د/ عبد الله بن يوسف الجديع الموسيقى و الغناء في ميزان الإسلام

ثانيا..مُناقَشة الاستدلالِ بالسُّنَّةِ

وذلك ثلآثة أنواع:
الئوع الأول: أحاديث عامة في وصف اللهو بالباطل.
ويتدرج تحته الحديثان التاليان:
ا- عن عقبة بن عامر الجهني ، قال: سمعت رسول الله"ص" يقول:
“ليس من اللهو إلآ ثلاث : تأديب الزجل فرسه، وملاعبته امرأته، ورميه بقوسه “.
وفي رواية : “كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل، إلا ثلاثا: رميه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق “.
2- وعن عطاء بن أبي رباح، قال:
رأيت جابر بن عبدالله وجابر بن عمير الأنصاريين يرميان، فمل أحدهما فجلس، فقال الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله “ص” يقول: “كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو ، إلا أربعة خصال : مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعلم السباحة”.
قيل: دل الحديثان على ذم اللهو مطلقا، إلا ما استثني، والمعازف آلات اللهو، والغناء من اللهو، وليسا مما استثني.
وجاوز بعضهم فقال: قوله: “باطل “ دليل على التحريم، فالباطل يعني المحرم، وربما غير بعضهم لفظ (باطل) في الحديث إلى (حرام) جهلا بالرواية.
ونقول: هذا استدلال غير صواب، وذلك من وجوه:
الأول:
تقدم أن اللهو لا يتصل به حكم لذاته إلا الإباحة، ويصير إلى غيرها بالغرض الذي تستعمل له، فإن كان مطلوبا تحصيله شرعا كان اللهو مطلوبا بحسبه، وإن كان مطلوبا تركه شرعا كان اللهو ممنوعا كراهة أو تحريما بحسبه.
الثاني:
الأمور الثلاثة المستثناة في حديث عقبة ليست حصرا، ألا تراه زاد عليها في حديث جابر ما لم يذكر في حديث عقبة؟
وليس تأديب الفرس أو رمي القوس أو ملاعبة الزوجة أو تعلم السباحة أفعالا استحقت الاستثناء لذاتها، إنما ذلك للعلة التي من أجلها صارت مرغبا فيها، وهي الاستعداد للجهاد وما في معناه أو حسن العشرة، وإلا فإنها أفعال ربما كانت لغرض مذموم، فلا تكون مشروعة، ولا تندرج تحت ما دل عليه النص من الترغيب، لما يتصل بها من المقاصد الفاسدة، كما نرى اليوم مثلا الفرس تؤدب للرياء والمباهاة والقمار.
فإذا لاحظت هذا تبين به ان زيادة نوع من الملاهي في حديث جابر على ما في حديث عقبة دليل على عدم حصر الملاهي المشروعة في المذكورات، وإنما هو استثناء لكل لهو يستعمل لغرض مشروع، وبجامع هذه العلة يندرج تحت الاستثناء كل لهو لم تحرفه الشريعة بعينه -كلعب القمار بالنرد مثلا-، إذا رجح ذلك اللهو وجود منفعة مرغوبة شرعا، ومن أجله جاء استحباب اللهو في العرس والعيد، ولم يذكر في حديثي عقبة وجابر .
الثالث:
لا تلازم بين (باطل) و (محرم) لا لغة ولا شرعا، وبيان ذلك كما يأتي:
مادة (باطل) من (بطل)، والأصل فيها الدلالة على ذهاب الشيء وقلة مكثه ولبثه، و (بطل الشي) ذهب ضياعا وخسرا (مقاييس اللغة لابن فارس).
ويقول الفيروز آبادي في “بصائر ذوي التمييز”: “هو ما لا ثبات له عند الفحص عنه، وقد يقال ذلك في الاعتبار إلى المقال والفعال “.
وقالوا: والباطل ضذ الحق، ذلك أن الأصل فى مادة (حق) الدلالة على إحكام الشيء وصحته.
ومنه “سمي الشيطان: الباطل، لأنه لا حقيقة لأفعاله، وكل شيء منه فلا مرجوع له ولا معول عليه)).
ولذلك سمي: الغرور.
كذلك قالوا لكل ما لا منفعة فيه: (باطل)، وللفاسد: (باطل).
وعليه قيل: “الباطل: ما لا قربة إلى الله تعالى فيه، ولا يصلح التوصل به إلى قربة “.
وقال ابن تيمية: “الباطل ضد الحق، والحق يراد به الحق الموجود اعتقاده والخبر عنه، ويراد به الحق المقصود الذي ينبغي أن يقصد وهو الأمر النافع، فما ليس من هذا فهو باطل ليس بنافع “.
إذا (الباطل) ما ليس بنافع ، فوجود المنفعة يحيل الباطل حقا، كما في الأفعال المستثناة في حديثي عقبة وجابر، وما لم يوجد فيه ذلك المعنى من الملاهي فهو باق على وضفه بالباطل، وهو مباح ومكروه و محرم.
قال الحليمي في كتابه “المنهاج في شعب الإيمان”: “ليس كل ما يسمى بـ(الباطل) يحرم، فإن اللعب بالصولجان باطل ولا يكره، وكذلك المصارعة"، قال: “وجلوس الرجل المستطيع للجهد والعبادة فارغا إلا من الفرائض باطل، لأن كل ساعة تمر بالعبد وهو فيها غير متعبد لله تعالى بما يقربه إليه بلا عذر فهي ضائعة لا حظ له فيها ولا فائدة له في إدراكها، ولكن ليس مما يحرم “.
فإذا ظهر هذا، فلا يصح أن يقال: (الباطل) هو المحرم تقييدا.
فتعين بالنظر إلى هذه الوجوه أن لا دلالة في مسمى (اللهو) ولا مسمى (الباطل) على تحريم العزف أو الغناء لذاتهما، بمجرد اندراجهما كفعلين تحت هذه التسمية، لو صححنا اندراجهما مطلقا.
على أننا نقول باستحباب الغناء والعزف- وأقله بضرب الدف- في النكاح والعرس، وذلك لمعنى شرعي مقصود تقدم ذكره، وسيأتي ذكر براهينه.

