أولا.. مناقشة الاستدلال من القرآن
وذلك في أظهره في خمس آيات من كتاب الله تعالى:
الأية الأولى: قوله تعالى لإبليس لعنه الله:
(واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64)) سورة الإسراء.
قيل: صوت الشيطان آلات المعازف والغناء.
واستدل له بما روي عن مجاهد في تفسيرها:” (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) قال: بالمزامير، (وأجلب عليهم بخيلك ورجلك )قال: كل راكب ركب في معصية في خيل إبليس، وكل رجل في معصية فهو رجل خيل إبليس.”
و عند تخريج هذه الرواية.. نجد التالي:
“أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب “ذم الملاهي” (رقم: 72) قال: حدثنا أحمد بن حاتم الطويل، قال: حدثنا زافر بن سليمان، عن حمزة الزيات، عن شبل، عن ابن بي نجيح، عن مجاهد، به.”
و هذا إسناد لين عن مجاهد.. إذ فيه “زافر بن سليمان” و هو ليس بالقوي في الحديث..
لذا فهذه الرواية لا تصح عن مجاهد..
و لكن.. لنفترض جدلا أنها صحت..
فهل يعني هذا أن الآية دالة على تحريم المعازف؟ لان المزامير صوت الشيطان يستفزز به سامعيه إلى معصية الله؟
كلا، بل هذا الاستدلال خطأ من وجوه ثلاثه:
الوجه الأول:
من حيث التأصيل فإن قول مجاهد - كان صوابا في نفسه أو خطأ- ليس مما تخصص به عمومات الكتاب والسنة، إذ تخصيص العام وتقييد المطلق لا يصحان إلا بنص أو معناه، وليس من ذلك قول مجاهد، وإنما هو رأي يقضى بالنص عليه، لا يقضى به على النص. وهذا التفسير لو لم يعرف عن السلف غيره لما صح حمل اللفظ عليه دون غيره مما يشمله العموم في قوله: (بصوتك) على أصح ما يقال في هذا الباب عند أهل الأصول وغيرهم، فمجاهد إمام عارف بكتاب الله، وحمل علمه عن ابن عباس، وابن عباس ترجمان القرآن ببركة دعاء النبي “ص” له، كل هذا حق، لكنه لم يصير تفسير ابن عباس معصوما، فكيف بقول مجاهد؟
نعم، نقول: إذا ورد التفسير عن السلف فلا ينبغي مجاوزته إلى غيره، لكن ذلك إذا جاء على موافقة الأصول من نصوص الكتاب والسنة ودلالاتها، لا أن يكون ملزما بنفسه.
أوردت هذا لا لكون قول مجاهد جاء على خلاف الأصول ههنا، وإنما لبيان القدر الذي تكون عليه الآثار لا تتجاوزه.
الوجه الثاني:
ليس هذا التفسير خطأ من مجاهد، وإنما الخطا أن يحصر معنى اللفظ فيه، فإئه روي عن مجاهد نفسه بإسناد قريب من هذا، قال: “اللعب واللهو"، كما قال في رواية:"اللهو والغناء”.
وهذا التفسير أعم من قوله: “المزامير"، بل في التعميم بإطلاق اللهو واللعب زيادة على مدلول لفظ الصوت كما هو واضح، فليس مطابقا.
وأحسن منه في تفسير الآية ما روي عن ابن عباس، في تفسير ابن جرير.. أنه قال: “صوته: كل داع دعا إلى معصية الله “، فهذا وإن لم يثبت إسناده عن ابن عباس، إلا أنه أولى لعمومه المطابق للفظ الآية، وهو الموافق لأصل دلالة اللسان.
وقذ صح عن قتادة بن دعامة السدوسي، ولا يخفى قدره في التفسير في طبقة التابعين: (بصوتك) قال: “دعائك “.
لهذا قال ابن جرير : “وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال:
إن الله تبارك وتعالى قال لإبليس: واستفزز من ذرية آدم من استطعت أن تستفزه بصوتك، ولم يخص من ذلك صوتا دون صوب، فكل صوت كان دعاء إليه وإلى عمله وطاعته وخلافا للدعاء إلى طاعة الله، فهو داخل في معنى صوته الذي قال الله تبارك وتعالى اسمه له: “واستفزز من استطعت منهم بصوتك “.
