محمد الغزالي الاستعمار أحقاد و أطماع

سماحة وجحود

الإسلام يسعه أن تقوم إلى جانبه ديانات أخرى يتشبث بها أبناؤها، ويحيون ويموتون عليها. ومع ذلك لا يلقون منه عنتا، ولا ينالهم اضطهاد أو افتيات!
ذلك أن اختلاف الدين ليس عنده مثار بغضاء أو علة اجتراء. كلا.
فيخالف من يشاء! وليبق على يهوديته أو نصرانيته من يحب! بيد أن المطلوب منه اكنان المسألة لغيره، والابتعاد عن أسباب الجور والتحدى. فإذا فعل ذلك فحقه المقرر له أن يلقى الود مضاعفا، والأمان مبذولا، والإيناس والترحيب حيث يحل…
أجل لقد شرع الإسلام فى معاملة أهل الأديان الأخرى قواعد العدالة، ومعالم المرحمة والتلطف! والفقة فى كتاب الله وسنة رسوله هو الذى جعل ابن حزم إمام الأندلس يقول: “ إن من واجب المسلم للذميين الرفق بضعفائهم، وسد خلة فقرائهم، و إطعام جائعهم، وإلباس عاريهم، ومخاطبتهم بلين القول، واحتمال أذى الجار منهم- مع القدرة على دفعه رفقا بهم، لا خوفا ولا تعظيما، و إخلاص النصح لهم فى جميع أمورهم، ومدافعة من يتعرض لإيذائهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يفعل معه كل ما يحسن بكريم الأخلاق أن يفعله.. “!
وقد كان لهذه الوصايا السمحة أثرها فى إعزاز غير المسلمين وسط ديار الإسلام، فلم تبق القلة المحافظة على يهوديتها ونصرانيتها فحسب، بل دعمت كيانها، وزادت ثراءها، ورفعتها إلى مكان مرموق من الناحيتين المادية والأدبية معا.
وبلغ من سناء الدرجات التى وصل إليها هؤلاء المجددون أن كان بعض علماء المسلمين يكتب إليهم يرجوهم البر بالرعية المسلمة (!)، ويناشدهم ألا يستغلوا وظائفهم فى إيذاء المسلمين والتشديد عليهم (!).
قال الشعرانى- وهو من أقطاب المتصوفة فى القرن العاشر-: “ كثيرا ما كاتبت اليهود والنصارى أصحاب المكوس فى تخفيف المظالم عن المسلمين! وأقول فى كتابى لهم: أسأل الله للمعلم فلان أن يرضى عنه ويدخله الجنة مع الصديقين والشهداء والصالحين، واضمر له سؤال التوبة عن الكفر ليصح دخوله الجنة!
وربما أنكر ذلك من لا علم له بطرق السياسة، فلو أنى قلت له: اسأل الله للمعلم فلان أن يتوفاه على الإسلام لنفر خاطره مني، ولم يقبل شفاعتى، كما ينفر المسلم لو قيل له: اسأل الله أن يموت البعيد على غير الإسلام!.
قال الله عز وجل: (كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون).
ثم يستأنف الشعرانى نصحه للمسلم قائلا: “ فأعرف يا أخى طرق السياسة، وعود نفسك طيب الكلام، سواء أكان الخاطب صالحا أو طالحا والله عليم حكيم “.
هذا أسلوب عالم مصرى مسلم، فى وطن المسلمون فيه كثرة ظاهرة، وغيرهم فيه قلة ظاهرة. وفى بلد الدولة فيه للإسلام، والحكم لأهله!. فانظر إلى روح الخطاب الموجه إلى موظفى الجمارك غير المسلمين، إنك تحسب الرقة فيه ذلة، والاستشفاع بلغ حد الملق. ولعل مجتمعا تثبت فيه هذه الأحوال هو أبعد المجتمعات عن ظنون التعصب وأوهام الغلو. اللهم إلا أن يكون تعصب القلة وغلوها!.
أما الكثرة السائدة الحاكمة فهى لا تفكر البتة فى اضطهاد أو افتيات، بل لا تقيم شئونها أبدا على جعل الخلاف الدينى ذريعة إلى غمص فرد، أو إهانة طائفة أو إثارة بلبلة فى موازين الكفاية والإنصاف…
وما نراه سر هذه السماحة الرائعة؟ والاعتدال الفذ؟ إنه الإسلام! الإسلام وحده...!
