محمد الغزالي هموم داعية

حقائق خفية وراء حروب تعيسة

الدولة التى أقامها بنو إسرائيل على أنقاضنا تتمتع بميزات محلية ودولية كثيرة.. لكن شيئا من ذلك لا يجديها إذا عرفنا من نحن؟ وقررنا أن نعمل! أى إذا انطلقنا بعقائدنا الإسلامية، ومضينا نطلب إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وكان وراء المقاتلين جمهور جاد كادح مستميت..! إن تفوق السلاح وتظاهر الأعداء من كل فج لن يفتا فى عضدنا! فنحن خلال تاريخنا الطويل لم نكسب معاركنا الكبرى بكثرة العدد ورجحان السلاح، بل كسبناها بالاستناد إلى الله وبذل كل ما لدينا من طاقة.. وجميع المعارك التى كسبها اليهود فى عدوانهم علينا فى السنين الأخيرة لم تكن لبسالة المقاتل اليهودى أو لعظمة أسلحته، بل كانت ـ ونقولها محزونين مكسورين ـ لتفاهة القيادات وسذاجة الخطط وعربدة الشهوات فى صفوف العرب..!! ولو كان العرب بهذه الخصال يقاتلون جيشا من القردة لانهزموا، فأنى لهم النصر، وبعضهم يأكل بعضا ويتربص به الدوائر، والكل بعيد عن الإسلام منسلخ من تعاليمه...؟ إن أبناءنا المخدوعين دفعوا من لحومهم ودمائهم ثمنا فادحا لمسالك قادة فقدوا الدين والشرف! وجعلوا اليهود يقولون فى تبجح: إن جيشهم لا يقهر!! أضحوكة نرويها ونحن نهز رأسنا من عجب! متى كان لليهود جيش لا يقهر؟ ولكن حفنة من ساسة العرب خرب الإلحاد قلوبها، وأطاشت الأهواء ألبابها هى التى صنعت هذه الفرية!


كيف انهزم العرب؟

كان أهل فلسطين يقاتلون اليهود قبل إعلان دولتهم فما انتصر اليهود فى معركة! لولا الجيش الإنجليزي فى البر والأسطول الإنجليزي فى البحر ما قدر يهودى على البقاء فى الأرض المقدسة..
ثم استدرجت الجيوش العربية- وفق خطة دولية ماكرة- بعد ما أعلن اليهود دولتهم، وأعدوا للنزال عدتهم وأقنعوا العالم أنهم قادرون على كسب الحرب! ووقعت المفاجأة وأحيط باليهود! وكادت “تل أبيب” تسقط.. وهنا تدخلت هيئة الأمم المتحدة لتفرض هدنة إجبارية على العالم ربما تجىء النجدات لليهود من أرجاء العالم الصليبى والشيوعى. واستؤنف القتال، وكان الجنود العرب قادرين على محو الدويلة الوليدة، ولكن الساسة العرب ـ وفق خطة موضوعة ـ توقفوا، فاشتغلت مصر بضرب الحركة الإسلامية، وأبى العراق إصدار أوامر لجيشه بالتحرك نحو “تل أبيب” وكان قريبا منها! وأعان الجنرال “جلوب” القائد الإنجليزي فى الجبهة الأردنية على تسليم “اللد” و “الرملة” لليهود. وانطلقت الصيحات فى كل مكان: انهزم العرب! كانت مهزلة سياسية وعسكرية فغر الناس أفواههم مبهوتين بإزائها، ثم توجت هذه المهزلة باعتراف الأمم المتحدة “بإسرائيل”. ثم قال رؤساء الدول الكبرى: إن إسرائيل خلقت لتبقى! ولكى تبقى يجب تغيير البيئة من حولها، فكيف يبقى لليهودية الظافرة كيان وحولها الإسلام؟! أو كيف يبقى للغرباء الهاجمين كيان وحولهم عرب أحرار؟! فلينزف الإسلام دما حتى يموت! ولتوضع أكوام التراب على الحريات حتى تختنق وتتلاشى، ومن يؤدى هذه المهمات الهائلة؟ بعض من حكومات عسكرية يقيمها شبان طائشون. وقامت حول فلسطين الجريح أو حول إسرائيل الغاصبة حكومات عسكرية أعلنت على الإسلام حروب استئصال، وعلى الحريات الدستورية حروب إبادة، ونجحت خلال ربع قرن فى دعم الحكم الفردى والاستبداد السياسى، ونجحت كذلك فى جعل الدعوة إلى الإسلام صيحة ضد القانون السائد!!. وعن طريق حكومات العسكر القائمة هنا وهناك كسبت إسرائيل حربين أخريين!! كسبتهما بداهة فى غيبة الوعى الإسلامى والحريات الإنسانية!!.
واستطاعت أن توسع رقعتها، وتفرض شخصيتها، بل استطاعت أن تكرر أكذوبتها الحقيرة: الجيش اليهودى لا يقهر!.


