سلام مسلح
وصف “ محمد “ نفسه فقال: “ أنا رحمة مهداة “.
إنه ليس لعانا يطفح فؤاده بالسخط، ولا جبارا تنبسط يداه بالأذى، لا.. لا.. إنه بشر نبيل، طرق باب هذا العالم كما تطرق النعمة باب بائس، أو كما تطرق العافية كيان جسم معلول!.
“ إنما أنا رحمة مهداة”. ومن نبع هذه الرحمة، وعنوانا عليها كانت الآية الأولى فى القرآن الكريم “ بسم الله الرحمن الرحيم” ثم تتابعت آيات القرآن تصف للناس ما يشفى سقامهم، ويمسح آلامهم، ويقر علائقهم بالله جل شأنه على دعائم من الحق، ويقر علائق بعضهم بالبعض الآخر على أسس من اليقين والأخوة، والتواصى بالمرحمة، والتعاون على البر والتقوى. إن الإسلام يكلف المسلم أن يكون مصدر سلام حيث حل، وألا يكون مثار شر، ولا مبعث أذى لأحد أبدا.
وأنظر ما روى عن أسود بن أصرم. قلت: يا رسول الله.. أوصنى. قال: تملك يدك؟ قلت: فما أملك إذا لم أملك يدى؟ قال: تملك لسانك؟ قلت: فما أملك لسانى؟ قال: لا تبسط يدك إلا إلى خير. ولا تقل بلسانك إلا معروفا ..!
وتعاليم الأنبياء جميعا ـ وهى زبدة ما وعته نصوص الكتاب الكريم والسنة النبوية ـ لا يمكن أن تتضمن إلا النفع المحض للناس، وقيادتهم برفق إلى الصراط المستقيم، وحياتهم ـ وهم على الجادة ـ من أن يشرد بهم زيغ ، أو تغويهم فتنة!
***
وفى الإسلام ـ كما فى غيره من الأديان السابقة ـ غيرة على الحق، وحرص على إبقائه متقد الشعاع ليهدى الحيارى، وحرص على إبقاء القافلة المؤمنة به متماسكة متضامنة لا يقع عليها حيف، ولا يتعرض أحد منها لظلم، وألا يكون الإيمان الذى تستمسك به سببا فى إهدار كرامتها، نعم إن الدين يستحيل أن يجىء به ما يعتبر تحرشا بالناس، أو تحديا لمشاعرهم التقية.
ولكن السؤال الذى يجب أن نجيب عنه فى صراحة وحسم هو: ماذا يكون الأمر إذا تعرض الإنسان فجأة وهو خالى الذهن، سليم القلب، لنزوة باغية، أو ضربة قاسية؟ أيترك نفسه فريسة سهلة لهذا الهجوم الخسيس.. أم يضطر ـ مهما كان رقيق الطبع- ليقاوم، وليرد بغضب ما وجه إليه باستخفاف واستهانة؟ أو بتعبير آخر. هل السلام ترك الإجرام من غير نكد؟ وترك المعتدين من غير عقوبة؟ وترك المظلومين دون نصير يدعم جانبهم، ويصون دمائهم وأموالهم وأعراضهم؟ إذا كان ذلك معنى السلام فليس الإسلام دين سلام، بل هو دين خصام وقصاص، غير أن العقلاء لم يشوهوا حقيقة السلام، فيجعلوها ترادف الرضا بالهوان، وقبول الدنية. وإنما فهموا السلام على أنه نبذ القتال فى كل مجال يعتبر القتال فيه هضما للحقوق المقررة، أو إساءة للحقيقة ولو فى أسلوب الدفاع عنها، فإن الدفاع عن الحقيقة له أساليب تناسبها سناء وشرفا.
ومع أن الإسلام خير محض، وأمان مطلق، فإن موقف أعدائه منه جره جرا لأن يخوض معارك ما كان يريدها. وماذا عسى كان المسلمون يفعلون وهم يرون الوثنيين من عرب الجزيرة ينكرون عليهم حق الحياة، ويثبون على الجماعة المؤمنة بربها، فإذا هى بين شريد فار بدينه بعد أن صودرت أملاكه وأمواله، أو سجين فى عقر مكة، يذوق الهوان، ويحمل الضيم؟. إن القرآن الكريم ـ وهو يحذر سفك الدم ـ يعطى المسلمين إذنا بالدفاع عن أنفسهم فيقول: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله). وليس بمستغرب أن يحض الإسلام على القتال لفك الحصار المضروب على الأسر المؤمنة بمكة، ولا يعقل أن يكون تحريضه على استنقاذ هذه الأسر المعذبة مظنة رغبة طبيعية فى إراقة الدماء.. ومن ذا الذى يستسيغ هذا الاتهام وهو يسمع الآية الكريمة: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا).
فالوثنيون لم يعلن الإسلام عليهم حربا لأنهم كفار يجب أن يهتدوا إلى الحق بالقوة، وأن يدخلوا فى الدين بالإكراه كلا، فإن الإسلام يقول لأتباعه فى ضرورة مسالمة هؤلاء الكافرين، وعدم التعرض لهم البتة : (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا).