الإسلام المحسن المجحود!..
***

ولكنك تغص بالحسرة عندما تلمح موقف “ الآخرين “ من هذا الدين وأهله.
إن النصرانية لا تحسب محمدا إلا أعرابيا مفتريا، ولا تتحرك قيد أنملة عن سياسة النيل منه، والعداوة لرسالته، والإزراء على أتباعه. ويؤسفنا أن هذه السياسة العتيدة لم تقر للإسلام بحق الحياة إلا عن عجز، أو على غش. فإذا واتتها الفرصة للإجهاز عليه لم تضعها!
وهذه محادة لم ينفرد الإسلام بها، فعندما كانت النصرانية لا تعنى إلا الكثلكة ضنت على المذاهب الكنسية الأخرى بحق الحياة إلى جوارها، وحكمت عليها بالموت، فما نجت إلا على كره من الجلادين.
وقد تقول: إن ذلك ديدن صاحب الحق، فهو لا يطيق رؤية الضلال إلى جواره! والنصرانية ترى الإسلام ضلالة، ومن ثم فهى تبغى القضاء عليه، وإنقاذ الحياة منه!
ونقول: إنه قلما يوجد صاحب مذهب لا يرى الحق مقصورا عليه، والباطل محصورا فى خلافه، وإذا كان ذلك رأى النصرانية فى الإسلام، فرأى اليهودية فيها نفسها أسوأ من ذلك وأدنى. ولو أخذت به لوجب أن تمحى من الوجود محوا
(وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون).
أجل سيحكم الله بين أولئك المختلفين يوم القيامة! أما فى هذه الدنيا فما يجوز استخدام القوة لإكراه قوم على اعتناق ملة يرفضونها، ولا استخدام القوة ـ كما تفعل النصرانية- لتعويق سير الإسلام، وطمس شعائره، وإخماد منائره. ولذلك يقول الله بعد الآية السابقة التى حكت مزاعم كل فريق فى صاحبه:
(ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
إن الإسلام دعوة إلى الله تتميز بالإخلاص الشديد له، والحفاظ البالغ على توحيده، والاحترام الواضح لجميع أنبيائه. ولو كان رجال النصرانية أهل كياسة وبصر لعدوا محمدا ـ على الأقل ـ واحدا من المصلحين الذين يستحقون التوقير والإعجاب!! حتى لو كان مرسلا من عند نفسه وليس نبيا من لدن الله!! خصوصا وهم ينسبون “ البابوات “ إلى درجة من القداسة والعصمة والإلهام الأعلى لم يدعها محمد صلى الله عليه وسلم لنفسه وإن كان هو فى تراثه الإنسانى البحت أعلى من هؤلاء قدرا، وأولى بمزيد من الحفاوة والإجلال
لم يرزق قادة النصرانية هذه المرونة، بل على العكس التزموا وضعا واحدا لا يتغير كر الدهور واختلاف العصور، وهو الإنكار المستمر على الإسلام، والطعن القاسى فى أصوله وفروعه… إن أمكنهم الإجهازعليه فلا معنى لبقائه. و إن بقى لظروف عصية فليس لأهله حقوق تقام. حتى حقوق الإنسان العادى، إنها تستكثر عليهم استكثارا، ويحرمون منها حرمانا...!
وها قد مضت أربعة عشر قرنا على هذا الصراع العنيد دون أن تبدو له نهاية تؤذن بسلام. أما لهذه المآسى من آخر؟ أما للصلح من موضع!.
إن له مواضع شتى لو أرادت الصليبية، وآثرت المودة بعد طول جفاء. إن الكلمة ليست لنا، وعبء إقرار السلم لا يقع علينا، فالتبعة الكبرى تحملها أقطار الغرب الصليبى، هذا الغرب الذى يعبث اليوم بمصاير البشر عبثا لم تعرفه القرون الآولى. ويستحيل أن تدعه السماء من غير عقوبة تكسر غروره، وتعدل صعره..!
