د/ عبد الله بن يوسف الجديع الموسيقى و الغناء في ميزان الإسلام

تحرير القول في حكم الموسيقى و الغناء

تمهيد:
بعد استعراض القول بالتحريم في هذه المسألة، وأدلته، والإبانة عن خطأ الاستدلال بها عليه، من جهة ضعف ما تعلق به المحرم دلالة أو رواية، وبعد إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع، وذكر مذاهب الصحابة ومن بعدهم مما أنبأك بفسحة الرأي الذي كانوا عليه، ومن ثم تحرير مذاهب الأربعة الفقهاء وأنها ليست على الوجه الذي يعزوه لهم المحرمون، يأتي هذا الجزء لتحرير القول في حكم الموسيقى والغناء، من خلال الأدلة، ودون رد إلى الخلاف، وأفصل ذلك في مبحثين لتأصيل حكمهما:
أولهما: في حكم استعمال آلات المعازف واستماعها.
وثانيها: في حكم الغناء.
ثم أثلث بمبحث يلخص الحكم مع التمثيل لأنماط الجائز والممنوع من الغناء، مع نظرة إلى الغناء في الواقع المعاصر.
فمبحث رابع في حكم ما يسمى بـ(الإنشاد الديني).
وقبل الخاتمة ..مبحث خامس في أحكام تتصل بالموسيقى والغناء، زائدة على مجرد السماع.

أولا : حكم استعمال آلات المعازف واستماعها
أذكر ابتداء بمقدمات مهمة سبق بيانها من قبل:
ا- الأصوات الموزونة الخارجة من آلات المعازف طيبة في الأسماع، حسنة في العقول، من أجل ذلك استعملت مقاييس للأصوات الحسنة المحبوبة.
كما شبه بها الصوت الحسن بقراءة القرآن، كما قال النبي “ص” لأبي موسى الأشعري: “لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود” (حديث صحيح متفق عليه.. أخرجه البخاري)
فشبه حسن صوته بالمزمار، ولا. يشبه بمذموم، فقد قال النبي “ص” : “ليس لنا مثل السوء “.
وقال التابعي الكبير أبو عثمان النهدي: ما سمعت مزمارا ولا طنبورا ولا صنجا أحسن من صوت أبي موسى، إن كان ليصلي بنا فنود أنه قرأ البقرة، من حسن صوته (أثر صحيح.. أخرجه أبو عبيد في “فضائل القرآن” بسند صحيح).
فكأنه يقول: سمعت أصوات المزامير والطنابير والصنوج، أي أحلى الأنغام الموسيقية لهذه الآلات، فكان صوت أبي موسى بالقرآن أحلى وأعذب منها، فاستساغ التشبيه للصوت الحسن بأصواتها، بجامع الحسن المؤثر في القلوب.
2- وأن المعازف لاحقة بباب العادات لا بباب العبادات، وتقرر في الأصول أن (الأصل في كل العادات الإباحة، ما لم يرد ناقل ينقلها إلى حكم آخر).
3- وأن ما استدل به من النصوص على تحريمها كآلات ضعيف نقلا أو خطأ نظرا..
4- وأن الكلام في مفردات الآلات وإن تفاوتت في أصواتها، كالكلام في جملتها، لعدم ورود دليل يصار إليه في التفريق، فإذا قلنا بإباحة الدف والطبل والمزمار لورود نصوص أفادت ذلك، لم يكن ذلك حاصرا للمباح منها، وإنما لكونها أكثر آلات التاس في ذلك الزمان شيوعا، وحيث لم يرد برهان يحتج به لمنع ما سواها فهي مثلها في الحكم.
فإذا استحضرت تلك المقدمات وجدتها تدل بمجردها دون النظر إلى أدلة سواها على إباحة استعمال المعازف واستماعها، وذلك لذاتها دون اعتبار الأغراض المطلوبة أو المرفوضة.
فالموسيقى تأصيلا: مباحة ، وهو الأصل فيها، ولو على وجه اللهو الفارغ من القصد، ما دام الاشتغال بها لا يفوت طاعة، ولا يوقع في معصية، ومن صور ذلك: الاشتغال بها لإدخال السرور، أو لدفع السآمة والملل وتحقيق مشتهى النفس.
والقول بإباحة شيء بناء على مجرد انتفاء الدليل التاقل عنها كاف ، لكن الشأن هنا أن النصوص جاءت بحوادث تؤكد القول بإباحة الموسيقى تأصيلا، فمن ذلك:

ا- عن عائشة “ر”:
أن رسول الله “ص” دخل عليها أيام منى، وعندها جاريتان تغنيان وتضربان بدفين، ورسول الله “ص” مسجى على وجهه الثوب، (وفي رواية: مستتر بثوبه) لا يأمرهن ولا يتهاهن، فنهرهن (وفي رواية: فانتهرهما) أبو بكر، فكشف رسول الله “ص” ثوبه عن وجهه،، فقال: “دعهن (وفي رواية : دعهما) يا أبا بكر، فإنها أيام عيد(حديث صحيح).
وفي رواية أخرى للحديث، قالت عائشة: دخل علي رسول الله “ص” وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي “ص” ؟! فأقبل عليه رسول الله “ص"، فقال: “دعهما”.. فلما غفل غمزتهما، فخرجتا. وكان يوم عيد ، يلعب السودان بالدرق (التروس) والحراب، فإما سألت النبي “ص” وأما قال: “تشتهين تتظرين؟!” فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: “دونكم يا بني أرفدة"، حتى إذا مللت قال: “حسبك؟ “، قلت: نعم، قال: “ فاذهبي “ (حديث صحيح).
قلت: فهذه إباحة صريحة للغناء والعزف إظهارا للسرور يوم العيد، وتقدم بيان السبب في إتكار أبي بكر، وليس هو لتحريم ذلك.

2- وعن بريدة الأسلمي، أنه، قال:
خرج رسول الله “ص” في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله، إني كتت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله “ص”: “ إن كتت نذرت فاضربي، وإلا فلا!"، فجعلت تضرب. وذكر بقية الحديث. (حديث صحيح)
قلت: فهذا الحديث حجة قوية في إباحة العزف والغناء بغير محذور! وذلك لأن النبي “ص” قال في الحديث الصحيح: “من نذر أن يطيع اللة فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه “ ، وقال: “لا نذر في معصية الله"، وفي رواية:"لا وفاء لنذر في معصية”.
فلو كانت هذه المرأة نذرت محرما لما أذن لها النبي"ص" بالوفاء به، وإنما أذن لها به لكونها نذرت مباحا.
ولاحظ أن النبي"ص" جعل النذر هو علة الإذن، وليس لمقامه وشخصه “ص"، كما قد يتعلق به بعضهم، ألم تره قال: “إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا"؟
وهذا من أبلغ ما يكون في رد زعم من زعم أن العزف بالدفوف والغناء لا يحل إلا في عرس وعيد ، فلم تكن هذه المناسبة عيدا ولا عرسا.
قد جمع الكل معنى السرور، فالعرس والعيد وقدوم الغائب العزيز مناسبات سرور، فأبيح فيها العزف والغناء من أجل هذا المعنى، وهو معنى يقع للإنسان في أحوال مختلفة ، لا تنحصر في هذه المناسبات الثلاث، وذلك لأن الله تعالى لم يمنع الإنسان في الأصل أن يفرح وأن يكون مسرورا في أحواله المختلفة، والنفس تمل الجد فتحتاج إلى بعض الأنس، فيكون ذلك مما للمسلم فيه سعة أن يدخل السرور على نفسه ومن يحب، فحيث يحقق له الغناء والعزف هذا المعنى دون مواقعة محذور فهذا مما وقع الإذن فيه من رسول الله"ص".