لذا.. فهذا التفسير هو المناسب لسياق القرآن، والمتفق مع دلالات الألفاظ.
الوجه الثالث:
الصوت هنا لم يكن بمجرده موضع الذم، إنما الذم لكونه منسوبا إلى إبليس لعنه الله، ولا ريب أن أصوات الغناء والمعازف من جملة الأصوات، فالأصل أن ينالها الذم حين تكون وسيلة شيطانية تدعو إلى معصية الله، فإن لم تكن كذلك فإن الآية ساكتة عن حكمها، غير شاملة لها بلفظها ولا فحواها، كشأن سائر الأصوات.
وتأمل نظيرها في قوله تعالى في نفس الآية: (وأجلب عليهم بخيلك و رجلك) فقد قالوا: خيله ورجله: كل راكب ركب في معصية الله، خيل تسير في معصية الله، أو رجل تمشي إلى معصية الله، فلا وجه فيها لتعليق الذم بالخيل أو الأرجل، ولا الركوب أو السير، حتى يكون ذلك في معصية الله، فيأتي على مراد إبليس، لعنه الله.
فإذا كان هذا بينا، فمثله القول في الأصوات.
الآية الثانية:
قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6)) سورة لقمان
قيل: لهو الحديث فسره مجاهد بالطبل، وهو من المعازف.
ونقول: هذا التفسير لم نقف عليه من وجه عن مجاهد، وإنما ورد عته بلفظ: “اللهو: الطبل “. ولم يقل: (لهو الحديث: الطبل).
هذا من ناحية المتن.. أما من ناحية السند.. فتخريج الرواية كالتالي:
“ أخرجه ابن جرير في تفسيره.. عن طريق “عبد الله بن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر، عن مجاهد، وأخرجه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد دون واسطة ولا سماع، فالأشبه أن يكون ابن أبي نجيح حملة. عن إبراهيم هذا، وابراهيم حجازي مغمور غير مشهور.
والأشبه أيضا أن يكون ابن جريج حمله عنه عن مجاهد فدلسه، فقد أخرجه أيضا ابن جرير من طريق حجاح الأعور، عن ابن جريج، عن مجاهد . وإسناده ضعيف.. ابن جريج أحد الأئمة، لكنه كان قبيح التدليس، لا يكاد يدلس إلا عن مجروح، وقال يحيى بن سعيد القطان: “لم يسمع من مجاهد إلا حديثا واحدا: فطلقوهن في قبل عدتهن) (تقدمة الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم: ص: 245).”
ومن جهة الدراية، فهذا التفسير المدعى على مجاهد تخصيص للعام بغير برهان من الله ورسوله “ص"، ويرد عليه ما أوردناه على الآية السابقة وزيادة، فإن المناسبة بين (لهو الحديث) و (الطبل) أو (صوت الطبل) في غاية الضعف، فهذا ليس بحديث يضاف اللهو إليه، إلا على وجه من العجمة لا نفهمه!
فتأويل (لهو الحديث) بالآلة أو صوتها ليس بلسان عربي مبين.
أما تفسيره بالغناء، فهو منقول معقول، حيث ورد في الآية وجوة من التأويل أشهرها هذا التفسير، وصح عن عبد الله بن مسعود وغيره.
لكن هذا مع صحته رواية عن بعض أصحاب النبي وطائفة بعدهم، ومع صحته دراية من جهة اندراجه تحت مسمى (لهو الحديث)، فإنه تفسير غير حاصر لدلالة هذا اللفظ، والقول بأنه الغناء خاصة لا يسلم بالأثر، بل يحتاج إلى تنصيص ، وعمومات القرآن والسنة لا يخصصها تفسير الصحابي، على أقوى قولي الأصوليين، وهو قول مالك والصحيح عن الشافعي.
على أنا نرى إعمال قول الصحابي ههنا، وإنما نقول: لا يصح أن يكون تفسيره هو المعنى حصرا دون ما سواه.
فلنحرر معنى اللهو في لسان العرب واستعمال الشرع، ثم ننظر دلالته في الآية:
أصل (اللهو) كما يقول ابن فارس في (مقاييس اللغة): “كل شيء شغلك عن شيء، فقد ألهاك “.