والمسلمون اليوم فى أعقاب فترة كلية من تاريخهم الطويل، لم ينفضوا بعد غبار الذل الذى لحقهم عقيب انهيار حكمهم، وطى لوائهم، أو هم يتهيأون لهذه الانتفاضة المرموقة، ويستعدون لما تفرضه من مغارم وضحايا. وحال المسلمين مع دينهم تستدعى كثيرا من التأمل. فهم خلوف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. وهم أوزاع تنميهم قوميات شتى، يقدمون النسبة إليها على نسب الإسلام العريق. وهم مشتتو الأهواء والآراء أمام العواطف الفكرية والعاطفية الهابة من الغرب. وهم يخلطون بين التخلص من التقاليد الرديئة التى أودت حضارتهم والتخلص من بعض تعاليم الإسلام نفسه! وهم يخلطون كذلك بين الإفادة من نتاج الحضارة الحديثة، أو الانغماس فى متاعها، والانسراب مع نزواتها
على أن الحقيقة المخزية وسط هذه الحيرة النفسية والعقلية أن الاستعمار الغربى ماض فى طريقه بقسوة وصرامة، يجتث أصولهم، ويجتاح بقيتهم، ويرسم المؤامرات المهولة لإبقائهم إلى الأبد عبيد جبروته..! والحيوان فى هذه المأزق يستقتل للنجاة بنفسه، والإفلات من صياديه. فكيف بإنسان لا تزال على حياته مسحة من نضارة الإيمان القديم، والأصل الكريم؟.
لذلك اضطرمت معارك المقاومة، ونشبت فى كل قطر حروب التحرير. وقد بدأت هذه الحركات المحنقة ثورات متفرقة لا يربطها نظام محكم، ولا تقيمها خطة موضوعة. كانت أشبه بدفاع الأفراد عن حياتهم خلال مدينة امتلأت باللصوص فجأة. واندلاع المقاومة على هذا النحو سهل على الغزاة أن يغلبوا كل فريق وحده. ومن ثم تمكن الاستعمار الغربى من احتلال أجزاء المغرب، وأجزاء وادى النيل، وأجزاء الجزيرة والشام والأناضول.. إلخ. إلا أن الأيام قاربت بين الأوصال المقطعة، والآلام وحدت صراخ المكلومين. فاتسقت الخطة لطرد الاستعمار، وتعاطف المصابون يحمل بعضهم بعضا، ويظاهره ضد العدو المشترك، وابتغاء النجاة من ظلمه وغشمه. و إلى هذه المرحلة من الخصومة القائمة لم يسمع أحد فى العالم كلمة صدرت عن معسكر المدافعين تشير من قرب أو من بعد إلى أن حروب التحرير هى حروب ضد النصرانية نفسها.
بل إن ذلك لم يخطر ببال أحد، فقد كان “ الماوماو “ فى كينيا و “البراهمة “ فى الهند، و “ البوذيون “ فى الصين، كان هؤلاء جميعا كالمسلمين فى بلادهم، يقاتلون دون حقوق الإنسان التى أهدرها الاستعمار الصليبى ، ويدافعون عن أموالهم وأعراضهم التى استباحها زبانيته! فما الذى جعل الصليبية الغربية تستجيش أحقادها الأولى، وتضرمها مرة أخرى ضد الإسلام وأهله. ما الذى جعلها تعتبر يقظتنا الأبية حركة ضد النصرانية. وعلام يدل هذا الاعتبار الآثم
إنه يدل على معنى كريه قاتم، يدل على أن التعصب الأعمى ملأ على القوم أقطار أنفسهم، وأغلق منافذ أفكارهم، فهم لا يعقلون إلا شيئا واحدا: أن يحرموا الإسلام حق الحياة، وأن يسلبوا أتباعه كل كرامة مادية وأدبية ينشدها البشر على ظهر الأرض…
ولقد رأيت أن الإسلام منذ بدأ لم يفكر فى حرب النصرانية لإكراه أهلها على ترك عقيدتهم، ولو كانت فى نظره خرافة.. وأن المسلمين اليوم ما يدور فى خلدهم شئ من هذا. فما الذى ألب الصليبية الغربية وألهب ظهرها، فجعلها تستأنف حرب الإبادة ضدنا، وجعلها تشن عدوانها الرهيب فى صميم بلادنا وأطرافها على سواء..!