3- وعن السائب بن يزيد، “ر”:
ان امرأة جاءت إلى رسول الله “ص"، فقال: |يا عائشة، أتعرفين من هذه؟"، قالت:” لا، يا نبي الله"، فقال: “هذه قينة بني فلان ، تحبين أن تغنيك؟"، قالت: نعم، قال: فأعطاها طبقا، فغنتها، فقال النبي “ص” : “قذ نفخ الشيطان في متخريها” (حديث صحيح).
قلت: أعطاها النبي “ص” الطبق لتضرب به، ووصفت بكونها (قينة تغني)، وهذه سمة المغنيات، ولا توصف به إلا من كانت تحسن الغناء، ومن كان كذلك تهيأ له أن يضرب بأي شيء يصدر صوتا بالضرب عليه، فيأتي به ضربا متناسبا مع غنائه، نعم الطبق ليس بدف ولا آلة صنعت للعزف، ولكن الضرب به هنا عزف بلا مرية ، بقرينة الغناء.
وهذا يؤكد ما تقدم ذكره من كون الآلة لا يتصل بها حكم في ذاتها، إنما الحكم للأصوات حيث تستخدم.
وقد رأيت ذات يوم من أخذ عودين، فصار يضرب بهما على صفائح معدنية مستخرجا بذلك من الأصوات ما لا يختلف عن أصوات آلات الموسيقى المعروفة.
والشاهد من هذا الحديث: أن الغناء والعزف فيه لم يقعا في مناسبة معينة، كعيد أو عرس، ولا يدل ظاهره على أكثر من أن ذلك وقع تحقيقا لبعض مشتهى النقس بالسماع، كما يدل عليه قوله “ص”: “أتحبين أن تغنيك؟!” قالت: نعم.

4- وعن عائشة “ر” قالت:
بينا أنا ورسول الله “ص” جالسان في البيت، استأذنت علينا امرأة كانت تغني، فلم تزل بها عائشة “ر” حتى غنت، فلما غنت استأذن عمر بن الخطاب، “ر"، فلما استأذن عمر ألقت المغنية ما كان في يدها، وخرجت، واستأخرت عائشة “ر” عن مجلسها، فأذن له رسول الله “ص"، فضحك، فقال: بأبي وأمي، مما تضحك؟ فأخبره ما صنعت القينة وعائشة “ر"، فقال عمر: وأما والله لا، الله ورسوله “ص” أحق أن يخشى يا عائشة .

قلت: فهذا الحديث صريح في إباحة الغناء، والضرب معه بشيء ، وظاهره دون مناسبة، وأن ذلك وقع من قينة تعرف بالغناء، كما قالت عائشة: “امرأة كانت تغني “، ثم وصفها بكونها مغنية وقينة، وهذا لا يقال إلا فيمن يحسن الغناء ويجيده.
فتأمل ما لهذه الأحاديث من الدلالة البينة على فسحة الشريعة السمحاء، أن يقع الغناء والعزف بإذن رسول الله “ص"، وفي بيته، المغنية فيه المرأة، والمستمع فيه الشابة عائشة “ر"، والشاهد رسول الله “ص"، يقع ذلك في أحوال مختلفة: تارة للفرح بالعيد، وتارة للسعادة بمقدم الغائب، وتارة مراعاة للشابة الحديثة السن الحريصة على اللهو، كما يقع ذلك ممن تحسن الغناء والعزف وتعرف به، وأخرى كانت مغنية لقوم تنسب لهم في مهنتها تلك، كل ذلك والوحي يتزل، في المجتمع الذي رباه رسول الله “ص” وأدبه.
وكل هذه أحوال تناسب أصل اليسر في دين الإسلام وتجاريه.

انتقال حكم الموسيقي عن الإباحة:
والغرض المطلوب يجعل الموسيقى والغناء مطلوبا متدوبا، والغرض الممنوع يجعله ممنوعا، كما هو الشأن في كل مباح، وعليه فإن استعمال واستماع الموسيقى يصير باعتبار ذلك الغرض إلى ثلاثة أحكام غير أصل الإباحة:

الأول: الاستحباب.
وذلك حين يتحقق به مطلوب شرعي، وهذا وجدناه منصوصا عليه في النكاح، وذلك لعلة إظهار النكاح وإشهاره، وهو فاصل بين النكاح الحلال والسفاح الحرام، فالأول يعلن، والثاني يسر، فلهذه الغاية أمرت الشريعة بالعزف والغناء، وفي ذلك ثبت من الأدلة الصريحة ما يأتي:
ا- عن محمد بن حاطب الجمحي، قال: قال النبي “ص”:
“فصل ما بين الحلال والحرام: الدف، والصوت في النكاح “ (حديث حسن).

2- وعن الربيع بنت معوذ، قالت:
دخل علي النبي “ص” غداة بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني ، وجويرياث يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال النبي “ص”: (لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين “ (حديث صحيح).

3- وعن أنس بن مالك :
أن النبي “ص” مر ببعض المدينة، فاذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين، ويقلن:
نحن جوار من بني التجار * يا حبذا محمد من جار
فقال النبي “ص”: “الله يعلم إني لأحبكن “.
وفي روايه: أن النبي “ص” رأى صبيانا ونساء مقبلين من عرس، فقام نبي الله “ص"، فقال:"اللهم أنتم من أحب الناس إلي، اللهم أنتم من أحب الناس إلي “ يعني الأنصار.

قلت: فهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على استحباب العزف والغناء في العرس، وإن كان مقتصرا في جميعها على الدف، فإنما ذلك لأنه الآلة الميسورة المشهورة، وتقدم أن الدف معزف، والضرب به عزف، ولم نجد ما يفرق به بينه وبين غيره كآلة.

الثاني: الكراهة.
وذلك إذا كان السماع مفوتا لطاعة غير واجبة مع عدم وجود مناسبة أو سبب يقتضيه.
وهذا وجدنا الدلالة عليه في حديث نافع مولى ابن عمر:
أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع ، فوضع أضبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟ فأقول: نعم، فيمضي، حتى قلت: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق، وقال: رأيت رسول الله “ص” وسمع صوت زمارة راع، فصنع مثل هذا.