وهذا واسع يدخل فيه الحق والباطل، لكنك إذا تأملت استعمال هذا اللفظ في نصوص الكتاب والسنة، فإنك لا تجد تسمية من صلى أو قرا القرآن لاهيا، إنما ترى اللهو يأتي دائما مقرونا بذكر الدنيا ومتاعها، كما قال تعالى:
(وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64) ) سورة العنكبوت
وقال: ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ..) سورة الحديد 20
وسائر أهل اللغة ذهبوا إلى تفسيره بمعان مندرجة في عموم ما ذكره ابن فارس، لكنهم تأثروا في تعريفهم بالحقيقة الشرعية في استعمال هذا اللفظ، والتي تخرج الاتشغال بالحق من عموم اللهو.
فقال الجوهري وغيره: “اللهو: اللعب “ (القاموس المحيط).
وقال الخليل بن أحمد: “اللهو: ما شغلك من هوى وطرب “.
كما قال بعضهم: اللهو: النكاح، قال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت، وأن لا يحسن اللهو أمثالي
وكذا فسروا اللهو في قوله تعالى: ( لو أردنا أن نتخذ لهوا ..) سورة الأنبياء 17
فعلى هذه المقدمة، فتفسير اللهو بالغناء تفسير صحيح، فإن الغناء وتوابعه من زينة الدنيا وعملها، وليس هو بقربة في نفسه، فالانشغال به لهو، وقد سماه النبي “ص” لهوا في الحديث الصحيح:
فعن عائشة،رضي الله عنها: أئها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله “ص”: “يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأتصار يعجبهم اللهو”. وهذا و هذا اللهو مفسر في عدة أخبار صحيحة بأنه الغناء وضرب المعازف، كما سنذكر من بعد.
وجميع ما يكون من اللعب كذلك في الأصل هو لهو، بل تفسير اللهو باللعب أقرب ما يدل عليه الاستعمال، وعطفهما في بعض نصوص القرآن على بعضهما هو من باب عطف الخاص على العام أو العكس، وذلك للتنبيه على معنى زائد فيه، فإن ورد مورد الذم فاللعب آكد من غيره من أنواع اللهو في وقوع الذم له.
فإذا كان النص في قوله تعالى: (و من الناس من يشتري لهو الحديث) عاما في كل لهو، لم يدل على ذم بتحريم أو كراهة بمفرده، من جهة أن الشريعة جاءت في اللهو على مراتب، بل هو في التحقيق منقسم على الأحكام الخمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، والتحريم.
فالندب كلهو العرس، فإن الشريعة جاءت بالحض عليه، لا مجرد الإذن فيه، بل جعل علامة شرعية فاصلة بين النكاح والسفاح، وذلك لما فيه من إعلان النكاح وإظهاره، كما في حديث محمد بن حاطب الجمحي، قال: قال رسول الله “ص”: “فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح “ (حديث حسن).
كما نرى في حديث عائشة المتقدم حض النبي “ص” على ذلك، ولا يرد مثل هذا في مجرد الإباحة.
والوجوب كتعلم الرماية عندما تتعين للجهاد في سبيل الله، فهي من لهو الحق، والوصف له باللهو من جهة أصله والانشغال به مجردا عن القصد المطلوب، وتقييده بـ (حق) مخرج له من اللهو الباطل.
وليس هذا الوصف اجتهاديا، بل ثبت به الحديث عن رسول الله “ص"، فإنه قال: “ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته امرأته، ورميه بقوسه"، وفي رواية: “كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل، إلا ثلاثا: رميه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق “ (حديث حسن).
هذه الضور مستثناة من اللهو الباطل، لا باعتبار أصلها، بل باعتبار القصد فيها، فرمي القوس وتأديب الفرس لمعنى الجهاد في سبيل الله والاستعداد للقاء العدو ، وملاعبة الزوجة لمعنى حسن العشرة، وتحقيق مقومات بناء البيت والأسرة، مع مراعاة طبائع النساء وحاجتهن إلى ذلك، وهذه معان حسنة، بل جليلة مظنون بالشريعة العظيمة الكاملة شريعة الإسلام أن تأتي بمثلها.
فبهذا الاعتبار صح أن توصف بالحق، وهذا الوصف كافي للإبانة عن ندبها على أقل الدرجات، لأن وصف (الحق) لمعانيها المتصلة بها أخرجها من باب المباح فما دونه.
