الموسيقى و الغناء في مذاهب من بعد الصحابة
جاء عن جماعة من أئمة السلف من التابعين فمن بعدهم تفسير قوله تعالى: (و من الناس من يشتري لهو الحديث..) لقمان: 6، بالغناء.
صح ذلك عن مجاهد بن جبر المكي ، وعكرمة مولى ابن عباس ، وإبراهيم بن يزيد النخعي ، وحبيب بن أبي ثابت الكوفي، ومكحول الشافي.
ومن قول مجاهد في ذلك أيضا: الغناء، والاستماع له، وكل لهو. وفي رواية: المغني والمغنية بالمال الكثير، أو استماع إليه، أو إلى مثله من الباطل.
وقال مكحول: من اشترى جارية لا يشتريها إلا للغناء، فهو ممن قال الله عز وجل فيهم: (و من الناس من يشتري لهو الحديث). وفي رواية قال: الجواري الضاربات.
قلت: وإنما معنى الآية ما تقدم شرحه وبيانه، حين يستعمل الغناء للإضلال به عن سبيل الله، شأنه شأن كل كلام ولهو يتخذ لذلك الغرض، حتى وإن كان حقا في نفسه، فإن الكلمة تكون حقا في نفسها قد تستعمل في الباطل والهوى والصد عن سبيل الله، وحمل الآية على أن يراد باللهو فيها الغناء مطلقا، فهذا غلط ترده الأدلة.
وعن عكرمة في قوله تعالى: (و أنتم سامدون) قال: هو الغناء بالحميرية. قلت: وتقدم عنه ما يدل على معنى ما أراد هنا، انه ليس الذم للغناء بإطلاق، وإنما هو في شأن من يصد عن القرآن مشتغلا بالغناء عته، على ما دل عليه بقية سياق الآي.
وصح عن سعيد بن المسيب، قال: إني لأبعض الغناء و أحب الرجز. وعن عامر الشعبي: انه كره أجر المغنية.
وقال إبراهيم بن يزيد النخعي: الغناء يتبت النفاق في القلب.
وقال الفضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا.
قلت: وهذه الآثار جميعا لا تدل على تحريم من قائليها، إنما تذم الغناء الذي يثير الشهوات أو يقود إلى المعاصي، وليس في هذا تحريم للغناء لذاته ولا في أصله.
ومما حكي عنهم في ذم الغناء ولم يثبت: ما روي عن القاسم بن محمد أنه كان يتهى عن الغناء، ولا يحزمه. وعن عامر الشعبي لعنه المغني والمغنى له. وعن عمر بن عبدالعزيز أنه أمر مؤدب أولاده أن يحول بينهم وبين حضور المعازف والأغاني لكون ذلك يتبت النفاق في القلب.
كذلك ذكرنا من قبل ما ورد عن مجاهد ومحمد بن الحنفية والحسن البصري في تفسير: “لا يشهدون الزور” بالغناء، ولا يثبت. وأما المنقول عنهم في أدوات الموسيقى من الذم ما ثبت إسناده:
فعن أبي حصين عثمان بن عاصم الأسدي (وكان ثقة ثبتا): ان رجلا كسر طنبورا لرجل، فخاصمه إلى شريح ، فلم يضمنه شيا .
وعن شريح، أئه سمع صوت دف، فقال: الملإنكة لا يدخلون بيتا فيه دف.
وعن الحسن البصري: أنه كان إذا دعي إلى الوليمة يقول: أفيها برابط؟ فإن قيل: نعم، قال: لا دغوة لهم، ولا نعمة عين.
وعن أيوب السختياني، قال: سئل إياس (يعني ابن معاوية) عن البربط؟ فقال: لو أمرت أن أميز عمل أهل الجنة من عمل أهل النار، لم أجعل البربط من عمل أهل الجنة.
وقال إبراهيم النخعي: كان أصحاب عبد الله (يعني ابن مسعود) يستقبلون الجواري معهن الدفوف في الطرق، فيخرقونها.
ورويت آثاز لم يثبت منها شيء عمن عزيت إليه من السلف، فمن التابعين:
روي عن سويد بن غفلة: إن الملإنكة لا تدخل بيتا فيه دف.
وعن علي بن الحسين في ذم البربط.