قلت: فلما كان النبي"ص" مستعملا ساعاته في الطاعات، كما في حديث عائشة، “ر” قالت: “كان رسول الله “ر” يذكر الله على كل أحيانه “، كان في الاستماع إلى الموسيقى انشغال عن تلك الطاعة، ولم تكن هناك مناسبة ولا سبب يقتضي السماع.
و مثل هذا السماع ليس حراما، ولا إثم على مواقعه، فإن المكروه لا عقاب في فعله، لكن العاقل من يجتهد في تحصيل أضداد من أسباب كسب الثواب، و تعاطي المكروه مفوت للحسنات، باطل المكروه في حبائله، نسأل الله العافية في الدنيا و الآخرة، و أدناه: أن يفوت عليه به من المصالح ماهو أولى و أنفع له.

الثالث: التحريم.
و هو كل صوت من آلة، ولو كانت طبقا، يستعمل في تزيين الفجور و الفاحشة و يعين عليها، كسماع دور الفساد، و كل مايكون سببا في تضييع الفرائض أو تفويتها.
و هذا وجدناه في أحاديث:
1- عن أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري، سمع النبي “ص” يقول : “ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر و الحرير و الخمر و المعازف، و لينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم-يعني الفقير- لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، و يضع العلم، و يمسخ آخرين قردة و خنازير إلى يوم القيامة”
2- و عن غير واحد عن النبي “ص” قال:
“إن في أمتي خسفا و مسخا و قذفا"، قالوا: يا رسول الله، و هم يشهدون أن لا إله إلا الله؟ فقال: “نعم، إذا ظهرت المعازف، و الخمور، ولبس الحرير”
3- و عن جابر بن عبد الله، قال:
كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرون بالكبر و المزامير، و يتركون النبي"ص" قائما على المنبر و ينفضون اليها، فأنزل الله “ و إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها”
قلت: ففي الحديثين الأولين كانت الموسيقى سببا للعون على معصية الله، فكانت ممنوعة بهذا الاعتبار، و تحريمها في هذا الحال من تحريم الوسائل الموصلة إلى الممنوع.

و في الحديث الثالث، كانت الموسيقى فيه في مناسبة عرس، و هي في الأصل مشروعة مندوبة، لكنهم حين لهوا بها معرضين عن رسول الله “ص” وهو قائم يخطب على المنبر يوم الجمعة ذم ذلك منهم و منعوا منه، لما سبب من ترك الواجب ، فصار محظورا، كالبيع في تلك الساعة.

الموسيقى لغير اللهو:
هذه الأحكام التي ذكرت للموسيقى سماعا و إسماعا، هي في باب الملاهي، حيث تتخذ للتلهي بها حين تتخذ لتحقيق لذة مشروعة لكنا وجدناها أيضا تتخذ لأغراض أخرى سوى ذلك، كاستعمال علماء الطب لها لعلاج بعض الأمراض العصبية، وتخفيف المعاناة عند مواجهة بعض العوارض الصحية، كالشأن في استعمال ما يسمى بـ (الموسيقى العلاجية: Music Therapy)، فيعالج بها الطب الحديث أنواعا من العلل، كالاضطرابات والتخلفات العقلية التي تصيب الأطفال والمراهقين والكبار والشيوخ، كذلك تستعمل لتخفيف المعاناة من أمراض تقدم العمر، كمرض الزايمر Alzheimer’s disease وغيره، وتعالج بها بعض حالات الإصابة بآثار تعاطي المخدرات، وعموم إصابات الدماغ، وبعض الآلام المزمنة أو الحادة، كما تستعمل لتيسير عملية وضع الحمل، والتخفيف عن المرأة في حال الولادة، ولتحسين حالات التخلف في النمو والتعلم، وغير ذلك.
فهذه مصلحة معتبرة لاستعمال الموسيقى، وإذا كان الأصل جواز التلهي بها، فتحقيق متفعة كهذه أولى بحكم الإباحة.

ثانيا: حكم الغناء
تقدم في جزئية التعريفات و الأصول ان (الغناء): صوت يوالى به مرة بعد مرة بتلحين وتطريب، ويدخل فيه الصفير والتصفيق، ولا يختص بالحي من جهة كونه (صوتا)، لذا تسمى أصوات الموسيقى (غناء)، وآلاتها (آلات غناء ).
فمن حيث التأصيل: فإن الغناء كصوت مجرد بغير كلام كالترنم مباح في الأصل، بناء على أصل العادات، ما لم ينقل عنها بدليل خاص.
وإن كان أصوات الموسيقى فقد تقدم بيان حكمها، وأنها باقية على أصل الحل، تخرج عنه بحسب ما تتخذ له.
وإن كان باعتباره القول الملحن بشعر وكلام متظوم ، فهو الذي نعنيه في هذا المقام، فالنظر فيه من جهتين:

الجهة الأولى: أداؤه بالألحان.
اللحن: تحسين الصوت بالأداء على صفة مخصوصة.
فهذا ليس في الشريعة ما يعيبه البتة، والنفوس تستلذه بطبعها، بل من أجل أثره في النفس: نفس المؤدي ونفس السامع، حثت الشريعة على التغني بالقرآن.
كما في حديث البراء بن عازب، قال: قال رسول الله “ص”: “زينوا القرآن بأصواتكم"، وفي لفظ: “حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا”.
وشرع تحسين الصوت بالأذان، كما في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري الأذان في المنام، قال: فلما أصبحت أتيت رسول الله “ص” فأخبرته بما رأيت، فقال: “أنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أتدى صوتا منك “.
وعن أبي محذورة، قال: لما خرج رسول الله “ص” من حنين خرجت عاشر عشرة من أهل مكة نطلبهم، فسمعناهم يؤذنون بالصلاة، فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال رسول الله “ص”: “قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت ، فأرسل إلينا، فأذنا رجل رجل، وكنت آخرهم، فقال حين أذنت: “تعال"، فأجلسني بين يديه، فمسح على ناصيتي وبرك علي ثلاث مرات، ثم قال: “اذهب فأذن عند البيت الحرام “.
فدل هذا على مجاراة الطبائع فيما تستحسنه وتستلذه من الأصوات.
فلو كان اللحن مما يمنع لما صلح أن يكون مستحبا لذكر الله وقراءة القرآن وشعيرة الأذان التي تتكرر على الأسماع خمس مرات في اليوم والليلة.
فإذا كان الأصل في اللحن الجواز، فإن أهل صناعة الغناء يخرجونه بالألحان المتناسبة على نغمات متناسقة ، مقسومة على أنماط مختلفة بحسب المراد، واختلاقها كذلك بالنظر إلى البيئة والبلد والزمن والحال، فمنها القديم، ومنها الحديث، ومنها القروي، ومنها الحضري، ومنها البدوي، واسماؤها لا تنحصر بحسب أعراف التاس فيها، ففي بلاد العرب اليوم أنماط: كالمقامات، والموشحات، والمنلوجات، والأهازيج، والأغانى الوطنية، والحربية، والأغاني الشعبئة السهلة، والمواويل، وعند الغربيين من هذا أتماط لهم، وهكذا.

