ثالثاً.. مناقشة الاستدلال بالإجماع
ادعى ذلك كثيرون، عامتهم بعد المذاهب الفقهية المشهورة، وللتقليد في ذلك تأثير كبير.
وأقول: صحة الاستدلال بهذا مبنية على مقدمتين:
الأولى: صحة الاستدلال بالإجماع.
والثانية: صحة وقوع الإجماع في هذه المسألة.
وفساد إحداهما فساد للنتيجة على أي تقدير.
أما الأولى، فلا نسلم إمكان وقوع الإجماع على تحريم لشيء كان موجودا في عهد التشريع ولا نص فيه على التحريم، بل من الخطأ تصور ذلك أصلا، إذ عدم النص يعني عدم التحريم، وعدم التحريم يعني الإباحة، فكيف يصح وقوع الإجماع على تحريم ما أقرت الشريعة ضده؟! ومن جهة أخرى، فالإجماع على التحقيق لا يصح وجوده في مسألة لم يثبت حكمها بالضرورة من دين الإسلام، كأركان الإسلام والإيمان، وحرمة الزنا والقتل، فهذا هو الإجماع الصحيح الذي من اأنكر ما ثبت به كفر، لإنكاره معلوما من الذين بالضرورة، وخروجه عن الجماعة باتباعه غير سبيل المؤمنين.
وهذا الإجماع لا يصح ادعاؤه في هذه المسألة، فإنها لم يقم دليل واحد كما تقدم على إثبات التحريم فيها، فكيف يتصور فيها الإجماع؟
وإن أريد به عند مدعيه الإجماع السكوتي، وهو اشتهار القول بالتحريم مع عدم العلم بالمخالف بعد استقراء أقوال المجتهدين، فهذا مختلف في الاحتجاج به، ولا يصح فيه الطعن على المخالف فيه بوجه، لأن الديانة لا تلزم بمثله أساسا، وأما أن يفسق أو يكفر المخالف فيه فتلك من البدع الممقوتة.
وغاية ما يكون عليه اعتبار هذا النوع من الإجماع: أن يستأنس به مع النص، أما أن يحتج به مجردا فلا، وذلك لاحتمالات ، منها:
ا- أن يوجد القول المخالف ولم يطلع عليه مدعي الإجماع، أو لم يحفظ ذلك القول أصلا، إذ لم يتكفل لنا ربنا عز و جل بحفظ جميع أقاويل العلماء، وهذا أمر مدرك ضرورة.
ولهذا كان الإمام أحمد بن حنبل يقول: “ما يدعي فيه الزجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه! ولم ينته إليه، فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، هذه دعوى الأصم وبشر المريسي (و هو بشر بن غياث ، بغدادي، رأس في البدعة مشهور، تكلم بالعظائم في أصول الديانة، مات سنة (218))، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا،أو: لم يبلغني ذلك).
2- أن يسكت المخالف عن إبداء خلافه مع عـلمه بالقول الآخر، لعلة: كخوف، أو مراعاة مصلحة راجحة عنده، أو لغير ذلك.
كما ثبت عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود ، أنه وزفر بن أوس بن الحدثان أتيا عبد الله بن عباس، فأخبرهما بقوله في إبطال العول (العول في مسائل التوريث: هو أن تزيد سهام الميراث على سهام المال) وخلافه لعمر بن الخطاب في ذلك، قال: فقال له زفر: فما منعك يا ابن عباس أن تشير عليه بهذا الرأي؟ قال: هبته (أثر حسن .. أخرجه البيهقي في “السنن” و ابن حزم في “الأحكام").
وقد كان ابن عباس يرى المباهلة في هذه المسألة ، ومع ذلك فيسكت عن إظهار خلافه هيبة لعمر.
فإن تصورت وقوعه من مثل ابن عباس، فهو وارد محتمل من كل عالم مثله أو دونه.
3- أن لا يعلم المجتهد بالقول فينكره أو يوافقه.
4- أن لا يكون قد أنشا رأيا فى المسألة لا وفاقا ولا خلافا، ومعلوم ضرورة أن العالم ربما توقف في المسألة للتردد فيها وعدم ظهور المرجح.