وعن الأوزاعي، قال: كتب عمر بن عبدالعزيز إلى عمر بن الوليد كتابا فيه: وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام . وروي عته أنه كتب إلى عماله: وقد كانت هذه الأعاجم تلهو بأشياء زينها الشيطان لهم، فازجر من قبلك من المسلمين عن ذلك، فلعمري لقد آن لهم أن يتركوا ذلك مع ما يقرأون من كتاب الله، فازجز عن ذلك الباطل واللهو من الغناء وما أشبهه، فإن لم يتتهوا فنكل من أتى ذلك منهم، غير متعد في النكال. وحكي عنة أيضا: أنه كتب بقطع اللهو كله إلا الدف وحده بالعرس.
وعن الحسن البصري: صوتان ملعونان: مزماز عند نعمة، ورنة عند مصيبة.
وعته أيضا: ليس الدف من سنة المسلمين في شيء. وتقدم عن مجاهد تفسير لهو الحديث، بالطبل، وتفسير (واستفزز من استطعت منهم بصوتك)، بالمزامير.
ومن أتباع التابعين ممن جاء عتهم ذم المعازف ولا يصح:
عن زبيد بن الحارث اليامي أئه أخذ من صبي زمارة فشقها، ثم قال: لا ينبغي هذا .
كما روي عنه: أنه كان إذا دعي إلى العرس فإن سمع صوت بربط أو مزمار لم يدخل.
وفي طبقة بعد هؤلاء الأعلام ممن جاء عنهم الإنكار أو الذم، جماعة، فمن أعيانهم:
أبو عمرو الأوزاعي، فإئه كان يقول: لا يدخل وليمة فيها طبل ولا معزاف.
وثبت عنه الترخيص بالدف يضرب به سرا يوم العيد، فعن عمر بن عبد الواحد، قال: سألت الأوزاعي عن الجواري يضربن بالدف سرا يوم العيد؟ فلم ير به بأسا.
قلت: فهذه الآثار عن هؤلاء العلماء من السلف في المعازف ظاهرة منهم في عيبها وإتكارها، لكن ليس في عبارة واحد منهم ما يدل على أنه كان يذهب إلى تحريمها، كذلك فالذم لها جائر أن يكون للغرض ائذي اتخذت لأجله، لا سيما مع استحضار الحال في زمان التابعين وبعدهم من توسع الناس في الملاهي، وشهرة بهض أهلها بالفسق والخمر.
كما تلاحظ هؤلاء الذامين الذين ثبت عنهم النقل كانوا جميعا من أهل العراق، سوى الأوزاعي فشامي، وكان علماء العراق يشددون في إنكار الغناء والمعازف، كما رأيت في صنيع أصحاب عبدالله بن مسعود من تشقيق الدفوف، وهذا صنيع ترده سنة النبي “ص” ، أن تخرق الدفوف بأيدي الصبيان وقد أبيحت في بيت النبوة.
ونبهت من قبل على أن إتلاف الآلة التي تستعمل في الفساد مشروع، وإن كانت الآلة في أصلها جائزة، لكن ليس الدف في أيدي الصبيان من ذلك، إنما جائز أن يكون منه إسقاط شريح الضمان عمن كسر الآلة.
ؤأما أن الملإنكة لا تدخل بيتا فيه دف، فهذا لا يسلم بحال ، إذ لا يجوز ادعاء مثله إلا بدليل من الشارع، ولم يوجد، خصوصا مع إباحة الشريعة للدفوف، وأولى البيوت بدخول الملإنكة بيت رسول الله “ص"، وقد ضرب فيه بالدف.
فإن قلت: كيف يقع من مثل الحسن البصري أن يدع حضور الوليمة من أجل المعازف، وليست بحرام ؟
قلت: جائر انه لم يكن يرى وجوب حضورها، إذ ليس كل دعوة واجبة الحضور، ويجوز التخفف عن حضور الدغوة للمكروه يكون فيها، في تفصيل ليس هذا محله.
أما ما روي عن وكيع بن الجراح، قال: خذ الطنبور فاكسره على رأس صاحبه، كما فعل ابن عمر.
وعته قال: ليس للمعاصي قيمة، مثل الطنبور وشبهه.
فهذا من أقدم العبارات المصرحة بكون المعازف كالطنبور من المعاصي، ووكيع من أتباع التابعين من طبقة الشافعي، غلب عليه الزهد والحديث، لا الاشتغال بالفقه، وما ذهب إليه جائز أن يكون مرده إلى الأحاديث الضعيفة والواهية التي وردت في تحريم الآلات.