***
فإذا تركنا جانبا هذه المغازى التى كان العرب المشركون علتها الأولى والأخيرة، ونظرنا إلى موقف الإسلام من اليهود والنصارى، وجدنا الخطأ الذى وقع فيه عباد الأصنام قد وقع فيه أهل الكتاب من يهود ونصارى… فطالما تودد الإسلام لهؤلاء الأقوام، وأثنى عليهم، ونوه بالكتب التى نزلت على أنبيائهم، وبدأهم بإرسال الكتب وعقد المعاهدات. ولكن كثيرا من اليهود والنصارى كانوا من أحقادهم الخاصة فى شغل شاغل، فلم يكترثوا باليد الممتدة إليهم، بل حاولوا قطعها. أما اليهود فقد بلونا طبيعتهم الغادرة وعرفناهم: لا أمان لهم، ولا موثق…
وأما النصارى فإن الرومان- وهم يومئذ أصحاب الدولة فى العالم المسيحى كله- ما كانوا ليسمحوا لأحد أن يخرج على مذهب الدولة، ولو كان مسيحيا مثلهم، وقد اضطهدوا أقباط مصر ونصارى الشام لهذه العلة، فكيف ينتظر منهم ترك الإسلام يمشى من غير نكير؟
إن الحرب التى دارت بين المسلمين والروم، دارت لتقرير حرية الاعتقاد، ولم يدرها المسلمون لحمل شعب ما على دخول عقيدة معينة. وقد كانت الدولة الرومانية وسائر الدول الصليبية التى قامت بعدها بحاجة إلى تقرير هذه الحرية، فيستفيد منها أتباع المذاهب النصرانية المختلفة، قبل أن يستفيد منها الإسلام نفسه.
والمقرر فى تاريخ القرون الوسطى: أن رعايا الدولة الرومانية الذين دخلوا تحت حكم الإسلام وجدوا من سماحته ما لم يذوقوه أياما طوالا تحت حكم إخوانهم فى العقيدة...! ذلك أن مسالمة الآخرين وترك حرياتهم الوجدانية والعقلية عنصر أصيل فى سياسة الإسلام، وجزء خطير من تعاليمه العامة…
على أن الحروب التى اشتعلت ولا تزال تشتعل بين المسلمين من جانب، وبين الصهيونية والاستعمار من جانب آخر، ليست حروبا دينية يسئل عنها الإسلام، وهو إن سئل فجوابه الحاسم حاضر، لا يصحبه تردد ولا إبهام!. هل كانت الدولة الرومانية القديمة تنفذ تعاليم عيسى عليه السلام حين جعلت مصر مزرعة لها؟ وحين استعبدت أفريقيا وآسيا الصغرى لجبروتها؟ وهل كان الإنجليز والفرنسيون وحلفاؤهم يحترمون وصايا المسيح، وينقلونها للشعوب المغلوبة عندما كانوا يمزقون هذه البلاد وينهبون خيراتها؟ إن هذا الاستعمار الصليبى عار على كل دين. ويوم يقاومه الناس باسم الإسلام أو بأى اسم آخر فهم معذورون. والانتصار لقضاياهم واجب على كل ذى ضمير حى. ويوم تدك جيوش الفتح معاقل الروم- كما وقع قديما- أو يوم ترد الغزاة الفرنسيين والإنجليز، وتخلص الأمم من براثنهم- كما حدث فى بورسعيد- فهى جيوش سلام، لا جيوش عدوان..
إن الإسلام لا يشتهى سفك الدماء، ولا يندفع إلى امتشاق الحسام، إلا مكرها. وأمل الإسلام الحلو، ورغبته العميقة أن تتحول فجاج الأرض إلى آفاق سماوية، تموج بأناس يشكرون ربهم، ويذكرون نعمه، دون أن تشغلهم حروب، أو تستشرى بينهم عداوات.. وانظر ما روى عن أبى الدرداء.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها فى درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى!. قال: ذكر الله “.. ثم قال معاذ بن جبل: ما شىء أنجى من عذاب الله من ذكر الله ، لكن كيف الطريق إلى هذا الأمل الوادع؟ وإلى هذا السلام الشامل. أيمكن الوصول إليه مع بقاء الصهيونية العالمية والاستعمار الغربي يملآن الدنيا فسادا وظلاما؟!
إن نبى الإسلام يبين مرة أخرى عن طبيعة السلام فى دينه، وعن طبيعة الرحمة فى رسالته، مع امتلاء الحياة بالأوغاد والظلمة فيقول: “ لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتم فأثبتوا “ .
نعم لن نتمنى قتالا، لأننا دعاة سلام، فإذا فرض علينا القتال فلن نفر أمام الزحف النجس، ولكن سنثبت حتى يفتح الله بيننا وبين المعتدين.
***
وكما يحتاج المقرور إلى الدفء بعدما جمد البرد أطرافه، والعليل إلى الدواء بعدما برى السقام عظامه، تحتاج الشعوب المهانة إلى نجدات من القوة، ترفع عنها الأصر الذى أخزاها، وتكسر القيد الذى أضر بها..
إنها تستقبل القوة الوافدة عليها استقبال الظمأن للماء البارد، لأنها ترى فيها متنفسا من ضيق، وأمنها من ترويع. ومن هنا هش المسلمون ـ وهم أهل سلام ـ للقاء عدوهم، بعد ما أخذوا له الأهبة، وجمعوا السلاح. وانظر إلى القرآن الكريم كيف يذكر المستضعفين بآلامهم الأولى، وما لاقوا من تشريد واستباحة و إرهاق، وكيف يجعل من هياج هذه الذكريات فى دمائهم دافعا إلى خوض المعارك، وتأديب الطغاة. (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم).
