال رسول الله “ص“: “زينوا القرآن بأصواتكم“، وفي لفظ: “حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا“.
وشرع تحسين الصوت بالأذان، كما في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري الأذان في المنام، قال: فلما أصبحت أتيت رسول الله “ص“ فأخبرته بما رأيت، فقال: “أنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أتدى صوتا منك “.
وعن أبي محذورة، قال: لما خرج رسول الله “ص“ من حنين خرجت عاشر عشرة من أهل مكة نطلبهم، فسمعناهم يؤذنون بالصلاة، فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال رسول الله “ص“: “قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت ، فأرسل إلينا، فأذنا رجل رجل، وكنت آخرهم، فقال حين أذنت: “تعال“، فأجلسني بين يديه، فمسح على ناصيتي وبرك علي ثلاث مرات، ثم قال: “اذهب فأذن عند البيت الحرام “.
فدل هذا على مجاراة الطبائع فيما تستحسنه وتستلذه من الأصوات.
فلو كان اللحن مما يمنع لما صلح أن يكون مستحبا لذكر الله وقراءة القرآن وشعيرة الأذان التي تتكرر على الأسماع خمس مرات في اليوم والليلة.
فإذا كان الأصل في اللحن الجواز، فإن أهل صناعة الغناء يخرجونه بالألحان المتناسبة على نغمات متناسقة ، مقسومة على أنماط مختلفة بحسب المراد، واختلاقها كذلك بالنظر إلى البيئة والبلد والزمن والحال، فمنها القديم، ومنها الحديث، ومنها القروي، ومنها الحضري، ومنها البدوي، واسماؤها لا تنحصر بحسب أعراف التاس فيها، ففي بلاد العرب اليوم أنماط: كالمقامات، والموشحات، والمنلوجات، والأهازيج، والأغانى الوطنية، والحربية، والأغاني الشعبئة السهلة، والمواويل، وعند الغربيين من هذا أتماط لهم، وهكذا.
والجهة الثانية: الغناء بالشعر ونحوه.
فهذا يراعى فيه ما يزيد على حكم الموسيقى أو الصوت المجرد المطرب به، من مادة الشعر أو القول المغنى به، فإن كان كلاما جائزا في ذاته كان الغناء به كذلك، وإذا كان ممنوعا تبعه حكم الغناء في المتع.
وهذا عائد إلى قاعدة الشعر المبينة في حديث عائشة “ر“، قالت: سئل رسول الله “ص“ عن الشعر، فقال: “هو كلام ، حسنه حسن، وقبيحه قبيح“.
وكانت عائشة تقول: “الشعر مته حسن، ومنه قبيح، خذ بالحسن، ودع القبيح“.
وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير، قال: صحبت عمران بن الحصين من البصرة إلى مكة، فكان يتشد في كل يوم، ثم قال لي:“إن الشعر كلام ، وإن من الكلام حقا وباطلا“.
والذي يجب اعتقاده في اعتبار الحسن والقبح هو حكم الشرع، لا ما تميل العقول بمجردها إلى حسنه أو قبحه، ولا ما تجري العادة بقبوله أو رفضه.
وإذا عاد الحكم في الشعر إلى مادته، لم يكن للوزن والنظم تأثير في الحكم، وإن كان له في النفس وقع لا ينكر.
كما قال الحليمي: “وجملة ما يتميز به الغناء المباح عن الغناء المحظور: ان كل غناء من الشعر المنظوم فمعتبر به لو كان نثرا غير متظوم، فإن كان مما يحل أن يتكلم به منثورا أحل أن يتكلم به منظوما، وإن كان مما لا يحل أن يستعمل منثورا لم يحل أن يستعمل منظوما“.
قلت: وهذا بناء على أن الأصل في الكلام الإباحة، وإنما يمنع منه القبيح، والقبيح ما اندرج تحت تحريم أو كراهة حتى لو استعذب واستلذ، ففي المحرم والمكروه ما يستلذ، كالزنا فهو قبيح شرعا لحرمته، مع ما فيه من اللذة، وقبحه من جهة اعتبار العاقبة.