تصعيد الروح المعنوية قوة ونصر

وعقب هزيمة 1967 كان الجيش المصرى يعانى آلاما هائلة، وكنت مع عشرات من الدعاة نختلط برجاله ونتحدث معهم حديثا ذا شجون. كان الحاج “حافظ سلامة” إمام مسجد الشهداء قد عقد اتفاقا مع الضباط المنبثين فى الجبهة أن يزودهم بخطباء يصلون الجمعة بالجنود، وآخرين يسمرون معهم الليل، ويدرسون معهم فصولا من الجهاد الإسلامى. وكانت السيارات تنقلنا عشرات الأميال لنقوم بهذه الواجبات، ثم تعود لتجمعنا من الفرق التى توزعنا عليها لنبيت فى مسجد الشهداء، أو ليعود بعضنا إلى القاهرة. وبقينا سنين لا نسأم من التحشيد وتصعيد الروح المعنوية، وبين الحين والحين كنت أذهب مع بعض الإخوة لنرى اليهود قابعين على الضفة الشرقية، فتسرى الكآبة فى فؤادى، وأتراجع مخترقا الدور المهدمة ـ وما أكثرها ـ وأقول فى نفسى: لو كان هذا التخريب أثر مقاومة شريفة من بيت إلى بيت ما حزنت، ولكنه عمل قادة صغار ضاعت عقولهم من فرط الإدمان، وضاعت أخلاقهم من فرط التهارش والأثرة..! وكان آخر العهد بهذه الجبهة أوائل سنة 1973، فى ليلة غاب القمر فيها، وتغورت النجوم، وفهمت من الحاج “حافظ سلامة” أن العمل سيكون فى أحد الخنادق أبعد من “الشلوفة” بعدة أميال.. نزلت من السيارة، وتيممت الخندق، وأنا لا أرى شيئا أبدا، وشرع رفاقى ينحدرون بى رويدا رويدا حتى بلغت المكان، وكانت تنبعث منه أضواء خافتة، وتحدثت مع مجموعة من الضباط فى موضوعات كثيرة، وأجبت عن أسئلة مختلفة، ونفست عن بعض الأحزان، وسكنت بعض القلق.. ثم خرجت من تحت الأرض ومشاعرى تغلى، وكان الجنود الذين يصحبوننى يحسون أنى أضع قدمى حيث لا أدرى، وأنى أتعثر فى ليل ليس فيه بصيص نور، وصحراء متماوجة الكثبان.