والرماية كما تقدم سبب مطلوب في جهاد العدو بحسب ما تقتضيه الحاجة، وهذا متردد بين الندب والوجوب، ويرجح جانب الوجوب إذا توقف عليها تحقيق الواجب في الجهاد، للأصل المعروف (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، ودليله ههنا قوله تعالى: (و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة و رباط الخيل) سورة الأنفال: 60.
وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله “ص” وهو على المنبر يقول:
“(و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة) : ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي “.
وفي رواية: “ستفتح عليكم أرضون، ويكفيكم الله، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه “.
فإذا كان المعنى هو الذي صير اللهو مندوبا أو واجبا، فهو كذلك في المحرم والمكروه ولا بد، حيث لا فرق.
فحرمت الشريعة القمار، وهو لهو، لما ترجح فيه جانب المفسدة، كما قال تعالى: ( يسئلونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير و منافع للناس و إثمهما أكبر من نفعهما) البقرة: 219..
وقال: (يأيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون(90) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمر و الميسر و يصدكم عن ذكر الله و عن الصلاة فهل أنتم منتهون(91)) المائدة: 90-91.
والانشغال بما يفوت المصالح الدينية من اللهو يصير إلى درجة من الذم تتردد بين الكراهة والتحريم، فإن فوت واجبا صار بالتفويت إلى مقابله، وهو المحرم ولا بد؟ لأن الواجب مطلوب الفعل على جهة الإلزام وعدم التخيير، وما كان كذلك رجع إلى أصل (الأمر بالشيء نهي عن ضده)، ولذلك صح ترتب الإثم على ترك الواجب، ومقتضاه استحقاق الإثم بفعل المحرم.
وعليه يتفرع حكمان:
الأول: كل لهو يسبب ترك الواجب فهو محرم.
والثاني: كل لهو يسبب فعل الحرام فهو محرم .
فان حصل به تفويت مصلحة دينية مندوبة، صار بفاعله إلى ضد الندب، وهو الكراهة، ويبقى الأصل في اللهو إذا تجرد من تلك المعاني على الإباحة.
هذا مقتضى الأصول.
وبه يظهر تفسير (اللهو) و تأصيله حيث ورد، وبقي توضيح المعنى في إضافة اللهو في الآية إلى (الحديث)، ثم المراد بهذا التركيب في الآية.
تلاحظ أن اللهو في الآية لم يأت مطلقا، إنما قيد بالإضافة إلى الحديث، فخرج بهذا القيد ما لا يوصف بكونه حديثا من أنواع اللهو، فلا يصح أن يعنى به الطبل ولا غيره من الآلات.
والحديث مضافا إلى اللهو عام في كل كلام يتلهى به، لم تخص الآية منه كلاما دون كلام، فيدخل ضمنه الغناء والقصص والأساطير والكتب وغير ذلك مما يلهى به من الكلام.
فإذا عدت إلى الآية وتأملت ما وردت لأجله، فهل تراها أفادت حكما خاصا بلهو الحديث؟ سلمنا أن لهو الحديث يشمل الغناء وشبهه من الكلام الذي يلهى به، لكن أين نجد في الآية حكما بخصوص ذلك؟
حتى على طريقة من لا يبالي أن يبتر بعض النص فيستدل به لمذهبه، فإنا لا نجد الآية علقت أي حكم بلهو الحديث، لا باعتبار مفردي “اللهو” و"الحديث"، ولا باعتبار تركيبهما، إنما صريح اللفظ ترتيب الوعيد الشديد على اشتراء لهو الحديث إذا كان بقصد الإضلال عن سبيل الله واتخاذها هزوا.
فعجبا لمن يتعلق من الآية بصدرها، فيقول: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) قال ابن مسعود: الغناء، أو: قال غيره: الطبل، ليخرجه برهانا لرأيه، من غير تدبر لدلالة هذا الاقتضاب!
إن الله عز و جل قال: (و من الناس من يشتري لهو الحديث ليضل به عن سبيل الله بغير علم و يتخذها هزوا، أولئك لهم عذاب مهين و إذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب اليم) لقمان 6-7.
