محمد الغزالي الاستعمار أحقاد و أطماع

القتل والاستغلال

أحسب تاريخ العالم لا يعرف فى سجله الطويل أسوأ من مدنية الغرب فى معاملة الآخرين، وتجاهل مصالحهم، ومصادرة حقوقهم.

بل إنه لا يعرف أسوأ من هذه المدنية فى إراقة الدماء بغزارة، والتهام الحرمات بنهم، وتجسيم الأثرة الباغية تجسيما يحجب كل ما وراءه من خير وعدل، لا، بل إن هذه المدنية تتميز ببراعتها الفائقة فى فرض إثمها على أنه شرف، وإبراز شهواتها وكأنها قوانين نزيهة!

فالخير ما عاد عليها وحدها بالنفع وإن كسر قلوب الآخرين، والعدل ما سوغ حيفها وإن شاء وجه الحق واستخفت معالمه تحت ركام من الأقذار..!

الطابع الغالب على أبناء “ أوروبا “ إنهم قساة القلوب، وأن بطشهم بأعدائهم - أعنى من يرونهم أعداءهم- يتسم بالجبروت والفظاظة، وأن تدمير المدن، وإزهاق الأرواح، وإهلاك الحرث والنسل، أعمال ترتكب وكأنها مسلاة هينة، أو عبث مأمون الجزاء..!

عندما غزا الإنجليز “ أستراليا “ أخذوا ينزلون بالبقاع الخصبة منها، ورسموا سياسة دقيقة لمنع سكانها الأصلاء أن يشركوهم فيها. وكلما تكاثر الغزاة اشتد دفع الأهلين عن الموارد العامرة إلى الصحارى المتلفة كى ينقرضوا فى صمت! وليتهم ينقرضون فى صمت يحسه المجرم وهو يواقع المنكر! إن المستعمر المجرم هنا ـ وهو يفعل فى الخفاء فعلته ـ يملأ الدنيا ادعاء بأنه رسول الحضارة والارتقاء والسلام! والذى فعلته “ إنجلترا “ فى “ أستراليا “ فعلت مثله “ إيطاليا “ فى “ طرابلس “.

فقد نزل المستعمرون الغرباء على السواحل النقية، وشرعوا يقاتلون العرب عليها، ويذودونهم عنها، فإذا رضيت بعض القبائل أن تعيش خدما للفاتح الغالب انتهزوا لها أول خطأ ـ أو اختلقوه ـ ثم حكموا على شباب القبيلة بالموت رميا بالرصاص، وطاردوا البقية إلى الصحراء، نساء وأطفالا وشيوخا، لتجد فى الرمال الغبراء قبرا يواريها إن لم تجد صدرا يستقبلها..!

ولا شك أن فى الأمم من يسخط لهذا المصير، ومن يقاوم القتلة وهم يجدبونه إليه. وهنا تقع الطامة، فإن إطفاء ثورات التحرر تلقى أسلوبا من القمع والتمزيق يثير الرعب، أسلوبا انفرد به الاستعمار الغربى عن أعصار التاريخ كلها. نعم، نحن نعلم أن الرومان كانوا يرمون خصومهم للوحوش الجائعة تنهش لحومهم وتهشم أعضاءهم! ولكن من الخطأ أن نحسب زبانية الاستعمار الحديث أقل سفالة من قدماء الرومان. ففى إخماد الثورات المتكررة التى اندلعت نارها فى “فلسطين “ ضد الحكم الإنجليزى ارتكب ما هو أقسى من ذلك وأنكى. ربما لم تستجلب سباع من الغابات لالتهام المعذبين المحكوم عليهم بالموت لا لشىء إلا لأن آلات التعذيب المستحدثة تسد مسدها، وبخاصة إذا أشرف على إدارتها رجال غاضت من قلوبهم معانى الرحمة، فهم ذئاب مسعورة فى صور أناسى! ألم تكن القرى الآهلة تسوى بالتراب إذا عثر فى بيت منها على رصاصة أو مسدس؟ ثم ألم يكن الشباب النضر يقاد إلى الموت أقبح قود ، وبعد طرق من التنكيل والإذلال طافحة بالهول؟ بلى!

ولقد كان الموت يجىء بعد هذا الشقاء المر اختصارا لآلام فوق طاقة البشر، فهو أمنية، كما قال أبو الطيب:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن يكن أمانيا..!

والاستعمار الغربى يستبد به جنون القتل كلما كان المسلمون هم ضحاياه، وكلما كانت بلادهم هى هدفه. إنه فى هذه الأحوال يستمرىء العدوان، وينتشى بالدم المسفوك، أليست شهوة الفتك والحالة هذه تحسب عبادة وقربة إلى الله؟ لذلك كانت ضراوة الإنجليز فى “فلسطين “، والطليان فى “ طرابلس “ والفرنسيين فى “ الجزائر “ متشابهة تنبع كلها من عين حمئة، عين تفور بالضغائن والثارات. وتذهل عن الحقوق والواجبات.

و إنى ـ ساعة كتابة هذه السطور ـ استمع إلى رواية شاهد عيان يصف غزو الحلفاء الثلاثة، إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، لمدينة “ بور سعيد “.

قال: بذل الأهلون قصارهم فى رد الجنود الهابطين بالمظلات، واستطاعوا مغالبة الأفواج الأولى منهم، بيد أنهم بوغتوا بمئات الطيارات ترجم المدينة بقذائفها الحارقة، وكان الأفق مليئا بهذه الأسراب المغيرة تغدو وتروح وهى تفرغ الهلاك فى كل مكان!

خمسمائة غارة فى هذا اليوم الأغبر ـ كما نطقت بذلك بلاغات العدو!!

وانضمت سفن الأسطول إلى هذا الهجوم، فأخذت تطلق مدافعها على المدينة اللاغبة ، فرأيت القصور والنار تخرج من نوافذها، ثم ما هى إلا لحظات حتى تندك فوق رؤوس ساكنيها. وسرى الرعب إلى الحيوانات التى تقطن المدينة، فانسابت تجرى فى شوارعها على غير هدى، غير أن الرصاص المنهمر لا يدعها تصل إلى مهرب! فأين المهرب للإنسان والحيوان فى هذا البلاء المحيط؟ ولذلك تجاورت فى الميادين والأزقة جثة كلب شارد، وإنسان بائس.. وكانت الجثث المتناثرة كأوراق الشجر الساقطة فى فصل الخريف تكسو الأرض المخضبة فى منظر يثير اللوعة.