النوع الثاني:
أحاديث ذكرت المعازف أو بعضها والغناء.
ويتدرج تخت هذا أحاديث، نذكرها متبعين كل حديث منها بما يتصل به من البيان:
الحديث الأول:
عن أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري، سمع النبي “ص” يقول:
“ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم- يعني الفقير- لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة” (سيأتي تحرير الحديث و تخريجه في مقالة أخرى بإذن الله).
قيل: هذا الحديث نص في تحريم المعازف، التي هي الات العزف.
وقيل: لو لم يرد سواه لكفى، لظهور دلالته وجلاء إفادته.
وهذا السياق ضعيف الإسناد، وفيه اختلاف عن سياق الحديث الصحيح المتقدم، لكن استشهادي به لترجيح ان العقوبة المذكورة إنما هي للمستحلين، ولا بأس بها كرواية مفسرة.
ويقوي هذا التفسير الحديثان الآخران في هذا المعنى، وهما:
حديث ابن سابط وغيره: قال رسول الله “ص”: ((إن في أمتي خسفا ومسخا وقذفا"، قالوا: يا رسول الله، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله؟ فقال: نعم، إذا ظهرت المعازف، والخمور، ولبس الحرير”.
وحديث أبي مالك الأشعري، قال: سمعت رسول الله “ص” يقول:
سيكون في امتي الخسف والمسخ والقذف “، قال: قلت: فيم يا رسول الله؟ قال: “باتخاذهم القينات، وشربهم الخمور”.
فهذه أخبار متوافقة، وعليه نقول: إن عقوبة الخسف والمسخ في أقوام يستحلون الفروج المحرمة والحرير والخمر والمعازف.
فأين متزلة حكم المعازف محل البحث في هذا؟
هذا الحديث خبر، ولا ريب أنه قد يدل على وجود الحكم، لكنه لا يفيده بذاته، وإنما يثبت الحكم بدليل آخر، فحكم المستحلات هنا يجب أن يكون قد علم من الشرع بغير هذا الحديث. وهذا أمر لا ينبغي أن يختلف فيه، والمحرم للمعازف يقول: دل الحديث على أن المذكورات محرمة فتستحل، فالتحقيق أن الحديث عنده إنما هو علامة على وجود التحريم في المذكورات، لا أنه الدليل عليها.
وعليه فيكون الاستدلال به على التحريم خطأ، وإتما الواجب أن نبحث عن أدلة التحريم للمذكورات في غيره.
ثم القول: هو علامة على ثبوت التحريم بدليل آخر، إتما مبناه على دلالة لفظ “يستحلون “، وعلى اقتران المذكورات ببعضها.
وهل يسلم هذا؟
الجواب: أما مطلقا فلا..، وبيانه كما يأتي:
تفسير لفظ (يستحلون):
هذا اللفظ يقع استعماله في استباحة الحرام واستباحة المباح جميعا، كما دلت عليه السنة.
فأما استعماله لاستباحة الحرام، فبمواقعته واعتقاد إباحته، فإن كان اعتقاده ذلك بغير إذن من الشرع أو عذر كتأويل أو جهل كان كفرا.
ومن شواهد استعماله في هذا المعنى، قوله “ص”: ((اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله “ ، وذلك أن الأصل في الفروج التحريم، وهذا استحلال بإذن الشرع.
ومن شواهده قول أئمة السنة: (لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ).
وأما استحلال الحلال، فإنا وجدنا ذلك الاستعمال فى حديث المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله “ص”: “الا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني، وهو متكى على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله “ص” كما حرم الله “ (حديث صحيح).
فدل الاشتراك في استعمال لفظ (الاستحلال) في استباحة الحرام واستباحة الحلال على أنه لا يدل بنفسه على استحلال الحرام، إنما تتوقف دلالته على ذلك على دليل خارج عن نفس لفظ (الاستحلال). وعليه، فلا يصح أن يقول القائل: دل استحلالهم إياها أنها كانت قبل ذلك حراما، ويستند إلى نفس دلالة هذا اللفظ.
ولا ريب أن الدليل المنفصل من الكتاب والسنة قد تواتر في تحريم الزنا والخمر دون استثناء، فاستحلالها استحلال لمعلوم الحرمة من دين الإسلام.
كما تواترت السنن في بيان حكم لباس الحرير، غير أنها فصلت: فأباحته للإناث، وحرمته على الذكور، بل استثنت جوازه للذكور للحاجة، كما رخصت في يسيره، في تفاصيل تعرف من مظانها، فالمرأة إذا لبست الحرير فقد استحلت الحلال، وليس عليها في ذلك من بأس، والرجل إذا استحله لغير علة وكان كثيرا فقد استحل الحرام.
وإنما فصلنا ذلك لان الأدلة فصلته، ولم يتعارض الاستحلال مع هذا التفصيل، ولا ريب أن استحقاق العقوبة لا يكون على استحلال الحلال، فالحرير المستحل في الحديث محل الكلام هنا هو الذي لا يحل لبسه، لأن مايحل لبسه لايعاقب عليه.
وهذا جميعه إنما علمناه بدليله المستقل ، ليس هو حديث أبي عامر أو أبي مالك.
والمقصود هنا أن ندرك أن لفظ الاستحلال لا يفيد حكم التحريم لذاته.
دلالة الاقتران:
وأما التعلق بالاقتران كدليل على تحريم المعازف، فتعلق ظاهر الضعف، فإنا نعلم بالضرورة أن الحرير لا يشبه في حكمه الزنا وشرب الخمر
فإن قيل: دل السياق على أن للمعازف قدرا من الذم في هذا الحديث.
قلنا: نعم، هذا معنى لا يتبغي إنكاره، فإنه سيلى ذكر ترتيب العقوبة لهم على هذا الاستحلال الواقع منهم، وفي جملته استحلالهم المعازف.
فلا يصح أن يتخيل أحد أن ذكر المعازف هنا كذكر مباح مطلق الإباحة، فهذا لا يستقيم مع عدها أحد أسباب ترتيب العقوبة على القوم المشار إليهم في الحديث.
نعنم دلالة الاقتران ضعيفة عند جمهور أهل الأصول، لكن هذا لو قال قائل: لما قرنت (المعازف) بالزنا والخمر أخذت حكمها، فهذا الاستدلال ضعيف مردود، فإن النصوص قد تقرن بين الأشياء المختلفة في أحكامها، أما إذا قال القائل: لما اشتركت (المعازف) مع المذكورات كسبب للعقوبة، فإن ذلك دال على قدر يتناولها من شبه حكم المذكورات، وهذا الذي نصوبه ونقول: في الحديث علامة على حكم يخص (المعازف) هو من جتس حكم المذكورات.
ولكن كما علمنا حكم هذه الثلاث: الزنا والخمر والحرير، بأدلتها الخاصة بها، فلننظر كذلك المعازف، ولنبحث في أدلة الأحكام لا في الأخبار عما سيقع في آخر الزمان، على ما يبين المراد بما أشار إليه هذا الحديث من حكم المعازف، وكما صححنا التفصيل في الحرير، فلنستحضر جواز أن يكون الشأن كذلك في المعازف.
وأما العقوبة الواردة في الحديث، فإنها مرتبة على جمع هؤلاء الأقوام للمذكورات، وليس على استحلالهم لبعضها على الانفراد، وهذا ظاهر لا يتبغي إنكاره.
قيل: مجرد ترتيب العقوبة شرعا على عمل، دليل على التحريم.
قلنا: هذا صحيح من حيث التأصيل لا ننازع فيه، ولكنه ضعيف ههنا، وذلك لأن العقوبة رتبت على المجموع، ونحن نبحث عن الحكم لكل منها على الانفراد.