إنه قتال ليس فقط تأديبا لما وقع فى الماضى، فإن الماضى يغتفر لمن تلمح عليه بوادر التوبة، ولكنه حياطة للمستقبل كى لا يعود الطغاة إلى طبيعتهم الشرسة، يجب إذن أن تقلم أظفارهم، وتتقى غائلتهم..
من الذى ينطق بكلمة إذا بحث اللاجئون المشردون عن السلاح يستردون به حقهم المأكول؟ من الذى يجرؤ على استنكار إذا بحث الجزائريون عن السلاح يدفعون به الصائل الغشوم؟ من الذى يجد وجها يندد ببحثنا عن هذا السلاح إذا كنا نحمل السلاح لأسمى غرض فى الوجود؟ من الذى يتهم الإسلام بأنه دين تعصب وقتال إذا كان هذا هو الميدان الذى أكرهنا على خوض الحرب فيه..؟
لقد كنت أقرأ تاريخ السيرة النبوية فيطوف بقلبى طائف من الرهبة لصرامة القصاص الذى وقع ببنى النضير، ثم أقول: هى العدالة فى عقاب المجرمين، وما ينبغي أن تدركنا رحمة مع من ظلم نفسه وغيره. فلما بلونا اليهود، وخيانات اليهود، ولما كوت قلوبنا مصارع الشباب العربي على أيدى اليهود والمذابح المهولة التى أوقعها بقرانا ومدننا اليهود، عرفت أن الإطاحة ! بهؤلاء الناس ليست عدالة فقط، بل هى رحمة أسداها أطباء البشرية للبشرية، أو يد تذكر وتشكر لمن أفاءها..
ولقد عرفنا أى نعمة جليلة ساقتها العناية لشمال إفريقية الذى نكب قديما بحكم الرومان وحديثا بحكم الفرنسيين، يوم انساب الفاتحون المسلمون فى أرجاء المغرب يطوون أعلام الاستعمار الروما ني، ويعيدون الحرية للشعوب المنكودة. كانت مصر وسائر إفريقية تئن تحت وطأة الرومان واستغلالهم، حتى هبت عليهم نسائم الفتح الكبير، فتنفست الصعداء. و إن الشمال الإفريقى ليتشوق اليوم إلى فتح جديد، يطرد به خلفاء الرومان، وتستعيد به الأمم المنكوبة مكانتها فى هذه الحياة. فإذا لم يجىء أصحاب رسول الله لاستنقاذ ضحايا فرنسا كما جاءوا قديما لاستنقاذ ضحايا الرومان، فإن أحفاد السلف الحر لن يستسلموا لا داخل أرض المغرب ولا خارجها، وسيقاتلون إلى آخر رمق.. والعاقبة للمتقين، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون.
***
لقد جاء عيد الميلاد المسيحى هذه السنة ودماء المسلمين تسيل مدرارا فى فلسطين والجزائر ومصر واليمن ، حتى أن قلوب بعض الأمم التى ليس لها دين سماوى، بل التى ليس لها دين قط، رقت لمصائبنا، وغضبت لما ينزل بنا، وعرضت علينا عونها، بعد أن أعلنت فى العالمين سخطها، وهاجمت المعتدين بأحد لسان..
فلننظر ما صنع الأب الأكبر للنصارى الكاثوليك، إنه لم يكترث أدنى اكتراث لأشلائنا المبعثرة، ولا لدمائنا المهدرة. إن عضلة لم تتقلص فى وجهه للأنباء المثيرة التى هزت أرجاء الدنيا، وجعلت أكثر من ستين دولة تبدى عطفها علينا.
الشىء الوحيد الذى هاجمه “ البابا “ وتحرك له، وهو ما قيل من أن ثورة نشبت فى المجر ضد روسيا، وأن عددا من القتلى سقط فى هذه الاضطرابات!..
ذلكم هو الحديث الفذ الذى قامت له “ النيافة “ وقعدت. أما ما عداه فلا يستحق النظر؟ إن لحم المسلمين رخيص، فلا حرج على الجزارين أن يعملوا فيه مداهم. أما غيرهم فيجب أن يعلوا الصوت باستنكارأى خدش يعرض له! وما يدريك أن الجزارين الذين يذبحون إخواننا إنما يأتمرون بأمر صاحب النيافة؟ إن الأحزاب الكاثوليكية فى فرنسا هى التى تملى سياسة البطش بمسلمى الجزائر! ومن المفارقات أن الشيوعيين هم الذين يعطلون سير القاطرات المحملة بالجنود لمقاتلة المسلمين…
ولقد كان نداء البابا إلى العالم لمناسبة عيد الميلاد موضع دهشة ولمز من كل إنسان له عقل وعاطفة، وكان تجاهله لمآسينا وتستره على خصومنا مثار تساؤل مرير، بل كان لفتا قويا إلى أن الكاثوليكية تسخر لتسويغ الحيف، ومهادنة المعتدين. وتلك حقيقة تؤكدها الأيام، فإن التاريخ يعيد نفسه، وما يحدث اليوم صورة مكررة لما حدث من عدة قرون، بل ما حدث منذ أربعة عشر قرنا، عندما اشتبك الإسلام فى صراع دام ضد الرومان- وهم يومئذ نصارى- وما نشبت الحرب إلا لرفع النير من الشعوب المسجونة، والحريات المكبوتة، برضا القساوسة، أو بايعازهم. وقد كتب الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوى تعليقا على نداء” البابا “ قال فيه: “ بالأمس احتفل العالم المسيحى بعيد الميلاد، وتعانق الرجال والنساء حتى الصباح بخوف مبهم من المجهول…
و من روما ارتفع صوت البابا يحاول أن يخترق طريقه بين ضجيج"الجازباند “ إلى قلوب الكاثوليك فى العالم. وليس أحب إلينا من هذا الخشوع الذى يعانيه المتدينون حين يسمعون كلمات رجل دين مقدس، فتخفق قلوبهم فجأة، وتتحرك طاقاتهم الإنسانية، ليقاوموا العدوان، وعناصر الشر التى تهدد الحضارة والتراث الدينى كله. من هنا تنبع مسئولية رجل الدين كرائد ومبشر وإنسان!