لو أن قادة النصرانية عقلاء معتدلون لجعلوا من مطالبة المسلمين بحقوقهم البشرية فرصة لإرساء العلاقات بين الدينين على قواعد من العدالة والمرحمة، ولبرهنوا بهذا على رغبتهم فى الإسلام، واحترامهم لعقائد الآخرين.. لكننا نسجل فى حفيظة وغضب، أن شيئا من ذلك لم يحدث، بل يحدث نقيضه. فكانت السخائم الصليبية وراء مذابح المغرب وفلسطين، ووراء إهانة المسلمين حيث كانوا…
***

وسمعت وزيرا مصريا يتحدث عن الصليبية الغربية التى شرعت تجند رجالها ضد قضايانا فقال: إن الحرب الدينية لم تخطر لنا على بال، و إن هذه الصيحات المغرضة التى انطلقت فى أوروبا تحرض على اغتصابنا هى صيحات عفنة منافقة.
ثم استأنف كلامه، وكأنما يوجهه إلى أقباط مصر ونصارى الشرق عموما: إن الرجل الأبيض فى أوروبا يحرم إخوانه النصارى من الملونين والزنوج حقوقهم العامة، ويحرص دائما على امتهان كرامتهم وإنكار مصالحهم..
فإذا ثار الملونون والزنوج على هذه المعاملة، فهى ليست ثورة ضد المسيح وكنائسه، ولكنها ثورة على التفريق الجائر، والغرور الكاذب.
وثورة المسلمين على الاستعمار الغربى لا تعدو هذا المنحى العادل. فإذا احتشدت الصليبية الغربية لقمعها، وإذا تنادت باسم الدين لإطفائها، فلا يسوغ لأتباع المسيح فى بلاد الإسلام أن ينخدعوا، ولا أن يزلوا
وأتباع المسيح فى بلاد الإسلام ينبغى أن يكونوا آخر من يصدق هذه المفتريات، فإن البحبوحة المتاحة لهم فى كنفنا تفرض عليهم أن يعرضوا عن أضاليل هذه الصليبية المعتدية المتحدة من دول الغرب…
واشتراكهم مع أوروبا فى دين لا يسوغ اشتراكهم معها فى عدوان. ومع التفسير المتأنى الواضح الذى ألقاه وزير مسئول عن سياسة مصر فى صراعها مع إنجلترا وفرنسا. ومع ما أظهرته الأحداث المتوالية من أن المسلمين أبرياء من التعصب الأعمى، فإن أصحاب القلوب المريضة لا يزالون ينظرون على أحن تستدعى الحذر. وبين آونة وأخرى تقرع آذاننا أنباء مثيرة عن إعداد صليبى واسع النطاق لا يرى متنفس ضغنه إلا فى انتكاث شملنا، وانفراط عقدنا، وذهاب ريحنا أخر الدهر. وإذا كانت تصريحات الوزير السابقة عن طبيعة النزاع بيننا وبين الاستعمار الغربى قد كشفت عن حقيقة مشاعرنا وأفكارنا، فإن تصريحات الجانب الآخر أماطت اللثام عن تعصب كالح، وحقد دينى غريب؟. فوزراء فرنسا لا يسمون أهل “ الجزائر “ المكافحة إلا “ المسلمين “ وهم بهذه التسمية يسوغون حملات الفتك والإفناء المسلطة على هؤلاء المكافحين البائسين. وعندما غزا المعتدون الإنجليز والفرنسيون واليهود “بورسعيد “ وأنزلوا جنود المظلات على الشاطىء، وشرعت الطيارات والسفن تدك المدينة الأبية، وتنقص أطرافها، قال المذيع فى صوت” بريطانيا”: إننا استولينا على كذا وكذا من أحياء المدينة، وبقيت نقطتان فى أيدى المسلمين” !!.