فحاصل القول في دلالة هذا الحديث:
أنه أفاد أن المذكورات تكون شعارا لأقوام، يستوجبون بها سخط الله فيخسف بهم، ويمسخ منهم اخرين قردة وخنازير، ولم يسق لبيان حكم شيء منها، وإن كان قد دل على أن لأفعالهم تلك من الأحكام ما لا تكون معه مباحة، بقرينة ما اجتمعوا عليه من الفساد الموجب لتلك العقوبة بجملته.
فإن قلت: أقررت بأن الحديث أشعر بوجود حكم للمعازف ليس هو الإباحة، كما لا يكون الكراهة، لأنه أحد أسباب العقوبة في الحديث، فتعين أن يكون التحريم.
قلت: ينبني هذا على تفصيل القول في (المعازف)، وهل يتعلق بها حكم لذاتها، أم حكمها باعتبارها وسيلة؟
استحضر ما تقدم في الكلام على مطلق (اللهو) وأنه في الأصل على الإباحة، وإنما ينتقل عنها إلى غيرها بحسب ما يستعمل له، فإما طاعة فيتحول إلى بابها، وإما غيرها فيتحول إلى كراهة أو تحريم، بيتت ذلك عند الكلام على قوله تعالى: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) الإسراء: 64..
وقوله تعالى: (و من الناس من يشتري لهو الحديث ليضل به عن سبيل الله بغير علم و يتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين) لقمان: 6،.
فهنا لما جامعت (المعازف) الزنا والخمر كان ذلك قرينة على أنها استعملت من أولئك الأقوام المخسوف بهم وسيلة للحرام وعونا عليه وداعيا إليه، خصوصا مع ما هو معلوم من حال من يجتمع على ذلك من الفسقة، فهؤلاء لا يتم أنسهم ويحلو ليلهم دون طرب السماع، بأصوات الآلات والغناء المشوق إلى الخمر والنساء، فهي وسائل اتخذت لمعصية الله.
ولا نصحح القول بلحوق حكم التحريم لنفس الآلة ونفس الصوت، لأننا بحثنا عن الدليل الخاص المفيد لذلك فلم نجده، وإنما الذي وجدنا الأدلة قد وردت فيه ان (المعازف) كانت موجودة على عهد التشريع، واستعمالها كذلك في مناسبات وأحوال مختلفة ، وكذلك الغناء، ولم يرد فيها دليل واحد صريح يبين حرمتها على سبيل الاستقلال، كما وقع ذلك في تحريم الخمر والزنا، وما ادعيت فيه الصراحة فهذا الحديث أحسنه، وقد علمت الغاية في دلالته، وباقي ما استدل به فهو دونه إما دلالة إن صح، وإما رواية، وهو الغالب.
وإذا صح لنا التفصيل في حكم الحرير حين نظرناه مفردا عن المذكورات، فكذلك وجدنا الكلام في (المعازف) لا يستقيم فيه إلا التفصيل حين بحثناه مفردا.
فإن قلت: صحح دعواك أن استعمال (المعازف) كان موجودا في عهد التنزيل.
قلت: نعم، أما (الدف) فهو أبرز معازفهم في الجاهلية والإسلام، وأدلة ذكره كثير:، نجد سياق جملة منها في تفصيل أحكام هذه المسألة.
وأزيدك مما ثبت به النقل عن عهد التشريع من استعمالهم غير (الدف) من (المعازف)، وذلك في ثلاثة أحاديث:
الأول: عن جابر بن عبدالله، قال:” كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرون بالكبر والمزامير، ويتركون النبي “ص” قإنما على المنبر ويتفضون إليها، فأنزل الله: (و إذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا اليها..) الجمعة: 11 .” (حديث صحيح)
و “الكبر”: الطبل، و (المزامير) جمع مزمار ، وهو الة الزمر.
فدل الحديث على أن الطبول والمزامير كانت موجودة في عهد النبي “ص”.
على أن هذا النص إنما ذمهم بالإقبال عليها وتركهم النبي “ص” قإئما يوم الجمعة يخطب، لا في سائر الأحوال، ألا تراه قال قبل ذلك: (تجارة)؟ والتجارة لا تمنع ولا تحرم، والإقبال عليها لا يمنع ولا يحرم، ولكن الاشتغال بذلك والخطيب يخطب يوم الجمعة هو موضع التحريم، وهذا التحريم لمعنى تلك الساعة، لا لذات اللهو والتجا رة.
والقصد من إيراد هذا الخبر الاستدلال به على كون آلات العزف الموجودة في عه التشريع لم تكن مقتصرة على الدف كما زعمه بعضهم.

الثاني: عن نافع مولى ابن عمر: أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟ فأقول: نعم، فيمضي، حتى قلت: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق، وقال: رأيت رسول الله “ص” وسمع صوت زمارة راع، فصنع مثل هذا (حديث صحيح).
فالزمارة هنا: القصبة التي يزمر بها، وهي معزفة، ولها من حسن الصوت ما لايخفى على من سمعها.
فأكد هذا دلالة الحديث المتقدم من أن المعازف من دف وطبل ومزمار كانت موجودة على عهد التشريع يستعملها الناس.

الثالث: حديث عائشة، المشهور بحديث أم زرع، وفيه قصة الإحدى عشرة امرأة يصفن أزواجهن، وكانت عائشة تحدث بذلك النبي “ص"، فذكرت فيما قالت:
قالت العاشرة: زؤجي مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، وإذا سمعت صوت المزهر، أيقن أنهن هوالك (حديث صحيح).
و (المزهر): العود، على ما بيناه في جزئية التعريفات و القواعد..
قال إمام اللغة ابو عبيد الهروي: “أرادت أن زوجها قد عود إبله أنه إذا نزل به الضيفان أن يتحر لهم ويسقيهم الشراب، ويأتيهم بالمعازف، فإذا سمعت الإبل ذلك الصوت، علمن أنهن منحورات، فذلك قولها: أيقن انهن هوالك”.

