عوائق مزعومة أمام الإسلام
صلة أوروبا بالإسلام قديمة، لعلها بدأت منذ بدأ، لكنها صلة مصبوغة بالدم، ملفوفة بالضغائن، وهذا ما نأسف، ونكره بقاءه. من المسئول عن هذا التاريخ الكالح؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل تختلف اختلافًا كبيرًا.صور أبعدت الأوربي عن الإسلامومع ذلك فإن الإسلام بعيد عن الأوربيين، تصدهم عنه –كما قرأت- أسباب ثلاثة، هي: قسوة أحكامه ، موقفه من تحريم الربا ، و موقفه من المرأة ونظام الأسرة.وأريد هنا تسجيل بعض الحقائق عن هذه الأسباب الثلاثة..
قسوة أحكام الشريعة بزعمهم
يقولون أحكام الإسلام قاسية، فما الموقف إذا كانت هذه الأحكام هي ما لدى اليهود والنصارى في الكتاب المقدس؟ سيقولون: لقد تركنا رجم الزناة مع وجوده في التوراة لأنه قاس عنيف، وتركنا القصاص كذلك نفسًا بنفس وعينًا بعين، لأن تنفيذ ذلك أمر مخيف!. ولا أريد أن أقول: لا تذموا الإسلام بأمر هو في كتابكم المقدس، وإنما أريد أن أتساءل: ماذا كسبتم من جحد القصاص وإلغاء عقوبة الإعدام؟ إنكم خدمتم المجرمين وأشعتم العدوان في أقبح صوره! قرأت هذا الخبر الآتي من “لندن” تحت عنوان “السجن مدى الحياة لثلاثة بريطانيين مزقوا ضحيتهم إلى شرائح”. استدرج رجال ثلاثة، وهم حفار قبور، وبواب، وعامل، ضحيتهم إلى منزل أحدهم لسرقته وبعد ضربه على رأسه بمدية، قطعوا الجسد إلى شرائح باستخدام سكين كهربائي يعين على تمزيق اللحم، بينما كان المسكين لا يزال حيا (!) ثم نثروا اللحم الممزع في منطقة قريبة لإلقاء القمامة وتنبه الجيران عندما رأوا دماء الضحية تنساب من أبواب المنزل، كما أبلغت سيدة الشرطة، أن القتلة دعوها إلى تناول بعض اللحم الطازج (!) وظلت محاكمة القتلة شهرين، وقد تأجلت في إحدى الجلسات عندما شعر المحلفون بالغثيان بعد أن رأوا الصور الملتقطة للأشلاء –التي كانت سابقًا رجلا يحيا لنفسه وأهله. بماذا جوزي المجرمون؟ بالسجن يأكلون ويسكرون ما بقوا أحياء!! إن قتل هؤلاء عيب يوصم به الإسلام، ويصد عن الدخول فيه!!* وننتقل من أوربا إلى أمريكا، حيث حكم القاضي في مدينة “أطلانطا” بالسجن مدى الحياة على مجرم متهم بقتل ثمانية وعشرين شابًا من الزنوج صرعهم واحدًا بعد الآخر خلال عام تقريبًا.. قالت صحيفة الراية القطرية: إن موجة القتل توقفت بعد اعتقال المتهم، كما انتهى الرعب الذي كان يسود المدينة، وعلى الدولة أن تطعم هذا المجرم كذلك حتى يموت حتف أنفه لأن القصاص عيب، والإسلام يؤكد هذا العيب! ومن ثم فلا يجوز أن ندخل فيه! أهذا ما يرضي آباء الكنيسة؟!يوم يكون الخطأ زلة قدم لم تألف العوج، أو انهيارًا مباغتًا في الإرادة الإنسانية وهي تنشد الخير، فإن الإسلام يقف مع العاثر حتى ينهض ومع المنهار حتى يثبت، والشروط التي وضعها لإقامة الحدود والقصاص تؤكد هذه الحقيقة. أما تحوّل الرذيلة إلى عمل معتاد لا حياء في مواقعته، فإن ذلك ما تنهض السلطة في الإسلام لمقاومته بالرجم أو الجلد، ولست أتصور فاحشة ترتكب أمام أعين أربعة من الرجال إلا أنها مسلك دابة هائجة في إحدى الغابات أو أحد الأجران!! كيف تستغرب الصرامة في منع هذا البلاء؟* إن الحد تسقطه شبهة!!.. وقد تسقطه –في بعض المذاهب- التوبة، والقضاء بصير بمواضع العنف واللطف، والمهم صوت المجتمع من استقرار الفساد والجرأة على المحرمات.! أما القصاص فهو مشروع للإحياء لا للإماتة، وإبطال القصاص ذريعة للمزيد من سفك الدماء وإهدار حق الحياة، ونشر القلق في كل ناحية. والغريب أن الاستعمار الثقافي جعل بعض المسلمين المعاصرين يستحي من شرائع الحدود والقصاص، ويريد أن تكون دار الإسلام مرقصًا عامًا تنمو فيه الدنايا، أو مسرحًا يجد فيه المتوحشون فرصًا شتى للاغتيال والاعتداء كما حكينا عن بعض العواصم..! هذه ملاحظة خاطفة عن صرامة العقوبات الإسلامية التي يقال: إنها تصد الناس عن الإسلام، أو التي زعمها المبشرون مآخذ على الإسلام..!