فهذه الاحتمالات وغيرها حائلة دون تصحيح الاحتجاج بهذا النوع من الإجماع، وإنما الفقيه فيه في سعيه أن يأخذ به، وليس بحجة ملزمة في دين الله، إتما الحجة في نصوص الكتاب والسنة.
والإجماع المدعى في حرمة الغناء والمعازف لو سلم وجوده فلا يكون إجماعا حقيقيا، إنما أحسن أحواله أن يكون من النوع الثاني من نوعي الإجماع في كلام أهل الأصول، وهو الإجماع السكوتي، وليس هو بحجة كما تقدم، فتكون بذلك هذه المقدمة التي تعلق بها من تعلق قد هوت، وذلك وحده كاف لإبطال هذا الاستدلال.
لكن أريد ذكر خلل المقدمة الثانية، وهي زعم وقوع الإجماع ولو على أدنى معنييه في تحريم الغناء والموسيقى، أو الموسيقى خاصة، فأقول: ليس ذلك مطابقا للواقع، من ثلاث جهات :
الجهة الأولى: مجيء الأدله بما يثبت ضده، كما تقدم طرف منها في بعض ما ظنه المحرم دليلا على التحريم، فكان دليلا على إثبات الحل في الأصل، وكما سيأتي لاقا في ذكر طرف آخر منها. فإن عرف المتع عن طائفة والسكوت من سائر الأمة، فإن سكوت من سكت جار على الأصل في هذه المسألة، وهو ما ترك النبي “ص” عليه الناس من الإباحة، بمقتضى تلك الأدلة التي سلمت من المعارض، أما أن يحمل ذلك السكوت منهم على موافقة قول المحرم الذي لم يتهض له دليل واحد على التحريم، دون إبقاء سكوتهم على الأصل الذي علموه بمقتضى الأدلة، فهو عكس الأصل.
الجهة الثانية:
أن أكثر من يدير الإجماع هنا يذكره قولا مجملا دون سياق عبارات المجتهدين والفقهاء للنظر في حقيقة دلالتها، أو يخلط بين المختلفات في هذا الباب، فمنهم من جاءت عبارته في الغناء خاصة، ومنهم من جاءت في بعض أنواع الآلات، ومنهم من جاءت عبارته في بعض سماع الصوفية، ومتهم من تكلم في غناء الفساق، وهذه في التحقيق مختلفات بحسب الأغراض، لا يجوز أن تجعل كالعبارة الواحدة في الشيء الواحد، فذلك في نقل العلم محظور منافي للأمانة.
فالقول المجمل في حكاية الإجماع لا يغني في صحة نسبة الاتفاق إلى عامة علماء الأمة، والذي يمثل بإطلاقه علماء الصحابة فمن بعدهم، فإنه من الجائز كذلك أن يكون على ما فهمه مدعي الإجماع عن عباراتهم، كذلك الذي قال: (صح تحريم الغناء عن ابن مسعود، وابن عباس ، وابن عمر، وجابر، وأبي هريرة، وعائشة)، وإذا تأملت حقيقة هذه النسبة على تسليم ثبوت الأسانيد إليهم، وجدتها باطلة، فإن هذا القائل حمل عباراتهم الدلالة على مذهبه، فجزم بنسبة القول بالتحريم لهم، و إنما استفاده من تفسير ابن مسعود - مثلا- لقوله تعالى:(ومن الناس من يشتري لهو الحديث..) الآية.. ، قال: “الغناء"، فزعم هذا الزاعم أن ابن مسعود حرم الغناء، وهكذا في سائر من ذكر من الصحابة، وهذه جرأة في العلم لا تقوم على قدم.
وخذ مثالا اخر في النصوص المأثورة عن بعض أعيان الأئمة، قول الإمام مالك بن أنس:
فعن إسحاق بن عيسى الطباع، قال: سألت مالك بن أنس عما يترخص فيه بعض أهل المدينة من الغناء؟ فقال: “إنما يفعله عتدنا الفساق “.
فقالوا: هذا من مالك تحريم للغناء.