فلا حكم في قوله تعالى: (و من الناس من يشتري لهو الحديث) مجردا، وحيث لا حكم إذا فلا وعيد ولا عقوبة، إنما الحكم في تتمة السياق معلقا بسبب اشتراء لهو الحديث، فليس هو في اشتراء مجرد، ولا لهو مجرد ، ولا حديث مجرد، ولا في هذه المعاني مجتمعة، إنما هو في حق من اشترى ذلك يريد باشترائه الإضلال عن سبيل الله بالجهل والهوى واتخاذ آيات الله هزؤا، وهذا المعنى لا يصح بعده إسلام، كان ذلك اللهو الغناء والعزف، أو الكتب والقصص والروايات والتمثيليات والمسرحيات والأفلام.
فأين هذا من مجرد الاشتغال بلهو الحديث بمعزل عن هذا القصد؟ ومن ذا يحرم قراءة حكاية أو قصة يستطرف بها ويلهو، أو يتسلى بقراءة ديوان شعر، وهو لا يقصد شيئا من هذا المعنى؟
كان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قديم الإسلام، وكان مع النبي"ص" بمكة قبل الهجرة، فكان يرى العمد إلى اشتراء الجواري المغنيات وجمع الناس عليهن من فعل رءوس الشرك ما يشوشون به على دعوة الحق، يحولون دون الناس والاستماع إليها، فتفسيره مناسب لطرف من واقع حال أولئك الكفار الذين ذكر الله تعالى بعض نعتهم في هذه الآية والتي تليها، كما قال في موضع آخر: (و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه لعلكم تغلبون(26)) فصلت 26.
فلا يصح أن يقتطع من بيان الآية تفسير ابن مسعود الذي جرى مجرى المثال لما كان يفعله المشركون بقصد الصد عن سبيل الله، ويستدل به برهانا على تحريم كل غناء ، فذلك الاقتطاع خروج عن دلالة السياق، ومخالف لمبنى الكلام ونظمه. وبتر بعض النص لنصرة قول أو مذهب ألصق بحال أهل الأهواء، الذين كانوا إذا رأوا لفظا في آية أو حديث ريما نصر أهواءهم في ظاهره أظهروا التمسك به والانتصار إليه حتى يخيل إلى من لا يفطن إلى أحوالهم أنهم من أتباع النصوص والوقافين عند الأثر.
إن اختلاف الأنظار في فهم قضية واقع حاصل في عامة ما يدخله الاجتهاد من منصوص وغير منصوص، بل حتى فيما ظنه الظان يقبل اجتهادا فأخطأ في ظنه، وكل ذلك يحترم لأهله، لا من جهة كونه حقا في نفسه، بل من جهة قصد صاحبه إصابة الحق من دين الله، لكن جميع ذلك مشروط بأن يقام على ميزان العلم، فيبقى في حدود ما تجيزه أصول النظر ويجري على القواعد.
وإذا كان يعاب على العالم أن يفقه النص دون مراعاة نظائره في الكتاب والسنة وقواعد التشريع، فكيف بأن يفقه بعض الآية دون اعتبار سائرها؟
فحاصل القول في دلالة هذه الآية:
من اشترى لهو الحديث: من غناء وشعر وحكايات وأقاصيص وتمثيليات ومسرحيات وأفلام وكل ما يصح أن يسمى حديثا مما يمكن التلهي به، يقصد بذلك الاشتراء الإضلال عن دين الله والصد عن تشريعه والسخرية به، فأولئك لهم عذاب مهين.
أما ما تجرد عن هذا القصد من الأحاديث الملهية مما تقدم ذكره وغيره، فلا يلحق بهذه الآية، ولا يصح أن تكون دليلا على منع شيء من تلك الملاهي، فمن ذهب إلى التحريم في شيء منها فليطلب دليله في غير هذه الآية.
الآية الثالثة:
قوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35) ) الأنفال: 35،.
قيل: عاب الله على المشركين المكاء والتصدية وذمهم على ذلك، ولو كان جائزا ما ذمهم عليه، والمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وآلات المعازف أشد في أصواتها، فهي أولى بالعيب من الصفير والتصفيق.
وأقول: تفسير (المكاء) بالصفير و (التصدية) بالتصفيق تفسير صحيح لا ينكر، لكن المنكر أن يقال: إن الله تعالى عاب عليهم في هذه الآية صفيرهم وتصفيقهم لنكارة التصفير والتصفيق لذاتهما، فإن الآية في غاية الظهور والبيان تذكر من حال المشركين أنهم كانوا يجعلون التصفير والتصفيق صفة لصلاتهم عند البيت الحرام، كما كانوا يطوفون به عراة، والصلاة عبادة، فهم كانوا يعبدون بتصفير وتصفيق .