كنا نرجو منه هذا حتى يفيض الخشوع حقا من نفوس رعاياه، وتطمئن القلوب التى فى الصدور. فلا أحد من سكان هذا العالم يمكن أن يوافق الرجل المقدس على أن عوامل الشر تنبع من المجر.. وعلى أن مشكلة المجر هى التى تستحق منه كل هذا لاهتمام… لا أحد من سكان العالم يجهل من هم الذين يدبرون لقلب نظام الحكم فى المجر، وفى كل دول الاشتراكية! ولا أحد يجهل أين يكمن الخطر على مستقبلنا كله، ومن أين تنفجر المؤامرات..
أتريد الأحلاف العسكرية أن تكون هى سيوف الله المسلولة فى عصرنا هذا؟ أتكون سياسة التحضير للحرب، واغتصاب كل حقوق الإنسان، والقضاء على ملايين البشر، هى الدين الجديد “؟
***
ونقول نحن: نعم، إنها الدين الجديد القديم، فإن رؤساء الكاثوليك منذ قرون سحيقة يستكثرون الحياة على مخالفيهم فى الرأى، ولو كانوا من أبناء دينهم، فكيف يقرون السلام فى أرض الإسلام؟ لابد من اجتياحها إن أمكنت الأسباب، وإلا فعليها اللعنة إن ظفرت بالحياة على كره من آباء الكنيسة الحاقدين!!! إن العالم أحوج ما يكون إلى حضارة يسودها التعاون ويحدوها الإصلاح… والعصر الذى يظلنا، يوجب علينا أن نقدر مستقبل الإنسانية، وأن نقصى عنها نوازع الإثم، وأسباب الهوى، وأن ندع مكانا للحق المجرد يفصل فى قضاياها، فيربح المعنتين، ويكف الظالمين. وقد قال الله عز وجل : (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم). وهذا النداء يتجه إلى كل من له دين يردع عن المحارم، ويصد عن المظالم. هو نداء الله كيما تكون العلائق بين أصحاب الكتب المنزلة بعيدة عن الضغائن والثارات.
وفى أكناف السلام العادل الرحب لا يتقاتل الناس على منازلهم فى الآخرة، وإنما تثور بينهم الفتن، وتعتكر الأحوال إذا هاجت المطامع، وعصف الغرور برؤوس الأقوياء، فحسبوا الدنيا حكرا لهم، واتخذوا عباد الله رقيقا لمأربهم. إننا نحن المسلمين نحمل فى هذه الحياة رسالة الحق والخير والنور، ونريد أن نعيش بها وادعين، وأن تكون أوطاننا بها مثابة للسكينة والسلام، والطمأنينة والوئام، فهل يفقه هذا صانعوا الحرب ومشعلو الضغائن حينا بعد حين؟ والرسالة التى أصطفى الله العروبة لأدائها، ليست بدعا فى تاريخ الحياة، ولا هى حدثا ترمقه الأبصار بدهشة، إنها التعاليم النبيلة التى سبق أن هتف بها موسى، وبشر بها عيسى، ودعا إليها الأنبياء قاطبة، وبذلوا الجهود المضنية لإقناع الناس بها، وسوقهم إليها. إن رسالة الإسلام ترديد لكل صوت كريم دوى فى القرون الأولى، وتوكيد لكل معنى جميل تنتعش به الإنسانية وتسمو. ولذلك يقول الله لنبيه محمد : (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك). ويقول لأمة الرسول العربى : (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم). وبهذه الوحدة فى المنهج والهدف، وبهذه الاستقامة على الجادة الممهدة والغاية الممجدة، يتآخى المؤمنون ويتعاونون على مرضاة الله وصيانة الحقوق. ولكن نفرا من أتباع الأنبياء قد يجهلون أو يجحدون الحدود التى وقفهم الله عندها، فإذا هم يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون فى الأرض. وإذا هم يخضعون لسياسات جائرة تقوم على التظالم واستمرار البغى. وما بعث الله محمدا إلى الناس إلا ليرد إلى الوحى الأعلى كرامة أهدرها السفهاء، وبريقا طمسه البغاة.
(تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم * وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).
بيان الحق، والدفاع عنه، و إقرار الهدى والرحمة فى هذه الأرض المروعة، هو ما جاء به ديننا الحنيف، وشرح أصوله صاحب الرسالة العظمى، وهو ما نتشبث به نحن العرب، ونرى فيه مصلحة الشعوب كلها، لا مصلحة جنس معين من الناس. لكن بنى إسرائيل لا يفهمون هذا، وإذا فهموه تمردوا عليه، وجنحوا إلى أسلوب مشئوم من التخريب والإفساد، و إهلاك الحرث والنسل، و إشاعة الفوضى والفرقة. وهو أسلوب سيدفعون ثمنه من نواصيهم، ويحسون مغبته فى أنفسهم وأهليهم. لقد سبق أن أخذ الله المواثيق على اليهود: أن يصونوا الدماء ويتركوا المفاسد، ويطرحوا وساوس الشيطان فى صلاتهم بغيرهم. بيد أنهم أبوا إلا العيش فى ظلال الأثرة الضيقة، والخصومات الوضيعة ضد أهل الأرض جميعا، وضد من أكرمهم خاصة، ووسعوهم دهورا فى بلادهم دون أن يمسوهم بأذى، ألا وهم المسلمون والعرب.