وقد وتق مته ههنا الاستدلال على كس آلة المعازف بفعل ابن عمر، وهواستدلاليوهم بظاهره ان ابن عمر كسر الطنبور الي هو العود أو شبه على رأس صاحبه، وليس كذلك، وإنما الراية عن ابن عر في كس لعة تسمى (الشهارده) أو (الأربع عشرة) كانوا يلهون بها. فقد صح عن عبدالله بن عمر انه رأى مع بعض أهله أربع عشرة، فكسرها على رأسه.
قلت: فلما رأى وكيع الطنبور آلة المنكر استدل على كسرها على رأس صاحبها بكسر ابن عمر الشهاردة على رأس متخذها، وهذا فيما أرى استدلال غير مطابق لما صنع ابن عمر، حتى لو سلمنا كون الطنبور منكرا على مثل ما رأى ابن عمر في الشهاردة، فإن ابن عمر إنما فعل ذلك ببعض أهله الذين هم تحت رعايته ومسؤوليته، وليس كذلك في حق الأجنبي، ووكيع أطلقها رأيا، وهذا لو فعل على ما ذهب إليه وكيع لكان اعتداء على الغير في نفسه وماله، وهذه صور يختلف فيها الرأي، فلا يحل لأحد أن يحمل فيها الناس على رأيه. على أن رأي الصحابي لا يسلم حجة في الدين، إنما هو اجتهاد يجوز خلافه، ولا يمتنع رده.
مذاهب للسلف جارية على أصل الإباحة:
مما ثبتت به الرواية عن أئمة السلف:
عن إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفي (وكان ثقة)، قال: كان سويد بن غفلة يأمر غلاما له فيحدو لنا .
(أثر صحيح.. أخرجه ابن أبي شيبة في “المصنف"(4/263) قسم المستدرك)
قلت: وسويد هذا من سادة كبار التابعين، بل كان مخضرما أدرك الجاهلية، ورحل ليرى النبي “ص” فوصل المدينة حين فرغ المسلمون من دفنه.
وعن غنيمة جارية سعيد بن المسيب، قالت: كان سعيد لا يأذن لابنته في اللعب ببنات العاج، وكان يرخص لها في الكبر، يعني الطبل.
(أخرجه ابن سعد في “الطبقات” بإسناد صالح)
وعن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال: سألت عطاء (هو ابن أبي رباح) عن الغناء بالشعر؟ فقال: لا أرى به بأسا، ما لم يكن فحشا.
(أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى"(10/225) و إسناده صحيح)
وفي لفظ، قال: لا بأس بالغناء والحداء والشعر للمحرم، ما لم يكن فحشا.
وعق إياس بن معاوية، وذكر الغناء، فقال: هو بمنزلة الريح، يدخل في هذه، ويخرج من هذه.
قال سفيان بن عيينة، وقد حدث بهذا: يذهب إلى أنه لا بأس به .
(أخرجه الفاكهي (رقم:1727) ووكيع في “أخبار القضاة” بإسناد حسن)
وعن عبد الله بن عون، قال: كان في آل محمد (يعني ابن سيرين) ملاك (عقد زواج)، فلما أن فرغوا ورجع محمد إلى منزله قال لهن: وأين طعامكن؟ قال ابن عون: يعني الدف .
(أخرجه ابن أبي شيبة في “مصنفه"(1/193) وإسناده صحيح)
وعن هشام بن حسان: ان محمد بن سيرين كان يعجبه ضرب الدف عند الملاك.
وقال يزيد بن هارون: قدم عكرمة (يعني مولى ابن عباس) البصرة، وأتاه أيوب (يعني السختياني) وسليمان التيمي ويونس بن عبيد، فبينما هو يحدثهم إذ سمع صوت غناء ، فقال عكرمة: اسكتوا، ثم قال: قاتله الله، لقد أجاد (أو قال: ما أجود ما غنى).
وعن المغيرة بن مقسم الضبي (وكان من ثقات الكوفيين وفقهائهم)، قال: كان عون بن عبد الله يقص، فإذا فرغ أمر جارية له تقص وتطرب.
قال مغيرة: فأرسلت إليه أو أردت أن أرسل إليه: إنك من أهل بيت صدق ، وإن الله لم يبعث نبيه “ص” بالحمق، وإن صنيعك هذا صنيع أحمق.
قلت: عون هذا هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي من خيار التابعين من أهل الكوفة وعبادهم وثقاتهم، وما عابه عليه مغيرة فمن أجل أنه كان يأمر جاريته أن تفعل ذلك أمام الرجال، فتقص عليهم بصوت شجي يقع أثره من نفوسهم، وربما كان ذلك بإنشاد وغيره.