والجهة الثانية: الغناء بالشعر ونحوه.
فهذا يراعى فيه ما يزيد على حكم الموسيقى أو الصوت المجرد المطرب به، من مادة الشعر أو القول المغنى به، فإن كان كلاما جائزا في ذاته كان الغناء به كذلك، وإذا كان ممنوعا تبعه حكم الغناء في المتع.
وهذا عائد إلى قاعدة الشعر المبينة في حديث عائشة “ر"، قالت: سئل رسول الله “ص” عن الشعر، فقال: “هو كلام ، حسنه حسن، وقبيحه قبيح”.
وكانت عائشة تقول: “الشعر مته حسن، ومنه قبيح، خذ بالحسن، ودع القبيح”.
وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير، قال: صحبت عمران بن الحصين من البصرة إلى مكة، فكان يتشد في كل يوم، ثم قال لي:"إن الشعر كلام ، وإن من الكلام حقا وباطلا”.
والذي يجب اعتقاده في اعتبار الحسن والقبح هو حكم الشرع، لا ما تميل العقول بمجردها إلى حسنه أو قبحه، ولا ما تجري العادة بقبوله أو رفضه.
وإذا عاد الحكم في الشعر إلى مادته، لم يكن للوزن والنظم تأثير في الحكم، وإن كان له في النفس وقع لا ينكر.
كما قال الحليمي: “وجملة ما يتميز به الغناء المباح عن الغناء المحظور: ان كل غناء من الشعر المنظوم فمعتبر به لو كان نثرا غير متظوم، فإن كان مما يحل أن يتكلم به منثورا أحل أن يتكلم به منظوما، وإن كان مما لا يحل أن يستعمل منثورا لم يحل أن يستعمل منظوما”.
قلت: وهذا بناء على أن الأصل في الكلام الإباحة، وإنما يمنع منه القبيح، والقبيح ما اندرج تحت تحريم أو كراهة حتى لو استعذب واستلذ، ففي المحرم والمكروه ما يستلذ، كالزنا فهو قبيح شرعا لحرمته، مع ما فيه من اللذة، وقبحه من جهة اعتبار العاقبة.
ومن القبيح: الكلام المشتمل على الكفر، والفحش، والقذف، والطعن في الأنساب، ولعن الناس وسبهم، والدعوة إلى الزنا والخمر بإغراء وتحسين وترغيب، وذكر للنساء تغزلا بهن والتذاذا بأوصافهن ،أو تشويق النساء إلى الرجال- حاشا ما بين الزوجين-، أو التشبيب بالمردان، ما يثير كوامن الشهوات ويستدعي خفي الرغبات، ليوقع في معصية الله وتعدي حدوده.
فالشعر الذي يكون الغناء به جائزا على هذه المقدمة هو: كل شعر لا يشتمل على ما هو ممنوع شرعا من الكلام، مثل الشعر المشتمل على عبارات الإلحاد والكفر ورد القدر ومدح الفواحش وشبه ذلك، مما يعرف حكمه من حكم الكلام به.
فإن قلت: فأين يكون من هذا الغناء بالشعر العاطفي كشعر الحب والغزل، والشوق وا لألم؟
قلت: ليس مجرد كون الشعر مثيرا للعاطفة من حب وشوق وفرح وحرن مما يجعله ممنوعا، بل الإنسان مجبول بطبعه على التأثر بمثل ذلك، وإنما أن يستثار الشيء من ذلك بما لا يحل من الكلام، فالعبرة عندئذ في حكم ذلك الكلام في نفسه، واستثارة العاطفة الكامنة بحسن القول في الأصل ليست ممنوعة، بل مباحة جائزة، ومنه استثارة العاطفة بالمواعظ، كما تكون استثارة عاطفة الحب أو الولاء لمن أو لما يشرع حبه وولاؤه.
نعم، الكلام المباح في الأصل قد يستعمل في معصية الله، وعندئذ فإن حكم الإباحة يزول عته باستعماله في الغرض الممنوع، فالتغني بشعر العاطفة والغزل مباح في أصله، لكنه إذا استعمل للتوصل إلى شهوة محرمة، كان له حكم تلك الشهوة.
لكن هذا التوع لا يطلق حكمه في الأصل إلا الإباحة، ولا يحل أن يقال: صار حراما باستعمال شخص من الناس له وسيلة إلى الحرام ، وإنما الحرمة مقصورة على حال ذلك الشخص، لا مطلقا، وهذا شأن كل مباح في الأصل يتوصل به إلى الحرام، فإن الخرمة فيه عارضة، لا تزيل حكمة الأصلي الذي هو الإباحة.
وهذا الذي بينت من حكم الغناء مطلقا، مؤيد بأدلة عديدة جاءت جميعا على وفاق الأصل الذي هو الإباحة، فمنها:
ا- عن خالد بن ذكوان، قال: كنا بالمدينة يوم عاشوراء، والجواري يضربن بالدف ويتغنين، فدخلنا على الربيع بنت معوذ، فذكرنا ذلك لها، فقالت: دخل علي رسول الله “ص” صبيحة عرسي، وعندي جاريتالن تتغنيان وتتدبان آبائي الذين قتلوا يوم بدر ، وتقولان فيما تقولان: وفينا نبي “ص” يعلم ما في غد، فقال"ص" : “ أما هذا فلا تقولوه، ما يعلم ما في غد إلا الله “.
قلت: فدل هذا الحديث على أن الغناء بكل شعر مباح، للناس أن يستعملوا منه ما شاءوا، إلا بشيء دل على معنى باطل في الشرع، كالشأن هنا في غناء الجاريتين بقولهن: (وفينا نبي “ص” يعلم ما في غد). فنهى رسول الله “ص” عن قول ما يخالف الشرع و أباح سائر غنائها.
2- و عن أنس بن مالك : أن النبي “ص” مر ببعض المدينة، فإذا هو بجوار يضربن بدفهن و يتغنين، ويقلن :
نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار
فقال النبي “ص” : “الله يعلم أني لأحبكن”

3- و عن عبد الله بن عباس، قال : “أنكحت عائشة ذات قرابة لها “رجلا” من الأنصار ، فجاء رسول الله “ص” فقال:"أهديتم الفتاة؟"، قالوا : نعم، قال :"أرسلتم معها من يغني؟” قالت : لا، فقال رسول الله “ص” :"إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول:” أتيناكم أتيناكم، فحيانا و حياكم”

قلت: فهذا رسول الله “ص” يبيح لهم الغناء بالغزل، فتأمل هدي خير التاس “ص”!!

4- وعن عامر بن سعد البجلي، قال:
دخلت على أبي مسعود وقرظة بن كعب وثابت بن يزيد، وجوار يضربن بدف لهن، ويغنين، فقلت: تقرون بهذا وأنتم أصحاب رسول الله “ص"؟! قالوا: إنه رخص لنا في الغناء في العرس، والبكاء على الميت في غير نوح ، وعن طارق بن شهاب، قال: دخلت على عدة من أصحاب رسول الله “ص” وهم معتكفون على شراب لهم، وعندهم قينة، فقلت: أنتم النجباء من أصحاب رسول الله-"ص"!! فقال أبو مسعود الأنصاري: إن رسول الله"ص" رخص لنا في الغناء في العرس. الحديث.