ومن القبيح: الكلام المشتمل على الكفر، والفحش، والقذف، والطعن في الأنساب، ولعن الناس وسبهم، والدعوة إلى الزنا والخمر بإغراء وتحسين وترغيب، وذكر للنساء تغزلا بهن والتذاذا بأوصافهن ،أو تشويق النساء إلى الرجال- حاشا ما بين الزوجين-، أو التشبيب بالمردان، ما يثير كوامن الشهوات ويستدعي خفي الرغبات، ليوقع في معصية الله وتعدي حدوده.
فالشعر الذي يكون الغناء به جائزا على هذه المقدمة هو: كل شعر لا يشتمل على ما هو ممنوع شرعا من الكلام، مثل الشعر المشتمل على عبارات الإلحاد والكفر ورد القدر ومدح الفواحش وشبه ذلك، مما يعرف حكمه من حكم الكلام به.
فإن قلت: فأين يكون من هذا الغناء بالشعر العاطفي كشعر الحب والغزل، والشوق وا لألم؟
قلت: ليس مجرد كون الشعر مثيرا للعاطفة من حب وشوق وفرح وحرن مما يجعله ممنوعا، بل الإنسان مجبول بطبعه على التأثر بمثل ذلك، وإنما أن يستثار الشيء من ذلك بما لا يحل من الكلام، فالعبرة عندئذ في حكم ذلك الكلام في نفسه، واستثارة العاطفة الكامنة بحسن القول في الأصل ليست ممنوعة، بل مباحة جائزة، ومنه استثارة العاطفة بالمواعظ، كما تكون استثارة عاطفة الحب أو الولاء لمن أو لما يشرع حبه وولاؤه.
نعم، الكلام المباح في الأصل قد يستعمل في معصية الله، وعندئذ فإن حكم الإباحة يزول عته باستعماله في الغرض الممنوع، فالتغني بشعر العاطفة والغزل مباح في أصله، لكنه إذا استعمل للتوصل إلى شهوة محرمة، كان له حكم تلك الشهوة.
لكن هذا التوع لا يطلق حكمه في الأصل إلا الإباحة، ولا يحل أن يقال: صار حراما باستعمال شخص من الناس له وسيلة إلى الحرام ، وإنما الحرمة مقصورة على حال ذلك الشخص، لا مطلقا، وهذا شأن كل مباح في الأصل يتوصل به إلى الحرام، فإن الخرمة فيه عارضة، لا تزيل حكمة الأصلي الذي هو الإباحة.
وهذا الذي بينت من حكم الغناء مطلقا، مؤيد بأدلة عديدة جاءت جميعا على وفاق الأصل الذي هو الإباحة، فمنها:
ا- عن خالد بن ذكوان، قال: كنا بالمدينة يوم عاشوراء، والجواري يضربن بالدف ويتغنين، فدخلنا على الربيع بنت معوذ، فذكرنا ذلك لها، فقالت: دخل علي رسول الله “ص“ صبيحة عرسي، وعندي جاريتالن تتغنيان وتتدبان آبائي الذين قتلوا يوم بدر ، وتقولان فيما تقولان: وفينا نبي “ص“ يعلم ما في غد، فقال“ص“ : “ أما هذا فلا تقولوه، ما يعلم ما في غد إلا الله “.
قلت: فدل هذا الحديث على أن الغناء بكل شعر مباح، للناس أن يستعملوا منه ما شاءوا، إلا بشيء دل على معنى باطل في الشرع، كالشأن هنا في غناء الجاريتين بقولهن: (وفينا نبي “ص“ يعلم ما في غد). فنهى رسول الله “ص“ عن قول ما يخالف الشرع و أباح سائر غنائها.