وليس قول مغيرة أولى بالصواب من صنيع عون، ولو كان هذا منكرا لكان قدحا في عون ، فكأن مغيرة أراد لعون أن يرتفع مثله عن مثل هذا، لمنزلته وفضله، وهذا عائد إلى ما تستحسنه العقول، لا إلى أحكام الحلال والحرام، ولا يخلو أن يكون للعزف فيه تأثير.
وحكي غير ذلك عن سعيد بن المسيب ، وعطاء بن أبي رباح ، وسعيد بن جبير ، وخالد بن معدان و ذلك بأسانيد ضعيفة.
وكان أمر الغناء والعزف من مشهور أمر آل الماجشون من فقهاء المدينة، من التابعين فمن بعدهم.
والماجشون هو لقب يعقوب بن أبي سلمة ، جرى هذا اللقب عليه وعلى ال بيته وبني أخيه عبدالله، وكان من جلساء عمر بن عبدالعزيز وعروة بن الربير، وهو معدود في التابعين، من الثقات، قال مصعب بن عبدالله الزبيري: “كان يعلم الغناء، ويتخذ القيان، ظاهرا من أمره في ذلك “، قال: “وكان أول من علم الغناء من أهل المروءة”.
وابنه يوسف، كان من الثقات من أهل المدينة، روى عن الزهري وغيره، وطال عمره حتى أدركه الإمامان يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وطبقتهما، وكان يحيى بن معين يقول: “كنا نأتيه فيحدثنا في بيت ، وجوار له في بيت آخر يضربن بالمعزفة.
وقال الخليلي: هو وإخوته يرخصون في السماع، وذكر عن يحيى بن معين حكايته، ثم أتبعها بقوله:"هو وإخوته وابن عمه يعرفون بذلك، وهم في الحديث ثقات، مخرجون في الصحاح”.
وقال الحافظ الذهبي بعد ذكر الحكاية عن ابن معين : “أهل المدينة يترخصون في الغناء، فم معروفون بالتسمح فيه، وروي عن النبي “ص”: إن الأنصار يغجبهم اللهو”.
وابن أخي الماجشون عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، من أتباع التابعين، كان مفتي المدينة وفقيهها وعالمها مع مالك بن أنس ، قال عبد الله بن وفب المصري: حججت سنة ثمان وأربعين ومئة، وصائح يصيح: لا يفتي الناس إلا مالك بن انس ، وعند العزيز بن أبي سلمة. قال الحافظ أبو يعلى الخليلي: “يرى التسميع، ويرخص في العود”.
وابنه عند الملك بن عبدالعزيز، كان من أعيان أصحاب الإمام مالك بن أنس، ومفتي المدينة في زمانه، قال الحافظ أبو عمر بن عبدالبر: “كان فقيها فصيحا، دارت عليه الفتيا في زمانه إلى موته، وعلى أبيه عبد العزيز قبله، فهو فقيه ابن فقيه “، قال: “روى عن مالك وعن أبيه، وكان مولعا بسماع الغناء ارتحالا وغير ارتحال، قال أحمد بن حنبل: قدم علينا ومعه من يغنيه “.
وأبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، كان من الثقات الحفاظ الكبار، من أتباع التابعين، من أصحاب الزهري، احتج به البخاري ومسلم في “الصحيحين “، كان أمره في الغناء مشهورا.
قال الذهبي: “كان إبراهيم يجيد صناعة الغناء”.
وعنه في ذلك حكاية مروية بإسناد صالح، فيها الخبر عن مذهبه في الغناء والموسيقى، ويحكي في ذلك شيا عن أبيه، وأبوه كان قاضي المدينة في زمن أعلامها كالقاسم بن محمد وغيره، وهو من ثقات صغار التابعين، وفي القصة أيضا شهود مالك بن أنس لذلك وهو في مطلع شبابه.
قال سعيد بن كثير بن عمير المصري: قدم إبراهيم بن سعد الزهري العراق سنة أربع وثمانين ومئة ، فأكرمه الرشيد وأظهر بره، وسئل عن الغناء؟ فأفتى بتحليله، وأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه أحاديث الزهري، فسمعه يتغنى، فقال: لقد كنت حريصا على أن أسمع منك، فأما الآن فلا سمعت منك حديثا أبدا، فقال: إذا لا افقد إلا شخصك، علي وعلي إن حدثت ببغداد ما أقمت حديثا حتى أغني قبله.