وأحيانا تجد كوما من الموتى وقع بعضهم على بعض فتساءل: أركموا هكذا بفعل فاعل؟ والظاهر أن يدا لم تمتد إليهم بعد مصارعهم! وإنما هى طبيعة البشر ساعة الروع، إن كلا منهم جرى إلى أخيه ليأنس به، أو يتعاون معه على مواجهة الصواعق النازلة من الجو، أو القادمة من البحر، فدهمهم الموت وهم جميع على هذا النحو. لله كم هى رخيصة دماء أولئك المسلمين؟ وحاول أبطال المقاومة الشعبية أن يوقفوا السيل! فانطلقوا شبه مجانين يدافعون ببنادقهم هنا وهناك. ولكن الأجانب من سكان “ بورسعيد “ وأشباه الأجانب من المحسوبين على مصر، انضموا إلى الغزاة، واختبأوا فى مساكنهم يتصيدون برصاص مسدساتهم أرواح الرجال الذين انتصبوا للدفاع عن بلادهم..! وكان بلاء المسلمين من هذه الخيانات فاجعا. أهكذا ينسى الجميل على عجل؟ أولئك الذين عاملناهم بتقاليد الضيافة والسماحة، يستديرون لنا فى المحنة ليغتالونا مع إخوانهم الصليبيين الغزاة؟ إن بقايا طعامنا لا تزال فى بطونهم، وآثار كرمنا لا تزال بين أيديهم ومن خلفهم، وها نحن أولاء نتلقى الجزاء العدل منهم! فلا غرو إذا أحس المسلم وهو يلفظ أنفاسه على طوار ، أو يسلم روحه تحت ردم، إن الدنيا تآمرت عليه وشاركت فى قتله..! قال إمام المسجد الذى يروى هذه المأساة: ولقد دخل الإنجليز والفرنسيون المسجد العباسى وشرعوا يحصدون المصلين حصدا، وأظن الجثث التى تراكمت فى المسجد تربو على مائتين

على أنه من الرحمة التى تسجل لهم، إنهم بعدما دخلوا البلد المهيض وجدوا رب أسرة يشتد مع زوجه وأولاده يلتمس النجاة، فقتلوا الرجل وحده، وتركوا المرأة التى عجزت عن الحركة، لأن صغارها تشبثوا بجثة أبيهم ينادونه لعله يجيب!

***

إن حضارة الغرب لا ضمير لها ولا قلب، إنها حضارة قطعان استغلت تفوقها العسكرى لتملأ الحياة فسادا ونذالة. وقد منحت “ أوروبا “ حق الحياة لبعض الأقطار المتخلفة، فهل منحتها هذا الحق لتسعد به؟ كلا! إنه كما استبقى فرعون نساء بنى إسرائيل بعد أن قتل ذكرانهم.

إنه استبقاء لمصلحة السادة ومتعتهم لا خير فيه للعبيد أبدا.

وستطالعك أنباء هذا الاستحياء فترى فيه ظاهرتين مقترنتين.

الأولى: الأثرة الشرهة الماكرة المشربة بالفظاظة، والذاهلة عن حقوق الآخرين، بل عن وجودهم، فهى تنظر إلى الأقطار الخصبة لا على أنها ملك أصحابها، بل كما ينظر اللص إلى متاع أعجبه، فأول ما يفكر فيه: كيف يسطو عليه، ليستأثر به؟ وربما لم تكن للاستعمار حاجة عاجلة إلى هذه الصفقة الحرام، ومع ذلك يختلسها ويدخرها للمستقبل!

وضعف المالك هو وحده الذى يحرك شهيته للغصب والنهب، على حد ما جاء فى أمثال العامة: “ من اعتاد أكلك ، ساعة يشوفك يجوع “.

والغزو الأوروبي يتسم دائما بهذا الجوع إلى التهام السحت، ووأود أصحابه الأول. وقد نبه القرآن إلى ذلك بوصيته للمسلمين أن لا يكونوا (كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون).

والظاهرة الأخرى: إلباس هذه القذارة النفسية ثوب العفة والترفع، ومداراة البراثن الملوثة فى قفازات من الحرير. وقد كنت استغرب كيف يرزق بعض الناس هذه الصفاقة فى فعل المنكر، والخروج على الناس فى ثياب الواعظين الأشراف! حتى وجدت أن من يستسهل المناكر لا يعجزه التزوير ولا استحسان السوء.

وقديما كان فرعون يقتل ويستذل ويدعى الألوهية، ثم يقول فى موسى الذى ينصحه :

(أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)!

والإنجليز الذين قتلوا الألوف فى “ بور سعيد “ لم يروا فى عملهم هذا نكرا.

فلما اضطرت حكومة “ مصر “ إلى إخراج الرعايا الإنجليز من البلاد، قال وزير خارجية “ بريطانيا “: إن مصر تعاملنا بقذارة (!)

وبهذا الأسلوب الوقح الصفيق فى قلب الحقائق يسمى عمل أوروبا فى إفريقيا “ استعمارا “، وهو أخطر ما عرفته البشرية من ضروب الاسترقاق والتخريب.

وإليك خلاصات من كتاب “ إفريقيا الإمبراطورية البريطانية الثالثة “ تصف صنع الإنجليز بهذه القارة المظلمة أو المظلومة.

ولنبدأ بجنوب إفريقيا: يتكون اتحاد جنوب إفريقيا من أربع مقاطعات خاضعة لنظام الحكم الذى وضع فى 31 مايو سنة 1915، والذى خول سلطة الحكم للبريطانيين والبوير، وقد منحت الحكومات البريطانية بعض الحقوق السياسية للإفريقيين والملونين، وكذلك حق الانتخاب. غير أن الذين قيدوا فى جداول الانتخاب 12.000 فقط من عدد الإفريقيين البالغ 1500.000.

وفى “ ناتال “ توجد حقوق انتخاب صورية للسود، لم يمارسها فى الواقع سوى القليلين، هذا مع العلم بأن السكان الوطنيين يربون على تسعة ملايين نسمة..

ومنذ عام 1913 وأجود الأراضى يمتلكها الفلاحون الأوروبيون والشركات المتحدة، وتبلغ مساحة الأراضى التى يحويها اتحاد جنوب إفريقيا 462347 من الأميال المربعة، قد وزع حوالى 88% منها بين ما يزيد على 2.000.000 أوروبى، بينما هناك 000، 2000- إفريقى وآخرون من غير الأوروبيين يشغلون ما تبقى وقدره 12% من المساحة الكلية للأرض.

والغريب أنه قبل انحلال النظام القبلى كانت الأرض ملكا لجميع الإفريقيين، فلم يكن هناك نظام الملكية الفردية، بل كان ينظر للأرض باعتبارها هبة الطبيعة للجميع، يقوم رئيس القبيلة بالنظر فى جميع أمورها، وحل مشاكلها، ولم تكن الأرض تباع ولا تشترى…

وبصدور القانون الوطنى للأراضى عام 1913، قضى قضاء تاما على نظام الحياة الاقتصادية الكريمة للإفريقيين، كما أصبحت السيطرة على الإفريقيين فى يد وزير أجنبى يسمى وزير الأعمال الوطنية. ولقد كان هذا القانون حجر الأساس للناحية الاقتصادية وعليه بنى نظام التقسيم فى اتحاد جنوب إفريقيا. ومنذ ذلك الحين والإفريقيون يضطرون للعمل بالقوة، فى نظام من السخرة يوجب أن يقضى تسعة أعشار السود حياتهم فى عمل جسمانى، أو يدوى، يستغرق يومهم بأكمله. ويلاحظ أن الكثير من الأراضى المحلية المخصصة للإفريقيين غير صالحة للزراعة أو الرى، ومع ذلك يحرم القانون عليهم امتلاك أراضى أخرى، كما يقضى بغرامة قدرها مائة جنيه أو السجن مدة ستة أشهر للأوروبى الذى يسمح لأى إفريقى يرعى قطيعه فى أراضيه الخاصة به!!

وكان من نتائج هذا النظام الاقتصادى أن بلغ فقر الإفريقيين أشده، فشكلت حكومة برئاسة “ وليم بيومنت “ لبحث الحالة، وأوصت بتخصيص 8.000.000 فدان لصالح الملايين المشردة من الإفريقيين ولكن هذه التوصية لم تنفذ، بل صدر قانون سنة 1932 واعتبر تأجير الإفريقى لأرض خارج نطاق المنطقة المخصصة لبنى جنسه جريمة يعاقب عليها بالجلد أو السجن.

