محمد الغزالي هموم داعية

أحوالنا العامة قبل الهزائم التاريخية الكبرى..

تأملت في تاريخ الأمة الإسلامية طويلاً، وتأكدت من أنها لا تصاب من الخارج، وتلحقها الآلام الشداد إلا بعد أن تصاب من الداخل، وينفرط عقدها وتذهب رسالتها
ليس لنا أن نسيء وننتظر من الله الإحسان، ولا أن نغدر بمعالم دينه وحقائق رسالته، ثم نرقب منه –سبحانه- البر والنصر! لماذا وهو القائل لنا –بعدما حملنا أمانات الوحي: ) فَاذكُرُونيِ أَذكُركُم وَاشكُرُوا ليِ وَلاَ تَكفُرُونِ ( ؟(البقرة:151)
إن لدينا كتابًا يخرج الناس من الظلمات إلى النور، فإذا أبينا المشي في هداه وإذا غطينا بأهوائنا وهجه فهل يتركنا القدر لنعبث كما نشاء؟
ولأترك الكلام الآن عن حاضرنا الموجع، ولأقلب صفحات الماضي البعيد لأقرأ من سطوره ما يثير العبرة ويوقظ الفكرة.
وقد يكون الحاضر صورة من الماضي فندرك أن القضية واحدة والحكم هو هو !!


تأملات فى التاريخ قال التاريخ:

هجم الصليبيون على العالم الإسلامي بعدما حفرت الفرقة بين دوله خنادق بعيدة القاع، فأمسى بعضها يتربص بالبعض الآخر، ويتمنى له الدمار! الدولة الفاطمية في الشمال الأفريقي ومصر تغير على الدولة العباسية في العراق والشام والحجاز، والدولة الأموية في الأندلس تتمنى البوار للفريقين، كي يؤول إليها الميراث الدسم..والفرقاء المتشاكسون محصورون في أحقادهم، لا يحسون الزحف الصليبي القادم من الغرب، ولا الزحف التتاري القادم من الشرق..!!
أيرضى الإسلام عن هذه الضغائن الخسيسة، أو ينتظر من أصحابها أن يخدموا عقائده وشرائعه؟!
ما خدعتني الألقاب المهيبة التي شهر بها هؤلاء، ولا دلت على رسوخ في دين أو مكانة في دنيا!!
هرب الخليفة العباسي “القائم بأمر الله” بعدما سقطت بغداد في أيدي الفاطميين، واعتقله أحد البدو، ولكن الملك السلجوقي “طغرلبك” استنقذه ورده إلى عاصمة ملكه، فكافأه الخليفة على حسن صنيعه بأن زوّجه من أخته، ولقبه ملك المشرق والمغرب، وأطلق يده في إدارة الدولة!! ومات الملك السلجوقي فورثه ابن أخيه “ألب” ومات الخليفة العباسي وورثه عباسي آخر لقب نفسه “بالمقتدى” وكان شابًا في التاسعة عشرة من عمره..
ولم يكن الشاب الشريف النسب! قديرًا على الإدارة، فتولاها عنه سلجوقي آخر يدعى “ملكشاه"، وهو ابن إلب أرسلان الذي توفي بعد حياة عامرة بالجهاد.. قال التاريخ:
واستبد “ملكشاه” بالسلطة، وازدرى الخليفة ، وبلغ من احتقاره له أن أمره بترك بغداد، وتضرع الخليفة إليه أن يمهله شهرًا، فأبى بعد إلحاح إلا أن يمهله عشرة أيام وحسب.!!
وشاء الله أن يموت “ملكشاه” قبل انقضاء الأجل المضروب، وتكتمت زوجته نبأ موته، وذهبت إلى الخليفة المهدد طالبة أن يولّي ابنه مكانه، وكان الولد لا يبلغ من العمر خمس سنين، ولكن الخليفة المقتدى ولاه، ومنحه لقب ناصر الدين والدنيا.!!
أرأيت هذا الهزل كله؟ إنها مساخر يحار المرء كيف تقع باسم الإسلام في عاصمة الإسلام.!
ومتى يحدث هذا السخف في دفة الحكم؟ يحدث وملوك أوروبا وبابا الفاتيكان ورجال الكنيسة يصرخون بضرورة الثأر من المسلمين والإجهاز على دين محمد.!
لكن هذه الصيحات لا يبلغ صداها رجال السياسة العليا في بلادنا! إنهم ينادون من مكان بعيد! إنهم غرقى في شهواتهم الشخصية، ومطامعهم العرقية.
لقد فهموا من الإسلام شيئًا واحدا، أن الوحي الأعلى نزل ليخص أفراد أسرتهم بمكانة ممتازة.
فبعد ستة قرون أو أقل أو أكثر من شروط الإسلام، يرى شاب مسكين من ولد العباس أنه جدير بقيادة العالم الإسلامي.!
أو يرى نظير له من بني أُمية أن المسلمين على شاطئ الأطلسي يجب أن يدينوا له بالطاعة!. ألم...يكن أجداده الأمجاد عمدا في بطحاء مكة قديمًا؟
ولو انتقل الإسلام إلى غرب الأطلسي واعتنقه سكان الأمريكتين فينبغي أن يدخلوا في سلطانه، أليس من قريش؟
إن أي مملوك عديم الكفاية يغنيه هذا الانتساب ليطلب أمرًا لا يعرف له رأسًا من ذنب!!..والغريب أن صاحب الرسالة قال لابنته فاطمة: “يا فاطمة بن محمد (ص) أعملي لا أُغني عنك من الله شيئًا"، ثم جاء بعد ذلك من ينتسب إلى فاطمة بالحق أو بالباطل ليتذرع بهذا النسب إلى قيادة المسلمين.!!
الحق أن الأجهزة العليا للدولة الإسلامية لحقها عطب مبكر من جراء هذه المزاعم الصبيانية، وأن غلبة التافهين على مناصب الخلافة أصاب الأمة الإسلامية كلها بجرح غائر، مازال ينزل حتى أفقدها الحياة، ومكن منها الأعداء.
ثم كان سببًا في أن ناسًا من أهل الطموح والقدرة رأوا العجز الفاضح لأبناء هذه الأُسر، فنحوهم عن السلطة واحتازوها لأنفسهم.
ولما كان التطلع والادعاء شائعين بين الناس، فقد تهارش على الحكم طامعون كثيرون، وأصبح الاستيلاء على مقاليد الحكم مطلبًا ميسورا لكل من يملك سيف المعز وذهبه..
وبديه أن يستخفى في هذا الجو ذوو المروءة والشرف والعفاف والتقى!، فماذا يصنعون؟ وبأي سلاح يقاتلون؟
لنطو هذا التعليق السريع، ولنعد أدراجنا إلى بلاد الإسلام قبيل الحملة الصليبية الأولى، عندما كان أولاد العباس، وأولاد فاطمة، وأولاد أُمية يتنافسون على مقاليد الحكم في العالم الإسلامي..
في مقدمة جيدة كتبها الشيخ علي محمد يوسف المدرس بكلية الشريعة بجامعة قطر، عن ابن الجوزي جاءت هذه العبارات في وصف المسلمين قبيل الهجوم الصليبي: “بينما هم في غمرة انقسامهم على أنفسهم إذ برز عدو يرفع شعار الصليب يريد القضاء عليهم واقتلاع الإسلام من جذوره!
وقد قامت أولى الحملات الصليبية سنة 492هـ. وقال عنها ابن الجوزي: وردت الأخبار بأن الإفرنج ملكوا أنطاكية، ثم جاءوا معرة النعمان فحاصروها، وقتلوا ونهبوا، وقيل: إنهم قتلوا ببيت المقدس سبعين ألف نفس، وكانوا قد خرجوا في ألف ألف...”
ونقف عند عبارة ابن الجوزي، قيل: إنهم قتلوا سبعين ألفًا! الأمر عنده، وعند سكان بغداد، وفي مركز الخلافة الإسلامية لا يعدو أن يكون إشاعة!!
إن دار الخلافة آخر من يعلم، وأنى لها العلم ورجال الدولة في شغل بصيد المتع ونشدان الملذات والتقاتل على السلطة..
كان الحكم مغنمًا يستحق المخاطرة! أَبلغَ أُولئك النتنى من الخلفاء، أن عمر بن الخطاب آثر صرف الخلافة عن ابنه ضنًا عليه بمتاعبها ومغرمها قائلا: “بحسب آل الخطاب أن يحاسب واحد منهم عن المسلمين.”
كانت الخلافة أيام الرجل الكبير عبئًا ومغرمًا..
ثم جاءت أيام الملك العضوض فأصبحت بقرة حلوبًا..فلما هجم الصليبيون على فلسطين كان التقطع في كيان الأمة الكبيرة قد بلغ مداه، ولولا أن مذبحة بيت المقدس طمت وعمت واستحال حصر أبنائها لبقي النائمون نيامًا.
ولم تلبث دولة الخلافة غير قليل حتى دفعت ثمن بلادتها فاجتاحها التتار، وجعلوها خبرًا كان، ولم تغن عنها الألقاب الخادعة من مسترشد بالله! ومقتف لأمر الله، ومستنجد بالله! وناصر لدين الله..إلخ!
إن الظن لا يغني من الحق شيئًا، فكيف بالكذب الصراح؟
والمسلمون إذا لم يصدقوا الله فلا يلومون إلا أنفسهم!!