قال الإمام أبو محمد ابن عطية في “تفسيره “:
“والذي مر بي من أمر العرب في غير ما ديوان: ان المكاء والتصدية كان من فعل العرب قديما قبل الإسلام على جهة التقرب به والتشرع، ورأيت عن بعض أقوياء العرب أنه كان يمكو على الصفا فيسمع من جبل حراء، وبينهما أربعة أميال، وعلى هذا يستقيم تعييرهم وتنقصهم بأن شرعهم وصلاتهم وعبادتهم لم تكن رهبة ولا رغبة، إنما كانت مكاة وتصدية من نوع اللعب، ولكنهم كانوا يتزايدون فيها وقت النبي “ص” ليشغلوه وأمته عن القراءة والصلاة”.
لذا.. من هذه الجهة جاء قبح هذا الصنيع، وهكذا من جعل دينه لهوا ولعبا، وما هذا المعنى بصدد ما نحن فيه، إنما نتحدث عن اللهو في أصله دون اتخاذه دينا.
ومما يزيد ذلك وضوحا: أن شريعة الإسلام لم تأت بشيء يمنع التصفير والتصفيق إذا لم يجر مجرى التعبد كما كان يفعله المشركون.
وما قيل من أنه من فعل قوم لوط فأخبار كذب لا يعلق بها شيء.
ومن الناس من استدل بالحديث الصحيح: “التصفيق للنساء"، فقال: التصفيق من خصائص النساء، فألحق به أصوات الغناء والموسيقى.
ونسوا صدر هذا الحديث: “والتسبيح للرجال “. و مناسبته هو أن رسول الله “ص” ذهب إلى بني عمرو بن عوف، ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله “ص” والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصلاة فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله “ص” فأشار إليه رسول الله"ص": أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله"ص" من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله “ص” فصلى، فلما انصرف قال: “يا أبا بكر، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ “، فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله"ص"، فقال رسول الله “ص”: “ ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من رابه شئ في صلاته فليسبخ، فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء”.
وهذا له مورد خاص، فهو عام في مثله، وذلك أن الرجال أرادوا تنبيه الإمام لشيء طرا له وهم في الصلاة فصفقوا، فبين لهم انهم إذا رابهم شئ في صلاتهم سبحوا، لا يصفقون، وكان المعنى فيه: أن التسبيح ألصق بأحوال الصلاة من التصفيق، لكن حين كانت صفوف النساء متأخرة بعد الرجال مع ما عرف عن المرأة في طبعها من خفض الصوت أو ضعفه بخلقته، فلا يبلغ تسبيحها الإمام، كما أن ما قد يورده سماع الرجال أصواتهن من التشويش نظرا لموقعهن من الصفوف، فكان العدول إلى التصفيق أيسر في تحقيق المقصود. واستعمال هذا الحديث لحال خارج الصلاة للسبب المذكور مجاوزة لمورد الخطاب، وإلا لزم حصر التسبيح في الرجال دون النساء، وهذا لا وجه له.
وأما القول: إن التصفيق من خصائص النساء مطلقا، فيقال في جوابه: إن كان ذلك هو الأصل فيه فكيف غفل عنه أصحاب النبي “ص” حين صفقوا؟
بل الذي يستفاد من مورد هذا الحديث: أن التصفيق جار فى عادتهم يفعله الرجال والنساء، ولذا استعملوه للتنبيه.
قواه أن التنبيه بالكلام في الأصل يحتاج إلى دليل خاص، لأنهم في الصلاة، فبقي أن يستعملوا ما جرت به عادتهم من الفعل المحقق للغرض، وهو التصفيق، فلما جاء البيان النبوي فإنما شدهم إلى بديل خير منه يحقق المقصود.
فهذا الحديث لم يجعل التسبيح للرجال سنة للتنبيه خارج الصلاة ، ولا يعرف ذلك شرعا، كذلك فإنه لم يجعل التصفيق خاصا بالنساء في غير الصلاة.