والغرض من ذلك ألا تسنح الفرصة للإفريقى بتحسين حالته المادية. وعلى العموم كانت القوانين تفرق دائما بين البيض والسود، وتعاقب من يخالفها بالسجن أو الغرامة. وترتب على ذلك الظلم وتلك المعاملة القاسية أن هرب الكثيرون من الإفريقيين إلى المدن، وتملك اليأس الآخرين، وهم حوالى 2.000.000 فعاشوا عبيدا للأرض التى حرمت عليهم القوانين امتلاكها.

ولابد لكل إفريقى يعمل بأرض أوروبى أن يشتغل مدة 180 يوما فى العام، يحددها السيد كما يشاء ليربطه بالأرض طوال العام.

ويفضل السيد أن يصطحب الأسود أفراد أسرته للعمل معه، وبعض هذه الأسر يتقاضى أجورا زهيدة جدا، أما الكثرة فلا تتقاضى شيئا.

وليس للإفريقى حق مغادرة الحقل الذى يعمل به، إلا بأمر سيده، ومن يهرب يقبض عليه، ثم يرد إلى سيده بعد توقيع العقوبة عليه إما جلدا وإما سجنا.

وفى حالة بيع الأرض تنتقل بما فيها من عمال إلى السيد الجديد، ومن هذا يتضح أن كل القوانين توضع لصالح الرجل الأبيض.

وفى حكومة “ أورنج “ الحرة، يعاقب العامل الذى يفسخ العقد مع سيده بحرمانه من محصول البقعة الخاصة به من الأرض..

وتدل الأبحاث والإحصاءات على أن الأمراض متفشية بين أغلب الوطنيين، وأن نسبة الوفيات مرتفعة جدا بينهم.

وتفكير الوطنيين بدائى، ولا يوجد اتجاه نحو تعليم أطفالهم، بل إن بعض البيض يمنعون هؤلاء الأطفال من التعليم. وإذا كان هناك وجود للمدارس بالنسبة للسود، فإنهم سوف يعجزون عن شراء أتفه الضرورات لدخولها. والعجيب أنه يتحتم على جميع السود سداد المصروفات المدرسية إذا رغبوا فى التعلم، بينما يعفى منها جميع البيض.

وحالة الفقر المدقع بالإضافة إلى ضرورة تسديد الضرائب المقررة تدفعهم إلى العمل لدى البريطانيين بأجور زهيدة لا يكاد يتصورها العقل.

***

وعلى كل إفريقى من الذكور بين الثانية عشرة والخامسة والستين ـ سواء أكان يؤدى عملا أم لا عمل له ـ أن يدفع ضريبة الرأس، وقدرها “شلن “، وضريبة الكوخ، وقدرها عشرة “ شلنات “ سنويا..!

والصبية الذين يرعون الأغنام نظير أجور زهيدة قدرها خمسة شلنات شهريا، ويدل مظهرهم على أنهم قد بلغوا الثامنة عشرة، يتحتم عليهم دفع ضريبة الرأس، وهذا يكون50% من الضرائب، فى الوقت الذى يعفى فيه فقراء البيض من أية ضريبة مباشرة. وقبل الحرب الأخيرة كان الأوربيون الذين يبلغ دخل الواحد منهم 500 جنيه أو أقل لا يدفع شيئا، كما أن الأوروبى لا يطالب بالضريبة قبل الحادية والعشرين من عمره.

وتستعمل عادة طرق وحشية فى جمع الضرائب، كأن تحاط مساكن السود بالجنود فى أوقات متأخرة من الليل، أو فى الصباح الباكر، ثم تطلب ايصالات السداد، فإذا لم تحضر فورا ضربوا وركلوا، ثم قذفوا فى عربات البوليس حيث يودعون السجون، ويسخرون فى رصف الطرقات، وأداء الأعمال الأخرى.

ويتضح أن كثيرا من جرائم الإفريقيين ترتكب نتيجة للبطالة التى تواجههم عقب خروجهم من السجن، وشدة الحاجة للمال اللازم لقضاء ضرورات الحياة، كما أن الجهل عامل آخر للجرائم، ولكن الحكومة لا تحاول بناء مدارس لتحارب الجهل، بدلا من بناء السجون لهؤلاء التعساء..!

وينص القانون على ألا ينتقل الإفريقى من بلدة إلى أخرى لأى سبب من الأسباب دون تصريح خاص. ويحتم نظام التفرقة فى جنوب إفريقيا: أن تحكم القلة من البيض الكثرة من السود.

وقد أدى ازدياد مساحة الأراضى الزراعية إلى زيادة الحاجة للأيدى العاملة من الإفريقيين، وترتب على هذا حدوث صدام بين ملاك الأراضى من ناحية، وأصحاب المناجم من ناحية أخرى، إذ كلاهما يريد احتكار السود له، ونتيجة لذلك وضع نظام خاص لتوزيع العمال حسب الحاجة كما يقررها السادة، أما الزائدون فيردون للعمل من حيث أتوا!.

لقد أدى التقدم الصناعى إلى القضاء على مجتمع” البانتو “ القبلى ، وفى خلال السنين العشر الأخيرة كثرت هجرة الإفريقيين إلى المدن حتى أصبح من يقطنها منهم يزيدون على مليونين، وهم يقومون بخدمة الأوروبيين نهارا، ثم يعودون للجهات المخصصة لهم فى المساء، بوسائل النقل التى أعدت لهم وحدهم! فالقانون يحرم عليهم الوسائل الخاصة بالبيض.

كذلك تخصص للسود والكلاب مصاعد فى العمارات الكبيرة. ويحرم القانون السود من الجلوس على مقاعد البيض بجوار البحيرة، ومن يخالف القانون يجلد أو يزج فى السجن.

والأحياء الوطنية قذرة للغاية، والبيوت لا تتعدى أن تكون أكواخا من الطوب القديم، يعيش فيها الأصحاء من الصبية، يأكلون وينامون فى نفس المكان مع المرضى بالسل.

وقلما توجد أسرة لم يمرض أحد أفرادها منه!

والمرض عموما منتشر بين الوطنيين بنسبة كبيرة، والعلاج يكاد يكون منعدما. ففى بعض الأحياء يوجد طبيب واحد لعلاج أربعين ألفا من السكان. ولا يوجد علاج بالمجان، لذلك نجد أن 65% من الأطفال يموتون قبل أن يصلوا إلى سن الثانية من عمرهم، وتصل نسبة الوفيات عادة إلى 50%.

وتظهر التفرقة بين البيض والسود حتى فى الموت، إذ يخصص للأخيرين مدافن بعيدة.

إنه لمن العسير أن يتصور من لم ير بنفسه الحياة فى جنوب إفريقيا ما يجرى هناك من عنف وتعسف فى المعاملة.

وحدث عن قسوة رجال البوليس وكبتهم للحريات، وكيف تنهب الأموال التى كسبت بعرق ودماء الملايين من السود، بدلا من استغلالها فى تحسين حالهم.

وإذا جرؤ إفريقى على نقد هذا النظام، وقف عند حده، بالزج فى السجن، أو النفى دون محاكمة..

***

ويعمل بمناجم الذهب “بالترنسفال “ ما يقرب من 400000 إفريقى و20000 أوروبى، ويعمل حوالى نصف الإفريقيين بالقوة، كما يرحل حوالى 63000 بالقوة أيضا إلى عدة جهات، مثل “ نيوزيلندا “ و “ روديسيا “ الشمالية، و” تنجانيقا “، كذلك يمكن إحضار 100.000 عامل سنويا من مقاطعة جنوب شرق إفريقيا البرتغالية بـ “ موزمبيق “ للعمل بالمناجم. ويمكن القول بأن جميع هؤلاء العمال مسخرون، لأن ما يصرف من أجور لهم ضئيل جدا، فبينما يتقاضى الأوروبى عشرين شلنا يوميا، يتقاضى الإفريقى 2.8 من الشلنات مضافا إليها الغذاء.