والناظر في أخبار العرب قبل الإسلام يجدهم يعرفون آلات أخرى من المعازف غير هذه الثلاث، ولو أردنا الإتيان على ما ذكره أهل الأدب منها لجئنا على شيء كثير من تلك الآلات كانوا يستعملونه، لكن ليس تتبع ذلك من مقصود هذا البحث، وما ورد بذكره الحديث كافي للدلالة على المقصود.
ثم إن المعازف من المذكورات أو غيرها مما لم نعتن بتتبعه كانت عندهم علامة لإظهار النكاح، وفي هذا دليل على أن مثلها ظاهر شائع لا يخفى، فكيف يتصور أن تكون في الحرمة كالخمر والزنا، ولا ينقل ذلك بدليل واحد مستقل في حكمها، صريح لا يقبل الظنون والتأويل؟ بل ينبغي لعموم البلوى بها أن يكون حكم التحريم فيها منقولا بالتواتر، كما نقل حكم الزنا والخمر.
نعم، الحديث الواحد الصحيح السالم من العلل تثبت به الأحكام، لكن السؤال: أين هو ذلك الخبر الضحيح الضريح الذي لا يقبل التأويل في تحريم المعازف بخصوصها؟
حديث أبي عامر أو أبي مالك هذا لم يقم حجة بذاته على تحريم مطلق المعازف، ولا يصح أن يقال لشيء كان موجودا شائعا في عهد التشريع ولم يأت نص بتحريمه: هو حرام ، بالاجتهاد والنظر، فإن سكوت الشارع دليل على عدم الحكم، وعدم الحكم دليل الإباحة في باب العادات.
والذم للمعازف الذي أشار إليه الحديث ليس لحرمتها في الأصل، إنما لحرمة ما اتخذت لأجله.
وقد جاءت أصول الشريعة في باب المباح بإمكان تحوله إلى حكم آخر، كالاستحباب أو الوجوب من جهة طلب الفعل، أو الكراهة أو التحريم من جهة طلب الترك، وهذا سهل التصور جدا، فإن الله تعالى أباح الأكل والشرب وهو لذة البدن وقوامه، لكن حرم الإسراف فيه، فأباح الأكل والشرب دون الإسراف، والإسراف معنى زائد يحول الإباحة إلى التحريم، كما قال الله تعالى: (وكلوا و اشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) الأعراف:31،.
فوصف الإباحة ثابت للشيء المباح الذي لم يرد دليل خاص بنقله إلى حكم آخر، وينتقل إلى حكم آخر بمؤثرات زائدة ، كما سنذكره لاحقا.
ومن هذا نستخلص: أن المعازف لا يتصل حكمها بذات الآلة، وإنما هو بأصواتها، ولذا اندرج الغناء ضمنها لغة.
ثم إن اتصال الحكم بأصواتها عائد إلى اعتبار الصوت دعوة، كما تقدم في قوله تعالى: (و استفزز من استطعت منهم بصوتك) وأنه كل داع إلى معصية الله، فإذا كان الصوت يدعى به إلى معصية كان محرما بهذا الاعتبار، وإذا كان يدعى به إلى طاعة كان مرغوبا مطلوبا، وإذا لم يكن كذلك كان مباحا شأن سائر الأصوات.
ولو دعاك داع فقال:(تعال يا فلان اسمر معنا الليلة)، فإن كانوا يسمرون في طاعة الله كان ذلك الدعاء طاعة، وان كانوا يسمرون فى معصية كان ذلك الدعاء معصية، وإاذا كانوا يسمرون في مباح كان الدعاء مباحا خال من اعتبار الثواب والعقاب.
وهذه النتيجة لها نظير في نهي النبي “ص” عن الظروف، وهي الأوعية التي كانوا يصنعون فيها الخمر، ثم إذنه فيها وقوله: “ونهيتكم عن الظروف، و إن الظروف لا تحرم شيئا ولا تحله، وكل مسكر حرام “ (حديث صحيح).
والشريعة في هذه الأبواب جارية مع المعاني والعلل، ولذا فإن المعزف إذا صوت به لعرس كان تصويتا مطلوبا مرغوبا فيه، لما تحقق من مقصود شرعي، وإذا صوت به لمجالس الخمر والفجور كان محرما.
فخلاصة القول في دلالة حديث الاستحلال المذكور:
أئه لا بد من حمله على الأصوات الداعية إلى معصية الله وموافقة حال الزناة وأهل الخمور فيما هم فيه من معصية وفجور، ولا تفيد حكما لسائر الأحوال، وإنما يستفاد حكم كل حال بحسبها.
وأن حمله على تحريم الآلات لذاتها مردود لا يصح.
فكيف يصح لفقيه بعد أن يدعي أن هذا الحديث (نص) و (صريح) في حرمة الآلات وأصواتها مطلقا مع ما تقدم من البيان والإيراد؟!

الحديثان الثاني والثالث:
حديث ابن سابط وغيره: قال رسول الله “ص”:
“ان في أمتي خسفا ومسخا وقذفا"، قالوا: يا رسول الله، وهم يشهدون أن لا إله الا الله؟ فقال: “نعم، إذا ظهرت المعازف، والخمور، ولبس الحرير”.
وحديث أبي مالك الأشعري ، قالل: سمعت رسول الله “ص” يقول:
“ سيكون في أمتي الخسف والمسخ والقذف “، قال: قلت: فيم يا رسول الله؟ قال: “باتخاذهم القينات، وشربهم الخمور).
قلت: دلالة هذين الحديثين من دلالة الحديث السابق، وبعضها يفسر بعضا، كما بيناه آنفا، وفي الأول منهما تنبيهان:
الأول:
قولهم: (يا رسول الله، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله؟)
دليل على ان قوله “ص” في الحديث المتقدم: “يستحلون “ ليس على معنى اعتقاد الحل، وإنما المراد مواقعة الفعل المحرم دون مبالاة بتحريمه.
يقويه: أن الحديث السابق رتب الخسف والمسخ على مواقعة تلك الأفعال لا بسبب اعتقاد الحل لها، وهذا متناسب مع قولهم: الا إله إلا الله).
وهو كذلك معتضد بعد النبي “ص” أولئك الأقوام من أمته، في قوله: “ليكونن من أمتي “.
والثاني:
في قوله “ظهرت “ إشارة: إلى الانتشار والشيوع، ولا يقع مثل ذلك بالفعل اليسير في حياة جادة، وإنما ظهر حتى صار غالبا، وهذا في جملته يفيد الاستغراق في أمرين: اللهو، والترف، دون مراعاة حلال وحرام .
وهذان وصفان ما تمكنا من قوم إلا هلكوا، كما قال الله تعالى:
(و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليهم القول فدمرناها تدميرا(16)) الإسراء 16،.
والتكاثر في غير أمر الآخرة حتى وإن كان في المباحات المجردة، يقود إلى التنافس المذموم، كما في حديث عمرو بن عوف الأنصاري، عن النبي “ص” قال: “والله، ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدتيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم”.
كما يسوق إلى التفريط في المأمور ومواقعة المحظور، لضعف الموانع، إذ تحصيل أسباب الوقاية من الوقوع في حدود الله إنما يكون بتغليب أمر الآخرة على أمر الدنيا، وأن يستعمل المباح مقرونا بشكر نعم الله وذكره، وإلا ضعف الوازع، وغلب المنازع، فقد قال الشيطان لعنه الله لربه تعالى: (ثم لآتينهم من بين أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم ولاتجد أكثرهم شاكرين(17)) الأعراف: 17.. والمسلم الصالح من حمى نفسه من الوقوع في حدود الله، واتخذ من المباحات أسبابا معينة على ديمومة العمل الصالح.
ففي هذين الحديثين إذا إعلام للأمة بخطر الإغراق في الملذات الزائلة، وظاهر الأمر من السياق إرادة هذا المعنى، وأما أحكام أفراد هذه الجزئيات فعائد إلى ما تقدم بيانه في توجيه الحديث السابق، وهو إثبات حكم كل جزئية ببرهانها المستقل، أو تأخذ حكما بالتبعية.