المراد إذن اجتياح المسلمين- بهذا الوصف- واستئصال شأفتهم...! والبواعث الكامنة وراء هذا التهجم لا يجوز تجاهلها، فظاهر أن إيقاد العداوة الدينية جزء خطير فى الحملة التى تشن علينا، والتى قد تتحول إلى حرب شاملة ضد القومية العربية . تلك القومية التى يراها الصليبيون طليعة يقظة للإسلام الذى يكرهون. وسرنى أن وزارة التربية والتعليم شرعت تلفت الأنظار إلى ذلك فى رسالة أصدرتها إدارة الشئون العامة بها.. جاء فيها :
“إن الدول الاستعمارية تهددنا وتتوعدنا.. وتحشد لنا جيوشها فى البر والبحر والجو، وتحبس عنا أموالنا المودعة أمانة فى خزائن بنوكها. وتحاول أن تقفل الأسواق التجارية فى وجه منتجاتنا الزراعية والصناعية، وتغرى بنا أتباعها من الدول التى لا رأى لها ولا إرادة،. وتعقد المؤتمرات، وتدير المؤامرات ، وترسل الجواسيس، وتحاول الوقيعة بيننا وبين كل من يريد أن يساعدنا.. لأن.. لأن للاستعمار فى بلادنا مطامع قديمة، وثارا موروثا، ومعارك متصلة منذ مئات السنين. فلم يزل الاستعمار منذ التاريخ البعيد يحاول محاولاته للسيطرة على بلادنا، واغتصاب أوطاننا، وانتهاب خيراتنا واستذلال أحرارنا ، وامتلاك أرضنا، لتكون ثمراتها له، وأهلها عبيده. ليس هذا التهديد والوعيد من أجل تأميمنا لقناة السويس، و إنما هى حجة يحتجون بها ليحققوا مطامع، ويدركوا ثأرا، وينشئوا معركة جديدة، يأملون أن ينتصروا فيها على العرب، فيحققوا حلم لويس التاسع ملك فرنسا، وريتشارد ملك بريطانيا فى التاريخ القديم. وهيهات..!
إن الحرب الدائرة بيننا وبين الاستعمار الصليبى منذ التاريخ القديم لم تهدأ بعد ولن تهدأ حتى يقضى علينا ذلك الاستعمار، أو نقضى عليه..
وهيهات أن يقضى علينا، وإننا لقادرون بحول الله أن نقضى عليه..
لابد أن نقضى على الاستعمار، ليعيش العالم كله فى أمن وحرية وسلام..
إننا هنا، فى مكاننا هذا من العالم قوة ذات خطر، أنشأنا الله فى هذا المكان المتوسط بين القارات لتنبعث من بلادنا رسالات السلام والأمن والحرية للعالم كله، للإنسانية جمعاء. لقد آن الأوان ليؤمن الاستعمار بهذه الحقيقة، وما نراه يؤمن بها إلا إذا أشعرناه بقوتنا. إن القوة وحدها هى التى تقنع بالحق.. الحق وحده لا يمكن أن ينتصر بغير قوة تسنده. و إن هذه الحرب التى يحاول الاستعمار الصليبى أن يشنها على بلادنا، هى حلقة جديدة من سلسلة قديمة متصلة الحلقات منذ ثمانية قرون أو أكثر من ثمانية قرون منذ بدأ يجمع جموعه تحت راية الصليب ليغزو بلادنا، أو ينشىء مستعمراته الصليبية فى بيت المقدس، وعلى سواحل الشام، وفى وادى الأردن، وأرض البلقاء فى القرن الحادى عشر..
منذ حاول مرة بعد مرة فى التاريخ البعيد، أن ينفد من ميناء دمياط إلى أرض مصر، ليتخذها قاعدة صليبية، تحتشد فيها جنوده، وتتفرع عنها إلى الشرق والغرب، لتحطم مقاومة العرب، وتجليهم عن الشرق والغرب…
منذ وضعنا القيد فى عنق لويس التاسع ملك فرنسا، فى القرن الحادى عشر، وسحبناه أسيرا على وجهه إلى معتقله فى دار ابن لقمان بالمنصورة، فلم نفلته إلا بعد أن افتدى نفسه بمال، وعاهد عهد القديسين أن لا يعود ولا يحاول…
منذ تحالف الاستعمار الصليبى على إخوان لنا فى غرناطة من بلاد الأندلس، يسلقونهم سلق الدجاج فى القدور، أو يلقون بهم كجذوع الشجر فى النار الملتهبة، أو يقذفونهم أحياء من قمم الجبال، أو يرمونهم فى البحر بغير سفين ليسحبوا إلى الشاطىء الآخر إن أطاقوا، أو يموتوا غرقا.
منذ وقف مكافحو البحر الجزائريون والمراكشيون على باب البحر، يمنعون كل سفينة غير سفن العرب أن تمر أو تؤدى إليهم الضريبة، وتعترف لهم بالسيادة البحرية.. بل منذ صارت الشام ومصر وشمال إفريقيا أرضا عربية، ومنذ ارتفع الأذان فى سهول الأناضول، ومنذ تحولت “ أيا صوفيا “ إلى مسجد..
منذ ذلك التاريخ البعيد، لم تزل الحرب دائرة بيننا وبين الاستعمار الصليبى..