أثر الإستبداد السياسي على الدين و الحياة

قد يقال: أين جهاد العلماء في مقاومة هذه الفوضى؟ والجواب يقتضينا شيئًا من التفصيل، فإن أصحاب العقول الكبيرة والهمم البعيدة حاربهم الاستبداد السياسي، وفض مجامعهم، فضاقت الدائرة التي يعملون فيها، وتضاءل الأثر الذي يرتقب منهم..
والمرء لا يسعه إلا الحزن لمصائر قادة الفكر الديني الذين قتلوا أو أُهينوا وحيل بينهم وبين نفع الجماهير..
ومع غياب هؤلاء انفسح المجال لعارضي الأحاديث الذين يخبطون في السنة الشريفة خبط عشواء..ولفقهاء الفروع الذين خدعوا العوام بسلعهم، وأوهموهم أنهم يشرحون لباب الدين وشعب الإيمان الكبرى، وهم في الحقيقة يذكرون تفاصيل ثانوية يكثر فيها لأخذ والرد، ولا تمس جوهر العقيدة أو الشريعة.
إن الأحاديث الشريفة –بعد تمحيص سندها- تحتاج إلى الفقيه الذي يضعها في الإطار العام للإسلام الحنيف، ولكن جاء ناس يروون للعامة –مثلا- حديث الترمذي عن أبي هريرة قال رسول الله ( ص ) : “يَدخُلُ الفُقَرَاءُ الجَنَّةَ قَبلَ الأَغنِيَاءِ بِخَمسِمَائةَ عَامٍ” أو حديث أبى داود عن أبى سعيد قال: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين –وإن بعضهم ليستتر ببعض من العرى- وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله (ص) فقام علينا، فسكت القارئ، فقال: “ما كنتم تصنعون؟” قلنا: كان قارئ يقرأُ علينا نستمع كتاب ربنا، فقال: “الحمد لله الذي جعل في أمتي من أُمرت أن أصبر نفسي معهم” وجلس وسطنا ليعدل نفسه بنا.
ثم قال بيده هكذا –يعني أمرهم أن يصنعوا دائرة- فتحلقوا وبرزت وجوههم، فما رأيت رسول الله عرف منهم أحدا غيري!! ثم قال: “أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بخمسمائة سنة”.
بديه أن هذه الأحاديث للمواساة والبشرى، ولا تعني أبدًا أن الغني عيب، وأن الثراء يؤخر المنزلة.
بيد أن جهلة المحدثين أرادوا إقامة مجتمع من الصعاليك ورووا آثارًا تجعل عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوًا!
وهذه بلاهة منكورة، فإن المال قوام الحياة وأساس الدولة، وكافل المؤسسات المدنية والعسكرية، وعبدالرحمن بن عوف هو بنص القرآن من السابقين الأولين، الذين حازوا الرضوان الأعلى، وبُشروا قبل غيرهم بالجنة..
وتحبيب الفقر للناس كما يفعل أولئك المحدثون القاصرون جريمة.
فإذا انضم إلى هذا أن العرب يحتقرون الحرف –تمشيًا مع جاهليتهم الأولى- ويفضلون عليها الفقر عرفت أي مجتمع تصنعه هذه التعاليم.
والغريب أن هذه الأحاديث كانت تروى وفي الأمة الإسلامية طبقات انتفخت من السحت.
وبدلا من تقويم عوجها بالآيات والسنن الصحاح، انتشرت هذه المرويات، وانتشر مثلها في ميادين كثيرة، مما بلبل المجتمع وكاد يفقده وعيه..!