2- و عن أنس بن مالك : أن النبي “ص“ مر ببعض المدينة، فإذا هو بجوار يضربن بدفهن و يتغنين، ويقلن :
نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار
فقال النبي “ص“ : “الله يعلم أني لأحبكن“
3- و عن عبد الله بن عباس، قال : “أنكحت عائشة ذات قرابة لها “رجلا“ من الأنصار ، فجاء رسول الله “ص“ فقال:“أهديتم الفتاة؟“، قالوا : نعم، قال :“أرسلتم معها من يغني؟“ قالت : لا، فقال رسول الله “ص“ :“إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول:“ أتيناكم أتيناكم، فحيانا و حياكم“
قلت: فهذا رسول الله “ص“ يبيح لهم الغناء بالغزل، فتأمل هدي خير التاس “ص“!!
4- وعن عامر بن سعد البجلي، قال:
دخلت على أبي مسعود وقرظة بن كعب وثابت بن يزيد، وجوار يضربن بدف لهن، ويغنين، فقلت: تقرون بهذا وأنتم أصحاب رسول الله “ص“؟! قالوا: إنه رخص لنا في الغناء في العرس، والبكاء على الميت في غير نوح ، وعن طارق بن شهاب، قال: دخلت على عدة من أصحاب رسول الله “ص“ وهم معتكفون على شراب لهم، وعندهم قينة، فقلت: أنتم النجباء من أصحاب رسول الله-“ص“!! فقال أبو مسعود الأنصاري: إن رسول الله“ص“ رخص لنا في الغناء في العرس. الحديث.
5- وعن بريدة الأسلمي ، قال:
خرج رسول الله “ص“ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله، إني كتت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله “ص“: ((إن كتت نذرت فاضربي
جزاك الله خيرا على هذه الإعاده و لكن يا شيخنا العزيز نحن لا نسألك عن الدف و كل ما ورد فى السنه أو عن التابعين يتحدث عن الدف و لم تشفى غليلنا بعد كل هذا الشرع و الأدله فلا علاقة للدف بالآلات و المعازف الموجوده فى زماننا هذا فهلا أرحتنا يا شيخنا و أفتيتنا فيما استجد فى زماننا و استنتجت لنا حكما يوافق النقل و الشريعه لما نراه فى زماننا من المهازل المسماه بالغناء فهل أفتيتنا فى مطربين زماننا و مع خالص حبى و تقديرى لعلمكم و مكانتكم فأرجوكم لا تفعلوا تفعل مشايخ الفضائيات عندم يسأل السائل عن أمر تغير مئات المرات و تحولت هيئته على مدار مئات السنين ثم تقول لى حكما عاما هنا لا يجوز التعميم فنرجوك خصص لنا حكم المعازف الموجوده طبله و طار و أورج و سكسفون و إكسلفون و عود و ناى و غيرها و لا تقف لنا عند العقد الأول من الإسلام الذى لم يكن فيه إلا الدف و الناى و الألات الحجريه و الجلديه أرجوك يا شيخ فقد ألمت الشبهات بهذا الأمر و خرج من دائرة الحل الكامل أو التحريم الكامل فهلا تجاوزتم و استحوطتم لدينكم و أماناتكم و اتقيتم الشبهات
بالله عليكم :
هل الأمه بحاجة لأن نقضى الليل و النهار فى البحث عن أدلة تحليل أو تحريم الغناء
هل إستكملت الأمة فرائض دينها و لم يبقى لها إلا أن تسأل عن الشبهات و المختلف فيها
بالله عليكم ماذا تستفيد الأمة من الغناء هل جاهدت حق الجهاد فهى تحتاج إلى الراحه و التسلى ببعض الغناء كما كان يفعل الصحابة فى بعض الغزوات ليتسلوا من التعب الشديد مع الفارق فى نوعية الغناء
بالله عليكم أمة لا تقوم الليل إلا ما رحم الله و حتى المساجد هجرت و القرءان هجر و تسأل عن الغناء هل أصاب الناس الملل من العباده و قراءة القرءان حتى نستفيض و نؤلف المؤلفات فى تحليل أو تحريم الغناء
حسبنا الله و نعم الوكيل