5- وعن بريدة الأسلمي ، قال:
خرج رسول الله “ص” في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله، إني كتت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله “ص”: ((إن كتت نذرت فاضربي، وإلا فلا"، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت استها ثم قعدت عليه، فقال رسول الله “ص”: (إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كتت جالسا وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف “.

6- وعن أنس بن مالك ، قال:
كان للنبي “ص” حاد يقال له: انجشة، وكان حسن الصوت، فقال له النبي “ص” :"رويدك يا أتجشة، لا تكسر القوارير"، قال قتادة: يعني ضعفة النساء.
وفي رواية : ان النبي “ص” أتى على ازواجه ومعهن أم سليم، وسواق يسوق بهن يقال له: انجشة، فقال: “ويحك يا اتجشة، رويدا سوقك بالقوارير”.
قال أبو قلابة: تكلم رسول الله “ص” بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه، قوله: “سوقك بالقوارير”.

وفي رواية عن أنس: ان البراء بن مالك كان يحدو بالرجال، (وفي لفظ: كان البراء جيد الحداء، وكان حادي الرجال)، وأنجشة يحدو بالنساء، وكان حسن الصوت، فحدا، فأعنقت الإبل، فقال رسول الله “ص”: “يا أنجشة، رويدا سوقك بالقوارير” (حديث صحيح).

7- وعن سلمة بن الأكوع،"ر" قال:
خرجنا مع النبي “ص” إلى خيبر، فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم لعامر : يا عامر، ألا تسمعنا من هنيهاتك (كلماتك) ؟ وكان عام رجلا شاعرا حداء، فنزل يحدو بالقوم، يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدفتا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما اتقينا * وثبت الأقدام إن لاقينا
وألفين سكينة علينا * أما إذا صيح بنا أبينا
و بالصياح عولوا علينا
فقال رسول الله “ص”: “من هذا السائق؟” ، قالوا: عامر بن الأكوع، قال: “يرحمه الله"، قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به.

8- وعن السائب بن يزيد، “ر”:
أن امرأة جاءت إلى رسول الله “ص” فقال: “يا عائشه، أتعرفين هذه؟ “ قالت: لا، يا نبي “ص” الله، فقال: “هذه قينة بني فلان، تحبين أن تغنيك؟ “، قالت: نعم، قال: فأعطاها طبقا، فغنتها، فقال النبي “ص” : “قد نفخ الشيطان في منخريها”.
وذكرت في الكلام على (حكم المعازف) أيضا قصة أخرى من حديث عائشة في المعنى.

9- وعن عائشة،"ر" قالت:
دخل علي، أبو بكر، وعندي جاريتان من جواري الانصار أتلعبان بدفين،، تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير (وفي لفظ: أمزمور، وفي لفظ: أمزمار) الشيطان في بيت رسول الله “ص"؟ (وفي رواية: فنهاهن أبو بكر، وقال: أتفعلون هذا، ورسول الله “ص” جالس؟!)، وذلك في يوم عيد الفطر،، فقال رسول الله “ص”: “يا أبا بكر ، إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا.

10- وعن علي بن أبي طالب ، قال:
كانت لي شارف (ناقة مسنة) من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وكان رسول الله “ص” أعطاني شارفا من الخمس يؤمئذ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله “ص” واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع (فذكر القصة بما وقع له من صنيع حمزة بن عبدالمطلب بناقتيه حيث جب أسنمتهما وبقر خواصرهما) قال علي: قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حفزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شرب (الجماعة المجتمعون للشراب) من الأنصار، غنته قينة وأصحابه، فقالت في غنانها: ألا يا حفز للشرف النواء . الحديث .. وفيه اطلاع النبي “ص” على ذلك.
قلت: ومحل الشاهد منه: ان اتخاذ القيان كان مشهورا مذكورا في حياتهم، فها قد حرم الله الخمر فانتهى الناس، فأين ثم تحريمه لغناء القيان؟

دلالة هذه الأحاديث:
هذه النصوص الثابتة وغيرها في معناها، أفادت وقوع الغناء في مناسبات مختلفة، ودلالتها بينة لا تقبل شكا على إثبات أصل الإباحة، وبعضها دال على الإباحة مطلقا دون مراعاة مناسبة، كما في حديث الناذرة والسائب بن يزيد وقصة أنجشة.

ويلاحظ منها أمران ضروريان:
الأول: كان غناؤهم فيما دلت عليه النصوص المفسرة مما تقدم إنما يقع بالمباح من القول، كغناء بعاث المذكور في حديث عائشة.
قال الخطابي: “والعرب تثبت مآثرها بالشعر، فترويها أولادها وعبيدها، فيكثر إنشادهم لها وروايتهم أياها، فيتناشده السامر في القمراء، والنادي بالفناء، والساقية على الركي والآبار، ويترنم به الرفاق إذا سارت بها الركاب، وكل ذلك عندهم غناء، ولم يرد بالغناء هاهنا ذكر الخنا والابتهار بالنساء والتعريض بالفواحش، وما يسميه المجان وأهل المواخير غناء”.
قلت: ولما غنت الجارية فقالت: (وفينا نبي يعلم ما في غد)،
قال النبي “ص” : (لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين “، فهذا إنكار منه “ص” للغناء بما هو منكر من القول، فما يلحقه وصف التكارة من القول والشعر فلا يجوز الغناء به.
الثاني: أنه قليل ليس بكثير غالب، ولذلك جاءت النصوص فيه إما في المناسبات كالعيد والعرس، او في أحوال عادية قليلة، كقصة الناذرة وحديث السائب والغناء في السفر، وما كان بهذه المثابة في القلة في حياة الأمة في عهد التشريع، فإنه يدل على أن الإكثار منه غير مرغوب ولا مطلوب.
والأصل في الحياة الجد، وأما اللهو فالأصل فيه أن يكون قليلا لا غالبا يطغى على الجد أو يضاهيه، بل ما يؤخذ به منه فإنما هو لدفع السآمة والملل، ولا يحصل ذلك إلا من مواصلة الجد، فدل على أنه الأصل، فيأتي حط التقس من اللهو بالقدر الذي تعود معه إلى الجد أقوى وأمكن مما كانت عليه، والتاس في هذا منازل.
ولما كان هذا الأصل هو الغالب على حياة الجيل الأول، لم يعرف عنهم الإقبال على الغناء أو غيره من الملاهي إلا بالقدر اليسير الذي يذكر ويحصر، وعرف الإكثار منه والإغراق فيه في أهل الرفاهية والدعة، ومن وجدوا في الحياة فسحة احتاجوا إلى ملئها باللهو، الذي قد يتضم إلى بعضه من المخالفة ما يفوت مصالح الآخرة: بترك الواجبات، وفعل المحرمات.
وليس ذلك مقصورا على اللهو بالغناء، بل هو في كل لهو مباح في أصله، فإن الإكثار منه إسراف مذموم، آكد في ذمه من الإسراف في الطعام والشراب، إذ الإسراف في الطعام والشراب قد يسهل فيه على الإنسان أن يدرك الضرر بالزيادة، بخلاف اللهو، وما كان على هذا الوصف فلا يخلو من تحريك النفس إلى معصية ، أو صدها عن طاعة، على أدنى الدرجات.
واعلم أن بعض العلماء لمبالغته في التحريم في هذه القضية اجتهد لتأويل الاحاديث المتقدمة على وجوه، قصد بها دفع الناس عن الغناء المعهود من أهل الفساد، وهذا القصد صحيح مطلوب، لكن من غير حاجة إلى تكلف الرد والجواب، ويكفي أن يضبط الغناء المباح بما يعود إلى الكلام المغنى به، فإن الكلام الحسن والقبيح قد يقع في أي غناء، في غناء الحادي وصوت المطرب الفنان.
ومما أرى الخطأ فيه: قول من يحمل لفظ (جارية) أو (جوار) الوارد في بعض الأحاديث المبيحة للغناء، على أنهن صغيرات في السن غير بالغات، فإن هذا مع احتماله في بعض تلك الأحاديث، إلا أن بعضها الآخر لا يحتمل مثل هذا التأويل، فالجارية غير البالغ لا تؤاخذ، فكيف صح لأبي بكر أن يتكر عليهن وهن غير مكلفات؟ والقينة المغنية لبني فلان لم توصف بكونها جارية، بل المعروف في استعمال هذا الوصف: أنها الأمة ائتي تعد للغناء، وكذلك في قصة حمزة، وأنجشة لم يقل أحد: كان صبيا لم يبلغ، ولا في شىء من الروايات، والناذرة في حديث بريدة جاء في بعض الروايات المفسرة انها امرأة، والأشبه في وصفها بالجارية أنها مملوكة، ولو كانت طفلة لساغ أن لا يأذن لها النبي “ص” بالوفاء بالنذر، لأنها لا يلحقها حينئذ التكليف، إلى غير ذلك من الوجوه الدالة على ضعف هذا التأويل، فإنه إن احتمل لقائله في موضع فلا يستقيم له في سائر المواضع، وإنما الصواب أن يلاحظ ما تقدم استفادته من دلالات هذه الأحاديث في الغناء.
ويتضاف إلى ما تقدم مما يستفاد من دلالة هذه الأحاديث ما في قصة أنجشة أنه كان يحدو للنساء مع حسن صوته، فهذا يدل على إباحة سماع المرأة لغناء الرجل، وفي غير قصة أنجشة سماع الرجل لغناء المرأة.
والمقصود: دلالة النصوص على ان اختلاف الجنسين: المغني والمغنى له، ليس مما يؤثر في الحكم في دلالات النصوص.