وأقول: هذا إطلاق لا توجبه الصيغة، إنما غايته وصف الواقع المسؤول عنه في المدينة في عهد مالك، وأنه لا يعرف الغناء فيه إلا من عمل الفساق، لينزه أهل الصلاح عن تعاطيه أو إقرار ذلك من حال الفساق، وهذا ليس بتحريم، نعم فيه إتكار مالك لذلك الحال، لأن غناء الفساق لا يخلو من محذور استحقوا به من مالك وصف الفسق، فليس إنكار مالك لذات الغناء، وإنما أنكر غناء الفساق.
ومثاله الآخر قول الإمام أبي عبد الله الشافعي في الغناء في الرجل يغني فيتخذ الغناء صناعته، يؤتى عليه ويأتي له، ويكون منسوبا إليه مشهورا به معروفا، والمرأة: “لا تجوز شهادة واحد متهما، وذلك أنه من اللهو المكروه الذي يشبه الباطل، وأن من صنع هذا كان متسوبا إلى السفه وسقاطة المروءة، ومن رضي بهذا لنفسه كان مستخفا، وإن لم يكن محرما بين التحريم، ولو كان لا ينسب نقسه إليه، وكان إنما يعرف بانه يطرب في الحال فيترنم فيها، ولا يأتي لذلك ولا يؤتى عليه ولا يرضى به، لم يسقط هذا شهادته، وكذلك المرأة”.
وقال في الرجل يتخذ الغلام والجارية المغنيين، وكان يجمع عليهما ويغشى لذلك: “فهذا سفه ترد به شهادته، وهو في الجارية أكثر، من قبل أن فيه سفها ودياثة، وإن كان لا يجمع عليهما ولا يغشى لهما كرهت ذلك له، ولم يكن فيه ما ترد به شهادته”.
وقال: “وهكذا الرجل يغشى بيوت الغناء، ويغشاه المغنون، إن كان لذلك مدمنا، وكان لذلك مدمنا،و كان لذلك مستعلنا عليه مشهودا عليه، فهي بمنزلة سفه ترد بها شهادته، وإن كان ذلك يقل منه لم ترد به شهادته، لما وصفت من أن ذلك ليس بحرام بين، فأما استماع الحداء ونشيد الأغراب فلا بأس به قل أو كثر، وكذلك استماع الشعر”.
قال: “فالحداء مثل الكلام والحديث المحسن باللفظ، وإذا كان هذا هكذا في الشعر كان تحسين الصوت بذكر الله والقرآن أولى أن يكون محبوبا) ( كتاب “الأم” للشافعي).
قلت: فهذا قول الشافعي إنما هو في الغناء كما ترى، ولم يتكلم عن الموسيقى في أثنائه بشيئ، وله فيها مفردات قليلة منثورة يأتي ذكرها لاحقا، ليس فيها ما يبين عنه التحريم صراحة.
وهذا النص الذي ذكرت عن الشافعي في الغناء أكثر الذاهبين إلى التحريم يذكرونه عنه مبتورا، فلا يكادون يذكرون قوله: “وإن لم يكن محرما بين التحريم"، وقوله:"ليس بحرام بين”.
على أن الأمر كما نبهت قبل أن أكثر ما يذكر من كلام العلماء في ذلك إنما هو في الغناء، لا تكاد تجد لهم كلاما في المعازف سوى الدف والطبل في الغالب، فكيف يستقيم مع ذلك حكاية الإجماع عنهم في التحريم؟
وما روي من آثار عن بعض السلف من التابعين فمن بعدهم في إتلاف آلات المعازف، وأكثره في خزق الدفوف، فإنه غير متلازم مع القول بالتحريم من جميعهم، إنما يتخرج على صورتين:
الأولى: أن يكون الفاعل للإتلاف أو المرخص فيه يذهب إلى التحريم.
والثانية: أن يكون من باب إتلاف آلة الفساد عقوبة لأجل الفساد، وهذا أمر لا ننارع في صحته، فان إتلاف الآلة عقوبة على ما تتخذ لأجله من المنكر صحيح في البراهين وإن كانت الآلة مباحة في ذاتها، وأصل ذلك مقرر في موضعه.
وهكذا ترى لجميع عباراتهم المنقولة وجوها من المعاني غير استفادة التحريم منها، ليقول القائل من بعد: قد أجمعوا.
الجهة الثالثة:
المخالف موجود في القديم والحديث.
