رابعاً..الاستدلال بمعانٍ خارجة عما تقدم
ساق بعض من ذهب مذهب التحريم وجوها من الاستدلال غير ما تقدم ذكره من الآي والحديث، ودعوى الإجماع، أسوق ذلك بإيجاز مع التعليق عليه بما يناسبه:
الوجه الأولى:
قالوا: أصوات الآلات محرمة؟ لكونها مطرية.
وأقول: الأصل في الطرب: خفة وهزة تثير النفس لفرح أو حزن أو ارتياح، واغلب ما يستعمل اليوم في الارتياح، و (التطريب): ترجيع الصوت وتحسينه، وقيل للمغني: (مطرب) وهو الحسن الصوت والأداء (المعجم الوجيز).
وهذا المعنى مدرك في الغناء والموسيقى لا ينكر، تجد لذلك النفس ارتياحا واتبساطا قد يزيد فيهتز له الإنسان.
لكن اعتباره علة مؤثرة لتحريم أصوات الموسيقى، يوجب أن يكون كل صوت مطرب محرما، صدر من آلة أو من حنجرة إنسان أو طير، كان ذلك بكلام او صوتا مجردا، فإن كان بكلام استوى أن يكون بشعر غزل أو شعر حكمة، بل وبأن يكون بقرآن أو ذكر أو أذان ، وهذا تعليل لا دليل عليه في الكتاب والسنة، بل السنة بينة في دلالتها على مشروعية التغني بالقرآن والأذان.
والأدلة الآذنة بالغناء حتى على قول من يحصره في مناسبات خاصة كالعرس والعيد، دليل على أن أثر الصوت في إطراب السامع لا أثر له في الحكم، إنما يذم من ذلك في العقول ما يخرج عن حد الاعتدال، ويهبط بالكهول إلى التصابي.
الوجه الثاني:
وقالوا: هي من شعار شاربي الخمور والمخنثين، والتشبه بهم حرام.
وأقول: هذا إطلاق فاسد ، وخطأ على الشرع، وتجن على التاريخ.
فنعلم يقينا أن الشريعة أباحت الغناء تأصيلا، وأباحت الدف معه في مناسبات أو مطلقا على الخلاف، وأباحت سواه من الآلات على ما سيأتي بيانه لعدم الناقل، ووقع التغني وضرب الدف في خير مجتمع على وجه الأزض، مجتمع الصحابة، في عهد النبي “ص” وبعده، فكيف يصح إطلاق مثل هذا الوصف؟
ومن ثم فقد عهد الغناء والموسيقى فيمن عرف بالدين، كما كان من شأن إسماعيل بن جامع المغني، و كان في زمن أتباع التابعين (و هو من مشاهير المغنين انظر أخباره في كتاب “الأغاني")، وكما كان من السيدة الفاضلة المغنية علية بنت المهدي أخت الرشيد .. و قد ترجم لها الذهبي في “سير أعلام النبلاء"(10/187) و قال فيها: (شاعرة عارفة بالغناء و الموسيقى، رخيمة الصوت، ذات عفة و تقوى و مناقب) في ترجمة حسنة، وسيد المغنين إسحاق بن إبراهيم الموصلي .. و كان موسيقارا من كبار أهل الفن ، ثقة عالما ، و أديبا بارعا، و لغويا بصيرا، و له كتاب “الأغاني”.. و قد ترجم له “الذهبي” في “سير أعلام النبلاء” (11/118)، و قال عنه أبو الفرج الأصبهاني في “الأغاني” : “ موضعه من العلم، ومكانه من الأدب، ومحله من الرواية، وتقدمة في الشعر، ومنزلته في سائر المحاسن، أشهر من أن يدل عليه
فيها بوصف، وأما الغناء فكان أصغر علومه وأدنى ما يوسم به، و إن كان الغالب عليه وعلى ما كان يحسنه، فإنه كان له في سائر أدواته نظراء وأكفاء، ولم يكن له في هذا نظير” “)، وغيرهم من نبلاء المغنين والمغنيات في التاريخ.
بل وإلى يومنا هذا، فمن يذكر بالغناء والموسيقى لا يجوز تعميم إطلاق هذا الوصف عليه، فليس كل من يتعاطى ذلك يعد في أهل الخمور والفجور، وإنما هذه ملاهي، وأهل الفسق والمعاصي أكثر حظا منها من غيرهم من جهة اللهو، بخلاف حظ أهل الدين والعبادة، غير أن هذا لا يجعل الحلال حراما.