وبلغت السيارة وعدت إلى القاهرة، والأرض التى خلفتها ملأى برجال نفد صبرهم يريدون إنهاء هذه الحال بأى ثمن!. كنت يومئذ المدير العام للدعوة، وكنت أخطب الجمعة فى مسجد عمرو بن العاص، وفوجئت بدعوة إلى الدروس “الحسنية” فى المغرب مع الشيخ الكبير حسنين مخلوف المفتى الأسبق.. ولم أُلق الدرس الذى كلفت به لأن الدروس كلها ألغيت فى النصف الثانى من شهر رمضان، بعدما بدأت الحرب بين مصر واليهود!. كنا نصغى إلى الأنباء بانتباه حاد، وكلما سمعنا نبأ شاقنا إلى مزيد! وكان أصدقاؤنا يتسمعون الإذاعات الأوروبية ويترجمون لنا آخر ما أعلنته واتفقت المصادر كلها على أن المصريين أقاموا معابر على القناة، وأنهم أخذوا يتدفقون حول خط “بارليف” وأن التكبير يقصف كدوي الرعد من شمال إلى جنوب، وأن الرمال الساكنة تحولت إلى خلايا محمومة لا تسمع منها إلا جؤار الجنود باسم الله. وأخذت مطارق المؤمنين تنهال ببأس شديد على سلسلة الحصون التى شادها النبوغ العسكرى، وبرز فيها آخر الإبداع الأمريكى! فإذا المدافع التى تتحرك من تحت الأرض قاذفة الحمم تتبلد، وإذا البروج المشيدة تندك. والمفزع هذا التكبير الذى لا تنقطع أصداؤه بين حصن وحصن، إن طنينه يصم الآذان. إن المسلمين المقاتلين تحولوا جنا لا يقفهم شىء! ولقد تلاشى الخط المنيع المبنى من أحدث الاستحكامات، أمام هذا السيل الذى يضرب باسم الله ويسحق ما يعترضه..!! قلت لمن حولى: أنا أدرى! إن جنودنا قاتلوا اليوم فقط بطبيعتهم الإسلامية. لقد أصابت القيادة غيبوبة بعد هزيمة سنة 1967، أضعفت قبضتها على كل شئ، وانتهز الضباط المؤمنون الفرصة وأعادوا الوعى الإسلامى إلى أفئدة الرجال، فعادت الصلوات وارتفع الأذان، واستيقظ حب الله وطلب الآخرة والغضب للعار القديم، فإذا هذا الفيضان من الرجال، وهذا الهدير من طلاب الآخرة، وهذا العشق للاستشهاد فى سبيل الله..”
آه لو كانت لأولئك الأبطال قيادة على مستواهم! إذن لبلغوا “الممرات” فى عدة أيام، ولوثبوا منها إلى “العريش “! أتحسبون أن هذه الحركة لو تمت باسم الله ستلقى برودا داخل فلسطين؟ كلا والله إن النساء الفلسطينيات قبل الرجال سيقلن لقادة إسرائيل: إما أن تذهبوا من حيث جئتم وإما جعلنا قبوركم بطون الأمواج..