وعليه، فإن عموم الأحوال باقية على الأصل في الجواز، فلو أردت مناداة بعيد بالصفير فما كان عليك من حرج، وإذا أردت زجر الطير عن بستانك فصفقت ما كان عليك من حرج، فإذا لهوت بتصفير وتصفيق عاد ذلك إلى الدخول في عموم اللهو: إن خلص من معنى مطلوب الفعل أو الترك كان مباحا.
الآية الرابعة:
قوله تعالى في صفات عباده:
(والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) ) سورة الفرقان
قال مجاهد: (لا يشهدون الزور): لا يسمعون الغناء.
قيل: فهذا دليل يقتضي ذم هذه الصفة، لمدح ضدها.
ونقول: نعم، هو مقتض لذم الزور، أما اقتضاؤه لذم الغناء فمبنى على تصحيح تفسير (الزور) به، وكونه هو المراد.
وبيان ذلك من جهتي الرواية والدراية كما يلي:
أما عمن نقل هذا التفسير، فإنه مروي عن محمد بن الحنفية، ومجاهد بن جبير، والحسن البصري ، رحمهم الله، ولم أقف فيه على إسناد يثبت عن أحد منهم:
فالرواية عن ابن الحنفية، أخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره.. قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل بن سلمان، عن أبي عمر الأسدي البزار، عن ابن الحنفية، (و الذين لا يشهدون الزور)، قال: اللهو والغناء.
و عند التحقيق.. نجد أن هذا إسناد ضعيف، إسماعيل بن سلمان هذا يعرف بـ (الأزرق)، كوفي ضعيف الحديث جدا.
والرواية عن مجاهد، أخرجها ابن جرير في تفسير.. قال: حدثني علي بن عبد الأعلى المحاربي، قال: حدثنا محمد بن مروان، عن ليث ، عن مجاهد، في قوله: (والذين لا يشهدون الزور) قال: لا يسمعون الغناء.
و عند التحقيق نجد أن هذا إسناد ساقط ، محمذ بن مروان هو السدي الصغير،
كوفي متهم بالكذب، وشيخه ليث هو ابن أبي سليم مشهور بالضعف.
والرواية عن الحسن البصري، أخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره.. قال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن رجل، عن الحسن، (والذين لا يشهدون الزور) قال: الغناء والنياحة، لا يخرق له سمعه، ولا يرتاح له قلبه، ولا يشتهيه.
و عند التحقيق نجد أن هذا إسناد ظاهر الضعف، لإبهام راويه عن الحسن.
فهذا حال الروايات عن السلف في ذلك. وأما النظر دراية، فإنه على تسليم ثبوت النقل عمن ذكر، فهو تفسير فيه نظر من وجوه:
الأول:
قوبل بتفسيرات أخرى متعددة، فقيل: الشرك، وقيل: الكذب، وقيل: المعاصي، وقيل: أعياد المشركين، وقيل: اللعب أو نوع منه، وقيل غير ذلك، فما الذي يجعل تفسيره بالغناء أولى من غيره؟
الثاني:
لفظ (الزور) في الآية عام في كل زور، وأصل الزور في كلام العرب كما يقول ابن جرير الطبري في “تفسيره” : “تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه انه خلاف ما هو به”. وأحسن ما يفسر به القرآن هو القران نفسه، وقد قال الله:
(فاجتنبوا الرجس من الأوثان و اجتنبوا قول الزور) سورة الحج 30
ولهم فيه أقاويل كلها عائدة إلى معنى (الكذب)، وهو مثل قوله تعالى في موضعين آخرين:
(و قال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه و أعانه عليه قوم آخرون فقد جاءو ظلما و زورا) سورة الفرقان 4
و (و إنهم ليقولون منكرا من القول و زورا) سورة المجادلة 2
فالزور في هذه المواضع هو الكذب.
قال مجد الدين الفيروز آبادي في “بصائر ذوي التمييز”: “والزور: الكذب، لكونه مائلا عن الحق”.
وهذا في الجملة متناسق مع ما ذكره ابن جرير في أصل معنى الزور، أنه الكذب.