ولذلك يقول الله فيهم : (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون).
إننا نبغى السلام الشامل، فأى سلام تتسع له ضمائر المنصفين إذا تواطأت عدة دول على تشريد إخواننا، ونهب أموالهم، واستباحة حقوقهم؟؟.
أى سلام يراد به تمكين الغاصب، و إسكات الشاكى، وتطمين المعتدى، وتوهين الباكى؟!
كيف يوصف هذا الحيف بأنه عدالة؟ وكيف يرتقب من العرب أن يغمضوا العين على شوكة لا تفتأ تدمى وجوههم وجنوبهم. إن النزعة إلى السلام تغلب على عواطفنا، وتجعلنا نقبل على حاضرنا لنبنى ونعمر، ونقبل على مستقبلنا لننشئ ونؤمل.
غير أننا ما نكاد نمضى فى طريقنا خطوات حتى تخترق آذاننا أنات الضحايا فى الجزائر، وصيحات إخواننا الأحرار الأبرار وهم يكافحون طغيان الاستعمار، ويذودون عن بلادهم وطأة الغزاة الذين لا يرعون حقا، ولا يحترمون شعبا.
إن الاستعمار كارثة خلقية، ومأساة إنسانية، وجرح عميق فى صميم الإيمان، وتحد خطير لرسالات الله، وعمل يستحيل أن يبقى معه هدوء، أو تستقر عليه حال. وليس هناك منطق ينبغى أن يسمع فى هذا الشأن غير منطقنا نحن الذين نريد إحقاق الحق، وإبطال الباطل، وتحرير المستعبدين، وإطلاق سراح المسترقين. إنه لا قيمة لقوة تجانب الحق، ولا لانتصار يجافى العدالة. ولا مكان لسلام يفرضه قطاع الطريق بعدما سلبوا الآمنين، وآذوا المؤمنين… وسيظل العرب أجمعون لائذين بدواعى النجدة، وأواصر الشرف، حتى يقتنع المهاجمون طوعا أو كرها بالعودة إلى عقر دارهم، والتخلى عن نتائج سطوهم وغزوهم. إننا نحن العرب نؤكد جلال الرسالة السلمية التى ننادى بها، ونريد أن نفرغ مع غيرنا من محبى السلام لإقامة حضارة نقية طهور… و إننا لنستغرب المزاعم الجريئة التى لا تستحى من افتراض فراغ بلادنا، فراغ يملؤه الدخلاء، ويسده الغرباء، أما أصحاب البلاد فهم عالة عليها، ومتطفلون فيها! أى نكر فى هذا الكلام؟ وأين- فى هذا الهزل- طريق السلام؟.
***
ضحكت وأنا أسمع أحد الغافلين يقول. إن الإسلام انتشر بالسيف وقلت على الفور: لا يا صاحبى، التعبير الصحيح فى هذه القضية: إن الإسلام انتصر على السيف!
و إذا كان منتهى كيد الفتنة المغلوبة على أمرها- بعد ما فل حدها- أن ترمى الإسلام بهذا الوصف، فلا على الإسلام من ذلك. لقد أدى الإسلام واجبه فى كسر شوكة العدوان، وفى قهر الضلال على التراجع، وعلى ترك المكاسب الطائلة التى حصل عليها..
فليسمع الشتائم والتهم من السلطان المعزول، أو من الوحش المقهور، فلأن يشتم وهو حى يؤدى رسالته النبيلة، أفضل من أن يبيد، ثم تسمع فيه كلمات الرثاء. نعم.
وماذا يعود على الإسلام أو على الناس لو أن الرومان أفلحوا فى خنقه، أو أن الفرس تمكنوا من شنقه، ثم قال كلاهما بعد أن أهال التراب على جثته: كان دينا مسالما، وكان أتباعه طيبين!.
إننا زاهدون فى هذا الثناء، ونحن مستريحون لأن ديننا اقتصر على السيف!، و إن أشاع الظلمة والكذبة بعد ذلك: إنه انتشر بالسيف!.
وقد رأيت أن أرجع إلى الاحصاءات لأعرف عدد الألوف التى قتلها الإسلام وهو ينتشر” بالسيف “ كما يقولون!.
وكتاب السيرة عفا الله عنهم قالوا: إن غزوات الرسول وسراياه بلغت بضعا وعشرين غزوة وسرية! لا شك أن هذا العدد ناطق بمدى تعطش الإسلام لسفك الدم، فلننظر كم عدد الضحايا المساكين فى هذه الحروب الطاحنة؟ سبعون مشركا قتلوا فى بدر، وبضعة عشر فى أحد، وثلاثة فى الأحزاب، وقريب من عشرة فى الفتح- أى فتح مكة- وعدد تافه فى حنين، وتطوى صفحة الحرب مع الوثنية بهذا العدد من الضحايا!
ويجىء دور الإحصاء فى حرب الإسلام مع اليهودية، لم تلحق اليهود خسائر دموية تذكر فى موقعتى بني. قينقاع والنضير، وقتل منهم نحو ستمائة فى موقعتى خيبر وبنى قريظة..