القيادة حولت النصر إلى هزيمة

إن القيادة كانت دون مستوى الجيش، بل لعلها بوغتت بالنصر العاجل فلم تدر كيف تستغله!! وكان بعض القادة المحليين يعتذرون بأن الأوامر تجئ من القاهرة، وأنهم طولبوا بالتوقف بعدما حطموا الجيش اليهودى فى معركة دبابات من أهم ما سجل تاريخ الحروب. وسمعنا أن هدنة فرضت، وأن مصر قبلتها، ورأيت الشيخ حسنين مخلوف يرسل الدمع من عينيه وهو يغالب أنينه!. لقد انهزمت تسعون سنة فى كيان الرجل المهيب فلم يجد بدا من البكاء، وهو يهمس: هدنة مرة ثانية، أما كفتنا الهدنة الخادعة سنة 1948؟ وأحسست أن الأيدي الخفية تعبث بمصير المسلمين فى الظلام وهم لا يدرون، وشعرت أنى عاجز عن معرفة شئ! ولم نمكث طويلا حتى انكشف المخبوء، ولكى نأخذ بطرف من الحديث الكئيب، نتابع الدكتور “هيثم عبد الكريم” فى مقالاته بصحيفة “الراية القطرية” تحت عنوان “قراءة فى مذكرات كيسنجر” قال: “… قرر كيسنجر تحويل انتصار العرب إلى هزيمة، وتأكيد هذه الهزيمة على أرض المعركة، فى الميدان نفسه! قبل أن تتوصل هيئة الأمم إلى قرار يفرض على المتحاربين إلقاء السلاح والتوجه إلى مائدة المفاوضات..! لابد من إقدار إسرائيل على تحطيم الجيش المصرى، وتمكينها من اختراق صفوفه، وتأمين وجودها غربى قناة السويس، وإتمام حصار الجيش الثالث، وإزالة قواعد الصواريخ المصرية لتصبح الطائرات اليهودية سيدة الجو!
وكم من الخطط والمؤامرات حاكها “كيسنجر” لبلوغ هذا الهدف؟ عندما جاءه “سميحا دينيتز” سفير إسرائيل بالولايات المتحدة يقص عليه نبأ المعركة قال: فلنترك إسرائيل تضرب العرب يوما أو يومين لتؤدبهم، ولتضعهم فى مكانهم الصحيح! وبعد ذلك يمكن أن نتعامل معهم ونفرض عليهم ما نشاء..!! وجاء السفير اليهودى مرة ثانية يقول له: إن الخسائر بلغت خمسمائة دبابة، منها أربعمائة على الجبهة المصرية وحدها، وحوالى خمسين طائرة منها أربع عشرة من طراز الفانتوم، وإن الوضع سيئ جدا، وإن رئيسة الوزراء “جولدا مائير” تنوى المجيء غدا ـ إلى الولايات المتحدة ـ تطلب النجدة! وتنتفض فى قلب وزير خارجية أمريكا يهوديته، ويطلب من السفير إبلاغ “مائير، بالبقاء فى إسرائيل تقود الجيش والشعب حتى لا تهتز ثقته وينهار، وإن كل شيء سيسير على ما يرام ! وسار كل شىء على ما يرام، وتدخلت الولايات المتحدة وأقيم جسر جوى تعبر عليه الأسلحة إلى إسرائيل، واشتركت طائرات الاستطلاع والتجسس الأمريكية فى استكشاف الجبهة المصرية، وتعرف المواقع الضعيفة، وأدركت أن الفرقة المدرعة الحادية والعشرين التى كانت رابضة غرب القناة لحراسة الجيش العابر، تحركت نحو الشرق، فنصبت لها الكمائن وبدأ هجوم يهودى مضاد فى الوقت نفسه، وكان الهجوم مزودا بالأسلحة الأمريكية القادمة على عجل خصوصا الطائرات العمودية المضادة للمدرعات، والمجهزة بتوجيه تلفزيونى.. ويقول كيسنجر ـ وملء فمه الفخر ـ: إن الجسر الجوى السوفيتى الذى كان يمد مصر وسوريا والعراق لمدة أربعة أيام لم يصنع شيئا، فإن الجسر الأمريكى لإسرائيل كان يمدها فى اليوم الواحد بضعف الإمدادات الروسية للدول الثلاث خلال الأيام الأربعة، كانت خمسون طنا من العتاد العسكرى تصل إسرائيل كل ساعة..!!”. وبهذا العون الأمريكى الكثيف انفتحت ثغرة فى الخطوط المصرية انتهت بكارثة كبيرة غيرت الوضع كله!