ولم تكن دعوى الصليب التى زعموها فى ذلك التاريخ البعيد إلا عنوانا زائفا لخداع الملايين، فما كانت حربهم يومذاك دينية كما زعموا، فإن الأديان لا تقر الاعتداء على الحرمات، وهتك الحرائر، ونهب الحقوق، وسفك الدماء واغتصاب الأوطان، واسترقاق الأ حرار..
لم تكن دعوى الصليب يومذاك إلا زيفا وخداعا وتمويها، وإنما هو استعمار يتلون بلون ديني لينخدع الملايين من أهل الحماسة الدينية، فينساقوا وراء أصحاب المطامع الاستعمارية انسياق الأغنام وراء الراعى.
حقيقة استيقنها المسيحيون من عرب المشرق يومذاك، فكانوا مع قومهم من المسلمين آلبا على الاستعمار الصليبى، لا يبخلون بالدم ولا بالمال ولا بالروح، حتى جلا الاستعمار عن أرض العرب مدحورا، وعادت أرض العرب للعرب يعيشون فيها إخوانا متحابين، أعزة سادة فى وطنهم العزيز..
واندحر الاستعمار الصليبى فى أولى جولاته، ولكنه لم ييأس…
إن حلم “الويس التاسع “، و “ريتشارد"، وزعماء الصليبية الأولين لم يزل يداعب بعض الرؤوس هنالك، ولم يزل الأمل فى امتلاك أرض المشرق و إجلاء العرب عنها ينتقل فى الأجيال جيلا بعد جيل، كل جيل منها يحاول محاولة لتحقيق ذلك الحلم القديم، بعنوان جديد، غير عنوان الصليب. حتى كان القرن التاسع عشر.. وكان المسلمون يومذاك فى غفلة، فأتاحت غفلتهم لتلك الدول أن تثب وثبتها، وتحقق حلم الأجيال.. نعم: لقد تحققت أحلام ظل الحقد الدفين يغذيها طوال القرون السالفة. وصحونا فإذا نحن نجنى ثمار الذهول والتفريط. والغريب أن المسلمين بعد هذا كله لا يعرفون التعصب، و إذا عرفوه لا يحسنونه. والأغرب من ذلك أن المسلمين إذا هاجتهم دناءة خصومهم فتحركوا باسم الدين للرد عليهم، صاح هؤلاء الخصوم فى صفاقة لا مثيل لها: إن الهمجية الإسلامية تحركت، تبغى العدوان، وتريد لتنتشر بالسيف..!
ولست أعرف للسيف موضعا أصدق، ولا محزا أجدر من عنق هذه الصليبية التى ما أحسنت يوما إلا اللدغ والاختباء.
ولعل المسلمين- بعد أن يعوا عبر القرون الوسطى والأخيرة- يعرفون طبيعة الخصام الذى يواجهونه فى هذه الدنيا.
***


قبل المعركة

عندما انعقد مؤتمر “ لندن “ لبحث مشكلة قناة السويس- بعد أن استردتها مصر- كان هناك نفر من الناس يتابع مناقشات المؤتمرين وفى نفسه أمل أن ينتهى الأمر بسلام، وأن ينفض المجتمعون وقد استحيوا من اللجاجة فى مطمع فات إدراكه. فإذا لم يكن لديهم حياء غلبهم الوجل من مصاولة أصحاب الحق بعد ما تيقظوا له، واستمسكوا به.
وكان أولئك المتفائلون يفرحون إذا جاءت الأنباء بأن دول الاستعمار قد خفضت من وعيدها وكسرت من حدتها، يحسبون أن ذلك التراجع إيذان بحل المشكلة على نحو يرضى أصحاب الحقوق، ويرد إليهم ما سلب منهم دهرا طويلا.
وما دروا أن ذلك التراجع لا يعدو دائرة الألفاظ المرنة، والأساليب التى تصطنع اصطناعا لإخفاء أخبث النيات، وأحلك المقاصد.. وها قد انتهى المؤتمر، وانفضحت المؤامرة، وسقط القناع عن الوجوه الكالحة، واستيقن المترددون أن فى دول أوروبا لا تزال على حقدها القديم، وضلالها الأول.
إنها- وقد سمنت من المال الحرام- لا تزال تتشهى المزيد.
إنها- وقد ضريت على التهام ما أمامها- لن تكف إلا إذا أصابتها لكمة تهشم أسنانها، وتعجزها عن مد الفم ولى السحت..!