أى أن استقرار الإسلام فى جزيرة العرب أخذ فى طريقه سبع مئات من القتلى، فى قرابة ثلاثين غزوة وسرية مع اليهود والمشركين! وفى ثلاث وعشرين سنة من جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم لأعدائه، وهذا السيل الغامر من الدم (!) لماذا أريق؟ أريق- ولا يجرؤ أحد على المراء- لأن عبدة الأصنام أبوا أن يمنحوا الإسلام حق الحياة إلى جانبهم، ووثبوا على المسلمين ينكلون بهم، فلما فروا بعقائدهم إلى المدينة، تبعوهم فى عقر دارهم، ليجتاحوهم عن آخرهم. فإذا عجزوا عن بلوغ مأربهم، وأفلح المؤمنون فى النجاة بدينهم، وإذا أصيب المهاجمون فى أثناء هذا الصراع بتلك الخسائر التى أحصيناها، فالويل للإسلام الذى انتصر على السيف؟ لأنه انتشر بالسيف!
أرأيت وقاحة فى منطق الناس أسمج من هذه الوقاحة.. لقد تأمر اليهود والكفار على قتل هذا الدين، فكان بين أمرين لا ثالث لهما، ولا خيار فيهما، أما أن يسلم عنقه للذبح، ثم قد يقال على رفاته: رحمه الله، وأما أن يتأبى على الفناء ويصارع المعتدين، وقد تسقط- فى حومة هذا الصراع المفروض- جثث سبعمائة لص! فيم يلام الإسلام فى هذا وعلام يؤاخذ؟
إن المسلمين فى دفاعهم عن حياتهم ودينهم قتل منهم مثل هذا العدد، ذهبوا إلى الله مظلومين فى أعدل حرب يمكن أن تقع على هذه الأرض! ذهبوا إلى الله شهداء لم يصب واحد منهم وهو يسطو على أملاك الآخرين ومعتقداتهم، بل ذهبوا جميعا وهو يدفعون فى حرارة وشرف عن دينهم وحقهم. فهل هذه المئات من مجرمى اليهود والمشركين هى التى جاش لها حنان المستشرقين والمبشرين، وثارت لها ثائرتهم، وهم يتهمون الإسلام: إنه انتشر بالسيف؟
إن هؤلاء القتلى بالحق فى ربع قرن من الزمان يقتلهم الصليبيون اليوم فى ربع ساعة، وهم يطفئون مظاهرة تثور فى وطن محروب، طالبة الحرية، ومنادية بحقها فى الكرامة! فعلام هذا اللغط المفتعل كله؟ وممن؟ من أرباب حضارة لم تشهد الدنيا نظيرا لها فى الفتك بالأبرياء، والإطاحة بالحقوق: حضارة أوروبا وأمريكا، حضارة الحروب التى ملأت المآقي بالعبرات، وخلفت وراءها الألوف المؤلفة من الأرامل واليتامى، والضائعين والضائعات!
***
وطريقتنا نحن المسلمين فى قراءة السيرة النبوية وكتابتها تستحق النظر، فنحن نستعمل كلمة “ غزو “ استعمالا بعيدا عن دلالته المعروفة.
إن الجيش الغازى هو الذى يفصل عن بلاده، ويدخل فى ديار الآخرين، والغزو بهذا المفهوم الشائع قرين الهجوم ومرادف العدوان. فإذا طرقك أحد فى بيتك، وشن عليك عدوانا آثما، فكيف تعتبر أنت غازيا له؟ ومع ذلك فقد أولم مؤرخو السيرة باستعمال كلمة “ غزو “ حيث لا غزو هنالك البتة! خذ مثلا غزوة الحديبية، أهذا عنوان يتصل بالواقع من قريب أو بعيد؟ لقد خرج المسلمون لعبادة معروفة، هى زيارة البيت العتيق، ورفضت قريش تمكينهم من ذلك، ثم ردتهم بعد صلح رآه جمهور المسلمين شائنا، وكادوا يموتون فى أعقابه غما، فأين رائحة الغزو فى هذا الموقف؟
وخذ بدرا- وهى أكبر الغزوات، وأذيعها صيتا- إنها معركة إنجر المسلمون إليها جرا، وحملوا على خوضها حملا: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق و إن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت و هم ينظرون).
صحيح أنهم قاتلوا بإيمان رائع، وثبات كريم، بيد أن ذلك لا يخفى الحقيقة البينة، وهى أنهم مغزوون لا غازون.
وكذلك الحال فى أحد، وفى الأحزاب. كان المسلمون يدفعون عن بلدهم عدوا سار إليهم أربعمائة ميل ليستأصل شأفتهم، ويدك دولتهم، ومع ذلك كله فنحن نعد غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ونجعل فى طليعتها بدرا وأحدا والأحزاب.. إلخ!!..
والسر فى ذلك يرجع- فى نظرى- إلى حاجة المسلمين لما يثيرهم، فإن تغلغل السلام فى طبيعتهم الدينية، وبعدهم الغريب عن سورات التعصب والتحدى، جعل موجهيهم يتحايلون على دفعهم للقتال المشروع بهذا الأسلوب! ولو كان خطأ فى تبيانه للواقع.