وعامة ما ذكروه في تفسير هذه الآية من الألفاظ المختلفة عائد إلى وصف الكذب، إلا الغناء، فإن الواقع أنه يكون بكلام ربما كان حقا في نفسه وربما كان باطلا وزورا، فلو أدرجنا ما يكون منه كذبا في نفسه في جملة الزور فهذا صواب، لكن تصويبه من جهة انه بكلام كذب، لا من جهة كونه غناء.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي في “أحكام القرآن":"القول بأنه الكذب هو الصحيح، لأن كل ذلك إلى الكذب يرجع “.
وقال:"وأما القول بأنه الغناء فليس ينتهي إلى هذا الحد”.
الثالث:
قد ثبت في الأخبار الصحيحة سماع الغناء الحسن في مواطن، وبإذن رسول الله “ص” بل وبأمره، ووقع من خيار الناس من الصحابة فعلا واستماعا، كما سيأتي ذكر الروايات فيه من بعد.
وتلك النقول مهما ذهب إليه المخالف في تأويلها، فإنه لا يجحد وقوع ما سمي غناءا فيها، فإذا صح ذلك فهو دال على فساد إطلاق الزور على جميع ما يسمى غناء، فإن أولئك الأخيار في الأحاديث والآثار، ممن سمع الغناء واستعمله، مرادون بوصف المدح في الآية باجتناب الزور، فإذا صح عنهم سماع بعض الغناء فهو برهان على أن ذلك ليس من الزور، وأن لفظ (الزور) لا يراد به الغناء ابتداء.
وحاصل القول في ذلك: أن تفسير (الزور) بالغناء تفسير في غير محله، بل الأليق أن يكون خطأ وتكلفا مردودأ.
الأية الخامسة:
قوله تعالى: (وأنتم سامدون (61)) سورة النجم
قيل: قال ابن عباس: “هو الغناء بالحميرية، اسمدي لنا: تغني لنا"، وهذا دال على التحريم، لأن الله تعالى عاب عليه الكفار.
و نقول: كلا، إن النص لا يحتمل ذلك، فلا تتكلف وضعه في غير موضعه، ولقد صح عن ابن عباس من قوله ما هو أكثر صراحة وبيانا في تفسير هذه الآية، حيث قال:” (سامدون) هو الغناء، كانوا إذا سمعوا القران تغنوا ولعبوا، وهي بلغة أهل اليمن، يقول اليماني إذا تغنى: اسمد”.
وهذا المعنى أكبر من ظن بعض الناس حين استدلوا به على تحريم مطلق الغناء، الآية تذكر هذه صفة للكفار، كانوا إذا دعوا إلى القران أعرضوا عنه مشتغلين بلهوهم ولعبهم.
وهذا شبية بقوله تعالى: (و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه لعلكم تغلبون(26)) سورة فصلت
والذي جعل هذه الكلمة واردة على هذا المعنى أنه تعالى قال قبل ذلك: (أفمن هذا الحديث تعجبون(59) و تضحكون ولا تبكون (60) و أنتم سامدون(61)) .. فما هو بغناء مجرد، وإلا فمن ذا يحرم الضحك لذاته؟!
خلاصة القول في دلالات هذه الآيات:
نستخلص مما تقدم أن الاستدلال بهذه المواضع الخمسة من كتاب الله أو ببعضها على تمييز حكم الغناء والمعازف، استدلال ضعيف بعيد لا يجري على الأصول والقواعد.
فأما الآية الأولى فقد دلت على تحريم ما من شأنه الدعوة إلى معصية الله، وهذا حكم لا يجوز التردد فيه، وهو مما ينتقل به المباح إلى التحريم، بل ربما إلى الكفر.
ودلت الآية الثانية على حرمة ما كان من شأنه أن يتخذ للإضلال عن سبيل الله من أنواع لهو الحديث.
وأما الآيات الثلاث الأخرى فلا ينبغي أن يتكلف أحد إيرادها في هذا الباب البتة، والواجب أن توضع مواضعها.
فلا يصح الاستدلال بشيء من تلك الآيات على منع الغناء ولا الملاهي ولا اللعب ولا الضحك لذاتها مجردة عن القصد المشار إليه في الآية الثانية، بل هي على الأصل في استصحاب الإباحة إلا أن يوجد دليل خاص ينقلها عن ذلك، وهذا ما نحن بصدد البحث عنه في موضوع الغناء والموسيقى، ولم نجده بعد وقد فرغنا مما تعفق به المانعون من كتاب الله تعالى.
..