ونحن منذ تداعى ساسة الغرب، وقرع جوارهم النابى آذان العالم، ومنذ نادى بعضهم بعضها للعدوان على مصر، وإعداد القوى فى البر والبحر والجو لمهاجمتها- نعرف أنه لا مكان لتفاؤل، ولا انتظار لمسالمة، وأنه من العجز ارتقاب الشرف من الغادرين، أو العفاف من الداعرين أو النصفة ممن أذوا أهل الأرض أجمعين.
***
إن معركة مصر لم يكن بد من خوضها، سواء استرجعنا القناة أم تركناها لمن يأخذون القناطير المقنطرة منها.
ذلك أن مصر جزء هائل من كيان العروبة والإسلام. والمعركة ضد العروبة والإسلام قد بدأت منذ زمن طويل. وهى ليست معركة ربح أو خسار لقطع من الأرض أو قدر من المال، بل هى معركة حياة أو موت. إنها معركة إبادة لجنس من الناس، له لغته ودينه وحضارته. والاستعمار من سنين طويلة قد أعد عدته لإفناء هذا الجنس وما يتصل به من فكر وحضارة.
وقد بدأت حرب الإبادة هذه من حولنا يوم تقرر تهويد فلسطين، ويوم اجتمع عدد من الدول أكبر مما اجتمع فى مؤتمر “ لندن “ وسمح- فى رضا ورغبة- أن يطرد العرب من أرضهم شر طردة، وأن يرثها عن أولئك الأحياء المطرودين بنو إسرائيل الذين دللهم الاستعمار فى هذا العصر، وأسكنهم قصور العرب، وأطعمهم أقواتهم. أما العرب أنفسهم ففى الصحراء لهم متسع إن عاشوا، أو قبر إن هلكوا..
نعم، وبدأت حرب الإبادة فى الجزائر البائسة، بعد محاولات طويلة لتنصير المغرب كله، وتسميم الدم الإسلامي فيه! فلما استعصى الضحايا على عسف “ فرنسا"، تحولت قوات حلف الأطلسى لقمع الشعب المكافح، وترضيته بالهون. ومنذ عامين ما يطلع صباح إلا وأصوات النعاة تقبض الأفئدة بمهلك عشرات الشهداء فى صراع لا يفتر بين المهاجمين والمجاهدين. ولو رصت أرض الجزائر بأحداث الشهداء ما كان ذلك شيئا يستحق الذكر، أو يثير الأسى، أما أن تسترجع مصر قناتها، فذاك أمر تهتز له الأرض، ويحتشد له الساسة وتتعاوى من أجله الذئاب فى كل غاب.
غاية ما هنالك من فرق بين عواء الحيوان والإنسان، إن هدير الوحش لا تستر نبراته ولا تطوى أغراضه، أما عواء الساسة فى مؤتمراتهم، فيمكن إخراجه للناس فى قالب غناء ملحون منغوم!
وها هى ذى حرب الإبادة تتجه إلينا فى صورة تدويل للقناة أولا، وأخذ بخناقنا بعد فلك، فاما عشنا واما كتمت أنفاسنا.
والعجب أن يمضى الاستعمار فى ختله قالبا الأسماء والمسميات جميعا، فهو يصف استعبادنا بأنه ضمان لسيادتنا، ويصف سرقة حقوقنا بأنها رعاية للعدالة فى نفعنا. وقد سرى هذا المنطق فى آفاق الحياة الحاضرة حتى كاد يطمس معالم الأخلاق.
ما كان فى ماضى الزمان محرما * للناس، فى هذا الزمان مبــاح
صاغوا نعوت فضائل لعيوبهم * فتعذر التمييز والإصـــلاح
فالفتك فن، والخداع سياسة، * وغنى اللصوص براعة ونجاح
والعرى ظرف، والفساد تمدن، * والكذب لطف، والرياء صلاح
***
وإذا كانت الحرب ضد العروبة والإسلام قد اشتعلت فى ميادين شتى، فليس غريبا أن يطير شررها إلينا، وليس غريبا أن ينعقد مؤتمر “ لندن “ لينفخ فى ضرامها، ثم يرمينا بشعلها الحارقة.
بل الغريب أن نبقى بمنأى عن هذه الحرب، ومصر هى معقد العروبة ومناط الإسلام.