ويصل متوسط ما يتقاضاه الأوروبي خمسة وأربعين جنيها شهريا، أما السود فليس لهم متوسط يذكر. ومن العجيب أن أرباح شركات التعدين باهظة، وتزيد على خمسين مليونا من الجنيهات سنويا، حصة الحكومة منها 27.000.000 جنيه، ويوزع على أعضاء الشركة ما ينوف على 17000000 من الجنيهات.

ورغم أن هذه الثروة إنما يأتى بها العمال الإفريقيون، لم تزد أجورهم منذ عام 1914 حتى اليوم.

ولقد كان مستوى المعيشة فى جنوب إفريقيا قبل الحرب العالمية الثانية أكثر جهات العالم ارتفاعا، ومازال كذلك حتى اليوم، ويضطر العامل الإفريقى إلى شراء ضروراته من الأسواق الأوروبية، ومع ذلك لا يتقاضى أجورا أوروبية. وليس هناك قانون يمنع الإفريقيين من تكوين الجمعيات التجارية أو الصناعية، غير أنهم لا ينتفعون بمثل هذه المشروعات أمام البيض الذين تعمل القوانين على حماية منتجاتهم وتجارتهم، وعلى دوام استيطانهم للبلاد التى غلبوا عليها..

***

وينشر البريطانيودن نظمهم فى المقاطعات التابعة لهم فى هذه الجهات بسرعة، حيث يحلمون بتكوين حكومة” دومنيون “ جديدة للبيض هناك، وتقع مسئولية الحكم حاليا بأيدى الموظفين الإنجليز، كما يرتبط الإفريقيون إلى حد كبير بروديسيا الجنوبية، ويخشون أن يتسع هذا الارتباط فيشمل تطبيق النظم المتبعة فى الجنوب، وهم محقون فى هذا، فلقد أصبح 000. 20 أوروبى يسيطرون فعلا على أجود الأراضى فى روديسيا الشمالية، بينما تسيطر الشركات الأجنبية على السكك الحديدية وطرق المواصلات الرئيسية وجميع منابع الثروة. ويعيش المليون ونصف من السود فى المنطقة الموبوءة بذباب “ التسى تسى “، مما يضطر الأهالى إلى الهجرة بحثا عن العمل فى مناجم النحاس، بينما يرحل آخرون إلى روديسيا الجنوبية واتحاد جنوب إفريقيا للعمل لتسديد الضرائب، وتتبع فى “ روديسيا “ الشمالية نفس نظم التفرقة بين البيض والسود المتبعة فى روديسيا الجنوبية وجنوب إفريقيا.

***

إن استغلال الأراضى الإفريقية هو الدافع الأول للاستعمار الأوروبى، ولولا هذا الغرض لما تمكن البيض من استيطان هذه المناطق الحارة، مهما عظم الأمل فى كثرة الأرباح.

فمثلا فى روديسيا الشمالية يملك 20.000 من المستوطنين مساحة قدرها 2.000.000 فدان من الأراضى الزراعية يزرع منها فعلا 100.000 فدان فحسب.

وقد أخذ فى إعداد مليونين من الأفدنة للأعمال الخاصة بالمناجم، بينما تسيطر شركة اتحاد جنوب إفريقية البريطانية وفروعها على ما يقرب من 6.250.000 فدان تحتوى على مراكز التعدين.

والنحاس هو “الملك “ فى شمال روديسيا حيث يكون 90% من صادرات المستعمرة، ويقدر الصادر منه فى النصف الأول من عام 1940 بما قيمته ستة ملايين من الجنيهات، وقد اكتشف النحاس عام 1925 فقط، ولكن إيراده خطا خطوات واسعة. ففى عام 1935 قدر الصادر منه 0 00. 5.000 جنيه زادت عام 1937 فبلغت 11.000.000 جنيه، ولقد بلغ الصادر منذ الحرب الأخيرة 300.000 طن فى العام، فلحقت بذلك الحمولات الكندية التى كانت أعلى حمولات العالم إلى مدى قريب.

والرصيد فى المقاطعة حوالى 000. 750 طن، ويستخدم فى الصناعة عدد من الإفريقيين يتراوح بين 0 0 26.0 و 00 28.0 ومن الأوروبيين ما بين 3500 و 0 380. وأغلب الأوروبيين يأتون من جنوب إفريقيا وروديسيا، ويتقاضون مرتبات بين أربعين وسبعين جنيها شهريا.

بينما متوسط ما يتقاضاه الإفريقى من العمل مدة ثلاثين يوما ستين شلنا فقط، والكثيرون يتقاضون ما يزيد قليلا على تسعة وأربعين شلنا شهريا، إذ أن الأجور تزداد حسب نوع العمل: فوق الأرض أو تحتها.

ويصرف حوالى مليون جنيه سنويا للموظفين الأوروبيين، بينما عشرة أضعافهم من الإفريقيين يتقاضون 250.000 جنيه فقط.

***

ويحتج الأوروبيون المستوطنون شمال روديسيا غالبا على شركة جنوب إفريقيا البريطانية التى تفرض سلطانها على المناجم، فتصل أرباحها حوالى 000. 500 جنيه سنويا وأكثر، وتتحكم فى 2.708 ـ أميال من السكك الحديدية ـ كما يخشون قوة الإنجليز الذين يعملون لصالح بلادهم، والذين قد يندمجون فى الشمال والجنوب، وتصبح أمور التعدين كلها فى أيديهم .

***

أقرأت هذه الحقائق كلها؟ هذا هو مسلك حضارة الغرب الصليبى نحو الأقطار التى نزلت بها.

لو أن إفناء أهل البلاد الأصلاء كان أجدى على الفاتحين لأفنوهم جميعا.

أما وهذا الإفناء السريع يحرمهم الألوف المؤلفة من الرقيق الكادح الذليل، فلا حرج من استحيائهم ، على أن لا يتجاوز محياهم هذا النطاق المهين…

***

ولا جدال فى أن الدين الذى يملى هذا السلوك ليس النصرانية، أو غيرها من شرائع الله، إنما هو دين الهوى وحده، الهوى الذى قال الله فى عبيده: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله).

(أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا * أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا).

هذا الهوى الجامح الظلوم هو سر المآسي التى قارفتها أوروبا عندما مال ميزان القوى إلى جانبها، وملكها زمام الغزو والفتح فى آفاق العالمين…

لكن الغرب مع ذلك لا يزعم أنه مسيحى فحسب، بل إنه ليحتضن هذه المسيحية، ويستصحب رجال الكنيسة معه وهو يخترق أعماء القارات المظلمة، فما مبعث تلك الهمجية التى تقارن زحف الصليبيين حيث كان؟ مبعث ذلك أن الدين لدى “الأوروبيين “ عصبية محركة، لا عقيدة واعية. والدين عندما يكون عصبية يكون أول شئ يتحمس له الإنسان، وآخر شىء يعمل به!

ولا قيمة لعاطفة التدين ولو كانت بأرقى الأديان وأصحها إذا قامت فى النفس على هذا النحو المبهم.