وأما معنى قوله “ص” لأتجشة: “ويحك يا أتجشة، رويدا، سوقك بالقوارير"، فهل هو من أجل درء الافتتان بصوت المغني، أم أراد منه التخفيف من حدائه لئلا تسرع الإبل خوفا على النساء من السقوط أو التضرر باسراعها؟
إلى كل من القولين ذهب بعض العلماء.
قال بعضهم: كان أتجشة يحدو بهن ويتشد شيئا من القريض والرجز وما فيه تشبيب، فلم يأمن ان يفتنهن ويقع في قلوبهن حداؤه، مع حسن صوته، كما جاء في بعض الروايات.
قال القاضي عياض في هذا المعنى: هوا أشبة بمقصده ، وبمقتضى اللفظ “.
وقال بعضهم: المراد به الرفق في السير، لأن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي، واستلذته فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك؟ لأن النساء يضعقن عن شدة الحركة، ويخاف ضررهن وسقوطهن.
قلت: وهذا الثاني هو الراجح في التحقيق، وذلك لما جاء في رواية ثابت البناني الصحيحة عن أنس، قال: فحدا، فأعنقت الإبل، فقال رسول الله “ص”: ((يا أنجشة، رويدا سوقك بالقوارير”.
والإعناق: الإسراع في السير.
فجاء قوله “ص” المذكور من أجل إعناق الإبل، وليس في شيء من الروايات ما يساعد أن ذلك كان من أجل الخؤف عليهن من الافتتان بصوت المغني أو المنشد، إذ لو كان الأمر كذلك لكان الأجدر أن ينهى عن الحداء أصلا، وهو إنما امر بالتخفيف لا بترك الحداء. وأما قول أبي قلابة عبد الله بن يزيد الجرمي في روايته للحديث عن أنس : تكلم رسول الله “ص” بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه، قوله: “سوقك بالقوارير"، فإنه عنى تسمية النبي “ص” للنساء (قوارير).

ثالثا: خلاصة حكم الموسيقى و الغناء

بعد استعراض الأدلة والخلاف، وتحرير المسألة من خلال النصوص المروية والمقاصد المرعية، أوجز ما تقدم فيما يلي:
ا- لا يوجد دليل واحد صحيح يحرم المعازف لمجرد كونها آلات، كما لا يوجد دليل واحد صحيح يحزم الغناء لذاته، وما ورد في ذلك فهو:
- إما صحيح لا دلالة فيه على التحريم، بل قد يدل على الإباحة، كما يعتضد بثبوت استعمال الغناء والموسيقى في زمن التشريع، مما دل على إقرار أصل الإباحة.
- أو غير صحيح ولا حسن ولا يحتمل ذلك ولا يقرب منه، وهذا ساقط لا يتدين به.

2- يتناول حكم الإباحة استعمال ذلك سماعا وإسماعا في الأحوال المختلفة، كدفع السآمة والملل من ملازمة الجد، وأولاها المناسبات التي تنال النفوس فيها من حالها من اللهو وإظهار الفرح، كالعيد، وولادة المولود، وقدوم عزيز، وإتمام حفظ القرآن، وإنهاء الدراسة لمرحلة متميزة، وغير ذلك من مناسبات الفرح لأمر مباح.

3- ينتقل حكم الموسيقى والغناء عن الإباحة إلى حكم آخر، بحسب الأغراض التي يتخذ لأجلها، فيصير إلى كونه مطلوب الفعل، أو مطلوب الترك، على ثلاثة أحكام:
أولها: الاستحباب، في العرس، وذلك لمعنى إشهار النكاح والإعلام به، والنصوص الآمرة بذلك عديدة، تقدم منها ما يحقق المقصود.
ثانيها: الكراهة، وذلك إذا سبب الاشتغال به تفويت مستحب لا يمكن تداركه مع عدم وجود مناسبة تقتضيه، أو عند الإكثار منه والإسراف فيه حتى تفوت به المصالح الراجحات.
وثالثها: التحريم، وذلك إذا اشتمل على ممنوع من القول لذاته، كعبارات الحلف بغير الله، أو رد القدر وإظهار الجزع، ومن بابه كذلك شعر النياحة.
أو استعمل في معصية الله، والدعوة إليها، كالسماع المشوق إلى الزنا والخمر ومجالس المعاصي والفسق بعباراته، أو بما يبرز من حال المغني أو المغنية، في الشكل والهيئة والحركة، فيثير في نفس السامع من الرغبة في الشهوة الحرام، كالشأن في بعض الغناء المصور في زماننا، والذي ينرز فيه من مقارنات الغناء والموسيقى من إظهار مفاتن الخلق من المرأة للرجل أو الرجل للمرأة ما لا يتمالك معه الناظر أن يرمى بسهم من سهام إبليس في سويداء قلبه، فيتكت فيه نكتة لا يمحوها إلا توبة وعمل صالح وتدارك برحمة الله.