حرب الانسحاب وحرب الهجوم

قد يقال: وماذا كان بوسع المقاتل المصرى وهو يواجه أقوى دول العالم؟ والإجابة عندى حاضرة إننى أكره التهويل وخداع الأسماء، إن المجاهدين الأفغان يحتقرون الجنود الروس ويصمونهم بأخس النعوت، ويذكرون أنهم ما لاقوهم فى معركة إلا اضطروهم للهرب..! ولولا القصور الهائل فى أسلحتهم ما بقى للروس وجود.. وما يقوله الأفغانيون عن الروس يقوله الفيتناميون عن الأمريكيين، حذوك النعل بالنعل. إن الخلل الذى وقع فى صفوفنا هو الذى حول المعركة عن مسارها..! لماذا لم نتابع الزحف بعد الضربة الأولى المظفرة؟ إن الذى أمر بالتوقف هو الذى أمر بأن تدع الفرقة الحادية والعشرين مكانها إلى الضفة الأخرى، وهو خطأ فاضح! قلت لصديق لى: كيف وقع هذا؟ قال: إن الرئيس “حافظ الأسد” طلب من صديقه أنور السادات معاونة الجبهة السورية بهذا العمل..! ولما كنت ضعيف الخبرة فى هذه الشئون فقد لذت بالصمت، إلا أن هناك ما لا يصمت عليه أبدا، إن حرب الانسحاب لا تقل خطورة عن حرب الهجوم، وعمل الإيمان فيها بعيد المدى.. ولنثبت هذه القصة، بعدما نجح اليهود فى الوثوب إلى الضفة الغربية للقناة، سيروا دباباتهم نحو السويس لاحتلالها ورأى المحافظ أن الاستسلام أولى تجنبا للخسائر الكبيرة، وأعد علما أبيض لرفعه! ولكن الشيخ “حافظ سلامة” إمام مسجد الشهداء صرخ: لن نسلم بلدنا أبدا، سنموت دونها. واحتشد مع إخوانه المدربين على القتال، وساروا على أقدامهم يعترضون الدبابات الزاحفة، ويرمونها بما فى أيديهم من متفجرات.
ومرة أخرى انشقت الحناجر بالتكبير، وصرخ أهل الفداء يطلبون الشهـادة، وتوقفت الدبابات عن المسير، فقد أصيبت فى مقاتلها! ها هى ذى الأولى تحترق، والثانية تتبعها، والثالثة تعطب، إن الصف كله اختل. وتراجع اليهود مذعورين وقد أحسوا أن الزبانية سوف تتخطفهم إن تقدموا، فنكصوا على أعقابهم، ونجت المدينة المعزولة! تحول المسجد إلى غرفة عمليات باهرة، إنه لا يسهر على الدفاع وحسب، وإنما يرسل بالمؤن إلى الجيش الثالث الذى كان مستر “ كيسنجر” قد خطط له أن يموت جوعا وعطشا.. ورأيت مكاتبات من الضباط المعزولين فى الصحراء، يطلبون لجنودهم ما يحتاجون إليه، وقفت المآسى شيئا ما بعد النجدة التى نهض بأعبائها إمام المسجد! والأمر الذى يدعو للدهشة أن صنيع الرجل الشجاع وإخوانه الشهداء أو الذين بقوا أحياء قد أهيل عليه التراب عمدا.. إن أهل السويس يعرفون رجلهم كما يعرفون أبناءهم. وكان جزاؤه السجن والاتهام بالجنون. وتربص به حتى سنحت فرصة فاعتقل بين الرجال الذين أمر باعتقالهم قبيل مصرعه !! ما أخس العقوق والخيانة!! وأترك هذه القصة لأقول رأيى فى هذه الحرب وغيرها: إن القادة الكبار أو الساسة المسئولين كانوا دون مستوى الجيوش التى فرضوا عليها. هذه أضعف كلمة تصف ملكاتهم وقدراتهم النفسية، ولا أحب أن أقول كلمات أقسى أو أصرح.. إن الجمهرة الكبرى من الضباط والجنود كانوا أهلا لكسب أعتى المعارك، ولا تزال مخايل البطولة والفداء تتألق فى شمائلهم، وهم يؤدون واجباتهم بسرور ورضا فى أحرج المواقف.. ولكنهم وقعوا ضحايا ساسة محقورين، ومؤامرات عالمية تريد أن تصف اليهود بالشجاعة البالغة وأن جيشهم لا يقهر، حتى يفقد العرب كل ثقة فى أنفسهم ومستقبلهم.
والمتابع لسير المعارك كلها يعرف أن اليهود كسبوا معاركهم بغير قتال جاد.. وأنهم لما قاتلوا انهزموا وفروا.