إنهم يعدون غزواتهم كما يعد المفلس أملاكه فى الوهم ليشعر أنه غنى، أو ليشعر الآخرين بذلك. والمسلمون بإزاء التعصب المستحكم، والعدوان المستمر أرادوا إشعار خصومهم أنهم لا يؤكلون بسهولة، فقالوا عن أنفسهم: إننا قاتلنا، وسنقاتل! والله يعلم أنهم أبعد الناس طرا عن حب القتال، وأعشق الأم لعهود السلام، وأبذل الأجناس لمشاعر الود و الرحمة. بل إن المسلمين ما أخذوا، ونال منهم أعداؤهم إلا لهذه الطبيعة الدينية الوادعة، هذه الطبيعة التى تؤثر السلام على الخصام، وتؤثر المرونة على الجمود، والتى ترمق المخالفين فى العقيدة- خصوصا أهل الكتاب الأولين- وكأنها تعتذر لهم!.
وهذه الطبيعة الدينية فى أمتنا تحتاج إلى نظر على ضوء التجارب المستفادة من تاريخنا الطويل، وعلى ضوء ما كشفت عنه الأيام من طبيعة أعدائها، وطبيعة الأفكار التى تملأ أنفسهم، والمشاعر التى تسيطر عليهم. إذ من الخطر على رسالتنا أن نبنى سياستنا على السماحة المفرطة، بينما يبنى الآخرون سياستهم على خسف الأرض من تحتنا. نعم. ومن الخطر أن نطرح الحذر جانبا، ونسترسل مع سجايا الأمان والثقة، بينما يستدير خصومنا ليغرزوا خناجرهم فى ظهورنا.
إن حب السلام أصيل فى أمتنا، وافتراضه فى كل أفق، وانتظاره من كل إنسان، عنصر شائع فى معاملاتنا جميعا.
ولقد أفزعنى أن هذه الحالة أفسدت لنا قضايا اجتماعية وسياسية كثيرة، وطالما هززت رأسى حيرة، ثم رددت أبيات الشاعر القديم:
لو كنت من مازن لم تستبح أبلى * بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانــا
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم * طاروا إليه زرافات ووحدانــــا
لكن قومى وان كانوا ذوى نفر * ليسوا من الشر فى شىء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة * ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته * سواهم من جميع الناس إنسانا
فليت لى بهم قوما إذا ركبوا * شنوا الإغارة فرسانا وركبانـــا
فى بلاد الإسلام تسمع خطبا تنضح بالدم، ثم ترى أفواها باسمة، وأيديا قصيرة!
أما فى أوروبا وأمريكا، فتسمع خطبا تطفح بالمداهنة والمسالمة، ثم ترى أعمالا تشيب لها النواصى من جبروتها وفسقها!
ولولا أن أعمال الصليبيين تنطق البكم، لظن الناس كلامهم عن السلام حقا، ولولا أن أحوال المسلمين وما نزل بهم من ظلم يغنى عن البيان، لظن الناس كلامهم عن الحروب رغبة فيها، وحرصا عليها..!
***
وضحكت وأنا أسمع تساؤلا يشبه الغمز، فما الذى أخرج المسلمين من جزيرتهم ليفتحوا مصر وأفريقيا، والشام، وآسيا الصغرى؟ ولماذا لم يبقوا فى وطنهم الذى خلص لهم، ثم يدعوا مبادئهم تنتشر من تلقاء نفسها، إن وجدت من يقبل عليها أو يقبلها.
قلت، يبدو أن المسلمين يطالبون وحدهم بما لم يطالب به أحد فى العالمين! وإلا فلماذا لم يوجه هذا الكلام إلى الرومان المحتلين لنصف الدنيا بالقهر؟ لماذا يعتبر وجود الرومان فى مصر والشام طبيعيا وينظر إلى وجود المسلمين فحسب على أنه شذوذ؟ أئذا احتل الفرنسيون المغرب، وأذلوا أقاليمه الثلاثة، كان ذلك عملا لا يستوجب سؤالا، فإذا ذهب جيش لقص أطراف “ الإمبراطورية “ الداعرة، ارتفع الصراخ: كيف يحدث هذا؟ إن ذلك هو منطق الصليبيين فى كل زمان ومكان، والحقد الخسيس فى الميدان العلمى، هو نفسه الحقد الخسيس فى الميدان السياسى، هو نفسه الذى يعتبر حرب العرب للرومان فى مصر جريمة تاريخية، أما استيلاء الرومان على مصر، وتحويلها مزرعة تثمر القمح للسادة الفاتحين، فذلك عمل مشروع لا ترقى له شبهة!.
لقد كان طرد الرومان من الأقطار التى امتلكوها فى أفريقيا وآسيا راحة كبيرة لأصحاب البلاد الأصلاء، وكان جزءا من السعادة التى خامرت قلوب الناس فى الشرق والغرب عقيب بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك مصداق قول الله فى كتابه العزيز : (و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). وأى رحمة أثلج للأفئدة من أن ينزاح عنها كابوس الاستعمار الأجنبى المرهق، فتشعر بطعم الكرامة والحرية، وتمشى على الأرض لا ترهب بشرا، ولا تخشى ضيما، ولا تربطها صلة عبودية إلا بربها الذى سواها؟ ولا أعرف حروبا قامت على الشح فى سفك الدم والاقتصاد الدقيق فى تحمل الخسائر مثل الحروب التى خاضها الإسلام وهو يصفى الاستعمار فى الأرض. إن التاريخ يروى أن الجيش الذى خرج لفتح مصر يتكون من أربعة آلاف جندى فقط..، وأن هذا الجيش الذى يقاتل الروم فى أمنع معاقلهم- لما طلب النجدة من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- أمده عمر بجندى واحد! ترى ما كان يمكن أن يفعله هؤلاء وحدهم لو لم تكن قوى الأمم! المستذلة تعمل معهم، وتنتظر مقدمهم؟
الذى لا يمارى فيه عاقل: إن تخليص هذه البلاد من الرومان حسنة مشكورة قدمها الإسلام للإنسانية! ويحسن أن نؤكد هنا مرة أخرى الفرق البعيد بين حرية العقل والضمير، وبين حرية الظلم والاستبداد. عندما يعرض الإسلام دعوته فمن حق أى امرىء أن يرفض قبولها، وأن يعرض عنها، وأن يبقى على ما أحب من معتقد، ولو كان هذا المعتقد تقديس عجل، أو عبادة صنم. ولسنا مكلفين أن نفتح الأجفان المغلقة بالقوة، ولا أن نستوقف الفارين عن الحق لنكرههم على اعتناقه، والله عز وجل يوصى نبيه أن يمضى فى طريقه، ويدع هؤلاء! (فتول عنهم فما أنت بملوم).