مفردات الغناء:
وزيادة في البيان، فإن القول في الغناء من جهة مفرداته، أنه على ثلاثة أقسام :
الأول: أن يتضمن معاني مشروعة، ترغب في الفضيلة، وتحث على الخير، فهذا جميعه مشروع.
وذلك بمثل ما غنى به المغني من قول الشاعر:
دع الأيام تفعل ما تشاء * وطب نفسا إذا حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي * فما لحوادث الدنيا بقاء
وكن رجلا على الأهوال * جلدا وشيمتك السماحة والوفاء
ومنه الغناء بشعر الزهد أو الحكمة أو ما يرغب في الآخرة، وشعر الابتهال والتضرع، أو بما يتضمن ذكر الله تعالى والثناء عليه، كغناء شعر رابعة العدوية، رحمها الله، في قولها:
أحبك حبين حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذاكا
فإما الذي هو حب الهوى * فشيء شغلت به عن سواكا
وإما الذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتى أراكا
وما الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
والتغني بمثل:
طرقت باب الرجا والتاس قد رقدوا * وبت أشكو الى مولاي ما أجد
وقلت: يا أملي في كل نائبة * يا من عليه لكشف الضر أعتمد
أشكواليك أمورا أنت تعلمها * ما لي على حملها صبر ولا جلد
وقد بسطت يدي في الذل مفتقرا * إليك يا خير من مدت إليه يد
فلا تردنها يارب خائبة * فبحر جودك يروي كل من يرد
أو كشعر المديح لرسول الله “ص"، كغناء قصيدة أحمد شوقي المعروفة بـ(نهج البردة)، والتي مطلعها:
ريم على القاع بين البان والعلم * أحل سفك دمي في الأشهرالحرم
وفيها يقول، وما أحسن ما قال رحمه الله:
محمد صفوة الباري ورحمتة * وبغية الله من خلق ومن نسم
وصاحب الحوض يوم الرسل سائلة * متى الورود وجبريل الأمين ظمي
البدر دونك في حسن وفي شرف * والبحر دونك في خير وفي كرم
شم الجبال إذا طاولتها انخفضت * والأنجم الزهر ما واسمتها تسم
أو قصيدته في مولده “ص"، والتي مطلعها:
ولد الهدى فالكائنات ضياء * وفم الزمان تبسم وثناء
الروح والملأ الملائك حوله * للدين والدنيا به بشراء
ومنه غناء المواسم الفاصلة كأغاني الفرح بمقدم شهر رمضان، أو الحزن لفراقه، والحج.
ومنه الغناء بما يزيد في الجد، وينشط على العمل، ويحيي في النقس معاني الولاء للدين والوطن، كأغاني الجهاد والحرب، والأغاني الوطنية الخالية من العصبية المنافية للشرع.
ومته ما يقصد سماعه أو التغني به لدفع الوحشة عن النفس، وطرد الملل، دون مفسدة.
ومته غناء الأطفال بالأهازيج وشبه ذلك، مما يتلهون به، أو يعد لهم، ومته غناء الأمهات لتنويم الأطفال.

القسم الثاني: ما يحزك العواطف ويستثير بواطن التفس.
فهذا مته ما يستثير في النفس الألم والحزن، وهو أنواع:
فمنه الأسى على فعل المعاصي، وهو قليل في الغناء، فهذا مشروع حسن.
كغناء قول الشاعر ابتهالا:
يا رب عفوك أرتجيه ورحمة * فالذنب ذنبي يا غفور كبير
إني عصيتك في الحياة وإنني * بك مؤمن وعلى فداك أسير
يا رب اني قد أتيتك نادما * وطرقت بابك والفؤاد كسير
ارحم ذليلا واقفا متضرعا * يرجو رضا الرحمن وهو قدير
ومته ما يكون على فوات نيل المطلوب من وصل المحبوب، فهذا وإن كان في أصله جائزا، لكنه لا يخلو من ذم، وذلك من جهة ما يستثير من الحسرة على شيء فائت من متاع الدنيا ولذتها، وهذا كحال العشاق فيما يفوتهم من الوصول إلى من عشقوا حين يحال بين أحدهم ومحبوبته.
وجوازه في الأصل ثابت في قصة إتشاد كعب بن زهير قصيدته المشهورة بين يدي رسول الله “ص"، وفيها هذا المعنى، ولم ينكره عليه النبي “ص” ، والعشق علة يبتلى بها الإنسان، وما دام المبتلى به معافى من مواقعة المعاصي بسببه فهو معذور ، وإن كان مأمورا بعلاجه كأي مرض ينزل به، وأن يسعى لعلاجه ودفعه بالوصل المشروع.
والعشق إذا نزل بإتسان فهو قدر، لا يأثم به، ومن أمثلة العاشقين في عهد رسول الله “ص” ممن كان أمره ظاهرا، ولا يتكره رسول الله “ص”: مغيث صاحب بريرة، فقد كانا زوجين مملوكين، فأعتقت بريرة فخيرت فيه، فتركته، فكان يرى يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فرق له النبي “ص” وشفع فيه عند بريرة، فابت أن ترجع إليه، فكان النبي “ص” يقول للعباس عمه: “يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا؟)، والقصة في هذا المعنى عند البخاري في “صحيحه “ (رقم: 4979) وغيره من حديث ابن عباس.
وأمثلة هذا فيما يتغنى به المغنون من الشعر لا تحصر، وهذا أكثر الغناء، وقد قلبت وفحصت مجموعات للكلمات الغنائية لمجموعة من أشهر المغنين والمغنيات في زماننا، ممن يشيع غناؤهم وينتشر انتشار الهشيم في النار في المجتمعات، فوجدت أكثر تلك الكلمات- كما يسمونها- من هذا القبيل، تحكي في جملتها آلام المحبين ولوعاتهم، وتذكر البعد والفراق، والاعتذار واللوم والتذلل والاشتياق، ومتها ما يذكر الألم بسبب غدر المحبوب أو خيانته، إلى أحوال معروفة من شأن الشعراء في كل زمان، على الوصف الذي قال الله تبارك وتعالى: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون..) الشعراء: 225،.
وذلك كغناء من غنى بقصيدة الشاعر إبراهيم ناجي المعروفة بـ (الأطلال)، والتي مطلعها:
يا فؤادي رحم الله الهوى * كان صرحا من خيال فهوى
ومن قوله فيها:
ياحبيبي، كل شيء بقضاء * ما بأيدينا خلقنا تعساء
ربما تجمعنا أقدارنا * ذات يوم بعدما عز اللقاء
فإذا أنكر خل خله * وتلاقينا لقاء الغرباء
ومضى كل إلى غايته * لاتقل شئنا، وقل لي الحظ شاء
وكغناء قول الشاعر أحمد رامي:
غلب الشوق غلب * والهوى طبع عجب
كلما قلت رضي * نالني منه غضب
فأدر كأس الهوى * إن ذكر الحب عذب
لائمي في حبه * أي قلب ما أحب؟
أي غصن لم يمل * إن نسيم الفجر هب؟
أي طير لم ينح * من حنين أوطرب؟
ذاب قلبي لوعة * بين جد ولعب
كيف يحيا خاليا * من له عين وقلب
ومنه ما يكون بسبب الفراق والبعد، كمفارقة الأوطان، والبعد عن الأهل والأرحام والأصحاب، فهذا شوق مشروع في أصله، مطابق للجبلة، لا يمنع منه لذاته.
ومته ما يكون بسبب الأسى على تغير الحال، وهذا أيضا في أصله مشروع غير مذموم.
ومنه الغناء بما يستثير الشهوات، ويرغب في تحصيلها، كالغناء بما يصف المرأة حتى كأن السامع يتظر إليها، فهذا إن كان يستثير شهوة مشروعة كالزوج إلى زوجته، أو الزوجة إلى زوجها، فهو جائز. فإن قلت: قد قال النبي “ص” : “لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها، كأنه ينظر إليها” ، فهذا نهي عن ذكر أوصافي النساء.
قلت: هذا وصف من معينة لمعينة لشيء مستور لا يطلع عليه من المرأة أجنبي عنها، إذ المباشرة الاطلاع على الأوصاف الباطنة نظرا أو ملمسا، فإذا وقع للمرأة في حق امرأة أخزى لم يحل لها أن تحدث زوجها أو سواه من الأجانب بما اطلعت عليه من أوصافها، فيغريه ذلك بها.
وما نحن بصدد فهو وصف لغير معينة، ثم هو أيضا ذكر لما يلتذ بذكره من أوصاف النساء دون الإغراء بمعينة منهن، و هذا إذا لم يكن سائقا إلى معصية الله، فهو مباح، و قد وصف كعب بن زهير في “بانت سعاد” حبيبته بأشياء منأوصاف النساء، فلم ينهه النبي"ص" .
و الأصل جواز إنشاد شعر الغزل العفيف دون تعرض لمعينة لا تحل له، و دون الغزل الماجن.
إما إن كان يستثير شهوة ممنوعة ، فهذا ممنوع ، لترغيبه بتحصيل مالا يحل، و قد قال تعالى : “وتعاونوا على البر و التقوى ولا تعاونوا على الإثم و العدوان و اتقوا الله إن الله شديد العقاب” سورة المائدة 2.
و هذا النمط من مفردات الغناء.. نجل عن التفصيل فيه في هذا السياق.. و مثله لا يخفى في العادة.
و إشاعته من باب إشاعة الفاحشة، و قد قال الله تعالى :"إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا و الآخرة” النور: 19،، وقول الرفث والمفردات في نعت ما يستحيا دينا من كشفه، كالسوءات، من الفحش الذي يجانب وصف الإيمان، كما قال النبي “ص”: “ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء “.
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: “القائل الفاحشة والذى يشيع بها في الإثم سواء”.