أما في القديم، فشهرته عن أهل الحجاز لا تحتاج إلى كثير استدلال ، نقله عنهم خلق كثير من العلماء، كالزهري حين قال :
“ ينبغي للناس أن يدعوا من حديث أهل المدينة حديثين، ومن حديث أهل مكة حديثين، ومن حديث أهل العراق حديثين، ومن حديث أهل الشام حديثين، فأما حديثا أهل المدينة فالسماع والقيان، وذكر سائر الخبر.” (أخرجه بن عساكر بإسناد حسن)
والأوزاعي .. حين قال :
“نجتنب- أو نترك- من قول أهل العراق خمسا، ومن قول أهل الحجاز خمسا، فذكرها وفيما قال: ومن قول أهل الحجاز: استماع الملاهي.” (أخرجه الحاكم في “معرفة علوم الحديث “ (ص: 65) والبيهقي في “الكبرى” (10/211) وابن عساكر في “تاريخه” (54/58,59) بإسناد صالح إلى الأوزاعي)
ومعمر بن راشد حين قال:
“ لو أن رجلا أخذ بقول أهل المدينة في السماع- يعني الغناء-، واتيان النساء في أدبارهن، وبقول أهل مكة في المتعة والصرف، وبقول أهل الكوفة في المسكر، كان شر عباد الله.” (أخرجه الخلاد في “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” (رقم: 170) بإسناد حسنن عن معمر بن راشد)
ويحيى القطان إذ يقول:
“ لو أن رجلا عمل بكل رخصة: بقول أهل الكوفه في النبيذ، وأهل المدينة في السماع- يعني الغناء-، وأهل مكة في المتعة، كان به فاسقا.” (أخرجه أحمد في “مسائله” (رقم: 1875- رواية ابنه عبد الله)) هؤلاء ممن أتكره عليهم، و غيرهم.
ثم شهرة ذلك في مسائل الخلاف أظهر من أن تفضل، فلم يزل العلماء يصنفون فيها على اختلاف مذاهبهم، وطائفة ممن ذهبوا إلى التحريم لم يمنعهم الإتصاف من الإقرار بأنها من مسائل الخلاف.
نعم، هناك من يستخف بالمخالف فيقول: إنما خالف في ذلك من لا يعتد برأيه!!
وهذا القول زيادة على ما فيه من الاستخفاف، فإته لم يجعل الحكم في الاختلاف الدليل من الكتاب والسنة، فإن اللائق بمقام العلماء الذين لا يكاد يسلم أحد منهم من خطا يؤخذ عليه أن يعتذر عن مخطئهم الذي قد ثبت خطؤه بالبرهان، لا بموافقة قلة أو كثرة.
والله عز و جل يقولفإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تاويلا) النساء 59
و إذا عدنا بما نختلف فيه إلى المختلفين فلن يتبين الحق ولن يعرف الهدى، ويصير الإنسان متقلبا بين الآراء، لا ضابط له يضبطه، بل هو بين جلالة الشيخ مرة، وكثرة القائلين بالقول أخرى، ورؤيا منام تارة، واستفت قلبك وإن أفتوك تارة أخرى.
والمقصود هنا الإبانة عن بطلان دعوى الإجماع على تحريم الغناء والموسيقى، وقد صنف القاضي محمد بن علي الشوكاني اليماني في ذلك كتابا رأيته سماه: “إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع “.
واعلم أ"ني مع إثباتي للخلاف في هذه المسألة، فإني لا أقول ببناء حكم ما في أي مسألة على وجود الخلاف فيها، كما تسلكه طائفة فتجعل من الاختلاف رخصة في الأمر المختلف فيه، فالنزاع لا يهدي إلى الصواب فيه إلا الوحي، كما أمر الله تعالى بذلك، ثم لنقبل التتيجة مهما كانت، مع الإيمان المطلق بانه تعالى لم يجعل علينا في الدين من حرح، وذلك في عموم شرائع الإسلام، ومنها الحلال والحرام، كما قال سبحانه:"و ما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج: 78،. وو لنا حديث لاحقا عن مذاهب السلف في هذه القضية، فسترى ما يؤكد لك ما ذكرت في هذا المبحث.