الحديث الرابع:
عن عائشة رضي الله عنها، قالت:
دخل علي، أبو بكر، وعندي جاريتان من جواري الأنصار تلعبان بدفين، تغنيان بما تقاولت به، الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير (وفي لفظ: أبمزمور، وفي لفظ: أمزمار) الشيطان في بيت رسول الله “ص"؟ (وفي رواية: فنهاهن أبو بكر، وقال: تفعلون هذا، ورسول الله “ص” جالس؟!)، وذلك في يوم عيد الفطر، فقال رسول الله “ص”: “يا أبا بكر ، إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا” (حديث صحيح).
قيل: دل هذا الحديث على حرمة الغناء والمعازف من وجوه:
أولها: إتكار أبي بكر، فإنه لم يكن لينكر من تلقاء رأيه، إنما استصحابا لحكم التحريم الثابت لديه.
وثانيها: إضافة المزمار إلى الشيطان.
وثالثها: إقرار النبي"ص" لقول أبي بكر: (مزمار الشيطان)، إنما بين له الاستثناء لذلك اليوم خاصة، لأنه يوم عيد، والرخصة تقصر على محلها.
هذه الوجوه الثلاثة هي أبرز ما يستدل به المحرم من هذا الحديث.

ونقول: استفادة حكم التحريم بناء على اعتبار هذه الوجوه، نتيجة لا تسلم للمحرم
دون أن تكون بنيت على مقدمات صحيحة .
فهو يقول: التحريم ثابت في الأصل، فبنى عليه أبو بكر إنكاره، و إضافة المزمار للشيطان، وأقره النبي “ص"، سوى أنه رخص به في ذلك اليوم خاصة لأجل العيد.
فالمقدمة التي بنى عليها المحرم هي ثبوت التحريم سلفا، لائه يقول: لو لم تكن حراما لما أنكرها أبو بكر.
فنقول: إن كان التحريم ثابتا لديك في الأصل فاستصحبه أبو بكر ، فلم عدلت عن دليل الأصل؟ ولم لم تبرزه فتبني عليه، وتجعل قصة أبي بكر هذه من باب التفريع عليه؟ أتراك ظنتت ضياع حكم الأصل المثبت للتحريم، فصرت تتعلق بالظنون؟ ثم كيف سوغت أن تستعمل قصة أبي بكر هذه دليلا قإئما بذاته على التحريم، في الوقت الذي تزعم فيه أن التحريم ثابت بغيرها سلفا؟
هذه لوازم لا انفكاك لك عنها، وعليه فأنت مطالب مرة أخرى بالدليل المستقل الدال على التحريم.
فإن قلت: إذا فما وجه إنكار أبي بكر؟ ثم ما وجه إضافة ذلك إلى الشيطان؟ ثم ما معنى الإقرار النبوي باستثناء يوم العيد؟
قلنا: تقدم بيان أن الغناء وأصوات المعازف تندرج تحت مسمى (اللهو)، وهو منقسم على الأحكام بحسب ما يتخذ لأجله، فيكون مشروعا مرغبا فيه، وممنوعا منفرا عنه، ومباحا يستوي طرفاه فعلا وتركا.
وأدنى درجات اللهو المأذون فيه هو الإباحة، وتقدم أن اللهو المباح مندرج تحت وصف الباطل، وذلك لخلوه من المنفعة الدينية، وما كان كذلك كان للشيطان فيه حظ، وذلك باعتبار ما يحصل به من تفويت الوقت بما لا فائدة فيه للعبد، والقربة والعمل الصالح يغيظ الشيطان، واللهو واللعب شاغل عنها بما يحقق رغبته في تفويت المصالح الدينية باغتنام الوقت، وصح عن النبي “ص” قال: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ “ ، والزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة من يأخذ من متاعها المباح كزاد المسافر.
وهذا باب غير باب الحلال والحرام.

فلما رأى أبو بكر اللهو ائذي هو من الباطل يصنع في بيت رسول الله “ص” أكبر ذلك واستعظمه، فمقام النبي “ص” أرفع من أن يفعل ذلك بحضرته.
وهذا معنى رفيع شريف، ولذلك جاء في رواية صحيحة لهذه القصة: قالت عائشة: والنبي “ص” متغش بثوب، وفي رواية أخرى كذلك: فاضطجع على الفراش وحول وجهه.
ونقول: هذا ظاهر في إعراضه “ص” عن ذلك وعدم مشاركته، لذلك توجه إتكار أبي بكر إلى عائشة والجاريتين استعظاما لمقام النبي “ص” وحق لأبي بكر أن يقعل ذلك بمجزد أن يستصحب كون اللهو من الباطل.
وهذا التوجيه أليق باعتبار النظر إلى أصل المسألة، وباعتبار مراعاة المقام النبوي، بخلاف طريقة المحرم، فإنه فقد دليل الأصل الذي ظن أن أبا بكر استصحبه، ثم تقحم ما لا يجوز، وتجرا غفلة على أمر عجب، فجوز على أبي بكر أن يظن بالنبي “ص” السكوت على حرام يفعل في بيته وبحضرته، ولا يغيره.
وهذا بخلاف أن يستنكر الصديق أن يفعل اللهو المباح بحضرته “ص"، لما قام في علم أصحاب النبي “ص” من مداراته لعائشة ، فقد يجاريها فيما ليس هو من شأنه من المباح، كما فعل في قضه لعب الحبشة وغيرها.
ثم إن هذا نظير ما وقع من عمر رضي الله عنه في مواضع، نذكر منها واقعتين:
الأولى: في قصة لعب الحبشة بحرابهم في مسجد النبي “ص”:
فعن عائشة “ر"، قالت: رأيت النبي “ص” يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد وأنا جارية، فزجرهم عمر، فقال النبي “ص”: “دعهم، أمنا يا بني أرفدة” يعني من الأمن (حديث صحيح).
وعن أبى هريرة “ر” قال: بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله “ص” بحرابهم، إذ دخل عمر بن الخطاب، فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها، فقال له رسول الله “ص”: “دعهم يا عمر” (حديث صحيح).
والثانية: عن أنس بن مالك “ر” قال:
“دخل النبي “ص” مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة بين يديه يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله
فقال عمر: يا ابن رواحة، في حرم الله، وبين يدي رسول الله “ص” تقول هذا الشعر؟! فقال النبي “ص”: (خل عته، فوالذي نفسي بيده، لكلامه أشد عليهم من وقع النبل “، وفي لفظ: “فلهو أسرع فيهم من نضح النبل “ (حديث صحيح).