2 - قضايا الرِّبَــا
أما قضية الربا فإن الكلام فيها يشبه ما سبق، هل الربا حلال في التوراة والإنجيل؟ كلا، إن الإسلام لم يبتدع تحريم الربا، وإنما جدد الحرمة النازلة في الوحي القديم! واليهود والنصارى يعلمون أن الربا مستقبح، ولكن اليهود استبقوا قباحته فيما يدور بينهم من معاملات، وأطلقوا العنان لأنفسهم في أكل أموال الناس بالباطل. وقد انساق النصارى في هذا الانحراف، فاستباحوا الربا بعدما كان بينهم محظورًا، ثم زال كل استنكار له على مرِّ الأيام وأصبح اليوم من أركان الاقتصاد العالمي، واختفى تمام الاختفاء معنى الإثم فيه..! عندما ساعدت دول أوربا “"بولندا" وأمدتها بقروض ضخمة، ظننت أن ذلك تراحم أملاه الإخاء المسيحي، فإن في بولندا جمهورًا يتشبث بدينه ويلتف حول كنيسته، وينحرف عن الشيوعية الحاكمة. ولا ننسى أن بابا الفاتيكان بولندي الموطن! ويظهر أني كنت مخطئًا، فإن الغرب كان يتعامل بالربا مع الشعب المحتاج إلى العون..وأي ربا؟ يقول السيد محمود سيف الدين في مجلة “الاقتصاد الإسلامي”: “إن بولندا تقترب من كارثة مروعة بعدما عجزت عن تسديد (500 مليون دولار أمريكي) قيمة الفوائد المستحقة عن ديونها لعام 1981 وحده. واضطرت إلى اقتراض 350 مليون دولار أمريكي لتستطيع أداء الفوائد المطلوبة عن هذا العام التعيس..!” وقد صرّح أحد المصرفيين الإنكليزيين الدائنين بأنه يفضل احتلال الروس لبولندا ليقوم الضامنون الروس بدفع الفوائد المستحقة!. والمعنى واضح في هذا الكلام، المال أهم من الدين، ومن حرية الشعب البولندي، والغريب أن أحدًا من الكاثوليك لم يحاول تذكير رجال السياسة والاقتصاد الغربيين بأن الربا حرام!، فإن هذه الحرمة قد تلاشت من الأذهان تلاشيًا تامًا!، ورجال الكنيسة مشغولون بمحو الإسلام في أفريقية وآسيا، ولا وقت لديهم للتفكير في حلال أو حرام.* إن المسلمين كانوا ومازالوا يرون الربا من أخبث المعاصي، والضمير الديني عندنا –برغم ما أصاب الإسلام من هزائم- باق على رفضه للربا، قل أو كثر.. لكن الوقف السلبي في عالم متحرك لا يجدي فتيلا، وسيقع الناس في الحرام إن لم نيسر لهم الحلال، وندفعهم في طريقه دفعًا.. وقد كان حقا على المسلمين أن يقدموا المعاملات البديلة عن الربويات، ويقيموا لها مؤسسات شامخة. وأيًا كان الأمر، فقد استفاقوا متأخرين، وبدأت مصارف إسلامية تعمل عملها هنا وهناك. وبعض الناس يتصور أن التجربة سوف تولد عملاقة، وهذا خطأ، فبين النظرية والتطبيق مسافة لا يطويها إلا الزمن. وبعض آخر يريد الارتباط بكل قول ورد، وهذا أيضًا خطأ، فإن الإسلام في ميدان العبادات منشئ مبدع –كما قال ابن القيم- أما في ميدان المعاملات فهو مصلح لا مخترع وحسبه أن يقي الناس رذائل الغبن والتغرير والاستغلال الرديء. وعندما تنجح مشروعاتنا في ضمان الربح الحلال، وتنقية المكاسب من الربا، فسوف نغير الاقتصاد العالمي كله، ومن ثم فإني أناشد المتربصين والناقمين لأمور صغيرة أن يتقوا الله في هذه المصارف الإسلامية الناشئة، وأن يدعموها حتى تنجح وتؤتي ثمارها..