إن ابتعاد هذه الحرب عنا كان إلى أجل معدود، لابد بعده أن نصلاها، ويجب أن نواجه هذه الحقيقة دون تهرب أو إغماض…
***


أى سلام كان يرجوه الواهمون من مؤتمر “ لندن “؟

أخشى أن أصارح بما يبطنه أولئك المتعلقون بالسراب حين أقول: إن حبهم للسلام وكراهيتهم للقتال هما سر هذا التأميل الخائب!
أجل، فعدد غفير من الناس لا يزال ينفر من الموت، ويتشبث بأذيال الحياة، ولو كانت الحياة التى تتاح له على أنقاض دينه ومروءته، بل على أنقاض عزته وكرامته. وهذا الصنف الذليل هو الذى انتظر العافية من مجمع اللصوص فى عاصمة الاستعمار!
وطالما صحت بهؤلاء الأغرار، إن الحرب التى تحذرون قد وقعت فعلا منذ تضافرت الصهيونية العالمية، والصليبية الغربية على إجلاء إخوانكم، واجتياح ديارهم..
ولو أنكم تيقظتم على هذا التحرش، وتنمرتم على وقع الأذى حين نزل بجيرانكم، لتهيب القراصنة وشركاؤهم أن يسترسلوا فى غيهم. إن مؤتمر “ لندن “ عرض لعلة أصيلة فى نفوس الذين دعوا إليه. وقد ذهبت شعوب إسلامية باسلة ضحية لهذه العلة الدفينة. ذهبت أمس كما يراد أن نذهب اليوم. فهل كنا نقابل هذا المؤتمر إلا بأزيز الغضب، وصحيات الاستنكار؟ إنه لو تمخض عن سلام لكان سلاما مريبا موقوتا، ولكانت هذه النتيجة أبعد ما تكون عن طبيعة الأشياء، فها هو ذا قد أسفر عن خبايا الداعين إليه، والموافقين عليه.
فلنقلها إذن عالية ولتقولوها جميعا: مرحبا بالمعركة، المعركة التى فرضها علينا دهاقين اللصوصية العالمية المسلحة..
لقد كنت أحس غصة وأنا أقرأ وفيات الشهداء تجىء من الجزائرسيلا لا ينقطع، واقرأ إلى جانبها دعوة الكتاب البغايا إلى فتح بيوت الدعارة فى مصر.
هذه الحال المستنكرة من التقطع النفسى والعاطفى والإلحاد الدينى والاجتماعى هى التى أوهنت بلادنا، وأطمعت عدونا وألبت السفهاء والعقلاء ضدنا..
ولعل أولى بركات التهديد الذى رمانا به مؤتمر لندن أن استخفت هذه الميوعة الحيوانية النجمة، وشرعنا نستعد لخوض المعركة التى اقتربت من ساحتنا!
الا مرحبا بالمعركة…
مرحبا بالمعركة التى تقسم أعباء الكفاح بالسوية على العرب فى كل مكان، وعلى المسلمين فى كل أفق…
مرحبا بالمعركة التى ستغسل بلادنا من أوضار الضعف والاسترخاء، وتصبغها بلون جديد من البذل والفداء.
***
ما هذه الصفاقة التى تجعل عشرين دولة تجتمع أياما وليالى لتتحدث فى سلب حريتنا، وخدش كرامتنا؟ أكانت تجرؤ على خوض هذا الأفك لو أنها ترهب عقباه؟ إننا وجدنا سر هذا التحدى الغريب. إنهم يحسبوننا مازلنا نحب الدنيا ونكره الموت، ومن ثم ينادى بعضهم بعضا، هلم إلى الكلأ المباح، والأرض التى لا صاحب لها، هلم إلى تدويل القناة.. !!
وذلك مصداق الحديث: “ يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بلى أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله فى قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله.. وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت “ .
كان ذلك على عهد الملوك الفسقة ، وأمراء الخمر والنساء . أما اليوم فإن رئيس الدولة يقول: سأبذل آخر قطرة من دمى . وعندما تكون هذه الكلمة شعار المعركة الناشبة . وعندما ترسم السياسة العامة على أساس القتال لآخر رمق، فلتجتمع الدنيا كلها علينا فلن نخشى بأسها .
* * *




 

 
من فضلك اترك تعليقك..

تذكر بياناتي الشخصية

إعلام بريدي بوجود تعليقات جديدة؟