و نقول..: في الحديث الأول أنكر عمر اللهو، وبالغ في ذلك بأعظم مما فعل أبو بكر، فإنه عمد إلى رميهم بالحصباء مع زجره لهم، فهل يقول المتعلق بقصة أبي بكر : إن عمر فعل ذلك استصحابا لحكم التحريم؟! وفي الحديث الثاني أتكر عمر إتشاد الشعر في محضر النبي “ص” وفي بيت الله، فهل يقول المحرم: استصحب عمر التحريم؟!
مع أنه قد صح عن عائشة “ر” انها سئلت: هل كان رسول الله “ص” يتسامع عنده الشعر؟ فقالت: قد كان أبغض الحديث إليه (حديث صحيح).
ومع هذا التشديد فإنه لم يحرمه، بل استحبه في أحوال، كما في شعر ابن رواحة وحسان، لما فيه من المنافحة عن دين الإسلام، والله عز وجل يقول: (و الشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون(225) و أنهم يقولون مالا يفعلون(226) إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و ذكروا الله كثيرا و انتصروا من بعد ما ظلموا) الشعراء: 224-227..
فاستثنى الله تعالى وما ذم كل الشعر ولا كل شاعر.
والمقصود أن إتكار عمر لم يكن بسبب تحريم ما أنكره، إنما هو لاستصحاب حال الأصل في اللهو حين أنكر لعب الحبشة، اجتهادا منه في ملازمة الجد ، كما استصحب الأصل في الشعر؟ لما أبدل الله تعالى به الناس من القرآن والذكر، ولما يلحقه من وجوه الذم المختلفة في غالب الأحوال.
وليس في الأسباب التي تعلق بها المحرم في قصة أبي بكر شيء إلا ونظيره في بعض ما فعله عمر، ومع ذلك فلا يصح أن يتعلق بإنكار عمر في هذين الحديثين لتحريم ما أتكره من لعب الحبشة وقول الشعر في المسجد الحرام.
وأما إضافة ذلك للشيطان في قول أبي بكر : (مزمار الشيطان)، فمن أجل أن الشيطان له حظ في الاشتغال بالمباح من اللهو، لأنه أدنى درجات صده العبد عما يتفعه، ويأخذ منه نصيبا بتفويت العمر عليه فيما لا فائدة فيه حتى وإن خلا من الضرر، كما تقدم قريبا، وليس هذا من الألفاظ المفيدة للتحريم.
وقد جاءت له نظائر عدة، أذكر منها ما يلي:
1- عن السائب بن يزيد، “ر”: أن امراة جاءت إلى رسول الله “ص"، فقال:"يا عائشة، أتعرفين هذه؟” قالت: “لا، يا نبي الله"، فقال “ص”: “هذه قينة بني فلان ، تحبين أن تغنيك؟"، قالت: نعم، قال: فأعطاها طبقا، فغنتها، فقال النبي “ص":"قد نفخ الشيطان في منخريها” (حديث صحيح).
2- وعن بريدة الأسلمي، أنه، قال: خرج رسول الله “ص” في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله “ص”: “إن كتت نذرت فاضربي، وإلا فلا"، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت استها ثم قعدت عليه، فقال رسول الله “ص”: “إن الشيطان ليخاف متك يا عمر، إني كتت جالسا وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل على وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف “ (حديث صحيح).
3- وعن عائشة،"ر" قالت: كان رسول الله “ص” جالسا، فسمعنا لغطا وصوت صبيان، فقام رسول الله “ص"، فإذا حبشية تزفن (ترقص) والصبيان حولها، فقال: “يا عائشة، تعالي فانظري “، فجئت فوضعت لحيي على متكب رسول الله “ص"، فجعلت أنظر إليها ما بين المتكب إلى رأسه، فقال لي: “أما شبعت؟ أما شبعت؟ “، فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عتده، إذ طلع عمر، قالت: فارفض الناس عنها، فقال رسول الله “ص”: “إني لاتظر إلى شياطين الجن والإتس قد فروا من عمر"، قالت: فرجعت (حديث حسن).

فهذه ثلاثة أخبار كلها ثابتة، شبيهة بقصة أبي بكر “ر"، وجميعها في اللهو، أولها وثانيها في العزف والغناء، فهما متوافقان مع قصة غناء الجاريتين، وفيهما من زيادة العلم على ضد قول المحرم ما سيأتي ذكره لا حقا.
وما كان رسول الله “ص” أن يعرض على عائشة التلهي بما هو محرم بسبب كونه مضافا إلى الشيطان، وما كان ليقر النذر بضرب الدف والغناء ويقر الوفاء به وهو محرم لإضافته إلى الشيطان.
وهذا ظاهر بهذا المقدار هنا لا يحتاج إلى مزيد بيان .
فالإضافة إلى الشيطان لا تعني حرمة المضاف بمجرد ذلك، وإنما تعني في الجملة تحصيل الشيطان حالا من الإتسان بفعله ذلك.
إذا، فالقول: إن النبي “ص” أقر إنكار أبي بكر، ليس بصواب، بل أنكر إنكاره حين قال له كما في الروايات الضحيحة: “دعهما يا ابا بكر، إن لكل قوم عيدا، وإن عيدنا هذا اليوم “.
فإن قلت: إنما كان إتكاره على أبي بكر لأجل كونه يوم عيد، أما فيما سواه من الأيام والأوقات فهو يقره على صحة قوله.
قلنا: يقره على ماذا؟ إن قلت: على التحريم، فقد تبين بما تقدم خطؤك في ادعائه، وإن قلت: على تسميته (مزمار الشيطان) فنعم، وتقدم معناه وأن لا دلالة فيه على التحريم.
على أن التعليل بيوم العيد ناقل لذلك الفهم عن الباطل المجرد، وذلك لمعنى العيد وما يستحب أن يدخل فيه من السرور والتوسيع على أهل البيت، وبينا من قبل أن ما حقق مصلحة راجحة معتبرة فإته يصير بذلك إلى جانب الترغيب الشرفي، وليس هذا مختصا بالعيد، والاستثناء في هذا الحديث مراعاة للمناسبة لا حصرا فيها، لقيام الدليل على إرادة سبب الاستثناء لا عينه، وهو مناسبة الفرح.
كما ينبغي أن لا تغفل ان لبيت النبوة من الشأن ما ليس لسواه من البيوت، ولنساء النبي “ص” من الأحوال ما لا يشبههن فيه سائر النساء، (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (30) ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32)) الأحزاب: 30- 32،.
ولذا كان إنكار أبي بكر معللا أيضا بمراعاة ذلك المقام الخاص، كما قال: (في بيت رسول الله"ص"؟)، وفي رواية : (ورسول الله “ص” جالس؟) تعظيما لشأن النبي “ص"، وهذا معنى لا يقاس عليه، إذ الشان حينئذ من باب قياس الأدنى على الأعلى، وهو فاسد ، وليس المقام النبوي محلا للإلحاق، إنما يندب الاقتداء بأفعاله والتشبه بأحواله “ص”.

فحاصل القول في هذا الحديث:
ائه لاحق بما تقدم قبله من الأحاديث من جهة ضعف الاستدلال بها على تحريم الغناء والموسيقى، بل هو أضعف دلالة، وستعلم أن الصواب صحة الاستدلال به على إباحة الغناء والموسيقى من حيث التأصيل، كما سيأتي لاحقا.
تنبيه:
فسر المحرمون قول عائشة في الحديث: (وليستا بمغنيتين) أي:
ليستا ممن يحسن الغناء.
ونقول: هذا تفسير لا تساعد عليه الروايات الصحيحة الأخرى للقصة، حيث جاء في بعضها: (قينتان تغنيان)، ولفظ القينة يعني المغنية في استعمالهم دون تكلف، وفي بعضها: (وحمامة وصاحبتها تغنيان)، وهذا يشعر بكونهما ممن عرف بالغناء، وقد قيل.
وإنما الأليق أن يجمع بين الألفاظ على وجه يستعملها جميعا،وذلك فيما أرى أن نعتهما بكونهما (ليستا بمغنيتين) يعنى لم تكونا ممن يمتهن الغناء ويحترفه.