القسم الثالث: ما يكون بعبارات محرمة في ذاتها
كالحلف بغير الله، أو رد القدر، أو ذكر مقردات الفخش والبذاء، وكتغزل الرجال بالذكور، وشعر الإغراء بالحرام، كالشعر المغري بالنظر المحرم، والمتعة المحرمة، كتقبيل من لا تحل، ووضع الشفاه على الشفاه، وذكر توريد الخدود وتقبيلها من أجنبية، فهذا الغناء لا يحل.
وهذا موجود في غناء المغنين في القديم والحديث، وإن كان قليلا.
والعاقل فيما يختار سماعه من حسن الشعر والنظم يعود فيه إلى ما أوتي من العقل والحكمة، ومفردات الشعراء خليط ، وما يلهو به الناس ويغنيه المغنون فيه كثير من الشعر الذي يغلب عليه العبث، ويترفع عن سماعه العقلاء، كما فيه ما أشرت إلمه من الحكمة وشعر العاطفة المباح وحسن الكلام، والعاقل من اختار لأذنه كما يختار لبطنه وفرجه وسائر متعته.
وبعد ذلك، فيجب أن يعتبر دائما في باب المباحات: أن لا تصد عن الواجب، ولا توقع في الحرام، فإن صيرت صاحبها إلى ذلك حرم عليه القدر الذي خرج به عن حده.
ودون اعتبار هذا التفصيل، وتعميم الحكم بمنع أو إباحة بإطلاق، ليس مما يأتي على استعمال جميع النصوص الواردة في هذا الباب، على ما تقدم بيانه.

فهذا هو حاصل القول في حكم الموسيقى والغناء.
فإذا ظهر هذا، فاعلنم أن الأمر الذي تبين أصل حكمه من جهة الشرع بدليله، فالواجب الثبات على حكم الشرع فيه، والتسليم له، ولا يحل أن يجعل من تغير الزمان ذريعة إلى تغيير أصل ذلك الحكم، فإن الله تبارك وتعالى عليم خبير ، فشرع لعباده الشرائع بما يناسب مكنتهم واستطاعتهم:
فبين الحلال بطريقين: الإجمال، لتعذر حصر أفراده، حيث سخر تعالى لعباده ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه رحمة ونعمة.
والتفصيل، وذلك لبعض أمثلة الحلال إظهارا لمنته على عباده لا حصرا. وبين الحرام تفصيلا فلم يدع لأحد شبهة في حكم شيء من أفراده، كما قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم علييكم إلا ما آضطررتم إليه) الأنعام:117،.
وثبت أبي الدرداء “ر"، قال: قال رسول الله “ص”: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن ليتسى شيئا"، ثم تلا: (وما كان ربك نسيا).
وتحصل من الدراسة المتقدمة أن الموسيقى والغناء كانت موجودة قبل الإسلام، وجاء الإسلام ونزل التشريع، ولم نجدها فيما فصل الله تعالى ورسوله تحريمه، ولو ثبت قائل على ذلك لكان مغنيا له للقول: هي على أصل الحم، لكنا بينا أيضا من البراهين المثبتة لصحة هذا الأصل بخصوص هذه القضية ما لا يدع ريبة في ذلك، والحمد لله.

رابعا: الغناء و الإنشاد الديني

يعود ما يسميه بعض الناس بـ (الإنشاد الديني) إلى وقت مبكر، حين ظهر في العراق في أواخر المئة الثانية ما عرف ب(التغبير).
والتغبير: ما يقرأ بالتطريب من الشعر في ذكر الله تعالى.
وأصل ذلك كما قال الأزهري: كأنهم إذا تناشدوها بالألحان طربوا، فرقصوا وأزهجوا، فسفوا مغبرة.
وقال الزجاج: سموا (مغبرين) لتزهيدهم الناس في الفانية الماضية، وترغيبهم في الغابرة، وهي الآخرة الباقية.
وهذا الفعل حين ظهر إنكره من العلماء: الشافعي،




 

 
من فضلك اترك تعليقك..

تذكر بياناتي الشخصية

إعلام بريدي بوجود تعليقات جديدة؟