وأما وصف من كان يتعاطى الغناء من الرجال بالتخنث، فهذه صفة جديرة باعتبار منشئها، فصواب أنهم كانوا يسمون المغني من الرجال في صدر الإسلام (مخنثا)، وكذلك قالوا في (طويس المغني) مثلا: (أول من غنى الغناء المتقن من المخنثين) (الأغاني .. لأبي الفرج الأصفهاني (4/219))، وكان في مدينة رسول الله “ص” في عصر لم يزل الصحابة فيه متوافرين، فإن مولده كان يوم وفاة النبي “ص"، فكان الناس يطلقون هذا النعت يؤمئذ على من عرف بالغناء من الرجال.
وهو نعت وجدناه استعمل في عهد النبوة في بعض الأفراد ممن كان في طبائعهم ما يميل بهم إلى الأنوثة، حتى تذهب من أحدهم الرغبة في النساء، ويصدر عنه من التصرفات ليونة ورقة ما يشبه فيه حال المرأة.
ويؤيده الاستعمال اللغوي لهذه المفردة، حيث إنها من التخنث،وهو الاسترخاء والئكسر والتثني، ويكون في الحركة والمشية والكلام، وهو في المرأة طبيعة وخلقة، فمن أشبههن فيه ناله من الوصف بحسبه، وقد يقع طبعا، وهو ضعف، أو تطبعا وهو إثم، لقوله “ص”: “لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال"، وفي أكثر الروايات من قول ابن عباس وغيره: لعن رسول الله “ص”...، بالحديث ليس من لفظ النبي “ص”. وفي رواية من حديث ابن عباس ، قال: لعن النبي “ص” المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء.
فإذا تأملت تاريخ الغناء المحترف قبل عهد ظهور هذا الوصف للمغنين، وجدته معروفا في الجواري والنساء، فكأنه حين كان معهودا فيهن أشبه أن يكون مختصا بهن، فلما صار بعض الرجال إليه، فكأنهم اكتسبوا به صفة من صفاتهن، وحيث كان المشبه لهن يوصف بالخنث، لحق ذلك الوصف من اعتنى به من الرجال، وذلك متصور من أجل ليونة الصوت وحسنه ورقته.
ولم يكن ذلك الوصف مما أوجب عليهم عقوبة أو حدا، وإن كان مشعرا بانتقاصهم عند من أطلقه عليهم، للمعنى الذي ذكزت، ولا يوجب ذما مجرد الاشتراك مع الأنثى في حسن الصوت وجماله ورقته وعذوبته، فما تلك بمعان تستتكر إذا لم تجر على قصد التشبه بالنساء. ثم لما كان ذلك الوصف وقع عرفا، فالعرف يتغير، فجاء من بعد زمان احترف الغناء والموسيقى أو اشتغل بذلك هواية رجال لا يوصفون إلا بالخير، كابن جامع وإسحاق الموصلي من المحترفين، وآل الماجشون وإبراهيم بن سعد من الهواة، جميعا في القرون الفاضلة، ممن ذكروا بالعلم والدين والخلق.
فلا يجوز أن يستعمل ذلك الوصف وكأن مستعمله يستدل بنص من كتاب أو سنة، فما هذا من طرق الاستدلال، ولا مما تثبت به الأحكام، بل هو بالشتيمة التي ينبغي أن تنزه عنها الألسنة أولى وأليق، خصوصا إذا استحضرنا أنه وصف يطلق في زماننا في استعمال بعض العرب على معنى قبيح ويتصل بفعل سوء.
ومن باب هذا الذي بينت خطأ الاستدلال به مسألتان:
الأولى: كره بعض العلماء الدف وبابه للرجال، وقالوا: هو للنساء خاصة، فالضرب به للرجال تشبة بهن، وقد جاء في الحديث: “لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء”.
ومستند هذا القول الأحاديث في وقائع كان ضرب الدف فيها من قبل النساء، وتقذم قريبا السبب في تسمية المغني من الرجال في ذلك العصر (مخنثا)، وأنه لجريان العرف به في النساء، كان مستنكرا حين ظهر في الرجال، لكن العرف يتغير، والتشبه في الفعل الظاهر يذهب أثره حين يزول الاختصاص عن المشبه به، فلو وجدت خصلة في النساء لا تعرف إلا فيهن بحيث أصبحت وصفا مميزا لهن، فيتصف بها رجل، فإنه يناله وصف التشبه الظاهر بهن، فإذا تغير العرف فصار ذلك الوصف مشتركا، فبذلك ينتفي معنى التشبه، إلا في شيء جعلته الشريعة من خصائص كل جنس، كالحرير والذهب للنساء دون الرجال.