إن الدين علاقة بين الإنسان والرحمن، تزكو بها النفس وتستنير، وهو لذلك علاقة بين الإنسان والإنسان، أساسها التآخي والتراحم، علاقة إن لم تصل إلى قمة الفضل، فلا يجوز أن تهبط عن مستوى العدل.

وإذا قام دين ما بعيدا فى هديه العام عن معانى العدل والفضل جميعا، فهو ليس بدين، ولكنه لعنة ماحقة، وأتباعه لن يكونوا رسل رحمة، بل زبانية عذاب..

والصليبية للأسف كانت محور عصبيات غاشمة، اتخذت الدين ستارا لمطامع شتى، ولذلك لم يجن العالم منها منذ اتقدت جذوتها إلا الدمار والبوار.

وفساد الديانة اليهودية يرجع أيضا إلى هذه الحقيقة، إذ أنها تحولت عن أصلها السماوى إلى عصبية جنسية، يتعارف أبناؤها عليها، كما يتعارف اللصوص على كلمة السر.

وكراهية الناس طرأ لليهود مبعثها إحساسهم بهذه الأثرة الجنسية، وما تطفح به من حقد ودناءة.

وفى عصرنا هذا التقت النصرانية واليهودية على محاربة الإسلام،وحصار أهله، وتمزيق شمله، ترى ماذا جمع بين النقيضين؟ أهو العامل المشترك فى كلتا العصبيتين؟ إنه هو.

عصبية تتوارى فى مسوح الدين، ولبابها الهوى والظلم. يضاف إلى ذلك أن طبيعة النصرانية باعدت بينها وبين الامتزاج بالعقل والضمير.

إن الإنسان عندما يحقن بسائل ما ينساب هذا السائل فى دمائه كلها، لكن هل يمكن أن يحقن الإنسان بمادة صلبة؟ إن دخولها فى عروقه مستحيل! كذلك استحال على العقل أن يقبل كون الله ثلاثة، واستحال على الضمير أن يقبل التضحية برجل فداء غيره من المذنبين، فبقيت هذه التعاليم خارج الإنسان الأوروبى الذى بقى يتصرف بمشاعره وأفكاره الخاصة، دون التقيد بدين لم تمتزج أسسه بنفسه إلا زعما أو وهما.

وذاك سر ما تنطوى عليه الحضارة الغربية من مآثم ومظالم، وسر انهيارها بالحروب المدمرة كلما قامت فى فترة سلام.

وقد ألف الأستاذ “ جودا “ أستاذ الفلسفة الإنجليزية كتابا قيما سماه: “ سخافات المدنية الحديثة “ قال فيه:

“ إن المدنية الحديثة ليس فيها توازن بين القوة والأخلاق، فالأخلاق متأخرة جدا عن العلم، ومنذ النهضة ظل العلم في ارتقاء، والأخلاق فى انحطاط، حتى بعدت المسافة بينهما، وبينما يتراءى الجيل الجديد للناظر فتعجبه خوارقه الصناعية، وتسخير المادة والقوى الطبيعية لمصالحه وأغراضه، إذ هو لا يمتاز فى أخلاقه، فى شرهه وطمعه، وفى طيشه ونزقه، وفى قسوته وظلمه عن غيره، وبينما هو قد ملك جميع وسائل الحياة إذ هو لا يدرى كيف يعيش، وتوالى الحروب الفظيعة الهائلة دليل على إفلاسه، وأنه يربي نشأه لتموت، وقد خولت له العلوم الطبيعية قوة قاهرة، ولكنه لم يحسن استعمالها، فكان كطفل صغير أو سفيه أو مجنون، يملكون زمام الأمور، ويؤتون مفاتيح الخزائن، فهم لا يزيدون على أن يلعبوا بما فيها من جواهر”..

وقال فى موضع آخر: “ إن فيلسوفا هنديا سمعنى أطرى حضارتنا، وأقول إن أحد سائقى السيارات قطع ثلاثمائة أو أربعمائة ميل فى ساعة واحدة على الرمال، وطارت طائرة من موسكو إلى نيويورك فى عشرين أو خمسين ساعة، فقال ذلك الفيلسوف الهندى: “ إنكم تستطيعون أن تطيروا فى الهواء كالطير، وأن تسبحوا فى الماء كالسمك، ولكنكم إلى الآن لا تعرفون كيف تمشون على الأرض “..

- وقال فى موضع ثالث من هذا الكتاب: “ انظر إلى الطيارة التى تحلق فى السماء، يخيل إليك أن صانعيها فى علمهم ولباقتهم فوق البشر، والذين طاروا بها أولا كانوا فى علو عزمهم وجرأتهم أبطالا، ولكن انظر الأن إلى المقاصد السيئة التى استخدمت لها الطيارة، وتستعمل لها فى المستقبل.. إنما هى قذف القنابل خصوصا الذرية، وتمزيق جثث الإنسان، وخنق الأحياء، وإحراق الأجساد، وإلقاء الغازات السامة، وتقطيع المستضعفين الذين لا عاصم لهم من هذا الشر إربا إربا. وهذه إما مقاصد الحمقى، أو مقاصد الشياطين . إن الفلسفة المادية هى دين الغزو الأوروبى فى القديم والحديث، والقوم على اختلاف مواطنهم وحكوماتهم تجمعهم فكرة السطو على أموال الآخرين، وهم يخرجون من بلادهم يراودهم حلم واحد، كيف يثرون من أقصر طريق؟ كيف يجمعون الثروات الضخمة؟ كيف يرضون أطماعهم فى التشبع من هذه الدنيا، والامتلاء منها إلى حد البطنة المردية؟ وليس فى حسابهم أبدا أنهم واجدون فى هذه المحاولات أقواما لهم حقوق يجب احترامها، كما أنه ليس فى حسابهم أن للسلوك الإنسانى حدودا يجب التزامها، والدين الذى يعتنقونه لا يفهم إلا أنه ذريعة لتقريب مأربهم، واستباحة خصومهم، لا وظيفة له إلا هذا.

ولو تتبعت أحوال “ المستعمرين “ حيث حلوا، من أعصار خلت أو فى هذه الأيام، لوجدت الهدف هو الهدف، ما تتغير من سياستهم إلا الأساليب والأسماء، أما الحقائق والغايات فهى هى....

* * *

عندما دخل نابليون بجنوده مدينة القاهرة اتخذ هو وقومه سياسة جديدة اجتهدوا أن يكفكفوا فيها لصوصيتهم المأثورة، وأن يلبسوا زيا يخدعون فيه الناس عن حقيقتهم، فادعى نابليون الإسلام، ثم زعم أنه هو وجيشه ما جاءوا إلا ليردوا للشعب حقوقه التى غصبها المماليك، فماذا كان من أمرهم؟ كان من أمرهم أن قاموا من كبيرهم إلى صغيرهم، بأخس أعمال اللصوص.. ابتداء من نابليون إلى أحقر جندى، إنهم لم يستطيعوا أن يتخلوا عن طباعهم مهما حاولوا. لقد وجدوا أمامهم قصور المماليك والأغنياء بعد أن تركها أصحابها وفروا هاربين بأنفسهم، وكانت تلك القصور تحوى الأموال الطائلة، والجواهر الثمينة، والتحف النادرة، والمصوغات الغالية، والأمتعة النفيسة، ومختلف أنواع الفرش والأثاث والأوانى، عدا السيوف والدروع وأدوات الحرب. فماذا فعل الشرفاء، الذين جاءوا ليردوا إلى الشعب حقوقه المغصوبة؟ كان من أمرهم أن انطلق الجميع إلى هذه القصور بحجة البحث عن السلاح فنهبوها، وأخذوا ما فيها من الأموال والجواهر، والمصوغات والنفائس الغالية، بل إنهم فعلوا أكثر من ذلك، فقد كانوا يدخلون البيوت المسكونة بأفراد الشعب الذين لم يهاجروا، بحجة البحث عن السلاح أيضا، فيسرقون كل ما يجدون عند هؤلاء المساكين من مال قليل، أو مصوغات متواضعة.