الحديث الخامس:
عن نافع مولى ابن عمر:
أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع ، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟ فأقول: نعم، فيمضي، حتى قلت: لا، فوضع يدي، وأعاد راحلته إلى الطريق، وقال: رأيت رسول الله “ص” وسمع صوت زمارة راع، فصنع مثل هذا (حديث صحيح).
قيل: زمارة الراعي معزفة، ولو لم تكن محرمة لما تكلف النبي “ص” وضع إصبعيه في أذنيه وأعرض عن الاستماع.
وأقول: قولكم: (لو لم تكن محرمة) إقرار منكم بأن التحريم بغير هذا الدليل، وإنما هذا في رأيكم تخريج على أصل معلوم، وهو ما نزداد يقينا في عجزكم عنه.
ثم إن غاية ما في الحديث مما تتعلقون به: ان النبي “ص” أعرض عن الاستماع، وهذا هو الأكمل في حقه “ص"، فلا تردد في أن الاشتغال بالملاهي واستماعها ليس من الفضائل التي يسعى لتحصيلها المشمرون للآخرة، فكيف برسول الله “ص"؟ وإذا كان قد أعرض عن لهو عائشة مع الجاريتين في بيته مع وجود المقتضي وهو المناسبة، حيث كان يوم عيد، وهو يوم يكون فيه من اللهو واللعب ما لا يكون في غيره، فكيف بسائر الأحوال حيث لا مناسبة؟
وهذا غاية ما يفيده الإعراض النبوي هنا، لأنا نقول: إما أن يكون أعرض عن محرم أو غيره، فإن قلنا: عن محرم، فعجزنا في التحقيق وإياكم أن نقف على دليله فيما استغرضناه؟ وإن قلنا: عن غير محرم ، فلا يخلو أن يكون مكروها، او مباحا، ولا يتصور الإعراض النبوي عن مطلوب مندوب راجح الفضل.
وهذه مسألة مبنية على قاعدة التروك النبوية، إذ الإعراض ترك، والترك النبوي في أمر عادي غير تعبدي إن لم يكن بيانا لمحرم ثبتت حرمته بدليله، فهو متردد بين الكراهة والإباحة، وأمر الملاهي عادي لا تعبدي، وقامت البراهين التي تخلل هذا البحث منها جملة، عدى جريان الهدي النبوي على الإعراض عنها.
والمباح يصير إلى الكراهة بمجرد تفويت المستحب، واستماع زمارة الراعي لا يحقق قربة في ذاته، والنبي “ص” في حال قربة في جميع أحواله، كما كانت عائشة “ر” تقول: “كان رسول الله “ص” يذكر الله على كل أحيانه “ ، لذا كان إعراضه “ص” مناسبا لحال الاشتغال بالقربة.
وهذا يصحح مسلك من ذهب من أهل العلم إلى كراهة الاشتغال بالملاهي كراهة تنزيه، لهذه العلة، ما لم يوجد المقتضي للفعل، كما وجد في العرس ونحوه.
فإذا بان هذا، فههنا سؤال لم يحسن المحرم جوابه، وهو: لماذا سكت النبي “ص” عن البيان للراعي، ولا يجوز في حقه السكوت عن المنكر يقع من أفراد أمته دون الإنكار أو البيان؟ مع ما صح عن عائشة “ر” قالت: “ما ضرب رسول الله “ص” شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن يتتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله)).
وجدت المحرم أجاب عن ذلك بأجوبة مضطر دفعه إليها استسلامه للقول بالتحريم، فتكلف إيجاد الجواب، فمرة يفترض أن الراعي كان في رأس جبل أو مكان يعسر الوصول إليه، وأخرى: بأن النبي “ص” سمع صوته ولم يره، ومرة: بانه ليس مكلفا، ومرة: قبل أن يوجب الله تعالى إنكار المنكر، ومرة: قضية عين تخرج على سبب أو حال، إلى غير ذلك من الافتراض.
وأقول: هذا لا يلزمنا شئ منه، فإنا نعتقد وجوب سلوك طريق الجمع بين النصوص الواردة في باب قبل التسليم لدلالة نص دون اعتبار لغيره، ومن ثم فلا نكون مضطرين لسلوك طرق الترجيح المقتضية إبطال دلالات النصوص، بسبب ما التزمناه من المقدمات الضعيفة والفاسدة.
فأنت أيها المنتصر للقول بالتحريم، حين سلمت هذه المقالة ابتداء، فاجأك هذا الحديث بأن النبي “ص” سكت عن صنيع الزامر، فتحيرت فيه، فصرت تضرب له الأمثال وتحتمل له الوجوه، وفاتك انه ليس كل احتمال يبطل معه الاستدلال، فإنا لو سلمنا مقالتك بدليلها الذي لم نجده، ورضينا ما احتملت في شأن الراعي، فكيف الجواب عن سكوت النبي “ص” عن البيان لابن عمر، فإنه تركه يسمع، والترك النبوي مجردا لا يفيد التحريم، فابن عمر كان محتاجا إلى البيان كحاجة الراعي إليه، ومن ثم فالأمة محتاجة من بعد أن يتقل لها ابن عمر البيان النبوي، فلما انتفى دل السكوت على العدم، وعدم البيان إقرار للأصل في الحكم، وهو الإباحة فيما تحرر لنا، حيث فقدنا دليل المتع، لكنا استفدنا بالترك النبوي هنا الكراهة فى حق النبي “ص"، وهو أقصى ما يفيده هذا الخبر، ولا ريب انه يسن الاقتداء به “ص” في ذلك، كما صنع ابن عمر.
يتأكد ما ذكرته بأن ابن عمر وقع له مع مولاه نافع نظير ما وقع له مع النبي “ص"، وهو يستحضر الواقعة، ومع ذلك فلم يأت في القصة إنكار على الراعي ، لا في المرفوع ولا في الموقوف، ولا يجري في العادة أن يكون الراعي صاحب سلطان هاب ابن عمر الإنكار عليه، و هو المعروف بجرأته في الحق حتى مع السلاطين، ومع ذلك فلم يفعل شيئا مع ذلك الراعي، و عدم الذكر في النصوص عدم، إذ لم نكلف ما وراءه.
تكلفت في هذا قولا آخر، فقلت : فرق بين السماع و الاستماع، فالأول دون قصد بخلاف الثاني.
و نقول : لا شك في وجود الفرق بين اللفظين، لكن هذا لا يسعفك في شئ في حق الراعي، فهو الذي كان يزمر بالمزمار، كما أن من أنصت فقد ايتمع، و ابن عمر كان يتفقد الصوت لرسول الله “ص” ، و هذا لا يكون إلا بقصد، كما أنك احتججت بإعراض النبي “ص” عن ذلك ووضع إصبعيه في أذنيه، فلو كان اعتبار الاستماع هو محل التحريم دون مجرد السماع ، فكان يكفيه “ص” أن لا يصغي إلى ذلك.
إنما ألجأك إلى كل هذا التكلف أن تخيلت التحريم، و ربما عاد السبب إلى التقليد فسلمت قولا قيل قبلك فتحيرت كيف تجد له الدليل، كما هو الشأن فيمن يلتزم ربقة التقليد و يريد تقحم باب الاجتهاد و هو على ذلك، فقد جرت عادة من هذا شأنه أن يبحث عن الدليل للرأي الثابت في المذهب، لا أن يحاكم الرأي إلى الدليل الثابت، و هذا باب وراءه تفصيل كثير.
ثم قولكم: هذه قضية عين، فهذا صواب، ولا يقدح في صحة الاستدلال، فقضايا الأعيان في الصل تفيد الأحكام كسائر النصوص، و ما استفيد من الأحكام التفصيلية بالبناء على قضايا الأعيان لا يدخل تحت الخصر، و كل فقيه يحتاج إلى الاستدلال بها في مواضع ، فلا تغفل عن حاجتك لها في غير هذا المقام فتطلق القول برد دلالاتها لمجرد كونها قضايا أعيان، و إنما ذلك مسلك في التعارض و الترجيح يحتاجه المجتهد، و ليس هذا الذي نحن بصدده من ذاك، فتبقى لقضايا الأعيان دلالاتها مالم يقم دليل التخصيص.