والتحقيق: أن الضرب بالدف أو بغيره من الآلات للرجال في الحكم كما هو للنساء وذلك استدلالا بالأصل فى الأشياء، وعدم ورود دليل الاختصاص بالنساء، بل جوازه هو مقتضى دلالة العموم في النصوص، ومن ذلك:
ما حدث به أبو بلج الفزاري، قال: قلت لمحمد بن حاطب:
إني قد تزوجت امرأتين لم يضرب علي بدف، قال: بئسما صنعت، قال رسول الله “ص”: “إن فصل ما بين الحلال والحرام الصوت “ يعني الضرب بالدف (حديث حسن).
فهذا استدلال من الصحابي محمد بن حاطب بعموم قوله “ص”: (الصوت) على الإنكار على أبي بلفج ترك الضرب بالدف في زواجه من امرأتيه، ولا يخلو أن يكون الضرب عليه من نساء أو من رجال، وأدنى ذلك أن يضرب بالدف عليه الرجال، وهو ظاهر السياق هنا، فتأمل فهم أصحاب النبي “ص"، وقارن بتكلف من بعدهم!!
والثانية: زعم بعضهم أن الموسيقى حرام ، لعفة التشبه بالكفار.
ونقول: هذه أظهر في الخطأ من المقالة الأولى، بل هي مقالة من لم يخبر التاريخ، وقد بينت من قبل أن الغناء والمعازف يعرفها الناس العرب وغيرهم منذ الجاهلية، فجاء الإسلام وهي في الناس، ولم تكن تميز أهل ملة من سواهم، ليقال: هي شعار لهؤلاء يعرفون به، فمن تشبه بهم فهو منهم.
وبعضهم تكلم في البوق خاصة؟ لعلة أنه من شعار اليهود.
ونقول: سبحان الله! أي تكلف في الاستدلال هذا!! فإن البوق شعار لليهود في النداء به للعبادة، لا للهو، والمسلمون أغناهم الله عن كل أصناف آلات المعازف في عباداتهم، وهم على ما علمهم نبيهم “ص"، وقد أبدلوا للنداء بالصلاة بشعيرة الأذان، عن بوق اليهود، وناقوس النصارى، ونار المجوس، والحمد لله.
فأين البوق ينفخ فيه للهو في الحفلات من عرس وغيره، من بوق اليهود الذي يدعون به إلى الصلاة؟!! كم بين الغرضين من فارق؟!
الوجه الثالث:
وقال بغضهم: هذا السماع بالآلات أعظم فعلا بأهله من فعل الخمر، فمن حرم الخمر، كيف يدع تحريم ما هو أعظم فتكا بأهله منه؟
ونقول: ما أفسد هذا من قول!! ألا يكفي في ظهور فساده أن الله تعالى لم ينزل في الغناء والموسيقى ما أنزل في الخمر. ولم يتطق نبيه “ص” فيها كما نطق في الخمر؟ ولو سلمنا بأن الشريعة حرمت السماع، فقد اختلف فيه المسلمون، أفيجعل الخمر الذي اتفق المسلمون على تحريمه أدنى درجة مما اختلفوا في تحريمه؟
لقد كان أبعد الناس قولا في المحرمين من عد السماع بالآلات من الكبائر، فضلا عن أن يزيد فى حرمته على حرمة الخمر أم الخبائث.
إن درجات الأحكام إنما تؤخذ من نصوص الكتاب والسنة، والعواطف أمزجة، وكانت عتد السلف من جملة الأهواء.
وغاية ما صار إليه أكثر المحرمين: عد السماع بالآلات من الذنوب الصغائر، كما صرح به غير واحد من المحققين.
قال الماوردي في “الحاوي الكبير 17/192” :"إذا تقرر أحكام الأغاني والملاهي، فإن قيل بتحريمها فهي من الصغائر دون الكبائر، تفتقر إلى الاستغفار، ولا ترد بها الشهادة إلا مع الإصرار، و إن قيل بكراهتها، فهي من الخلاعة، لا تفتقر إلى الاستغفار، ولا ترد بها الشهادة إلا مع الإصرار”
و قال تقي الدين ابن تيمية في مجموع الفتاوي : “الغناء نهي عنه لأنه قد يدعو إلى الزنا، كما حرم النظر الى الأجنبية”