* * *

ولم تقف نذالة هؤلاء الحقراء عند هذا الحد، فإنهم قد علموا أن بعض زوجات الأمراء، ونساء كبار المماليك، لم يستطعن الهرب مع أزواجهن، فاضطررن إلى الاستخفاء فى أماكن مجهولة خوفا على حياتهن.. فأمر نابليون الهمام أن ينادى بالأمان لهؤلاء النساء الضعيفات، ولكن عليهن أن يدفعن ثمن هذا الأمان.. على كل منهن أن تصالح على نفسها بمبلغ من المال، لكى تعود إلى قصرها أو بيتها.

ولم ير الناس فى تاريخ الهمج أو اللصوص نذالة مثل هذه النذالة!.. وأخذ النساء يظهرن، ويصالحن على أنفسهن بأموال طائلة… ولكن هل وقفت الخسة مع النساء عند هذا الحد؟. ذكر الجبرتى أن زوجة رضوان بك- أحد كبار المماليك- ظهرت من مكانها الذى كانت تختبىء فيه… وصالحت على نفسها وبيتها بثلاثمائة وألف ريال فرنسى، وأخذت منهم ورقة بهذا الأمان،… ولم تكتف بذلك، بل ألصقتها على باب بيتها، ليعرف الجنود الشرفاء أنها دفعت الضريبة فيكفوا عنها.. ولكن ذلك لم يفدها بشىء.. فبينما هى فى منزلها آمنة مطمئنة، فاجأها جماعة من العسكر ومعهم ترجمان، فقالوا لها: لقد بلغنا أن عندك أسلحة، ونريد البحث عنها.. فأخبرتهم أنه ليس عندها سلاح.. فقالوا: لابد من التفتيش.. ففتشوا، ووجدوا ملابس ثمينة جدا لزوجها وأمتعة غالية.. قال الجبرتى: “ ثم نزلوا إلى تحت السلالم، وحفروا الأرض، وأخرجوا منها دراهم كثيرة، وحجاب ذهب فى داخله دنانير “. وكان هذا كله هو المطلوب، فأخذه لصوص الاحتلال وأخذوا معهم السيدة المسكينة وانصرفوا، وهم يسخرون بورقة الأمان التى علقتها على باب بيتها… ومكثت عندهم فى الاعتقال هى وجواريها ثلاثة أيام، ولم تعد إلا بعد أن اشترت لنفسها منهم أمانا جديدا بالمال.

وذكر الجبرتى أيضا أن “ الست نفيسة “ زوجة مراد بك، ظهرت وصدقتهم، وصالحت على نفسها وأتباعها بمبلغ قدره عشرون ومائة ألف ريال فرنسى، ومضت إلى بيتها مطمئنة إلى الأمان الذى أمضاه لها نابليون قائد القوات الفاتحة.. وما لها لا تطمئن وهى زوجة الفارس القائد الذى كان يقود جيوش مصر فى وجه نابليون.. الفارس القائد الذى عرفت عنه أن من تقاليد الفروسية احترام النساء. نعم ذهبت مطمئنة، وهى تعلم أن تقاليد الفروسية تأبى على أربابها الأمان للنساء بالمال… وأن ذلك القائد الفرنسى النذل إذا رضى لنفسه أن يبيع الأمان للنساء فقد يكون له بقية من شرف الجندية تأبى عليه أن يعود فيه مرة أخرى.

ذهبت إلى بيتها وهى مطمئنة على نفسها من أجل هذه المعانى كلها، ولكن هل كان هؤلاء الأنذال عند ظن النساء بهم؟ لقد أرسلوا إليها يطلبون منها إحضار زوجة عثمان بك الطنبرجى.. ويتهمونها أنهاتخفيها فى منزلها، أو فى مكان ما.. وهكذا انقلبت مهمة جنود الجمهورية الفرنسية لا إلى البحث عن جنودالمقاومة السرية، أو البحث عن القواد المختفين، بل إلى البحث عن النساء، لكى يرغموهن على شراء الأمان لأنفسهن بالمال.. فهل وجد إنسان أحط من هذه المروءة؟! وذعرت السيدة الفاضلة من هذا الطلب، وقررت أنها لا تعرف مكان السيدة المطلوبة… ولكنهم رفضوا تصديقها، وأبوا ألا أن يفتشوا البيت، بحثا عن المال تحت ستار البحث عن السيدة…

فأرسلت فورا تستنجد بشيوخ الأزهر، فحضر لها بعض الشيوخ على عجل...ولم يتمكن الجنود اللصوص- أمام الشيوخ- أن ينهبوا شيئا مما وجدوه فى القصر، ولم يجدوا السيدة المزعومة، فأغتاظوا وقرروا أن يعتقلوا صاحبة القصر التى صالحت على أمانها بالمال من قبل،.. فحاول الشيوخ أن يمنعوا هذا الاعتقال، فأبوا وأصروا على أخذها… وهنا لم يجد الشيوخ الفضلاء بدا من مرافقة السيدة الكريمة إلى معتقلها، وهم مذهولون من أن يروا النساء يعتقلن لأول مرة فى تاريخ مصر بدون سبب وعلى هذه الصورة المهينة…

ونظر القائمقام “ دبوى “ قصتها، فلم يثبت عليها شراء مما اتهمت به… فطلب الشيوخ إطلاق سراحها، ولكن القائمقام رفض أن يفرج عنها ولفق لها تهمة جديدة، هى أنها أرسلت أحد الخدم إلى زوجها بملابس وأمتعة، ووعدته إذا نجح فى الوصول إليه أن تكافئه مكافأة حسنة، ولكن الجنود قبضوا على الخادم قبل أن يؤدى مهمته، واعترف لهم بكل شىء… فأنكرت السيدة ذلك الاتهام الجديد بشدة، وطلبت مواجهتها بهذا الخادم، فوعدوها بذلك.. ومضت الساعات وانتهى النهار، ولم يحضر الخادم المزعوم… وهنا طلب المشايخ إطلاق سراحها.. ولكن القائمقام “ دبوى “ رفض ذلك بشدة. وعاد المشايخ إلى طلب الإفراج، على أن تحضر إليهم فى اليوم التالى، وضمنوا له ذلك. ولكن القائد الشهم رفض رجاءهم مرة أخرى.

وعز على المشايخ أن تهان سيدات مصر هذه الإهانة البالغة، فعرضوا على القائد أن تذهب هى لتبيت فى بيتها ويبيتوا هم عنده عوضا عنها، وضمانا لها… ولكن الضابط الذى يمثل شهامة الفرنسيين، رفض أن يقبل هذا العرض النبيل. وظل المشايخ يعالجون الأمر معه بكل وسيلة، ولكن نذالته أبت عليه أن يستجيب لأى مكرمة.. فلما يئسوا منه تركوها ومضوا وأرسلوا إليها بعض كرائم السيدات المسلمات ليقضين الليل معها… وسمع نساء الفرنج المقيمات بمصر هذا التصرف الدنىء، فذهب بعضهن وانضممن مع النساء المسلمات فى المبيت مع السيدة الكبيرة فى معتقلها…

ولما أصبح الصباح ذهب كبار المشايخ إلى نابليون بونابرت نفسه، وكلموه فى الإفراج عن السيدة التى باع لها الأمان بالمال من قبل… فرضى قائد فرنسا العظيم أن يطلق سراحها، ولكن بعد أن يبيع لها الأمان مرة أخرى بالمال!.. وحدد بنفسه المبلغ: ثلاثة آلاف ريال، فدفعتها السيدة وانصرفت..