معارك فى فقه الفروع

أما فقهاء الفروع فقد زادوا الطين بلة، وزحموا أوقات الناس بصور من الأحكام تكتنفها التهاويل المزعجة، مع أنها لا تستحق لا هذا الجهد ولا هذا الوقت.!!
ثم أعلنوا حروبًا غير شريفة على من يخالفهم في تلك الأحكام الجزئية .
روى (عن مقدمة علي بن محمد يوسف المحمدي التي أشرنا إليها آنفًا) ابن الجوزي عن الشيخ ابن عقيل، قال: رأيت الناس لا يعصمهم من الظلم إلا العجز! لا أقول: العوام، بل العلماء. كانت أيدي بعض الحنابلة مبسوطة في أيام ابن يوسف –الحاكم السابق- فكانوا يتسلطون بالبغي على أصحاب الشافعي في الفروع –التي يخالفونهم فيها- حتى لا يمكنوهم من الجهر بالقنوت، وهي مسألة اجتهادية –يعني لا حرج في اختلاف فيها- فلما جاءت أيام النظام ومات ابن يوسف، وزالت شوكة الحنابلة استطال عليهم أصحاب الشافعي استطالة السلاطين الظلمة فاستعدوا عليهم، وآذوا عامتهم بالسعايات، والفقهاء بالنبذ والاتهام بالتجسيم.!!
قال ابن عقيل: فتدبرت أمر الفريقين فإذا هم لم تعمل فيهم أداب العلم، وهل هذه إلا أفعال العسكر؟ يصولون في دولتهم ويلزمون المساجد في بطالتهم!”
وذكر ابن الجوزي عن أبى نصر القشيرى –الواعظ بالنظامية- أنه كان يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، فرموه بالحجارة حتى وصلت إلى حاجب الباب، وتقاتل القوم مرة بسببه، حتى وقع بينهم قتلى وجرحى وحرق ونهب إلى أن أرسل الخليفة من أخمد الفتنة..!!
يحدث هذا التمزق في الأمة الإسلامية والعالم الصليبي يحترق شوقًا إلى ضرب الإسلام في عقر داره ومحو أعيانه وآثاره.
وعلام الخلف والتظالم؟ على قضايا تركها كفعلها أو فعلها كتركها، لا يخدش إيمانًا ولا يجرح المروءة! وهل في قنوت الفجر إن فعلناه أو تركناه ما يضير؟
إن العرى عن الأخلاق، وإبطان الكره للآخرين والعجب بالنفس هو الجريمة التي ارتكبها نفر من فقهاء الفروع غرتهم بضاعتهم فقدموها للناس مقرونة بالغلو، ولم يبالوا بما تتركه من فرقة!
وفساد المتدينين من أهل الكتاب صدر عن هذا المنبع، زوّقوا الشعارات، وخرّبوا القلوب فقال الله فيهم: ) وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءَتهُمُ البَيّـِنَاتُ بَغيَا بَينَهَم ( (البقرة:211)
وكانت عقبى الشقاق وعوج الصفوف واضطراب الحكم وحب الرياسة أن اقتحم الصليبيون والتتار حدود الأمة المختلة وفعلوا بها الأفاعيل.
لماذا أذكر ذلك الآن؟ لماذا أنفض الغبار عن صحائف مضت؟


ما أشبه الليلة بالبارحة

لأني أرى العلل القديمة تتجمع، ونذر العاصفة المدمرة تبدو في الأفق البعيد، بل إن الأعداء شرعوا في الهجوم، والأرض الإسلامية تنتقص من أطرافه، والخطط توضع لضرب القلب بعد قص الأجنحة!
نجح الصليبيون في تنصير أربعة أخماس الفلبين، ثم اتجهوا إلى جزر إندونيسيا يحملون الخطة ذاتها، وقد محوا المعالم الإسلامية من “سنغافورة” وهم الآن يبعثرون طلائعهم في شرق وجنوب آسيا..
وقد نشرنا في أحد كتبنا مقالا كاثوليكيا عن ضرورة إزالة الإسلام من أفريقية مع نهاية القرن العشرين! وبابا الفاتيكان يتنقل بين أقطار شتى ليطمئن إلى نجاح الخطة المرسومة ويزيدها ضراوة..!!
كيف لا يقشعر جلد المؤمن وهو يطالع هذه الأنباء؟ كيف يطيب له منام أو طعام؟
أعرف أن الأمة الإسلامية أحست الخطر المحدق وهبت لتحيا، وعلائم الصحو تنتشر بسرعة مع اقتراب الفزع واكفهرار الجو.
وإني لمؤمل الخير من وراء هذا الصحو الشامل، بيد أني أُحذِّر من الأمراض القديمة، من فساد السياسة بالفرقة وفساد الثقافة بالجهل والهوى.
من الناحية العلمية يجب أن نتعاون في المتفق عليه، ونتسامح في المختلف فيه، ونتساند صفا واحدًا في مواجهة الهجمة الجديدة على ديننا وأرضنا حتى نردها على أعقابها.
وعلى أهل المسئولية الإسراع في جمع القوى، وسد الثغرات وحشد كل شيء لاستنقاذ وجودنا المهدد..!
إن أي امرئ يشغل المسلمين بغير ذلك، إما منافق يمالئ العدو ويعينه على هزيمتنا، وإما أحمق يمثل دور الصديق الجهل، ويخذل أُمته من حيث لا يدري!
وكِلا الشخصين ينبغي الحذر منه وتنبيه الأمة إلى شره. 




 

 
من فضلك اترك تعليقك..

تذكر بياناتي الشخصية

إعلام بريدي بوجود تعليقات جديدة؟