محاربة البواعث الديني
ة

كان الساسة ـ أعنى ساستنا ـ يريحونهم من أعباء المعارك ويهيئون لهم الغنائم الباردة! ثم يقال بعد ذلك فى افتراء صفيق: إن الجيش اليهودى لا يقهر..! كانوا يأبون أن يكون للدين ـ أعنى الإسلام ـ أى أثر فى المعركة! وهذا المسلك قرة عين إسرائيل، فهى ببواعث دينية باطنة وظاهرة تحرك أجهزتها المدنية والعسكرية، وتجند الرجال والنساء والشباب والشيوخ، وتستجيش أحقاد الصليبيين على العرب، وتستجمع كل متاح من الأقلام والأفكار وفنون الدعاية كى تنتصر! آما ساستنا فكانوا أمام هذا التحدى الدينى الصارخ، يقولون لشعوبهم: لا دخل للدين فى السياسة، ولا صلة للدين بالحكم ولا بالحرب! بل يصبون الويلات على رأس من يتحدث عن الإسلام وضرورة الولاء له.. ماذا تنشد إسرائيل أكثر من هذا؟ لتلتقى برجال خواء فتحصدهم حصدا؟ قلت: إننى كنت فى المغرب يوم قامت حرب العبور، وكنت أتسمع ترجمات الأنباء من شتى الإذاعات العالمية، إن بعض هذه الإذاعات علق على تجاوب الصحراء بتكبير الجنود الهاجمين قائلا: عادت الهمجية! وهو تعليق تشم منه فتن الضغائن التاريخية علينا.. والغريب أن مفاوضات “فض الاشتباك” كانت تجرى أحيانا أثناء صلاة الجمعة والمفاوضون العرب ذاهلون عن معنى ذلك ومغزاه، أما المفاوضون اليهود فيستحيل أن يقبلوا أى حراك يوم السبت؟! التدين عندنا تهمة وتخلف، أما عندهم فشرف وثقة. وقد تابعت كلمات “كيسنجر” فى مواقف شتى، فرأيت كراهيته للمسلمين تقطر بالعداء البالغ.. يقول فى أسباب سقوط الشاه: “إنه حاول الانطلاق بشعبه نحو الحضارة بسرعة لا تتفق مع تخلفه الشديد! إن الشاه لم يفهم طبيعة أمته الجاهلة!
إن الشعب الإيرانى لا يمكن أن يحكم إلا بالحديد والنار والذل والجوع والقهر، كما كان يفعل والده فى سياسته الناجحة. أما الجديد فهو الذى قاد الشاه إلى السقوط عن عرشه”. يقول الدكتور هيثم عبد الكريم: “إن هذا الأسلوب الذى يتكلم به “كيسنجر” ليس موجها إلى الشاه الذى رحل عن الحياة، إنه إنذار موجه إلى الرؤساء العرب كى يحذروا..” أى كى يضربوا بيد من حديد كل يقظة فى بلادهم.. ولعل هذه النصيحة هى ما قرر نفر من الرؤساء اتباعه لما لجئوا إلى فتح السجون واعتقال الأحرار وقتل طلائع الإيمان..!! إننا مكلفون بالإخلاص لديننا، سواء كفر الناس بأديانهم أم أصروا عليها. فإذا استمسك كل ذى عقيدة بعقيدته، فكيف نكلف وحدنا بترك الإسلام واطراح شعائره واستدبار توجيهاته؟؟ إن صدور هذه الدعوة من فم إنسان لا تعنى فقط أنه مرتد، بل تعنى أنه جاسوس قذر، كلفته المخابرات العالمية للقوى المعادية لنا أن يبث بيننا جراثيم الخذلان والضياع!.




 

 
من فضلك اترك تعليقك..

تذكر بياناتي الشخصية

إعلام بريدي بوجود تعليقات جديدة؟