(فتوكل على الله إنك على الحق المبين * إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين * وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون).
ولكن ما العمل إذا اعترض هؤلاء طريق الآخرين؟ ما العمل إذا استمد هؤلاء من كفرهم مذهبا فى الحياة، يطوع لهم البغى، ويزين لهم الفساد فى الأرض، ويثير شهيتهم لأكل الشعوب المستضعفة؟ هل من احترام الحرية ترك هؤلاء يفعلون ما يحلو لهم، أم أن تركهم يعد خيانة لمعانى الخير فى هذا العالم؟. وهل إذا أمكن كسر شرور هؤلاء بالقوة، جاء من يبكى على قبر المغلوب، ويتألم لمصيره، لأن السيف كان هو الحكم فى هذا النزاع؟. أليست هذه دموع التماسيح؟ بلى، هى دموع التماسيح!. والذين يبكون اليوم لأن الإسلام انتصر على السيف، ثم يعكسون القضية ويقولون: إن الإسلام انتشر بالسيف، هؤلاء هم أحفاد الطغاة الأقدمين، ومستعمرو العصر الحديث هم مستعمرو العصور الأولى، وأفريقيا وآسيا التى نكبت قديما بمأسيهم، هى هى التى تنكب الآن بفعالهم المنكرة، والتى تريد أن تتحرر من قبضتهم بشق النفس.
إن الإسلام لا يحارب الكفر، ولكنه يحارب العدوان! فليكفر من شاء من قمة رأسه إلى أخمص قدمه، فليس الإسلام مسئولا عنه، لكنه ينتصب مقاتلا يوم يتحول الكفر إلى جور يلتهم البلاد والعباد، هنا يتحرك، ويجب عليه ألا يهدأ، حتى يزيل الظلم، ويكف الظالمين.
لو أن الذين بغوا فى الأرض مسلمون لوجب قتالهم حتى ينحسم بغيهم، ويفيئوا إلى أمر الله!. فكيف إذا كانوا كفارا يجعلون من كفرهم بالحق قاعدة يتكئون عليها لضرب أهل الحق حينا ولاختطاف خيرات غيرهم حينا آخر، إن هذا شأن الاستعمار أمس واليوم، فكيف يكون علاجه؟ أتطوى القلوب على مهادنته، والإخلاص لحكمه، أم تشحن بالبغضاء له، حتى يذوب ويتلاشى؟
لا، إن مقاومته دين ودنيا، وذاك ما صنع الإسلام قديما. لقد قاوم وقاتل حتى نجح آخر الأمر فى زلزلة الضلال المكين، وانتصر الإسلام على السيف، نعم انتصر على السيف الجائر، وهو لم ينتصر عليه بالكف العزلاء، ولا انتصر عليه بخشبة جرداء، إنما لطم القوة بالقوة، ورد التيار الكاسح بتيار مضاد، فكيف يقال فى وصف صنيعه: إنه انتشر بالسيف؟
وهب الأمم المتطلعة، والشعوب المسجونة، قدرت هذا الصنيع، وأعجبها مسلك أصحابه، ورأت دينهم مطلع فجر جديد، فدخلت فيه أفواجا، وأصبحوا لحملته أخوانا، فهل ذلك ذنب الإسلام؟. إنه ذنبه الأكبر عند الرومان الأقدمين، وعند المستعمرين المحدثين!!
قال الأستاذ رشيد سليم الخورى منوها بالجهاد الإسلامى ومنددا بمظالم المستعمرين:
فتى الهيجاء لا تعتب علينا * وأحسن عذرنا تحسن صنيعا
تمرستم بها أيام كنا * نمارس فى سلاسلنا الخضوعا
فأوقدتم لها جثثا وهاما * وأوقدنا المباخر والشموعــا!
إذا حاولت رفع الضيم فاضرب * بسيف محمد، وأهجر يسوعا!
“أحبوا بعضكم بعضا”. وعظنا * بها ذئبا، فما نجت قطيعــا!
“ فيا حملا وديعا “ لم يخلف * سوانا فى الورى حملا وديعا
غضبت لذات طوق(1) حين بيعت * ولم تغضب لشعبك حين بيعا
إلا أنزلت إنجيلا جديدا يعلمنا * إباءً لا خنوعـــا؟
شفعت لنا أمام أب رحيم * وما نحتاج عند أب شفيعــا
أجرنا من عذاب النير لا من * عذاب النار أن تك مستطيعا
(1) إشارة الى مارواه الإنجيل من غضب المسيح من باعة الحمام و طردهم من الهيكل.
....................................