قال الجبرتى: “ وذهبت إلى بيت لها مجاور لبيت القاضى ، وأقامت فيه، لتكون فى حمايته “.

***

ولا شك أن القارىء فى دهشة مما يقرأ، فانه اعتاد أن يرى نابليون فى هالة من المجد والعظمة، كلما قرأ عنه كتابا من كتب التاريخ..

لا شك أنه فى دهشة بالغة لا يكاد يصدق معها أن هذا الرجل الذى يجعله الفرنسيون مصدر فخرهم، وعنوان مجدهم، ينحط فى انسانيته ومروءته إلى هذا الدرك المعيب..

ولكن مع الأسف الشديد هذا هو الواقع المر الذى نجده فى مذكرات الجبرتى التى كان يكتبها يوما بيوم يسجل فيها ما رأى من حوادث تلك الأيام، وهو عالم ثقة، ومؤرخ صادق…

ولا ندرى لماذا اجتنب المؤرخون أن ينقلوا للناس ما ذكره هذا المؤرخ فى مذكراته اليومية عن هذا الرجل وجنوده من صور عجيبة.. نعم صور عجيبة لم يقف فيها العجب عند بيع الأمان للنساء مرة ومرة، بل تعدى ذلك إلى بيع الأمان للخيول والثيران!..

فهذا المحارب العجيب، يطلب إلى الناس أن يقدموا له كل ما يملكون من خيل وجمال، وأبقار وثيران…

ومن عز عليه أن يقدم ذلك فعليه أن يشترى الأمان لماشيته، أى أن يصالح عنها بالمال، وفى ذلك يقول الجبرتى بالحرف الواحد: “ وفى يوم الأحد طلبوا الخيول والجمال، والسلاح، فكان شيئا كثيرا.. وكذلك الأبقار والأثوار فحصل فيها أيضا مصالحات… وأشاعوا التفتيش على ذلك وكسروا عدة دكاكين بجهة سوق السلاح وغيرها، وأخذوا ما وجدوه فيها… وفى كل يوم ينقلون على الجمال والحمير من الأمتعة والفرش والصناديق ما لا يحصى “.

ولا نريد أن نعلق على تلك المخازى ، فإن خير تعليق عليها هو أن نسردها كما هى.

***

لم يقنع نابليون ورجاله بالأموال الطائلة التى نهبوها من بيوت الأمراء، وغصبوها من ضعاف النساء، ولا بما فرضوه للمصالحة على الخيول والثيران، بل لجأوا إلى امتصاص دماء الأهالى بأسلوب يدعو إلى السخرية والمهانة..

كان نابليون قد ألف مجلسا من الأهالى والشيوخ ليحكم به البلاد، يسمى الديوان.. فدعا أعضاء الديوان يوما، وطلب منهم أن يجمعوا له خمسمائة ألف ريال “ سلفة “ من التجار..

وهذه السلفة على هذا النحو تبين لك أن القوم وعلى رأسهم نابليون، لم يكن لهم أقل إحساس بالكرامة، فراحوا يستجدون الناس، أو يتسولون باسم “السلفة”. وليت هؤلاء المتسولين كانوا مهذبين فى طلبهم، بل كانوا فى منتهى الصفاقة وقلة الحياء، فإن التجار حين ضجوا منها، فرضوها عليهم بقوة الحديد والنار.. فتوسلوا وتضرعوا لكى يخففوا عنهم “ سلفتهم “ المشئومة، فرفض المتسولين وأبوا إلا أن يأخذوا “السلفة” كاملة غير منقوصة.. ولكن هل وقف أمر السلفة عند هذا الحد؟ لا، فإنهم بعد ما قبضوها لم يلبثوا أن طلبوا سلفة جديدة..

طلبوها بعد الأولى بيومين اثنين فقط، مما لم يسمع بمثله فى التاريخ، فقد كانت الأولى يوم سبت، قال الجبرتى: “ وفى يوم الثلاثاء طلبوا أهل الحرف من التجار بالأسواق، وقرروا عليهم دراهم على سبيل السلفة… مبلغا يعجزون عنه… وحددوا لهم وقتا مقداره ستون يوما يدفعونه فيه، فضجوا! واستغاثوا؟ وذهبوا إلى الجامع الأزهر، والمشهد الحسينى، وتشفعوا بالمشايخ، فتكلم المشايخ لهم، ولطفوا السلفة إلى نصف المطلوب “.

***

واستمر الفرنسيون على هذه “ البلطجة “ يأخذون المال من الناس جبرا باسم السلفة تارة.. وغصبا وسلبا تارة أخرى.. وكانت جنودهم قد تفرقت فى قرى الريف ومدن الأقاليم فكانوا يصنعون مع أهل القرى ما يصنعه زملاؤهم مع أهل القاهرة، من أخذ المال بأساليب “ البلطجية “ الذين يعيشون “ تلقيحة “ على عباد الله، يغتصبون أموالهم بكل وسيلة من وسائل القوة والتهديد..

ويطول بنا القول إذا رحنا نسرد كل ما كان منهم، فنكتفى بذكر حادث واحد هو صورة مكررة لما كان يحدث فى ذلك الوقت.. نزلوا بجهة الخانكة وأبى زعبل بعساكرهم وضباطهم، قال الجبرتى:"وطلبوا من الأهالى (كلفة) فامتنعوا “.. والكلفة هى الاسم الذى تستروا به للغصب والنهب فى الريف كما تستر زملاؤهم بمهزلة “ السلفة “ فى القاهرة. ورفض الأهالى هذه “ التلقيحة “ وسخروا من هذه “ الكلفة “ وأبوا أن يدفعوا شيئا لهؤلاء البلطجية..

فما كان من اللصوص الأخساء- ضباطهم وجنودهم- إلا أن أعلنوا القتال على القرية الآمنة، وسلطوا عليها مدافعهم، وأنزلوا بها الخراب والدمار، وأشعلوا فيها الحرائق ونهبوا ما استطاعوا منها، وارتحلوا..

***

ولم يقف جشع هؤلاء فى سلب المال عند حد، ففكر نابليون فى مصادرة أملاك الناس، وابتزاز أموالهم، ولكن باسم القانون، وتحت ستار النظام. لم يكن للدولة فى ذلك العهد البعيد دواوين، ولا سجلات تضبط للناس ما يملكون من البيوت والأراضى.. وما وجد من تلك السجلات كان على حال غير منظمة، علاوة على أن الأهالى لم يكونوا يهتمون فى تلك الأيام البعيدة بتسجيل ما يملكون فى تلك السجلات.. وانتهز نابليون تلك الفرصة، وأصدر قانونا للغصب والنهب، نكتفى بذكر مضمونه دون التعليق عليه:

أولا: على أصحاب الأملاك أن يقدموا حججهم التى تثبت ملكيتهم لما يضعون عليه أيديهم.. فإذا لم يستطع المالك أن يقدم تلك الحجج، صودرت أملاكه فورا.