3 - المرأة والأسرة في الإسلام
بقي – مما يريب أوربا من الإسلام- أمر المرأة! فقد زعم الزاعمون أن الإسلام يهينها وينتقص إنسانيتها، والحق أن تعاليم الإسلام المستفادة من كتابه وسنة رسوله وتطبيق السلف الأول لا يمكن أن ترفضها الغربيات الواعيات. حتى تعدد الزوجات! فإني رأيت في حديث بعض النسوة الألمانيات أن التعدد أفضل وأشرف من المخادنة، وكاد الألمان في أعقاب الحرب العالمية الثانية يصدرون تشريعات تبيح التعدد لمعالجة الزيادة الهائلة في عدد النساء! غير أن الكنيسة تدخلت معترضة فوقف التشريع!. والنساء العاقلات يرين أن كفالة الآباء والأزواج للمرأة أفضل وأشرف من مطالبتها بالإنفاق على نفسها منذ أن تبلغ سن النضج، أو بعد ذلك! إن المرأة تتعرض لبلاء مثير في طلبها للرزق، وانطلاقها للكدح في أرجاء الأرض..! وما ركبت طائرة يومًا إلا ونظرت للفتيان العاملات نظرة أسف، وقلت في نفسي: لماذا لا يخدمنا رجال بدل هؤلاء الفتيات؟ إنهن يقمن بعمل شاق، ويتنقلن بين العواصم المتباعدة، ويبتن بعيدًا عن أهلهن!، إن اختيار النساء لهذه الأعمال ليس دلالة إنسانية، بل هو أقرب إلى المسالك الحيوانية، وإن حملن اسم “مضيفات”. إن الإسلام يعلو بالمرأة فوق هذا المستوى! بيد أن نساء كثيرات يفزعن من “التقاليد الإسلامية” التي يسمعن عنها، أو يعرفن نماذج لها في شتى الأقطار الإسلامية..ولست أدافع عن هذه التقاليد أو أرتضيها! إن كل امرأة تتبع دينًا من الأديان يتاح لها أن تذهب إلى معبدها، أما المرأة المسلمة وحدها فمحظور عليها أن تدخل المسجد، لأن التقاليد فرضت عليها ألا تشارك في جماعة! وعشرات الألوف، بل مئات الألوف من المساجد لا يلمح فيها شبح امرأة في القرى والمدن! كيف وقع هذا، مع أن الصحابيات ما انقطعن عن المسجد النبوي يومًا، ولا خلت صفوف النساء منهن على عهد النبوة والخلافة الراشدة. إن الإسلام شيء، واتجاهات الناس في معاملة المرأة شيء آخر، ولا ريب أن ذلك يسيء إلى الإسلام، ولعله يوقف رسالته في هذا العصر!* كنت أقرأ في حياة “أسامة بن منقذ” وهو شاب صاحب بطولات باهرة في قتال الصليبيين وعصابات الحشاشين وفرق الباطنية التي ظهرت في القرن الخامس الهجري، ويبدو من سيرته أنه صاحب مغامرات وبأس، وكان لأسرته حصن في ضواحي “حماة” يأوون إليه ويحتمون به. خرج أسامة هذا في إحدى المعارك وتغيّب عن الحصن طويلا تاركًا أمه وأخته، فماذا حدث بعده؟ فرقت الأم السيوف على المقاتلين الذين انبثوا بعيدًا للدفاع، ثم جاءت الأخت وأمرتها أن ترتدي ملابسها، ثم أجلستها في شرفة تطل على واد سحيق! وأخذت الأم مكانها قريبًا من الباب ترقب الموقف وتنظر ما يكون! وعاد أسامة إلى الحصن بعدما أدى واجبه، ومد بصره ليرى أسلحته فلم يجدها فقال لأمه: أين السيوف؟ قالت: أعطيتها من يقاتل عنا، وما ظننتك سالمًا! ورمق أخته جالسة على شفا الوادي، فتساءل: أختي، أي شيء تفعل هنا؟ قالت الأم: أجلستها في الشرفة، وجلست بمرأى منها حتى إذا وصل العدو إلينا دفعت بها في أعماق الوادي، لأن تموت خير من أن تقع أسيرة بين هؤلاء الكفار، قال أسامة بن منقذ: فشكرت أمي على حسن تصرفها، وتقدمت الأخت إلى أمها بالشكر قائلة لها: جزاك الله خيرًا..!! غصت في لجة من الذكريات وأنا أطالع هذه القصة، الأم تريد إراحة نفسها وابنتها والأسرة من عار الأسر بالموت في هاوية سحيقة، والابن يشكر، والبنت توافق راضية! وتذكرت قول الشاعر: تبغي حياتي وأبغي موتها شفقًا والموت أكرم نزال على الحرم!! هذه مكانة الشرف في حياتنا وتاريخنا، وهي مكانة ينبغي أن نحافظ عليها، لكن لماذا لم تدرب هذه الأخت النبيلة على الكفاح لتكون كصفية بنت عبدالمطلب التي نزلت من الحصن وقتلت يهوديًا كان يطيف به، وتركت تجريده من سلاحه لحسان بن ثابت، لأنها استحت من تجريد رجل قتيل!! إن المرأة ينبغي أن تجيد القتال دفاعًا عن الأرض والعرض والدين والدنيا!!. إننا أهملنا ذلك كما أهملنا ربطها بشعائر المسجد!! ولست أدعو إلى تجنيد النساء، وإن فعل ذلك الآن بنو إسرائيل استعدادًا ليوم ما معنا! فإن الألوف المؤلفة من الرجال لم تؤد هذا الواجب بعد، وإنما ألفت النظر إلى تفاوت بين ديننا وحياتنا، وربما يؤثر في مسيرته أو ينال من دعوته، أو يجعل البعض يتهم الإسلام باحتقار المرأة.