وشاعت هذه عنه ببغداد، فبلغت الرشيد، فدعا به فسأله عن حديث المخزومية التي قطعها النبي “ص” في سرقة الحلي، فدعا بعود، فقال الرشيد: أعود المجمر (يعني الطيب)؟ فقال: لا، ولكن عود الطرب، فتبسم، ففهمها إبراهيم بن سعد، فقال: لعله بلغك يا أمير المؤمنين حديث السفيه ائذي آذاني بالأمس وألجأني أن حلقت؟ قال: نعنم، ودعا له الرشيد بعود ، فغناه:
يا أم طلحة إن البين قد أفدا * قل الشواء لئن كان الرحيل غدا
فقال له الرشيد: من كان من فقهائكم يكره السماع؟ قال: من ربطه الله، قال: فهل بلغك عن مالك بن أنس في هذا شيء؟ قال: لا والله، إلا أن أبي أخبرني أنهم اجتمعوا في مدعاة كانت لبني يربوع، وهم يومئذ جلة، ومالك أقلهم من فقهه وقدره، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان، يغنون ويلعبون، ومع مالك دف مربع ، وهو يغنيهم:
سليمى أجمعت بينا * فأين لقاؤها أينا
وقد قالت لأتراب * لها زهر تلاقينا
تعالين فقد طاب * لنا العيش تعالينا
فضحك الرشيد، ووصله بمالي عظيبم.
(أخرجه الخطيب في “تاريخه”.. و ابن عساكر في “تاريخه” بإسناد صحيح)
وسفيان بن عيينة الإمام الفقيه الحافظ، لا ينكر من صنيع المغني غير ما يرغب في ممنوع .
فقد قال تلميذه الزبير بن بكار : قدم ابن جامع مكة، فقال سفيان بن عيينة: بلغني ان هذا السهمي قد جاء بمال كثير ، قال: أجل، وعلام يعطونه؟ فقال: رجل يغنيهم، قال: وبأي شيء يغنيهم؟ قال: بشعر، قال: فتروي منه شيئا؟ قال: نعم، قال: هاته، فأنشده:
أطوف بالبيت في الطائفين * وأرفع من مئزري المسبل
فقال: أحسن واأجمل، هيه، فقال:
وأسجد بالليل حتى الصباح * أتلو من المحكم المنزل
فقال: جزى الله هذا خيرا، هيه، فقال:
عسى فارج الكرب عن يوسف * يسخر لي ربة المحمل
قال: فأشار بيده: أمسك، أمسك.
وأما المحكي عن أهل العراق من ثقاتهم وفقهائهم من طبقة أتباع التابعين فيهم، فذكروا في البصريين القاضي الفقيه الثقة العاقل عبيد الله بن الحسن العنبري، حيث كان حسن الصوت، وكان يسمع الغناء.
وذكروا في الكوفيين المحدث الثقة المنهال بن عمرو الأسدي، احتج به البخاري في “صحيحه"، وحكم بثقته من نقاد المحدثين يحى بن معين والنسائي والعجلي وغيرهم، وكان يضرب بالطنبور.
خلاصة المبحث:
هذا الذي أوردت من نصوص السلف غير الفقهاء الأربعة في الأجيال الثلاثة الأولى، هو أقاويلهم ومذاهبهم من أوثق مصدر لها، وهي بين التشديد والتيسير، لا ترى فيها شيئا يفيد تحريما للغناء ولا للمعازف لذاتها، وإنما غاية المذكور عمن شذد منهم ما يدل على كراهته وبعضه له، وليس هذا بتحريم ، سوى ما ذكرته عن وكيع بن الجراح من شيوخ أحمد بن حنبل، وتلك المذاهب جميعا معارضة بغيرها عن آخرين من علماء السلف، عباراتهم صريحة في الإباحة، بل فيهم من كان يهوى الغناء والموسيقى ويحبها ويستعملها، مع الصلاح والدين والفقه والثقة.
والحجة أولا وآخرا في بيان الله تعالى ورسوله “ص"، وكل قول فمقيس بذلك، وإنما أردت أن أسوق نصوص عبارات السلف ليظهر حقيقة ما يدعيه الذاهبون مذهب التحريم من الإجماع على ما ذهبوا إليه، وليبين كذلك حقيقة ما ينسبونه إلى السلف من القول المجمل، وتعلم أيضا خطأ من زعم أنه لم يخالف الجماعة سوى إبراهيم بن سعد الزهري وعبيد الله العنبري، فذلك من نتاج التقليد وترك التحقيق.