فحاصل القول في حديث ابن عمر هذا:
أنه لا يصلح في التحقيق دليلا على تحريم الموسيقى، بل هو دليل مؤكد للأصل، و هو الإباحة، و فيه إبانة أن السنة هي الإعراض عن الاستماع إليها مالم توجد مناسبة تقتضيه.

الحديث السادس:
عن عامر بن سعد البجلي، قال:
“دخلت على أبي مسعود و قرظة بن كعب و ثابت بن يزيد، و جوار يضربن بدف لهن و يغنين، فقلت: تقرون بهذا و أنتم أصحاب رسول الله"ص"؟! قالوا : إنه رخص لنا في الغناء في العرس، و البكاء على الميت في غير نوح “(حديث صحيح)

قيل: جواب هؤلاء الصحابة لمن أنكر عليهم حضور ضرب الدف و الغناء بأنه رخص لهم بذلك في العرس، دليل على أن سائر الأحوال على التحريم و الرخصة استثناء منه.
و نقول: هذا الاستدلال مبني أصالة على تنزيل الحديث منزلة المرفوع، فهل لفظه يساعد على ذلك؟ ههنا احتمالان متكافئان: جواز أن يكونوا استفادوا الترخيص من الحال على عهد التشريع، أو مما جرى عليه عمل الناس من غير نكير، ولا يصح الجزم بأن ما كان كذلك فله حكم الحديث المرفوع إلى النبي “ص"، لاحتمال أن يعود لعمل الناس الذي لا مصادم له في الأدلة.
ولو سلمنا أن له حكم الرفع، فإن المحرم بنى استدلاله به على أن الترخيص إنما يكون استثناءا من أصل المنع، فهل يصح هذا؟
الواقع أن المحرم لم يزل يحيل على أصل موهوم، يقول: الغناء والمعازف محرمة، ورخص في تلك المحرمات في العرس بهذا الحديث وما يجري مجراه من الأحاديث الواردة في اللهو في العرس، ونبقى نطالبه بتصحيح أصله.
نعم، الحديث ظاهر في رفع الحرج في ضرب الدف والغناء في العرس، ولا يلزم مفهومه وهو وقوع الحرج في غير العرس، لأن مبنى المسألة على تحرير أصلها في باب العادات لا في باب العبادات، والأصل في هذا الباب رفع الحرج، وإنما يمنع منها بالنص. وههنا نعود بالمحرم إلى مطالبته بالبرهان الناقل عن ذلك الأصل والمثبت بنفسه للتحريم والمورد للحرج فيما سوى العرس من الأحوال.
على أنه من الجائز أن يكون الصحابة المذكورون في الحديث أجروا ذلك على ما كان معهودا من غير نكير، والذي لا يلزم في سواه النكير إلا إذا ورد، ونحن نسلم وروده، لكن لا على معنى التحريم، وإنما غايته الكراهة، كما تقدم بيانه فى الكلام على حديث غناء الجاريتين، ويزول أثر الكراهة بمرجح، كمصلحة غير ممنوعة .
ومن وجه آخر، فإن الرخصة في التحقيق لا تقابل المحرم، إنما تقابل العزيمة، وفي باب الملاهي فإن العزيمة في الجد لا في الهزل واللهو، إذ الجد هو الآصل في الحياة، وهو الأمر الثابت، بخلاف ضده وهو الهزل واللهو فإنه طارئ، لكثرة ما على المرء من الواجبات والمسؤوليات. فلمصلحة راجحة في العرس صار اللهو رخصة من هذا الأصل. هذا هو الجاري على الأصول.
يزيد جميع ما تقدم تأكيدا: أن ما ظنه المحرم مفهوم لفظ الرخصة هنا، معارض بالمنطوق في الأدلة التي سأذكرها عند الحديث عن الأدلة من السنة بتفصيل أكثر لاحقا بإذن الله، والدالة على سعة هذه الرخصة لتشمل صورا أخرى غير ما جاء في هذا الحديث.
وأحسن الفهم لدلالات النصوص فهم أصحاب النبي “ص"، وفي رواية لهذا الحديث استدلال أبي مسعود الأنصاري، وهو أحد أصحاب هذه القصة، بإذن النبي “ص” بالغناء في العرس، على رفع الحرج في غير العرس، خلافا لمن استعمل مفهوم هذه الرواية.
فعن طارق بن شهاب، قال:
دخلت على عدة من أصحاب رسول الله “ص” وهم معتكفون على شراب لهم، وعندهم قينة، فقلت: أنتم النجباء من أصحاب رسول الله “ص”!! فقال أبو مسعود الأنصاري: إن رسول الله “ص” رخص لنا في الغناء في العرس. الحديث ...
قلت: فهذه قصة ظاهرها بين أن هؤلاء النفر من الصحابة لم يكونوا اجتمعوا على سماع الغناء في عرس، إنما في أنس ، واستدل أبو مسعود على إباحة ما كانوا عليه بما ورد في الغناء في العرس. والقصة وإن كان ظاهرها غير الأولى، لكن الحديث المستدل به هو ذاته الأول.

الحديث السابع:
عن السائب بن يزيد:
أن امرأة جاءت إلى رسول الله “ص"، فقال: (يا عائشة، أتعرفين هذه؟) قالت: لا، يا نبي الله، فقال: “هذه قينة (مغنية) بني فلان ، تحبين أن تغنيك؟، قالت: نعم، قال: فأعطاها طبقا، فغنتها، فقال النبي “ص":"قد نفخ الشيطان في منخريها”.
قيل: جعل النبي “ص” غناءها من نفخ الشيطان في منخريها، ولو كان من الحق لما أضيف إلى الشيطان.
وأقول: قد تقدم في توجيه قول أبي بكر : (مزمار الشيطان) ما تفيده هذه الإضافة، وأنه لا تلازم بينها وبين تحريم المضاف.
ومن جهة أخرى: فقد تقدم أ




 

 
من فضلك اترك تعليقك..

تذكر بياناتي الشخصية

إعلام بريدي بوجود تعليقات جديدة؟