وإذا علمنا أن الأهالى فى الأزمنة البعيدة ما كانوا يهتمون بحفظ تلك الحجج لديهم، أدركنا مبلغ ما صادر نابليون من أملاك الناس وأراضيهم..

ثانيا: إذا قدم المالك ما لديه من الحجج لا يكتفون بها، بل يؤمر بالكشف عليها فى السجلات نظير ضريبة يدفعها. فإذا دفع الضريبة، ولم توجد الأملاك مقيدة بالسجلات صودرت أملاكه فورا.

ثالثا: إذا وجدت الأملاك مقيدة فى السجلات، لا يكتفون بذلك، بل يطلبون إليه أن يحضر الشهود الذين يشهدون بأن المالك يملك هذه الأملاك بطريق البيع أو الميراث، ويلزمونه دفع ضريبة لسماع هؤلاء الشهود. فإذا لم يستطع المالك إحضار الشهود لوفاتهم أو لوجودهم فى أقطار بعيدة، صودرت أملاكه فورا.

رابعا: إذا حضر الشهود، كانت شهادتهم ترد فى الغالب وتصادر الأملاك!

***

وإليك قانونا آخر:

أولا: إذا مات شخص ما، وجب على أهله أن يدفعوا على موته ضريبة..

ونحن نورد لك نص ما قاله الجبرتى فى ذلك فإنه أمر لا يكاد يصدق: “ إذا مات الميت يشاورون عليه (أى يخبرون عنه) ويدفعون (معلوما) لذلك “.

ثانيا: تفتح تركة الميت فى ظرف أربع وعشرين ساعة، فإذا مضت تلك المدة ولم تفتح التركة صودرت فورا “ ولا حق للورثة فيها “ على ما قاله الجبرتى..

وإذا علمت أن تقاليد بلادنا الشرقية كانت تتشبث بإقامة المأتم فى تلك الأيام البعيدة لمدة سبعة أيام أو ثلاثة على الأقل، وأنه كان لهؤلاء الأجداد من الآنفة ما يصرفهم عن تعجل النظر فى تركة المتوفى..

إذا علمت ذلك أدركت مبلغ التركات التى صادرها هؤلاء بقوانينهم الهمجية.

ثالثا: إذا فتحت التركة فى الموعد المقرر، يجب أن يكون فتحها بإذن رسمى، ويدفع على ذلك الإذن ضريبة مقررة.

رابعا: على كل وارث للتركة أن يثبت وراثته، وأن يدفع على ذلك الثبوت ضريبة..

خامسا: إذا قبض كل وارث ما يخصه، يجب أن يدفع عنه ضريبة مقررة.

سادسا: إذا كان الميت مدينا، وجب على الدائن أن يثبت دينه، وأن يدفع على هذا الإثبات ضريبة، ويأخذ ورقة يتسلم بها الدين.. فإذا تسلم الدين دفع عليه ضريبة أخرى.

وكذلك قرروا ضريبة على من يريد أن يسافر من مكان إلى آخر، لا أجرا للركوب، فإن المسكين كان يسافر على دابته أو جمله أو على سفينة من سفن النيل، بل يدفع تلك الضريبة مقابل الإذن له بالسفر.

وكما فرضوا على الموت ضريبة فرضوا للحياة ضريبة أخرى، فعلى كل من يولد له ولد أن يدفع عليه مبلغا “ معلوما “.

ولندع الجبرتى يحدثنا عن تلك العجائب بأسلوبه الرائع: “ والمسافر كذلك لا يسافر إلا بورقة ويدفع عليها قدرا، وكذلك المولود إذا ولد “، ويقال له: “ إثبات الحياة “.

ويطول بنا القول إذا رحنا نستقصى الوسائل التى ابتدعوها لاستنزاف أموال الشعب ويكفى أن نعلم أنهم كانوا يفرضون الضرائب- كما يقول الجبرتى- “ على المبايعات، والدعاوى، والمنازعات، والمشاجرات، والاشهادات ، والمؤجرات وقبض أجر الأملاك “ وغير ذلك مما يطول استقصاؤه.. فلندع هذا الاستقصاء، فإن ما ذكرناه كاف للدلالة على أن ما ارتكبوه اليوم فى بورسعيد من السلب والنهب إنها هو امتداد لما ارتكبوه من قبل فى القاهرة منذ مائة وستين عاما، وهو فى الحالين وحى خصوصية النذالة فيهم، وتوجيه دواعى الطبع الخسيس..

***

لا أدرى لماذا لم تنشر هذه الصحائف السود عند دراسة الحملة الفرنسية على مصر؟ إن المعلومات التى تحشى بها أذهان التلامذة تغاير هذه الحقائق المخزية! حتى ليظن القارىء أن غزو فرنسا لمصر كان بركة علمية وشعلة ثقافية! ولا شك أن ذلك التاريخ المزور هو أثر الاحتلال البريطانى فى صياغة العقول الجديدة وتكوين أفكار معينة بها والظالمون بعضهم لبعض ظهير..

والحق أن ما أثبتناه هنا قل من كثر من فظائع الفرنسيين بمصر يوم احتلوها حتى تم جلاؤهم عنها بعد مقاومة شعبية عامة. وقد تناول الأستاذ ساطع الحصرى هذا الوضوح كاشفا جوانب مما استخفى من هذه المآسي. فقال: “ أخذت قيادة الحملة تفرض على الأهالى- على الدوام- أنواعا شتى من الضرائب والقروض والغرامات، وصارت تكثر من مصادرة الأموال والذخائر ومن تسخير الدواب والجمال، ومن إرهاق كواهل الناس بسلسلة طويلة من التكاليف. وكان قواد الحملة يقدمون- من وقت إلى آخر- على هدم عدد كبير من المبانى- بين دور وحوانيت ومساجد ومدارس وقصور، لغايات عسكرية بحتة لأ نهم كانوا يجدون ذلك ضروريا، تارة لتسهيل المراقبة على الأهالى مع منعهم من التترس والتحصن فى الأزقة، وطورا لحفر الخنادق، وتشييد القلاع، وتعبئة المدافع. كما أنهم كانوا لا ينقطعون عن قطع الأشجار وتخريب البساتين لتسهيل أعمال الضبط والمراقبة من جهة، والحصول على الأحطاب الضرورية؛ لصنع المراكب وتشييد الحصون وتقوية الخنادق من جهة أخرى.

ويجد الباحث فى اليوميات التى كتبها الجبرتى من تلك الحقبة من الزمن كثيرا من الصحائف التى تصف هذه التخريبات، وتذكر أسماء أهم القصور والمساجد والمدارس والحارات التى ذهبت ضحية لأمثال هذه الأعمال والتدابير العسكرية.

غير أن تخريبات الجيش الفرنسي فى مصر لم تقتصر على الأموال والأشجار والمباني وحدها، بل تعدت كل ذلك إلى النفوس أيضا، فإن قواد الحملة عندما لاحظوا عدم انخداع الناس بالدعايات الساذجة التى كانوا قاموا بها تحت ستار الدين، أخذوا يسلكون مسالك القسوة والاعتساف، وصاروا يكثرون من أخذ الرهائن واعتقال الناس، وأقدموا على إعدام الكثيرين منهم لأتفه الأسباب، عقابا لهم أو تخويفا لأمثالهم، وقاموا غير مرة بأعمال تعذيبية وإرهابية فظيعة، لا تختلف كثيرا عن همجية القرون الأولى.

وقد قابل




 

 
من فضلك اترك تعليقك..

تذكر بياناتي الشخصية

إعلام بريدي بوجود تعليقات جديدة؟